صدر في الخرطوم عن دار المصورات كتابي ". . . ومنصور خالد". وحوى 56 فصلاً ومقدمة وذيلاً طويلاً رددت فيه على من شغب على حرفتي الأكاديمية من شيعة منصور خالد في دراسة سيرة الرجل. وكان ذلك خلال نشري لفصول الكتاب على مجلة "الخرطوم الجديدة" التي كان على قيادتها الأستاذ الطاهر حسن التوم. وذيّلت بعض الفصول بوثائق اتصلت بمادتها مما يعرف ب"الصناديق". والكتاب وإن كان مداره منصور، إلا أنه باب في التاريخ المعاصر لما للرجل من بصمة عظيمة عليه غير منكورة . . . وخلافية جداً.

وأعرض ك"ضواقة" أدناه مقتطفات من مقدمة الكتاب
هذا كتاب عن كاتب لا مهرب منه في الفكر السياسي السوداني هو الدكتور منصور خالد. وسمعت خلال نشري للكتاب مسلسلاً في مجلة "الخرطوم الجديدة" في السنوات 2005 وما بعدها من شيعته أنني أنفس على الرجل صعود نجمه، وأن الذي بينه وبينه شخصي لا معنى له. ومن حسن الطالع أن منصور لا يتفق مع شيعته في أن لا مشروعية لخصومة الكُتاب إلا أن يحسد الواحد الآخر على جاه دنيوي أو علمي. فقد نشر الصحافي بجريدة "البيان" الإماراتية عمر العمر حديثاً طويلاً مع منصور كان أراد منه الخروج بمبادرة صلح بينه وبين السيد الصادق المهدي. وقدّم الصحافي غرض المبادرة لمنصور ووصفها بأنها "لإزالة ما خلفه التناطح السياسي من حساسية في علاقتكم". فعلق منصور ضاحكاً:
-ولماذ تزيلونها؟
وأضاف:
-الأمر بيني وبين الصادق ليس خصومة شخصية. لا ينافسني في شيء ولا أنافسه في شيء. لا أبخسه حقه وأذكر مكانته وإمكانياته الشخصية كمثقف كبير" (البيان 13-3-2002).

ولا مزيد على ترخيص منصور هذا للاختلاف والتهاجي بدون أن يحمل هذا محمل التشفي الشخصي. ولكن منصور شديد الاعتقاد أن خصومه، دون كل الخصوم، أولو غرض. فقال للطاهر حسن التوم في "مراجعات" على قناة النيل الأزرق إنه خلا من كل شائبة في العمل العام حتى أضطر حساده للطعن فيه في غير الميدان الذي اختاره. فلن تجد، وهو في هذه العصمة، أي تبرير منطقي للهجوم عليه غير الحسد.

****************
وسنتجاوز منصور المعصوم إلى عنوان الكتاب. وللعنوان قصة تعود إلى أيام دولة نميري واتحاده الاشتراكي بدا فيها منصور نسيج وحده في الخَلْق السوداني. فأحتفل الاتحاد الاشتراكي في فبراير 1977 بفوز المشير جعفر نميري رئيساً له بغير داع. ووقف المرحوم عمر حاج موسي، وزير الثقافة والإعلام، يعلن النبأ للعالمين في خطبة لها صيت. فأحصى الأصوات التي نالها المشير بين مندوبي المؤتمر العام للاتحاد الاشتراكي. واستطرد في وصف سجايا المشير التي حببت الناس فيه وزكته للرئاسة. وركز المرحوم على بيان أطياف السودانيين التي أجمعت على الرجل كل في مفردات تنوعه وخصوصياته. ومن ذلك قوله: " جاؤوا من كافة البلد بعد ان هجروا الرجز وطهرو الثياب. جئنا اثنين ألف مندوب. وهنا، في هذه القاعة، جلسنا قيافة بعافيتنا سلامتنا. جئنا من عاج ...وحجل.... وسديري... وقفطان... وملفحة.... وعبايه .... ومنصور خالد".

وصارت الإشارة الأخيرة عنواناً لكتابنا هذا عن منصور خالد. ففي أول شباب لبس البدلة وتخنق بالبيبون ثم صار في أناقة بعدها لم تفارقه.

*******************
وتجدني الكتاب، من موقعي الماركسي، أميز لمنشأ خصومتنا. فهو عندي حادي الطبقة البرجوازية الصغيرة الحضرية وحامل فانوس رؤيتها. وهي فئة اتفق لنا في الممارسة الشيوعية أنها من قوى الجبهة الوطنية الدمقراطية التي عقدنا عليها مشروع النهضة الوطنية في دولة ما بعد الاستعمار. فكنا معها كتفاً بكتف في هذا الحلف خلال الحركة الوطنية وفي الدولة المستقلة.

