ربما كفاني الدكتور صديق أم بدة مؤونة بيان تخافت المهنية في تعليق الدكتور عشاري على كلمة للسفير عوض محمد الحسن هي أمام القضاء الآن والمدعي فيها جهاز الأمن القومي. وخلاصة رأي عشاري أن عوض ملحد لم تتوافر له الشجاعة مع ذلك لإعلان إلحاده على الملأ بغير مواربة كما فعل. ولا يحب كاتب أن يكون حيث عوض الآن في ساحة القضاء ملحداً مع نقص في كرويات الإلحاد الحمراء بتشخيص جزافي لعشاري. وقال أم بدة عن سوءة عشاري هذه ما لا مزيد عليه.

من رأي عشاري في تعليقه على موضوع السفير عوض أن مشكلتنا الراهنة مع الإسلام ذاته. فالإسلامية، التي يعتقد كثير من الناس أنها أس البلاء، ليست إلا هذا الإسلام مُنَزّلاً صحيحاً في الدولة الإسلامية. ولا يطمعن أحد في إسلام آخر أكثر صحة وملاءمة لأفكار العصر. فلا يوجد إسلام غير هذا الذي يطبقه الإسلاميون أهل الإنقاذ.

ولهذا أعجب لعشاري لماذا احتاج لمصطلح "الإسلامية" في مقاله وهو الذي يعتقد أن السوء في الإسلام نفسه وما بني على سيء فهو لابد سيء. وكان يكفيه أن يشير بأصبع الاتهام للإسلام كالسبب في ما صرنا إليه من كبد في السودان. وليس هذا تبذير في المصطلح فحسب، بل ساقه استخدامه لمصطلح "الإسلامية" بغير تدبر للتفريق بين ظاهرة الإسلامية وبين الإسلام كما لم يطرأ له أصلاً.

لا يصمد عشاري عند موقفه من أن الإسلام كإسلام هو المشكلة. فتجده يفرق في مواضع في مقاله بين الإسلام والإسلامية. فيعرف الإسلامية بأنها البرنامج البيروقراطي العقلاني للإسلاميين في تنزيلهم الشريعة في الدولة الذي يستفظعه غالبية المسلمين. وهكذا صارت الإسلامية، بالتعريف، كياناً مستقلاً مشتقاً من الإسلام لا يجد قبول كثير من المسلمين الذين لابد حاكموه بأقباس إسلامية ووجدوه يقصر عنها. وجاء هذا صريحاً عند عشاري بقوله إن البرنامج الإسلامي للإنقاذ "يستمد" كامل فكره صحيحاً من أصول الإسلام في القرآن والسنة. فمتى كان البرنامج الإسلامي "مستمداً" من أصل أمكننا القول إنه ربما "استمد" مسلمون آخرون شئياً مختلفاً من نفس تلك الأصول. فالاستمداد مذاهب. وعليه فالعيب هنا ليس عيب الأصول بل عيب من استمدها لممارسة نذالات وصفها عشاري بحق الوطن. وهذا مصادم لرأي عشاري الثابت من أن الخطأ كامن في جوهر الإسلام. فإنك لا تستمد من الإسلام إسلامية بل يكفيك الإسلام نفسه ديناً لتحكم بغير عدل.

بل تجد عشاري يتفق مع كثيرين في أن إسلام إسلامية الإنقاذ خدعة لأنه مجرد وسيلة تحايلوا بها على الحكم. وعليه فالإسلام براء منهم. فالإسلامي السوداني، في قوله، "لا يكترث للإسلام إلا بمقدار ما يراه في مصلحته الدنيئة الوقتية". فالإسلامي نهاز يتسول بالإسلام لغاياته الدنيئة. بل قال إن مخادعة الإسلاميين لنا بالإسلام بانت لأهل السودان المسلمين ممن "عليهم نور". فهؤلاء المسلمون على نور الإسلام قد انكشفت لهم خدعة الإسلاميين (وليس الإسلام كما ينبغي لمثل عشاري سيء الظن بالإسلام من حيث هو) فما عادت تنطلي على سوداني مسلم.

غير خاف أن عشاري يخلط خلطاً عظيماً في كلمته موضوع نظرنا. فلم يكن بحاجة أصلاً لمصطلح الإسلامية طالما العلة عنده في الإسلام. وواضح أنه احتاج للمصطلحين لأنهما يتناوبان في حمل رأي عشاري المضطرب بين إسلام هو أس المشكلة وبين إسلامية مخادعة بالإسلام الذي ليس هو المشكلة بطبيعة الحال. وهكذا لا يجد القارئ عند عشاري إلحاداً صريحاً بالإسلام كما انتظر القارئ منه بعد تبكيته لعوض لأنه لج بين الإسلام والإسلامية. وها نحن نرى عشاري لج لجاجة.

ولن أغادر المكان بغير مؤاخذة شديدة لعشاري على فظاظته بحق الأستاذ خالد التجاني. فهو عنده منافق يحتال بكتابات نقدية عن الإنقاذ ليبدو من معارضيها وما هو كذلك لأنه ذو أصل راسخ في الحركة الإسلامية. وقال عن محاكمته المنعقدة للقضية المرفوعة حالياً من جهاز الأمن القومي لنشره مقال السفير عوض محمد الحسن إنها مسرحية. فقد دبرها الأمن ليعطي خالداً المصداقية كمعارض للإنقاذ وما هو كذلك. وبدا لي أن عشاري قد حكم بالتأبيد على خالد في الحركة الإسلامية لا فكاك له منها. وهكذا ينكر عشاري على خالد التحول عن ولاء قديم إلى جديد بينما تمتع هو به من غير مسائل ولا تأبيدة. فقد رأيناه عضواً سافراً بالحركة الشعبية لتحرير السودان. ولا أعرف من خدم الحركة خدمته بكتابه عن مذبحة الضعين والرق (1987) الذي جرى الترويج لمصداقيته كمبحث لأكاديمي سوداني بينما هو تقرير من عضو ناشط بالحركة وداعية إيدلوجي في كنفها. والأحزن أنه أراق ماء وجهه الأكاديمي بترجمة كتابه في الإنجليزية على عجل لكي يوفر للعقيد قرنق زعيم الحركة خمسين نسخة منه خلال رحلة له بأفريقيا الجنوبية ليوزعها على قادة دول المنطقة. وليست هذه من شيم الأكاديمي الذي يقول قوله ويختصم الناس جراءه. ثم خرج عشاري على الحركة الشعبية واصلاها ناراً في كتابات أخيرة. ولم يجد من يستنكر منه هذا التحول كما يستنكره هو في حال خالد التجاني. وهذا عسف.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.