انقلاب 19 يوليو هو بوجه هام قصة طائرتين لم تبلغا ميناء الوصول يوم 22 يوليو الذي انكسر فيه الانقلاب بصورة فاجعة. أما الطائرة الأولى فهي طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي أجبرتها ليبيا على الهبوط بها. وما هبطت الطائرة حتى نزعت السلطات الليبية منها المرحومين بابكر النور وفاروق حمد الله، عضوي مجلس ثورة الانقلاب الجديد، وسلمتهما لنميري الذي قتلهما شر قتلة. ولم تعتذر ليبيا حتى الآن للسودانيين عن هذا التطفل الأخرق في شأنهم. وربما تفعل في مسلسل تنصلها الحالي عن مواقف عنف أخرى (على عهد القذافي). وقصارى القول إن هذه طائرة عرفنا عنها أشياء وغابت عنا أشياء ما تزال. أما الطائرة الأخرى فعلمنا بها لم يتعد القشور بعد. وهي الطائرة الأنتينوف العراقية التي انفجرت فوق الأجواء السعودية عند جدة. وحملت بين جنبيها وفداً عراقيا للتهنئة بالانقلاب.

كان من بين مستقبلي الطائرة المرحومة الحاجة فاطمة يونس الدكيم، أمير المهدية المذكور وزوجة المرحوم سليمان الخليفة عبد الله التعايشي، التي توفيت في 2005 وكانت آخر من تبقي من ذرية الأمير. ولا يبدو أن للمرأة، وهي بهذا الإرث الأنصاري الساطع، من سبب لتكون في استقبال طائرة حملت وفداً عراقياً للتهنئة بمولد انقلاب منسوب للحزب الشيوعي. ولكنها كانت أحق بمكانها في الاستقبال من كثيرين ربما. فقد كانت والدة رئيس الوفد نفسه وهو المرحوم محمد سليمان الخليفة عبد الله عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي. وكانت في الاستقبال بين جماعة من أعضاء قيادة البعث السوداني ومنهم الأستاذ شوقي ملاسي. وقال ملاسي إنهم، في انتظارهم، حين أبلغهم المطار عن تأخر وصول الطائرة. وجف قلب فاطمة بت الدكيم وانفجرت باكية وقالت لابد أن ابنها قد مات. وباءت مساعي ملاسي ورفاقه هباء وهم يحاولون تهدئتها ناسبين التأخير إلى علل بشرية. ولكنها كانت قد علمت بقرون استشعار الأم منذ ليلة الأمس أن ابنها قد أزف زمان رحيله. وقالت لهم رأيته في "الرويا" يموت. ولم يقتنع أحد بدليلها وهي في حالة النوم حتى ثبت أن الطائرة احترقت بالفعل فوق سماء جدة. وأم أخرى "إنحرق حشاها" في السودان. لا هي الأولى ولن تكون الأخيرة. لم يبق لنا من الأحلام التي تتحقق سوى موت الولد.

لم أجد لهذه الطائرة، التي قصرت عن مطار الخرطوم، خبراً أوفي مما جاء في تقرير لجنة القاضي علوب التي كلفها النميري في أوائل أغسطس 1971 لإجراء تحقيق شامل بغرض معرفة طبيعة التآمر (الانقلاب) ودوافعه وغير ذلك من الظروف والملابسات التي واكبته. وهو تقرير وقع لنا بفضل بحث مضني عنه قام به، ضمن آخرين، الدكتور عبد الماجد علبوب ( ماجد بوب) الذي يعكف على تحقيقه ونشره في دراسة له عن انقلاب يوليو. وقد سبق للدكتور محمد سعيد القدال عرض هذا التقرير بصورة سائغة لقراء الصحافة في حلقات ثلاث خلال يوليو وأغسطس الماضي.

