قلت في نهاية مقالي الثاني عن رواية الرائد عبد العظيم سرور عن مذبحة بيت الضيافة أنه سيلقي عنتاً كبيراً في إثبات نظريته عن ازدواجية القتل في بيت الضيف. ونعني بذلك قوله إن القتل تم شراكة بين بعض رفاقنا من الضباط الشيوعيين (وأحمد جبارة والحاردلو بأمر اب شيبة) وضباط "القوة الثالثة" التي قلنا إنها أرادت القضاء على 19 يوليو وزمرة نميري معاً. فستجد أنه أسقط بالكلية هذه الرواية للدور الأول. وجاء بخبر مختلف حمّل فيها رفاقنا وزر القتل بغير أن يتطرق لدور القوة الثالثة فيه. وبهذا الخبر المختلف جدا عرض عبد العظيم روايته لمطعن جذري سيجعل تصديقها صعباً متى عاد لها في الدور الثالث كما سنرى.

كان الدور الثاني لرواية عبد العظيم عوض لمذبحة بيت الضيافة في كتابه "حركة 19 يوليو 1971: يوليو التحضير، التنفيذ، الهزيمة" في 2015. وفيه عرض لا لمذبحة بيت الضيافة ودور ضباط شيوعيين فيها فحسب بل لمذابح أخرى بحق معتقلين آخرين في كل من القصر الجمهوري ومبني الأمن صدر الأمر بها ولم تتم، حمداً لله،. فقال إنه بعد الهجوم على القصر من قبل قوات المدرعات المناوئة لانقلاب 19 يونيو في ما بعد ظهر 22 يوليو أمر المقدم عثمان حاج حسين أب شيبة الملازم محمد خاطر، المسؤول عن حراسة أعضاء مجلس انقلاب 25 مايو بالقصر الجمهوري، أن ينقل أولئك الأعضاء إلى مباني الحرس الجمهوري شرقي القصر بأسرع ما يمكن. ولما تأخر وصولهم عاود أب شيبة الاتصال بخاطر فلم يتلق رداً. وتلقى عبد العظيم امراً من أب شيبة بترك موقعه في بوابة القصر الشرقية ليستطلع الموقف في القصر، ويأتي بالمعتقلين للحرس الجمهوري. وإن تعذر ذلك فعليه تصفيتم جسدياً.

ولكن واجهت تحرك عبد العظيم وجنوده نيران اضطر معها للعودة إلى أب شيبة لينقل له صعوبة الوصول إلى القصر عن طريقهم ذاك. وقال عبد العظيم إنه قرر أن يسلك شارع النيل. ولم يذكر إن كان ذلك قراره كفاحاً أم أنها تعليمات أب شيبة الذي سبق أن عاد خصيصاً ليخبره بتعذر دخول القصر بالطريق الذي اختاره. ووجد الطريق الجديد الذي اختاره محروساً بدبابتين عدائيتين. وعاد ليخطر أب شيبة بهذه الصعوبة الأخرى. فتباحث معه وتذكرا خلال ذلك أن بأسلحة الحرس الجمهوري مدافع بوسعها ملاقاة الدبابات. غير أنهم لم يجدوا قذائف تلك المدافع حين حصلوا عليها. فساد قلق بعد علمهم أن القصر محاصر بثمان دبابات من جهاته. واتصل قذف الانقلاب المناوئ للقصر. وقال عبد العظيم إن أب شيبة ظل يتصرف بهدوء في هذا الحصار ويحث جنوده على الصمود. وكانت اتصالاته بهاشم وبقية القادة تقطعت. ومتى نجح في اتصال كانت الإجابات التي تلقاها إجابات ممن "لم يُقصد بها سوى التضليل" بمعنى أنه ربما سيطرت على شبكة الاتصالات جهة معادية لانقلاب 19 يوليو.

