تجد أدناه مختارات من مقابلة للضابط محمد مصطفى عثمان الشهير بالجوكر، الذي شارك في انقلاب 19 يوليو، أجراها معه الأستاذان ضياء الدين البلال والبراق الوراق ونشرها منبر "سودانيات" في 23 مارس 2010. وكان عنوانها في الصحيفة "نجوت من الذئاب الجائعة" وأراد بذلك المحاكمات التي انعقدت لضباط الانقلاب بعد فشله في معسكر المدرعات بالشجرة. فقد خرج بعد اللتي واللتيا بعقوبة السجن بينما انطوى السفاح نميري العائد على القضاء على كل ضابط شارك في الانقلاب. واشتهرت عن الجوكر صورته التي تراها وهو يرفع يديه بالاستسلام لجند انقلاب 22 المضاد. وورد اسمه خطأ في رسالة من السفير الأمريكي لوزارة خارجية بلده أنه من بين من نفذوا فيهم حكم الإعدام.

سلم الجوكر نفسه طوعاً. ولما بلغ معسكر الشجرة قال إنه وجد "كلاب جائعة". فهجم عليهم جند ونزعوا علامات الرتبة من على كتفه. وهي رموز لا تخلع إلا بالقانون. وكان الضباط من على البعد يرون ذلك التبذل ولا يجرؤن على التدخل. وكانت أحكام الإعدام تعلن بمكبر الصوت: "تم الحكم على الخائن فلان الفلاني بالإعدام رمياً بالرصاص". ولم يتم الإعدام حسب العرف. فكان متى جاء الضابط الخائن فلان الفلاني إلى ساحة الإعدام انهالت عليه الجبخانة. وكان بوسع كل عسكري سمع بالحكم من مكبر الصوت أن يسرع إلى الدروة ببندقيته ويشارك في القتل.

التقى الجوكر بنميري الذي يعرفه في حضرة الصحفية المصرية مريم روبين من صحيفة الأخبار المصرية. التفت نميري للصحفية وقال لها:
-إنت عارفه سموه الجوكر ليه؟
فأشارت بالنفي
-دا اشترك في عدة انقلابات
فسارع الجوكر بالرد:
-ليه أنا عبد الفضيل الماظ؟
فقال له نميري أسكت.
ونشرت مريم روبين في جريدة الأخبار صورة الجوكر مسلماً برفع الأيدي وكتبت: "ضابط متهم اسمه محمد مصطفى عثمان. يلقبه زملاؤه بالجوكر بمعنى أنه يساير كل نظام طمعاً في الغنيمة. الرئيس النميري يعرفه شخصياً لسبق خدمته معه. ترك وحدته بالاتفاق مع زعماء الانقلاب وذهب إلى قاعدة ناصر واشترك في تنفيذ المؤامرة بعد أن تسلم السلاح. اعتقل ضابطاً ونفذ كل المهام التي كلفه بها عبد المنعم محمد أحمد أحد قادة الانقلاب الذي أعدم. ليس له اتجاه سياسي". وأخطأ نميري حقيقة اسم "الجوكر" وتبعته بغير إحسان مراسلة الصحف المؤممة. فاللقب، حسب الجوكر، جاء من خبر نشر بأحدي الصحف بمثابة تهنيئه له بدخول الكلية الحربية. وجاء في الخبر إنه كان "جوكر" الحفلات التي انعقدت للاحتفال به. وسار عليه الاسم.

