في عيد الأب

طلبت مني جماعة "عمل" أن أقدم لها شهادة عن "أنا والكتاب" في يومهم "مفروش" الذي هو حفاوة بالكتاب وسوق له. يتوافد إليه الناس لعرض ما بيدهم من كتب مستهلكة لشرائها من جديد. وهذه انتباهه غراء للكتاب في وقت ظن الناس به الظنون.

قلت في كلمتي إن الكتاب أوسع من أن نحصره بين دفتين. وبهذا البراح عرضت للجماعة كيف قرأت نص والدي على إبراهيم علي إبراهيم (جنى ود شقتت) رحمه الله. وكنت وصفته قبل أيام في هذا الموضع بأنه مثل السائق في الجليد المنصوح بأن لا يقاوم انزلاق سيارته بفعل ذلك الخام الأبيض الوعر، بل "يسايسها" فينجو إلى بر السلامة. كان سهلاً عينه على الكرة لا يريم كما يقول الخواجات.

تعلمت منه أن القراءة موضعية (situational). فأنت لا تخطيء قراءة نص ما طالما عرفنا السياق الذي اكتنف تلك القراءة. فاذكر أنه أخذني لتسجيلي بمدرسة الجنوبية البعيدة بعطبرة. وكنت خلال المشوار الطويل الذي يمر على طاحونة سويرس، ونادي الشبيبة، ونقطة شرطة العشش بمحازة ميدان المولد . . أقرأ ما أمر عليه من لافتات. ربما كنت أردت الصيت من الوالد برهاناً على أن جهده في تعليمي لم يخب. وقرأت إحدى اللافتات قائلاً "نادي الأشقياء" فقال والدي: "صدقت يا ولدي". وكان صحيح الاسم هو "نادي الأشقاء" وهو حزب الزعيم الأزهري. لم يخطئني. وقبل قراءتي على علاتها وكافأني عليها لأنه أعتقد أن سياسة تلك الجماعة شقية.

لا أعتقد أن والدي قرأ الصينيين عن تعليم المرء الصيد بدلاً من تزويده بسمكة متى طلب. ولكنه كان على مذهبهم في قطع دابر الأمر "لي طويلة". أذكر أنه بلغت وأخي السن التي لا يقاوم صبي إغراء العوم في نيل عطبرة الداخلة أعزها الله. وصادف أن كان أبي بعيداً عنا مكلفاً بالترحل بين محطات السكة حديد ليسد مسد النظار الذين "ينزلون" الإجازة. وخشي علينا من إغواء النيل. فلم "يحاضرنا" عن تجنب النيل ولا هدد وأوعد، بل استدعانا إلى حيث كان في محطة الزيداب التي تقع عند حافة النيل. وعلّمَنا السباحة بهدوء ماكر. واذكر أنه استخدم قرعتين مجوفتين لنقوى على الطفو على الماء. لقد عقلها وتوكل.

ولا أنسى من دروسه لفت نظري بشكل قوي لتوطين عقيدتي الماركسية في حقائق السودان وثقافته ومنابره. قال لي:" يا ولدي ما عندي شك إنت ما قايم في مسألتك أعمى ةلا لغرض. لكين يا ولدي أمشي أعرضها من منبر الجامع عشان تشوف صداها" . وهذا طريق بدأته منذ زمن ولم أبلغ منبر الجامع بعد.

كان أبي نصاً عجيباً في رباطة الجأش. كان واسع الحيلة. كان جبلاً يصارع الريح وينحني ولكن لا تصرعه. وقلت فيه في إهداء كتاب مسرحياتي له:
إلى والدي ناظر المحطة المرحوم الحاج علي أفندي إبراهيم
إلى مزاجه الاستراتيجي
كالشجر
يبدأ من جذور
وينتهي إلى حفيف.
رحمه الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.