وددت في كلمتي الماضية أن لو استقرت عبارة إنجلز الموجزة عن مهديتنا في أدبنا التاريخي نأخذ منها، وننقدها، ونطورها أو ما شئنا حسب المقتضى. فمثلاً: نظر إنجلز كما سنرى للمهدية كدورة صدامية في جدل البادية والمدينة وكنا ما نزال في هذه الجدل بين الحضر والوبر، في مصطلح ابن خلدون، كما شهدت بذلك محنة دارفور في تفسير من تفسيراتها. وسنرى هنا كيف عقد الأكاديمي نكولاس هوبكنز (المرجع في أدنى المقال) الوشيجة بين كلمة إنجلز وابن خلدون بما يوسع أفق معرفتنا بالرجلين معاً. وهذا هو العلم وشغل العلماء. وأعرب في هذا المقال نص إنجلز عن الإنجليزية، وأعرض للذي عقده هوبكنز بينهما من مغاز، وأختم بصدى كلمة إنجلز في نص مسرحي لي. 


نص إنجلز عن المهدية
نظر إنجلز إلى المهدية (وتقليد المهدية عامة) كثأر بدوي على حاضرة فاسقة. فخلص من مقارنة عقدها بين ثورات البادية الأوربية (مثل انقضاض شعب الجرمانيين على الإمبراطورية الرومانية) وبين ثورات البادية العربية الإسلامية على طغاتها في الحضر إلى ما يلي:
(ونقيض هذه الهبات الدينية (الأوربية) العجيب هو الهبات الشبيهة لها في العالم المحمدي، وفي أفريقيا خاصة. فالإسلام دين تأقلم على أوضاع الشرقيين والعرب خاصة بمعنى موافقته للحضر المشتغلين بالتجارة والصناعة وللبدو الرعاة معاً.
ومن هنا تخلق جنين الصدام المكرر بين رعاة البادية والحضر على فترات. فيثرى الحضر ويتقلبون في النعيم والترخص في الالتزام ب"القانون". وتجد من الجهة الأخرى البدو على حال الفقر ومن ثم التشدد في الأخلاق يتفكرون بحسد في ذلك الثراء الحضري والتنعم. فيعزمون على الاستئثار به دون أهله. فتتراص صفوفهم من وراء نبي، أي المهدي، لتطهير المرتدين، واسترداد لجام الشرع، وصحيح الدين، ولحيازة كنوز الحضر بمثابة تعويض لهم لردهم عن الغي والظلم إلى سواء السبيل. وما تمضي مائة عام حتى تكون الجماعة التي ردت الحضر الآبقين إلى صحيح الدين قد انتهت إلى التنعم والتبذل. وتنشأ حاجة أخرى إلى تنقية الدين من المفاسد، ويظهر مهدي جديد، لتبدأ الدورة من جديد. وهذه هي سيرة فتوح المرابطين والموحدين الأفارقة لإسبانيا إلى المهدي الأخير الذي ظفر بالإنجليز بالسودان. وجرى نفس الشيء أو مثيله بهبات في فارس وبلاد مسلمة أخرى. فكل هذه الهبات تزيأت بالدين ولكن منشأها في دوافع اقتصادية. غير أنه ما نجحت الواحدة منها حتى سمحت باستمرار الأوضاع الاقتصادية القديمة لم تمسها يد التغيير. ولذا يبقي الحال على حاله ويعيد الصدم نفسه دورياً. وهذا خلاف ما في هبات الغرب المسيحي الجماهيرية. فالزي الديني فيها مجرد لواء وقناع لتسديد الضربة إلى نظام اقتصادي خالف. ويسقط هذا النظام في النهاية ويقوم في مكانه نظام جديد ويطّرد التقدم). انتهى النص.