وذكر الجوكر حادثتين من العنف الصراح. الأولى منهما أخذ فيها أبو القاسم محمد إبراهيم كرسي خيزران وكسّره فوق رأس المرحوم حامد الأنصاري، زوج المرحومة سعاد إبراهيم أحمد. أما الثانية فكان الاعتداء فيها على الشهيد الشفيع أحمد الشيخ على يد ضابط مشهور باسم اليمني. فلما خرج الشفيع من الحمام اعتدى عليه الضابط بالدبشك فكسر صفحة وجهه وأضلاعه بينما راح يصرخ: أنا انتهيت ليكم من إشاعة اسمها عبد الخالق. فجاء ضابط مدرعات وأمسك به من يده وقال:
-إنت بتعمل في شنو؟
-بنتهي ليكم من إشاعة اسمها عبد الخالق.
-لكن دا ما عبد الخالق
-دا منو؟
-دا الشفيع أحمد الشيخ
-ديل كلهم سوا.
وقال الجوكر في اللقاء: "ودخل علينا الشفيع الغرفة يئن من شدة الألم والوجع والدم يملأ جلابيته. فزحف على جهتي الدكتور مصطفى خوجلي، أستاذ طب المجتمع بكلية الطب بجامعة الخرطوم الذي ذاع أنه كان مرشح انقلابي 19 يوليو لرئاسة مجلس وزرائهم، واستفسر عن حقيبة بالغرفة (لا أعرف مصيرها حتى الآن). فقلت إنها تخصني. فسألني: فيها جلابية. فأجبته: أيوه. فقام بتمزيق جلباب الشفيع. وغرف ماء من الجردل بيده ليعمل ضمادات لوقف نزيف الدم، ومن ثم البسوه جلبابي". وحين نادوا الشفيع ليأخذوه لكوبر لإعدامه كان يئن من الوجع وحول عينيه هالة سوداء وبحالة سيئة جداً. وكان جوزيف قرنق، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي ووزير الجنوب في حكومة انقلاب 25 مايو، شجاعاً ومداعباً. قال: "نحن ماشين نموت خلاص". ونبهه عسكري وهو خارج لكوبر لإعدامه أن يحمل شنطته التي تركها خلفه. فقال قرنق: "إنت مجنون واللا شنو؟ أودي وين تاني دا؟". وكان قال للضباط في الحراسة أن يدخلوا السجن لأنه مدرسة أخرى. وأضاف: "ولكن فيهو واحدة بس بطال؟" وسأله ضابط منهم عنها. قال: "ما يقومو يكتبو ليك جراية". فسأل الضابط عن صفة الجراية. فقال قرنق: "دا دقيق عيش بيعملو بطريقة إنت زي بياكل في جراية كأنك تجك (تمضغ) في جلابيتك بتاعك".

وذكر الجوكر حادثة لم أجدها في تقويم 19 يوليو وذيولها. فقال إنه زارهم في 25 و26 يوليو وفد مصري ليبي بقيادة حسين الشافعي وأبو بكر يونس. ومروا على غرف اعتقالهم مصحوبين بطاقم إعلامي بأجهزة التصوير. ونصبوا سيبة الضوء الذي أعشى عيون المعتقلين بينما كانت عليهم غبرة من الاعتقال: ملابس متسخة ودقون نابتة. نظر إليهم أبو بكر يونس وسلم فردوا السلام. ثم ضرب سيبة الإضاءة برجله وقال للمصور: "إيه تصور. شيل بره". ففعل. وقال الجوكر إنهم فهموا أنه وفد من السادات ليقول للنميري "كفايه دم".

الهمني في دعوتي القائمة للتحقيق في مذبحة بيت الضيافة ومحاكمات الذئاب الجائعة في الشجرة مطلب قديم أذاعه الأستاذ محمود محمد طه عن حكم الردة عليه. فظل يناشد منظمات المهنيين والنساء وسائر النقابات أن تتناصر لإزالة حكم الردة الصادر من المحكمة الشرعية لعليا بحقه في 1968 من دفتر القانون السوداني. ولم يجر تنفيذ العقوبات المترتبة على الحكم لأن المحكمة الشرعية العليا أصدرت الحكم بغير اختصاص. وألح الأستاذ ألا يستنيم الناس لنجاته من ذلك الحكم، وأن يتضافروا لمحو الحكم من سجل القضاء السوداني وإلا صحا كالفتنة في يوم قريب. وصدق الرجل. فسرعان ما تحولت محاكمته في 1985 بجرم بث الكراهية ضد الحكومة إلى اتهامه بالردة من جديد ثأراً لحكم المحكمة الأولى الذي لم ينفذ. ومطلبي القائم من التحقيق في مذبحة بيت الضيافة ومجازر الشجرة مقصود به طي سجل هذا العوار الذي وصم الوطن، وتنشئة روحانية سياسية تقشعر لمثل تلك المحاكمات الفالتة المبتذلة مثل التي روى الجوكر طرفاً منها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.