وهناك قرر عبد العظيم أن يتصرف مستقلاً بغير الرجوع إلى أب شيبة في ذلك الظرف الحرج. فاستخدم مدرعة استجمع لها طاقمها بصعوبة والتحم مع بعض دبابات الحصار. وكانت عزيمته أن يأتي بنميري وزمرته إلى الحرس الجمهوري مهما كلفه ذلك كبادرة مضيئة في شرط الهزيمة الذي حل بهم. ونشأ ظرف غير مُدْرك لعبد العظيم غادرت به الدبابات المعادية موقعها مما مكن عبد العظيم من دخول القصر ليجد غرفه خالية من معتقليها من قادة انقلاب 25 مايو. فسأل الرقيب على الجضيل من الحرس عن جلية الأمر. فقال له إن خاطر هرّبهم قفزاً من على السور الغربي. ولما عاد عبد العظيم لأب شيبة سأله متلهفاً عما حدث. فأخبره بهروب نميري. وسأل عن خاطر. فقال عبد العظيم له إنه هو الذي هربهم. وترك أب شيبة يمزق مجموعة من الأوراق.

قال عبد العظيم إن الوقت آنذاك كان نحو السابعة حين خرج من مكتب أب شيبة لينظم الدفاع في الجهة الشرقية. ولم يذكر إن كان أمره بذلك أب شيبة الذي صار في تمزيق الأوراق استعداداً لما بعد الهزيمة. ورأي عبد العظيم من حوله في حالة انسحاب من المعركة. فسأل أحد الفارين عما ما كان يجري بمنطقة الحرس. فقال الفار إن أب شيبة والضباط في منطقة الحرس والمكاتب وأن جنوداً يرتدون قبعات حمراء (مظلات) يتدفقون عبر الحديقة من الناحية الجنوبية.

ثم واصل عبد العظيم مشاهدة هروب ضباط منهم بملابس مدنية. ثم استدعاه أب شيبة لمكتبه في حضور الملازم أحمد جبارة ليخطره بأنه تم القضاء على معتقلي بيت الضيافة، وأن عليه أن يصدر أمراً للملازم العماس بالقضاء على من كان يحرسهم من الضباط المعتقلين بجهاز الأمن القومي. وهنا قال عبد العظيم: "فترددت قليلاً وتساءلت في سري لماذا لا يصدر الأمر بنفسه. وبرغم عدم اقتناعي بالفكرة وكرهي لها تناولت سماعة التلفون. وسألت عن الرقم فأملاه عليّ. اتصلت بالملازم العماس الذي سألني بانزعاج شديد عن الموقف فحاولت أن اطمئنه. وقلت له إننا الآن نتصدى لقوات تهاجم القصر، وأننا في موقف أفضل. ثم قلت له إن المقدم أب شيبة يأمره بتصفية الضباط المعتقلين تحت حراسته جسدياً. وقد بدا لي العماس متردداً وأخطرني بأن قتالاً شرساً يدور في القيادة العامة. كررت له الأمر بالقضاء على الضباط المعتقلين. وأنهيت حديثي معه وعدت إلى موقعي". وحلت لحظتها حقيقة الهزيمة على عبد العظيم. فصرف جنده القليلين، وجلس على الرصيف واضعاً شنطته وسلاحه بجانبه وراح في تفكير عميق. وجالت برأسه أفكار الخروج من محنته ومنها الانتحار حتى تم اعتقاله.


أبدأ أولاً بملاحظة أن عبد العظيم لم يتطرق في روايته في كتابه لدور أحمد جبارة كما جاء في نصوصه مع المرحوم ماجد بوب أي في مقال "قضايا سودانية" لعام 2000، ومقابلته معه، ومسودة الكتاب موضوع نظرنا هنا. ولا مندوحة من التذكير أننا استفدنا هذه الرواية من تعليق بوب على عبد العظيم ولم يتوافر لنا مدخل مستقل لها. وقال عبد العظيم في هذه الرواية إنه التقي بأحمد جبارة مرتين: مرة في طريقه لبيت الضيافة وثانية بعد أن قضى على من فيها بإشارة منه مرر فيها حد كفه على رقبته في معنى الموت. وهكذا صح نقل ماجد بوب عن عبد العظيم لأن عبد العظيم عاد يروي عن لقاء الإشارات بأحمد جبارة في فيديو اليوتيوب في الدور الثالث من روايته
استوقفتني مسائل في رواية عبد العظيم في دورها الثاني ناظراً إلى محتواها في ما يسمى نقد النص:
1-قال إنه سمع لأول مرة بمقتل ضحايا بيت الضيافة من أب شيبة، وفي مكتبه بالحرس، وفي حضور أحمد جبارة. فقال له أب شيبة هناك إنهما قد قضيا على معتقلي بيت الضيافة. ولا يتفق هذا مع روايته الأخرى التي قال فيها إنه عرف بمقتلة بيت الضيافة من أحمد جبارة بإشارته بحرف يده للعنق عندما التقى به خارج مكاتب الحرس.