وغني عن القول أن التقرير الذي ترتب عن التحقيق ليس وثيقة محايدة. فقد قطع التحقيق قول كل خطيب عن موضوعيته لما سمى أمر تشكيله الجمهوري موضوع التحقيق "تآمراً" للحزب الشيوعي وآخرين على الدولة. فهذا هو الجس بعد الذبح. فالبحث عن دور الحزب الشيوعي وغيره فيه لم تكن فرضية بل حقيقة تقررت للمحققين بواسطة الجهة التي جمعتهم في صعيد واحد. ولم تفارق اللجنة اختصاصها حين شملت بالتحقيق دور العراق، حزباً ودولة، في الانقلاب وكذلك دور حزب البعث في السودان. فمن رأي اللجنة أنه كانت لهؤلاء مساهمة كبرى فيه. وربما أدرك القارئ من غير تحذير أن الصورة التي ستنشأ عن الطائرة والعراق والمرحوم محمد سليمان من مادة هذا التقرير لا بد أن تؤخذ بمنتهى الحيطة والأناة. وصح القول مع ذلك بصورة إجمالية إن أداة الدولة السودانية، التي رصدت علاقات العراق والسودان من جهاز أمن وسفارة سودانية بالعراق، كانت حاذقة شديدة الحرفية مهما كان الرأي في صدقها أو مراميها.

أعطى التقرير حيزاً جيدا لمسئولية حزب البعث العراقي في الانقلاب بلغت 36 صفحة من 155 صفحة هي جملة التقرير.وقد اعتمد التقرير علي أدب المخابرات السودانية في رسم لوحة لما سماه تواطوء البعث العراقي مع الانقلابيين. فقد بدأ بمقدمة عن نشأة جماعات الفكرة العروبية في الجامعات في الستينات بمدارسها المختلفة من بعثية عراقية وسورية ومن ناصرية. وقال التقرير عن المرحوم محمد سليمان إنه درس بسوريا وكان شديد النشاط البعثي بها. ولما نشأ الخلاف بين القيادة القومية للحزب وبين القيادة القطرية في سوريا انحاز المرحوم إلى القيادة القومية بزعامة ميشيل عفلق وأحمد حسن البكر. وفر إلى بيروت في 1965 ثم اختير عضواً بالقيادة القومية ببغداد، وأسندت إليه أمانة العلاقات الخارجية. وكان نافذ الكلمة ويترأس بعض الوفود العراقية للخارج وفيها وزراء. ورصده تقرير للأمن القومي يزور السودان في أواخر 1970 ليشرح للتنظيم البعثي السوداني معارضة العراق للاتحاد الثلاثي المصري السوداني الليبي ولتوجيههم لمواصلة التنسيق مع المرحوم عبد الخالق وجناحه لقيام جبهة تقدمية تطيح بنظام نميري. وهي إطاحة ربما كان يتدرب لها على أعمال الصاعقة بعض فتية البعث السوداني مع منظمة التحرير العربية الفدائية الفلسطينية.

كما تطرق التقرير إلى استراتيجيات عراقية زكت لهم إزاحة حكومة نميري. فقد كانت استراتيجية تسويق البترول تقضى على العراق أن يكون السودان في أيد صديقة. فقد كان العراق آنذاك يحرر صناعة البترول فيه من النفوذ الأجنبي واستوجب ذلك أن يؤمن لتصريفه أسواقا مضمونة ليمتص ما توقعه من عقوبات إمبريالية عليه. واستقبل السودان، الذي كان يستورد كل بتروله من الخارج، بالفعل وفود عراقية سوقت لبترول بلدها ومشتقاته.

