ثارت مناقشة حول الماركسية والمهدية إثر كلمة نشرها الإمام الصادق المهدي في مناسبة مرور قرنين على ميلاد كارل ماركس (1818). وذكر فيها انطباع ماركس الحسن عن الثورة المهدية حتى أنه قال إنها مما يدعوه إلى مراجعة نظرته للإسلام وسعته للثورة ضد الاستعمار. ووجدت رفاقي من الماركسيين راجعوا الإمام وبينوا أن الذي ذكر الثورة المهدية هو صفي ماركس فردريك إنجلز، بغير تعليق من ماركس، في كتابة له عن المسيحية الباكرة (1894-1895). واكتفوا من غنيمة اصطحاب الإمام وصفوة شعب الأنصار في رحاب الماركسية والمهدية والإسلام بالتصويب والإحالة إلى المرجع الصحيح من الماركسية.

لولا "المحقة"، وهي المصطلح الشيوعي في حزبنا للقصور في عدم تدارك المسألة فوراً ودلكاً وبلوغ الغاية منها، لكان نص إنجلز عن المهدية مما لا يحتاج إلى دليل. وسمى أستاذنا عبد الخالق محجوب هذه "المحقة" ب"البدائية" نقلاً عن لينين. وللشيوعيين بالمناسبة مصطلح سودانوي مبتكر آخر هو "تكريب" عن إحسان تنظيم الهيئة الحزبية المعينة مما نفعله للعنقريب. فلو نشرنا في الوقت المناسب كتاب المؤرخ السوفيتي س ر سميرنوف عن تاريخ السودان الشامل للمهدية لصار نص إنجلز عن المهدية، الذي استعان به سمِرنوف في بحثه، مفردة سائغة في علم تاريخنا للمهدية. وأذكر أن المرحوم محمد إبراهيم نقد جاءني بترجمة لما أقدر أنه مكتوب سمرنوف عن المهدية لأنشره في دار الفكر الاشتراكي التي توليت إدارتها في 1970 حين تفرغت للعمل الفكري بالحزب. وشرعت في إعدادها للنشر في مكتبنا الذي كان يقع في عمارة جنوب البنك الصناعي القديم في السوق العربي. ثم وقعت طامة 22 يوليو واستولى جهاز الأمن على المكتب بما فيه. وهكذا ضاعت فرصة تعميم نص إنجلز عن طريق سمرنوف. وأذكر ارتعاب زملائي المؤرخين من حضور ندوة الذكرى المئوية للثورة المهدية عام 1981 حين جرؤت على إيراد نص إنجلز في مداخلة في الندوة. ونظروا إليّ كمن ينزه أذنه عن قول مستهجن. ولقيت سمرنوف في مؤتمر السودان في افريقيا الذي نظمته شعبة أبحاث السودان في 1968. وأذكر أنه استاء من الحديث الإيجابي عن الإدارة الأهلية من أمثال المرحوم جعفر محمد على البخيت، فلقينا وزميلي سيد حامد حريز خارج القاعة قائلا بالإنجليزية بلكلنة روسية "native administration progressive or non-progressive?". (الإدارة ألأهلية: تقدمية أم غير تقدمية). وكان الكلام لي المنطط تقدميتي دون حرير. فأجبته بما أراح خاطره المكدر من الجلسة. ولسمرنوف مقال نشره عن ذكرياته في السودان ولقاءاته مع وجوه السودانيين خلال زيارته في الخمسينات للبحث عن المصادر الأولية عن المهدية في الوثائق ومن أفواه الرواة. ونشر كلمته مع فصله عن المهدية في كتاب ترجموه في الإنجليزية في 1974 عنوانه "أفريقيا كما يراه عالم سوفيتي". وكل مقالاته عن السودان.

وحدث أن عدت إلى نص إنجلز في حواري مع الدكتور النور حمد قبل سنة أو أكثر عن عقيدة في "العقل الرعوي". استعنت فيه بمقالة للأكاديمي الغربي نكولاس هوبكنز ربط فيه بين كلمة إنجلز عن المهدية ونظرة ابن خلدون للتاريخ. وأعرض في هذه المقال لمعرفة إنجلز بتاريخ ابن خلدون، ثم أعرب نص كلمة إنجلز عن المهدية، وأخلص إلى ما توصل له هوبكنز من مبحثه في كلاك الرجلين، واختم بصدى النص في تأليفي.

هل قرأ إنجلز مقدمة ابن خلدون؟
في اطلاع إنجلز على ابن خلدون قولان. وكان إرنست قلنر، الأنثروبولوجي البريطاني للإسلام، هو من نوه بدين إنجلز لابن خلدون. والمتفق عليه أن إنجلز قرأ ابن خلدون إما من ترجمة فرنسية نشرت في 1868 (وهي التي كانت على قائمة قراءات ماركس عن الجزائر التي زارها للنقاهة في أوائل 1880)، أو هو قرأها من تراجم مختلفة نشرت في خلال القرن التاسع عشر في لغات أوربية عرفها. وقال هوبكنز إن إنجلز ربما ثمّن عمل ابن خلدون حتى لو لم يطلع عليه من فرط تقارب فكرهما.

وسبب شغف إنجلز بمقدمة ابن خلدون في كونها نحت منحاً مادياً وضح في تركيزها على تأقلم الناس مع بيئاتهم. فقد قدّم ابن خلدون المعاش على تلقي العلوم. فالمعاش عنده ضروري طبيعي وتعلم العلم كمالي والطبيعي أقدم من الكمالي. وقال عن تقديم المعاش على ما عداه كلمة صريحة: "أعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه". ولابد أن ما استرعى انتباه إنجلز في المقدمة حسها بانتقال الناس من نظام اجتماعي إلى آخر.

سنرى سواء في إنجلز أو ابن خلدون متوالية تعاقب الأسر الحاكمة. والتعاقبية موضوع جوهري عند ابن خلدون. ومدارها حركة ذات حيوية فائقة ينهض بها بدو أو رعاة خُلّص من بلدهم القَفْر ليهلكوا دولة حضرية استغرقتها لذاذات التنعم. ثم ما يلبث ثوار البادية "البرابرة الظافرين" من الاستسلام لعادات الحضر المنعمين لينتظرهم الهلاك على يد برابرة متربصين أخر. ونظر كل من ابن خلدون وإنجلز في تفسير هذه الحركة إلى أساسها الاجتماعي وإن قالا بإن عصبية هذه الجماعة وحيويتها مما يتقوى بالدين.

ونكمل في الحلقة القادمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.