عَرِفنا البرجوازية الصغيرة المتعلمة باسم "الصفوة" منذ أذاع المصطلح منصور نفسه في كتابه "حوار مع الصفوة" (1979). وهي طبقة قل النظر في سياستها ومناشئها الفكرية والمادية عندنا وعند غيرنا. وعوضنا عن ذلك بالتباكي على فشلها وإدمانها الفشل تباكياً هي النادبة الأعلى صوتاً فيه والأغزر دموعاً.

*********************
وأردت بهذا الكتاب نقض ما شاع عن منصور، بشكل استثنائي، أن سائر الصفوة الإسلاموعروبية السودانية في المركز قد فشلت وأدمنت الفشل. وأريد به رد الاعتبار لشماليين مسلمين تعاقدوا في الحزب الشيوعي منذ الأربعينات على خيال آخر للتآخي في الوطن وممارسة دؤوبة قاصدة لتلك الغاية. فأذاعت صفوتهم بغير مواربة عموميات الماركسية عن حقوق القوميات الأصاغر في الوطن بين جمهرة شمالية في القومية الأكابر توارثت الغض منها وتغاضيها. وطمعت هذه الفئة من ذلك أن تؤسس وسطها لوعي تحرر به نفسها بنفسها على بينة المعاني الغراء في ثقافتها العربية الإسلامية. ولم تكتف هذه الصفوة اليسارية بالترويج لخيال بديل للإلفة الوطنية بل جعلته نصب عينها في ممارسة شعبية دقيقة خلال الحركة الاجتماعية الواسعة التي استنهضتها في الخمسينات والستينات ومن فوق أدواتها: النقابة، الاتحاد، الرابطة، المجلة والجريدة. وتجاوزت بهذا الخيال والممارسة صفوات شريكة في القومية الأكابر الذين اقتصر الوطن كثير الوجه عندهم في وجه واحد هو هم. وكان عِلم صفوة اليسار مما وصفه الشاطبي علماً باعثاً على العمل "الذي ليس صاحبه جارياً مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه، والحامل له على قوانينه".

**********************
لو سألنا ماذا سيبقي من منصور بلا منازع في التاريخ فالإجابة هي كلمته "الفشل وإدمان الفشل" التي سارت بها ركبان من بسط لهم التاريخ فصار صيغاً مريحة محفوظة. فليس من الوصف الوظيفي للمثقف كتابة تاريخ لما يطلبه المستمعون أو مقاولو السياسة. فمن تبعة المثقف أن يبسط ما لا يجوز تعقيده، في قول كريس هتشن، وأن يجادل طوال الوقت مع ذلك بتعقد المسائل، وأن يصر ألا تجرجر الشعارات هذه المسائل، أو تهبط بالظاهرة إلى درك الصيغ المحفوظة.
ما سئل منصور عن سبب التحاقه بالحركة الشعبية حتى قال إنه أراد إنقاذ الإسلاموعروبيين من أنفسهم. ففي عقيدته أننا أسأنا الآخاء الوطني وظلمنا الجنوبيين ظلماً بينا. وهذا نبي يمد لنا اليد أن نركب . . . وإلا الطوفان. وهي نبوءة كذوبة. فلم ينتظر القوم هذه النبوءة المدعاة. وسيرى قارئ هذا الكتاب إن هناك في اليسار من سبقه إلى صفة الشمالي الآخر منذ الخمسينات حين لم ير منصور النور إلا بعد عقود كان فيه معطوناً فيما كان فيه من استعلاء شمالي معروف فصلناه في فصول الكتاب، بل لم يتخلص منه حتى بعد أن رأى النور. وسنرى أنه لم يفارقه بعد متوهماً أنه صار ذلك الشمالي الآخر بقرينة عضوية الحركة الشعبية. "أسود في لغة بيضاء" كما سنرى. فلم ينتظر الجيل اليساري قيام حركة جنوبية ليلتحق بالقسم العربي في قسم علاقاتها العامة. لقد صدع الجيل بحق الجنوبيين وغير الجنوبيين من موقعهم المستقل بين كادحي الشماليين في منابرهم المستجدة كالنقابات والاتحادات لإنقاذ أنفسهم بأنفسهم مستصحبين ثقافتهم العربية الإسلامية ذاتها لا يتكففون الفرج الثقافي من أحد. لقد خرجوا للآخر بهذه الليبرالية وفي جمهرة لا طمعاً في إرضاء أحد بل لأن تحرير أنفسهم من الضغن والإثرة مستحق لهم وتعزيز لإنسانيتهم. لسنا نريد أن نتحرر من الغل التاريخي لخاطر أحد أو تكفيراً أو استنقاذاً عن خطيئة أولى. فالتحرر الحق هو ما استحصله صاحبه، وتمتع به، ونشر ضوعه على الآخرين.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.