"وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ"

صدعتكم بعرض كتاب فرانسيس وين عن "رأس مال" ماركس. وأعد بأن تكون هذه الحلقة الأخيرة منه. ومن فقرات الكتاب التي استوقفتني مقالة أحدهم عن أن ماركس قد اكتشف بنباهة قارة جديدة مجهولة هي الرأسمالية. وزاد بأن هذا الاكتشاف لا يعني أنه قد أحسن رسم خارطتها بصورة حوت ووعت. والعبارة هامة بوجهين. فهي تضع ماركس في سياق الحداثة الأوربية التي قامت على أساس عصر التنوير الأوربي الذي بدأ في أوربا في القرن الثامن عشر وخاطر فيه علماء بكشف المستور. ومن الجهة الأخرى يجد منتقدو ماركس في تواضع العبارة ما يكفون به عن "تخريفه" أي تبكيته بأنه قد تخطاه قطار الفكر وأصبح من الخوالف.

عصر التنوير الأوربي عصر الاكتشافات الكبرى. فأوروبا التي تحررت من فقه اللاهوت وقيده أصبحت لا تقنع حتى بما فوق النجوم من جهة إزاحة الأستار عن الكون الغامض. وهو غموض شمل حتى منابع النيل القديم. فلم تكن أوربا تعرف من أين ينبع النيل حتى بدأت كشوفها الجغرافية التي مكنت لها في الأرض) وازدحمت أوربا بالكشوف الطبيعية والعلمية. فقد جاء داروين بنظرية النشوء والارتقاء. واحتفل العالم منذ عقد بمرور 150 عاماً على صدور كتابه "أصل الأنواع". واكتشف فرويد عالم اللاوعي. أما ماركس فاكتشف فائض القيمة في الرأسمال. ولن أفصل لأن "فائض القيمة" كان من اختصاص الرفيق عثمان أمان شرحاً أو دغمسة في مدارس الكادر لا يقبل بغيره مثل لوح في مولد الختمية.

ونقول عن هذا الكشف عرضاً هنا إن ماركس اكتشف أن السلع ينتجها عمال بشر ولا يلقون في آخر الشهر إلا بعض قيمة عملهم لأن الرأسمالي يستأثر بالباقي. وقد هدم ماركس بهذه النظرية ما ساد قبلها من أن الرأسمالي إنما يثرى بسبب استثماره في السلع وصبره عليه لا يبدد مدخراته مثل ما يفعل الآخرون. وعلى هذا فماركس مكتشف قارة السلعة.

لم تسلم إي من هذه الاكتشافات لعصر التنوير من التنغيص والنقض. فنظرية فرويد في العقل الباطن ما تزال تثير الثائرات. ومهما قيل عن فرويد فهو ما يزال يلقي بأثره على علم النفس. وقد أتيح لي مؤخراً أن أقف على الطريقة الذكية التي وظفه بها علماء دراسات ما بعد الاستعمار لدراسة الدافع الجنسي ومظاهره خلف استعمار أوربا لغير الأوربيين. اما عن داروين فحدث ولا حرج. فقد نوهت من قبل بفيلم "محاكمة إسكوبس القردية" الذي صور واقعة جرت في ولاية تنيسي الأمريكية عام 1925. ففي ذلك العام جرت محاكمة مدرس اسمه جون إسكوبس لأنه خالف قانون معروف ب"قانون بتلر" حرّم تدريس نظرية النشوء والارتقاء في مدارس الولاية التي تمولها الدولة. وقس على ذلك قرار ولاية كنساس الذي منع تدريس النشوء منذ سنوات. والمعارك ما تزال على أشدها لاستبدال النظرية بغيرها.

وعليه فنقض ماركس مما ينبغي أن ينظر إليه في سياق هذه الردة على الحداثة أيضاً. وإن كان لكشف ماركس خصومه في دوائر المال والسياسة لأسباب معروفة. وهذا لا ينبغي أن يعمينا من أنه اكتشاف أوربي وقع في سياق عهد الأنوار الأوربي. ومعرفته بالتالي واجبة علينا لأننا نقع من أوروبا موقع الضحية.

ولن نغادر هذه المحطة السفلي بغير معرفة وثقى بالمجريات الأوربية عن كثب وبحمية. وهذا فحوى حجتي ليقوم بيننا علم الاستضعاف. وهو علم نقد أوروبا لا مجرد الاستشهاد بها مثل: " قال العالم الأوربي الفذ فلان بن علان". وتكفينا حجة رنين اسمه ولقبه وبلده. وأن نهجر للأبد الطريقة الجغرافية الشمولية في تقويم أوربا مثل قولنا هي مادية ونحن روحانيون أو هي حديثة ونحن متخلفون. فهذا باطل وقبض ريح.