2-ولمّا لم يتطرق عبد العظيم في كتابه لواقعة لقاء الإشارات المُنذرة الخَطرة مع أحمد جبارة أسقط بالكلية نظرية "القتل المزدوج" التي جاءت في نصه عن المذبحة في 2000. وهي النظرية التي نبه ماجد بوب إلى صعوبة إثباتها كما مر. وسنرى متاعب عبد العظيم معها حين نأتي للدور الثالث من رواياته في فديو اليوتيوب.

3-استوقفني في رواية عبد العظيم في كتابه استنكاره تبليغ العماس أن يقتل المعتقلين بمبنى الأمن. فقال إنه استنكر في قرارة نفسه أن يكلفه أب شيبة بالأمر ويعفي نفسه منه. وهذه ليست من شيمة الجيش بالطبع. فالرتبة الصغرى تؤمر لتبلغ الأمر إلى الجهة المأمورة وكأنه من الرتبة العليا صاحبة الأمر في أوله. ولم أجد عبد العظيم يستنكر أمراً له هو نفسه بأن يمضي للقصر، وأن يأتي بأعضاء مجلس انقلاب نميري المعتقلين، وأن يقتلهم لو تعذر ترحيلهم. وهو أمر إدا في المصطلح القرآني. ونفذ عبد العظيم الأمر بحذافيره، بل وأبدع فيه، وخاض لأجله معركة كادت تودي بحياته وإن أودت بحياة بعض صف الضباط. وبلغ في خوضه العاثر إلى القصر بعد تغلب الخصم عليهم بصورة واضحة. ووجد غرفه خالية من معتقليها. ويبقى السؤال: لماذا استنكر أمر القتل من رتبة عليا بواسطته لرتبة صغرى مثله بينما حمل هو نفسه أمراً مضمناً القتل إلى غاياته القصوى؟
وجاء عبد العظيم في لقاء اليوتيوب (أي في الدور الثالث من روايته لمذبحة بيت الضيافة) بتفسير ما لاختيار أب شيبة له دونه أو غيره لينقل للعماس أمر قتل من في حراسته من الضباط بالأمن القومي. فكان سأله المحاور، عدلان عبد العزيز، عن سبب اختياره لذلك الاتصال وهو له كاره. ولكن سارع عدلان (كما لا يجب) برأس إجابة بنى عليها عبد العظيم رده. قال له عدلان، دون أن ينتظر عبد العظيم ليجيب، إن ذلك لربما أنه هو الذي جند العماس للحزب في الكلية الحربية كما جاء في كتابه. فوافق عبد العظيم وزاد بأن العماس كان جاء صبيحة الانقلاب إليه فأخذه ليقابل أب شيبة الذي أمره بأن يكون على حراسة معتقلي جهاز الأمن. وقال إن العماس تلقى أمر القتل متردداً وحدثه عن معركة دائرة بجهتهم مما فهم منه إنه أراد أن يصرفه عن أمره. وسلم العماس نفسه وسلاحه لضابط ممن كانوا تحت حراسته. وواضح أن تفسير عبد العظيم لسبب اختيار أب شيبة له لإبلاغ العماس بأمر القتل مما أوحى له به عدلان ولا فضل لعبد العظيم كبيراً فيه.
جئنا أعلاه بنقد محمول نص كتاب عبد العظيم. وسنعرض في المقال القادم لروايات عن غيره نزن بها مصداقية ما قاله عن الملازمين خاطر والعماس عن ذلك اليوم، وعلاقتهما بأب شيبة في سياق أمره المزعوم لكليهما لقتل من تحت حراستهما.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////