كما تناول التقرير استراتيجية العراق في بناء قاعدة له بين الصفوة المدنية والعسكرية في السودان عن طريق البعثات العسكرية والمنح الدراسية. فبعد مايو بلغ من أوفدهم السودان من الضباط للتدريب على الدبابات وحدها خمسين عسكرياً. وقيل في التقرير إن محمد سليمان كان من وراء خطة التوسع في استقدام السودانيين للتدريب في مواقع العراق العسكرية بهدف جذبهم لمواقع البعث السياسية. وأكثرت العراق من المنح الدراسية لحزب البعث بينما قبضت يدها عن وزارة التربية. ونبه التقرير إلى أن معظم هؤلاء الطلاب كانوا بالعطلة السنوية حينما قام انقلاب يوليو بما يوحي بتدخل عراقي بعثي في توقيته. كما تناول التقرير استراتيجية العراق في بناء قاعدة له بين النقابات بدعوات توجه لقادتها وتُلبي بغير علم سفارة السودان. وخص التقرير بالذكر استهداف العراق لاتحاد مزارعي جبال النوبة. فقد عاملوا رئيسه الزائر كرأس دولة، وأهدوا منظمته سيارة لاندروفر. وكانوا دعوا المرحوم فاروق حمد الله، أقرب قادة مايو إليهم، بغير علم السفارة. وكان محمد سليمان قريباً منه خلال الزيارة وحدد له مقابلة أحمد حسن البكر، رئيس جمهورية العراق، بغير تنسيق مع قسم المراسم بالخارجية. واشتكى السفير من هذا التخطي ووصل مع فاروق إلى حل وسط. وقد ذكرني هذا بزيارة قام بها عبد الله خليل، رئيس الوزراء في 1958، إلى إثيوبيا وسماها خاصة بينما الله وخلقه عرفت أنها رسمية. وخلص السفير والبيه إلى حل وسط. ثم تحدث التقرير عن أنماط من ممارسة العراق وبعثه المعادية للثورة. فكانت صحفهم البيروتية تهاجم نظام مايو وسلقت النميري بألسنة حداد حين جاء لعون الفدائيين في الأردن. كما طلبوا من الروس في مناسبة ما إدانة حكومة النميري لانحرافها عن الخط التقدمي ولم ينجحوا في ذلك.

وتوسع التقرير في شرح ما قام به العراق بعد قيام انقلاب يوليو. فقد أذاع راديو بغداد خبر الانقلاب بعد ساعات من وقوعه وأصبح هو مصدراً للنبأ تأخذه عنه صحف العالم وإذاعاته. وتشكك التقرير في هذا الإعلام الذي اشتم منه رائحة التواطؤ لا السبق الصحفي. واعترفت العراق، قيادة قومية وقطرية ومجلس قيادة ثورة، بالانقلاب في يومه الأول وقررت دعمه. والتقى المرحوم هاشم العطا بدبلوماسي عراقي ليلة إذاعة بيان الانقلاب. ولابد أنه جاء للتهنئة. ونقل الإعلام العراقي تأئيد البعثيين بالسودان للانقلاب ببيان موقع من شوقي ملاسي.وقال سفيرنا نقلاً عن السفير الروسي بالعراق للجنة القاضي علبوب إنه قد بلغه أن العراقيين يقولون إن لهم ثلاثة من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

وتطرق التقرير للدعم المادي للانقلاب الذي احترق محمد سليمان في واحدة من طائراته المزعومة. فجاء فيه أن الوفد العراقي، الذي قاده محمد سليمان، لم يتصل بالسفارة للحصول على التأشيرات اللازمة. وأضاف بأن محمد سليمان طلب من البنك المركزي في بغداد تحويل مبلغ مليوني جنيه إسترليني إلى بيروت. وطلبت طائرتان عراقيتان فيهما طائرة الوفد الإذن بالهبوط من مطار الخرطوم يوم 21 يوليو بصورة إلى جدة والقاهرة ودمشق والبحرين. وجاء في الطلب أن واحدة منهما ستتوقف بجدة للتزود بالوقود بينما لن تحتاج الأخرى لهذا التوقف. وتوالت إشارات من بغداد تطلب أذون لطائرات أخرى بلغت 4 (أنتنوف لمل البضائع والمعدات الحربية، والثانية إنجليزية وتستخدم في الخطوط المدنية، والثالثة والرابعة أنتوف تستخدم للحرب وللشوؤن المدنية) ستهبط في مطار الخرطوم تباعاً يوماً بعد يوم.

