(بعث لي صديق لهذه الصفحة صورة لمدخل عيادة أسنان الدكتور محمد هاشم حمور في بلدة الدبة أو دنقلا. وسببه أن كان قرأ لي كلمة عن قيادته لاتحاد الدبة التعاون خلال الديمقراطية الثالثة (1985-1989) الذي تنادت إليه صفوة البلدة السياسية اليسارية لضبط توزيع مواد التموين التي كانت نهباً للتجار ممن باعوها بالثمن الأعلى في غير الدبة. وقال لي الصديق إنه لما وقف عند لافتة مدخل الطبيب، وقد قرأ كلمتي، شعر بأنه أمام حرم سياسي يعبق طهراً ورصانة. وقلت له قسما إلا أعيد نشر الكلمة على "جلاة" (لأجل) لوجدانك العذب. وهانذا أفعل.

أدخل خصوم الشيوعيين (الطبقيين بالطبع) في روعهم أنهم أجانب على روح هذا الشعب وإرثه. وظل الشيوعيون منذ حل حزبهم في 1965 "ماشين بضرا" هذه التهمة يكاد يتخطفهم الناس. ووجدوا أخيراً في تنكب الإسلاميين الجادة في الحكم سانحة لكي يعفوا أنفسهم من مهمة رسمها لهم أستاذنا عبد الخالق محجوب وهي أن ينتقلوا من اللجلجة ومشي ضرا حائط الدين إلى الهجوم في جبهتين. أولهما التوطن عميقاً في صفوف الطبقة العاملة والكادحين. فعمرهم لم يخذلونا وجعلونا على قياداتهم في المدن والريف. لم يضعوا الدين حاجزاً بيننا وبينهم لا استهتاراً بدين هو كل حيلتهم من الثقافة، بل لأن سعة دينهم وسعتنا طالما كان قلبنا في مكانه الصحيح مع الفقراء والمساكين وكافة المتعففين. وضاق بنا دين المتحذلقين والمتنطعين. وثانيهما هو التفقه الحسن في الدين كإرث نحن امتداد لخيره كله.
وقصة اتحاد الدبة التعاوني في الولاية الشمالية في الديمقراطية الثالثة درس بليغ في جدل الدين والممارسة الذي يفصل الناس فيه الدين عن السياسة بصورة فطرية علماً بشؤون دنياهم.

نشأ خلال الديمقراطية الثالثة اتحاد الدبة التعاوني بواسطة جماعة من موظفي الحكومة شفقة بغمار الناس، وكثيرهم من العرب الرحل، الذين عانوا الأمرين من نكد حصص التموين. فطرحوا أسهم الاتحاد وسط خطة تنويرية محكمة بأغراضه، فالتف حولها الناس المصرومون. واجتمع للاتحاد رأس مال كبير من الأسهم. وتكونت لجنة للاتحاد كان على رأسها دكتور محمد هاشم حمور طبيب الأسنان بمستشفى البلدة. وبلغت من الشفافية حد إشراك مناديب من المواطنين في كل عملياتها. وتمكن الاتحاد في أقل من عام من أخذ توزيع جميع مواد التموين بيديه، وقسمها بالسوية بين الناس. وراقبت اللجنة الله في مال الخلق فلم يغمز قناتها غامز. ولمس الناس عن كثب سهر اللجنة وتعففها وعلى رأسها دكتور محمد هاشم وساتي بكري ومحمد عبد الله.
وبالطبع أزعج نجاح الاتحاد تجار الدبة الذين كان توزيع مواد التموين بيدهم وجعلوا منه مصدراً للتربح الغليظ بتهريبها حتى الفاشر البعيدة. كما أزعج قيادة الاتحادي الديمقراطي لمعان نجم قادة الاتحاد وهفو قلوب الناس لهم. وعليه تكون حلف من التجار والاتحاديين مبغض للاتحاد. وصبوا جام دعايتهم المضادة على الدكتور محمد هاشم، وأشاعوا عنه أنه شيوعي، وكاره للختمية. وكان رد تظاهرات أعضاء الاتحاد هتافات موحية. فحين قالوا إن الدكتور شيوعي ملحد كان رد التظاهرات:
شيوعي وملحد نحن نحبو ولا سكرنا السدنة (فلول مايو) تخربو
أو:
محمد هاشم عملو ظاهر مافي سكاكر تمشي الفاشر
ولما قيل لهم إن الدكتور معاد للختمية كان ردهم:
عاش أبو هاشم ومحمد هاشم
وكاد الحلف للدكتور في المديرية حتى نقلوه إلى مدينة دنقلا. وغضب الناس لذلك. وانتهزوا سانحة زيارة اللواء عبد العزيز محمد الأمين مدير المديرية للدبة فسيروا مظاهرة تستنكر نقل الدكتور، وتتحوط لما أشاعه أعداء الاتحاد من أن غرض الزيارة هو حل الاتحاد التعاوني. وواجهوا المدير بالهتاف:
الشعب يقول محمد هاشم ليه منقول
الريفي يقول محمد هاشم ليه منقول
ثم قامت الإنقاذ وورثت حزازة الأحزاب والتجار فحلت لجنته ووضعت محمد هاشم وآخرين في المعتقل.

قصة اتحاد الدبة التعاوني هي عن سعة دين غمار الناس لنا. فمتى نجحنا في جعل معركتنا في الأرض ننتصر للمستضعفين من دولة الأغنياء فينا تكنفنا الشعب، وغنى لنا منذ قاسم: "قاسم أمين يا عينيّ" أو الأمين محمد الأمين:" اللمينو غنيلو الدقدق مساميرو" "إلى "محمد هاشم عملو ظاهر". أما شيوعيو الحيرة والبرجوازية الصغيرة منبتة الجذور عن الوطن فخسئوا لأنهم نقلوا معركتهم بشأن الدين من الأرض إلى السماء في مثل تظاهرهم وراء عقائد إلحادية مشبوهة الطوية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.