ما بين إنجلز وابن خلدون
ونرى هنا حسب هوبكنز بوضوح هنا تطابق افكار إنجلز وابن خلدون في ديناميكية هذه التعاقب في التاريخ. ويرد كلاهما نصر جفاة الإعراب إلى حيويتهم وعصبيتهم ورفضهم الانقياد والحرية. ونظر الرجلان لهذا التعاقب في إطار سعيهما لكتابة تاريخ عالمي يفسر تغير النظم والقيادات السياسية. وأولى كلاهما العوامل المادية، وتناصر الجماعة لكسب العيش الاعتبار المقدم في سلسلة ذلك التعاقب. وكان ذلك مدار أفكارهما السياسة والاجتماعية. وكان كل منهما على استعداد لإدخال عنصر الدين من جهة تراكيبه وافكاره ورموزه في تحليلهم لدورة التعاقب تلك كما تقدم.
ولكن ما اختلف فيه إنجلز عن ابن خلدون في رأي هوبكنز أن دورة التعاقب في الشرق غير الغرب. فالدورة في الغرب تفضي إلى تطور في المجتمع وتغيره. وهذه هي التطورية (evolution بمعنى مضي الإنسان قدماً من نظام إلى آخر جديد). فنهاية الرومان بيد الجرمانيين كانت بمثابة مجتمع قام على الرق. وكان صعود الجرمانيين بداية للنظام الاقطاعي ثم الرأسمالية. ولم يأت شعب النورس هادم لذات الجرمانيين بجديد. وهكذا تسير الدورة في الغرب صُعداً تغير نمطاً من الإنتاج بنمط آخر بينما تتحنط دورة التعاقب في الشرق وتعيد إنتاج نفسها.
واضح أن إنجلز لم يسعد بابن خلدون من جهة مالآت الدورة التاريخية التي عالجهما كل منهما. فمنظوره تطوري يقع فيه التغيير التقدمي العلماني مطرداً. أما منظور ابن خلدون، في رأيه، فدائري يعيد النظام الخالف إنتاج العاقب وهكذا دواليك. ونقد إرنست قلنر الأنثروبولوجي فكرة إنجلز عن المهدية والإسلام بقوله إنها اقتصرت على مقارنة تطورية الغرب بمكوث الشرق على ما هو عليه. وهو بهذا ابن بار لثقافته الأوربية التي اعتقدت دائماً في الفارق بين "شرق مجمد وغرب متطور". وهذه النظرة التي تعرف بالمركزية الغربية التي قل أن يخرج الغربي من جلدته الثقافية وهو ينظر إلى ثقافات الآخرين. بل كانت شهية الألماني نيتشه من السفر للجزائر هو أن يرى حقائق أهله بعد رؤية جماعة من غير أهله. وسنرى في مقال قادم كيف تخلص ماركس من هذه المركزية التي بدا بها ثم نفضها عنه نفضة واحدة.

أنا وإنجلز:
ومن باب غزونا لا تنسونا أذكر صدى كلمة إنجلز في نفسي وكتاباتي منذ قرأتها في السبعينات في كتاب عن "الماركسية والدين". فأعجبني منها ما رأيته فيها من جدل البادية والمدينة واستلهمتها في مسرحيتي "السكة الحديد قربت المسافات". فصورت غضبة أهل القرية على زنا "فضيل الراعي" العربي، من شخصيات المسرحية، العربي ببنت منهم. وكان أغواها بعبارته الطلقة الغَزِلة مما سماها العباسي "أفانين":

الفتاة لفضيل: كلماتك تغتصبني
فضيل: لأنها تولد في سكون الفيافي المقفرة. ما يولد في الصمت له سطوة الفعل. كلماتنا تحاصر المدن الهتيكة بالبغض والإثرة والعقم. حين يغيض اليقين والخلق والنسل في المدن تنحدر كتائبنا المدججة بالكلمات. نبدل حذلقتها تقى. وإثرتها إيثاراً، وعقمها نسلاً صحيحاً وجديداً (يقودها إلى منعطف. تبدو كالمسحورة). الصحراء بعل المدن والقرى. والمهدية بعل الحضر.
Nicholas S. Hopkins, Engels and Ibn Khaldun, Alif: Journal of Comparative Poetics, (1990), pp. 9-18.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.