حاول مطار الخرطوم من جانبه أن يتصل بالطائرة ليسألها عن مواقيتها فلم يفلح. واضطر ليرسل أسئلته عن طريق طائرة مصرية فوق أجواء السودان. وجاء الرد من الطائرة العراقية من برج المراقبة بالقاهرة بعد أن تلقاه عن طريق الطائرة المصرية المشار إليها. وعلم المطار أن الطائرة العراقية متوقع وصولها في الواحدة من يوم 22|7. ثم اتصلت جدة بالخرطوم وفصلت لها ما ستكون عليه مواقيت الطائرة عبر جدة وبورتسودان وعن نزولها بجدة للتزود بالوقود. وفعل نفس الشيء برج المراقبة في بغداد. ثم جاءت إشارة من جدة تقول إن الطائرة ستنزل بجدة لتعذر الرؤية. وفي مساء 22 يوليو قطعت العراق إرسال الإذاعة لتنقل للعراقيين استشهاد محمد سليمان ووفده الذي ضم صلاح صالح عضو القيادة القطرية وحمودي العزاوي، سفير العراق المرشح للسودان، الذي لم يستوف أعراف الترشيح الدبلوماسي بعد. وقال السفير السوداني، شاهد اللجنة، عن العزازي إنه من سفاحي العراق وقد دبر اغتيال حردان التكريتي بالعراق. ووفرت السفارة السودانية بالعراق للجنة قصاصات من صحف العراق عمن ماتوا على متن الطائرة. ووضح من القصاصات أنه كان بالطائرة ضباط صغار وصف ضباط من قادة الدبابات. واستغرب التقرير لوجود صف الضباط هؤلاء في هذا الوفد السياسي. واستنتج التقرير أن الطائرة كانت تحمل معدات ودعماً عسكرياً. وأضاف أن انفجار الطائرة تسبب في حريق كامل في نصفها الخلفي مما يدل علي وجود متفجرات وذخائر من نوع ما بها. وخلص التقرير إلى أن العراق ضالع في الانقلاب بالاتفاق والتحريض والمساعدة.

ربما كانت حقيقة الطائرة بخلاف ما ذكره التقرير. وقد تكون وجوه الخلاف هذه آخر ما انشغلت به الحاجة فاطمة وهي تجرجر أذيال أشواقها مدموغة بخضاب الدم إلى الولد الذي انطفأ في الحريق وذر رماده في البلد الحرام. لم تشمه. لم تنشب يديها حول جسده الذي انعقد حوله التاريخ المهدوي ولم تغرس أنفها في طيبه المهاجر. وعاشت الحاجة فاطمة بعد محمد نحو 35 عاماً علمت خلالها أن "رويا" الأم تكشف حجب الحريق في عنان السماء وتقصر "رؤية" رفاق الحزب دونها بكثير.

ولم تبلغ طائرات أخرى كثير مقاصدها وشقي الوطن وانحرقت حشايا. من ذلك طائرة كلمنت امبورو يوم الأحد الدامي في 6 ديسمبر 1964 وطائرة ملكال في 1986 وطائرة المرحوم الزبير وطائرة الفقيد الأخير قرنق وقس على ذلك. وكلها تفجرت في طلب حثيث وعجول وفطير للشوكة ضرج بلادنا بالدم منذ عقود. وما سمعت عن وهم الشوكة مثل مقالة منسوبة إلى الأمير يونس ود الدكيم، جد محمد سليمان، عن "تنبره" في شرخ المهدية أنه سيشرب ماء البحر كله حتى ينشف مجراه ويكشف عن بلابيطه. والرواية السائدة أن هناك من قال له متهكماً بعد كسرة المهدية أين شرابك للبحر يا ود الدكيم. والرائج أن الأمير أجاب أنه قال ذلك وهو معزز برجال لا يعصون له أمراً وقد تفرق الرجال وأمِن البحر. ولكنني أفضل رواية أخري لرد الأمير سمعتها عن الصديق الشاعر شابو. فقد رووا أنه قال لسائله صدقتمونا حين صدرت منا ونحن في شوكة وتنكرونها الآن علينا ونحن في ضعف. لنطلب الشوكة للخير وبغير ثمن باهظ وإلا تورطنا في وهم الشوكة.
متى تهدأ ثائرة للوطن
متى تعود إلى وكناتها الطائرات
فلا ينفذ سهم النبأ
من حريق عنان السما
وارفضاض رماد الجني . . . في المدى
عبر برج المراقبة
نحو بهو المطار
إلى كبد الأمهات
متى يسكن روع الوطن

فصل من كتابي "مذبحة بيت الضيافة: التحقيق الذي يكذب الغطاس" (المصورات 2017)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.