ماركس مستحق للنقد بلا تثريب. وقد نقده إدوارد سعيد مؤسس علم الاستضعاف بغير هوادة في نظرته للاستعمار (أنظر الهامش). ومع ذلك كانت العبارة الافتتاحية لكتاب سعيد "الاستشراق" مأخودة من ماركس نفسه (هامش). ولكن ما أزعجني مؤخراً الطريقة التي ارتد بها بعض الماركسيين عندنا عن شيخهم. فلم أر منهم كبير عناية بترسم مقتضى علم الاستضعاف الذي هو العلم المستقل بأوروبا.

فقد نظرت في ورقة "آن أوان التغيير" التي كتبها الأستاذ الخاتم عدلان قبل خروجه على الحزب الشيوعي وطلب فيها "تخريد" الماركسية لانتهاء عمرها الافتراضي. فهو مثلاً يقول إن عصرنا شهد ثورة تكنولجية لم يعرفها ماركس ولم ينظر فيها. وهذا حق. ولهذا السبب استحسنت كلمة الذي قال إن قارة ماركس المكتشفة (وهي الرأسمال) لم تكتمل ولم يطو السجل على شهادة بحثها بعد.

وأضرب على ذلك مثلاً سخيفاً لمجرد التوضيح. فقد "اكتشف" كولمبس قارة أمريكا وهي الآن غير ما كنت على عهده بمراحل فلكية. ولكن الكشف باق لكولمبس وللعوامل الاقتصادية والسياسية التي جعلت فتحه ممكناً. فتغير الخارطة لا يلغي الكشف بخاصة لو لم ينهض سبب وجيه لنقضه. فالخاتم لم ينظر لأصل مساهمة ماركس في اكتشافه فائض القيمة الذي لم يقل هو أو أحد غيره إنه كف أن يعمل عمله في الرأسمالية سواء خلال ثورتها الصناعية أو التكنلوجية. وكل ما ذهب إليه الخاتم هو استعداد رأس المال حالياً ليفيض من فضله على العاملين لاطراد روح الديمقراطية في الغرب. وهذا "السخاء" مما يمكن رده بصورة ما لقوة النموذج السوفيتي المنتكس في دولة الرفاه الذي أرعب الرأسماليين فأرادوا اقتطاع جزء أكبر من فائض القيمة والسخاء به لمنع تكرار ذلك النموذج. وقد رأينا كيف ارتدت السيدة ساتشر في بريطانيا وريقان في أمريكا عن هذا النبل متى تهاوى الاتحاد السوفيتي. بل رأينا منذ حين قريب كيف تنازل عمال شركات الطيران عن قسم كبير من أجورهم لإنقاذ تلك الشركات السفيهة.

ما كشف عنه ماركس هام لنا جميعاً ممن وطأتهم الرأسمالية مراراً وتكراراً. منا من يقبله بمترتباته فيكون ماركسياً ومنا دون ذلك. فمما دون ذلك يتخذونه أداة للعلم بنظام مذل من أحد أميز نقاده سهر العمر كله: من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساء بمكتبة المتحف البريطاني للتعرف على منهاج الرأسمال. واستغربت للخاتم كيف وصف مشروع ماركس بأنه ابن مجرد نازع شفقة بالعمال الألمان الأشقياء نشأ عليه وشاب. فلو لم يسفر ماركس عن غير الشفقة بالعمال لكان فينا شاعراً. ولكن ماركس دوام على أمهات كتب الاقتصاد السياسي ليخرج بنظرية لا تفسر بؤس العمال وتستبكي له بل لتغيره كذلك.

ربما استفدنا من عودة ماركس في ملابسات تهافت الرأسمالية قناعة أن لا يغيب عنا نحن معشر المستضعفين. فهو أول من سبر غور قارة الرأسمالية في الغرب التي هي أس استضعافنا.

هامش: نقد إدوارد سعيد ماركس لحزازته الأوربية بحفاوته بالاستعمار البريطاني للهند الذي سيخرجها من التخلف إلى الحداثة. ولكن صدر في 2010 (2016) كتاب "ماركس على التخوم" لكيفن أندرسون الذي طعن في قول سعيد عن عنجهية ماركس ألأوربية بعد نظر بحثي صميم في كتابات ماركس الصحفية اللاحقة.

هامش: They cannot represent themselves; they must be represented

وهي مأخوذة من كتاب "18 برومير" وهو قراءة استثنائية في متعة العبارة. وترجمتها أن ليس بوسع العمال تمثيل أنفسهم (عرض أنفسهم ومسألتهم) فهم دائماً ما يمثل بهم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.