سعدت بالمناقشة التي جرت على صفحتي بالفيسبوك حول الإدارة الأهلية بين اعتقادي فيها وبين نفر كريم لم يقبل به. وكنت قلت إن الإدارة أهلية، كيان من صنع الإنجليز للحكم غير المباشر الأقل تكلفة استثمر فيه بالطبع خامة "حوكمية" سودانية فصّلها لمقاسه ولقضاء حاجته في إدارة الأهالي وضبطهم. وكان رأي من تفضل بالمناقشة معي إن الإدارة الأهلية كيان سوداني أصيل كشفت الحكمة الإنجليزية عنه، فاستصحبته، فأمن السودان وغنم.

نبهت المحاورين أنه متى أرادوا معرفة قيام الإدارة الأهلية وجب أن ننتقل من تجريد المسألة (هل الإدارة الأهلية سودانية وقع عليها الإنجليز فنفعوا بها وانتفعوا) إلى سؤال لا يصح درس التاريخ بدونه: وهو سؤال: متى وقع النظام للإنجليز، وكيف، ولماذا؟ ونبهت بقوة إلى أنه استغرق الإنجليز قرابة ثلاثة عقود ليكتشفوا هذا النظام الموصوف بالأصيل سودانياً. فلماذا تأخرت الحكمة الإنجليزية نحو ثلث قرن لتقع بعده عليه؟ وأنقل هنا كلمة كتبتها في مناسبة أخرى فيها محاولة للإجابة عن أسئلة المؤرخ التي لا مهرب منها: متي؟ كيف؟ لماذا؟ وهي تلخيص مختصر جداً للفصل الثاني من كتابي "هذيان مانوي" الذي توسع في الإجابة على هذه الأسئلة ليخلص إلى أن الإدارة الأهلية هي مما اخترعته الإدارة الاستعمارية لغاية ضبط السودان وحكمة في سياق تحالفات جنحت إليها بعد ثورة 1924.

اعتمد الإنجليز بعد احتلالهم السودان نظام الحكم المباشر. وهو نظام يقوم على كيان إداري قوامه الإداريون البريطانيون، ثم موظفون شوام ومصريون وأقباط مصريون خاصة، يعينهم طاقم سوداني من صغار الأفندية من خريجي المدراس التي فتحها الاستعمار. وظل الحال هكذا حتى انقدحت وطنية هذه الفئة السودانية، وجنحت، تحت تأثير الثورة المصرية وثقافة مصر عامة، بالولاء لمصر دون الإنجليز. وجنح نحو الإنجليز بالولاء الأعيان من رجال الدين والعشائر. واندلعت ثورة 1924 في هذه السياق. وغضب الإنجليز غضبة سكسونية على الجيل الذي أوجدوه من عدم في كلية غردون، وجازاهم بِعَض أيديهم المحسنة لقيامهم بالهبّة الوطنية الأولى في 1924. ولقتل فتنة المتعلمين المشرئبين ورجرجة المدن في مهدها تحوّل البريطانيون من سياسة الحكم المباشر إلى الحكم غير المباشر التي وضع أسسها اللورد لوقرد من واقع تجربته الإدارية في شمال نيجريا. وقد استنبط هذه السياسة، المعروفة باسم "الاستعمار بأقل تكلفة"، بعد دراسته لما تبقى من تقاليد الحكم في خلافة صكتو الإسلامية. وقد عُرفتْ هذه السياسة بينا ب"الإدارة الأهلية". بل ربما كانت أول البعثات الدراسية في السودان الاستعماري هي تلك التي حظي بها المستر ديفز، المفتش المعروف وصاحب كتاب على ظهر جمل، ليقف على ممارسة الحكم غير المباشر في نيجيريا عن كثب.

كانت سياسة الإدارة الأهلية هي "أدَبة" للمتعلمين لخروجهم على من أحسنوا إليهم واحتواء المؤثرات التي حفّزتهم لمثل ذلك الخروج. ولم تكن تلك المؤثرات سوى ما أصابوه مِن "مَن تقدّم وتمدّن"، وهو من لُبّ المهمة الاستعمارية، جعلهم يتشوقون إلى الحرية والاستقلال. وهذه سنة الله في الأرض. وأرادت الإدارة الاستعمارية بالحكم غير المباشر، الإدارة الأهلية، أن تقيم حِلفاً بديلاً لحلفها مع خريجي المدراس. واختارت هذه المرة التحالف مع الآباء الطبيعيين في الريف كيداً (أو كيّة) لأولادها العاقّين. وقد وصف الدكتور محمود ممدانى هذه الرِّدة الاستعمارية ب "استسلام المستعمرين" أي رفعهم الراية البيضاء دون تحقيق مهمة الرجل الأبيض، وهي حَمل الأهالي حملاً على الحضارة والتحديث. وليس من حسن التحديث أن تترك الحكم لرجال "القبائل البدائيين" الذين جاء الاستعمار، ابن وافدة البحار، بمهمة "الرجل الأبيض" الحضارية، لإنهاء وجودهم وإحلال إدارة مستنيرة مكانهم. وهكذا غلبت على الإنجليز شواغل الإدارة فأداروا ظهرهم للمتعلمين وأهل البندر خشية من أن ينقلبوا عليهم. وشمل الترييف حتى الشريعة نفسها وذلك بمنح محاكم النظار سلطة النظر في قضايا الأسر بمقتضى الشريعة. وكان القصد من هذا أن تزال المحاكم الشرعية من الريف لأنها من مؤسسات للحكم المباشر وتنتسب إلى تقليد ثقافي مركزي. وقد فصلت هذه المسالة في كتابي "الشريعة والحداثة". وقد بلغ الترييف عند المتطرفة من المفتشين الإنجليز حداً أزعج ماكمايكل، السكرتير الإداري للحاكم العام، وقال كفاية بقى. وقال إنجليزي واقعي آخر إنّ بعث القبلية بعد سنوات من الحكم المباشر بمثابة تزييت لعجلات ماكينة خربة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////