(في أعقاب الأزمة الاقتصادية في 2008 عاد الغرب يقرأ ماركس كما لم يفعل منذ زمن. فصدقت عندهم جملة من أقواله وهم في مطب أزمة نظامهم الرأسمالي).
2 ماركس: براءة الحمامة ومكر الثعلب

وجدت أن الكاتب الأمريكي من أصول بريطانية قريبة كريستوفر هتشن قد سبقني إلى عرض كتاب "رأسمال ماركس" لمؤلفه فرانسيس وين (2006) بمجلة "الأطلنطي" (أبريل 2009). وهتشن كتَّاب كتابة يا ناس. لم ينقص مقامه كمؤلف نصيح عندي أنه انساق مع دعوة المحافظين الجدد لغزو العراق. وذاق الأمرين من اليسار الذي كان نجماً في سمائه المحدودة هنا وبخاصة على صفحات مجلة "النيشن". فقد أوسعوه مما يستحق ومما لا يستحق. وكان (وربما لايزال) ماركسياً تروتسكياً. ويعجبني قلمه بكبواته. وأضعه في مقام الكاتب البريطاني جورج أوريل (صاحب رواية "مزرعة الحيوانات" التي بَشَّع فيها بالنظام الاشتراكي) الذي فتنت به في الستينات وحتى يومنا. واجتمعت عندي المتع كلها حين كتب هتشن عن أوريل كتاباً صدر منذ عهد قريب. أبو الكلب.

كان عنوان عرض هتشن لكتاب رأس المال هو "جاكم تاني". وأطرف ما فيه النادرة التي بدأ بها كلمته. فيروى أن إذاعة البي بس سي استطلعت في أول عهدها معاشياً بلغ أرذل العمر وكان خدم بصالة الاطلاع بالمتحف البريطاني خلال العهد الفيكتوري (معظم القرن التاسع عشر). وسألوه لو يذكر كارل ماركس المشهور عنه أنه كان يلازم المتحف البريطاني من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساء. فلم يتعرف عليه المعاشي ذو النفس القائم من فرط الكبر. ولكنهم استدرجوه وغذوه بمعلومات عن صورة الرجل وعاداته من هنا وهناك. ذكروا له مثلاً أنه كان شديد الانتظام بالمتحف طويل الدوام، يحرص على الجلوس في مقعد بعينه، عظيم اللحية، يعاني من تقرح الجسم، وكثير التناول للغداء بكفتيريا المتحف، ومهتم بكتب الاقتصاد السياسي. فعرفه. وقال: "دا ما مستر ماركس. والله تور نفسنا بالمراسيل. كتاب ورا كتاب ومجلة ورا مجلة" ثم اضاف: "ويوم تب وقف من الجية. وعارف الحكاية الغريبة. ما في زول تاني سمع عنو أبداً". وقال هتشن بحسه الدقيق إن عامل المتحف هو لا شك واحد من البروليتاريا التي اجتهد ماركس طويلاً ليزيل غبار الوعي الزائف عنها. فأنظر كيف خرج عنه ماركس ولم يعد: شيوعي، غزير اللحية، متقرح الجلد، دين كلب.

لم يلق رأس المال رواجاً لدى صدوره أول مرة. ولربما لم يجفه القراء بسبب خصومة عقائدية أو سياسية. بل باعد القراء عنه كونه كتاباً فكرياً عميقاً. فلم تنفد طبعته الأولى (1000 نسخة) إلا بعد مرور 4 أعوام. وقال ماركس إنه مؤرق للصمت الذي طوق كتابه. وسارع إنجلز وآخرون بعرضه على صفحات الجرائد بعبارات عدائية بأقلام مختلقة لكي يلفتوا إليه الانتباه عملاً بقول سيدنا المسيح إننا ينبغي ان نكون في براءة الحمامة ومكر الثعبان. ولكن كتاب الرأسمال راج في روسيا. وقد أجاز الرقيب القيصري نشر ترجمة له لأنه لم يذكر روسيا بقليل أو كثير. ولم يزد الرقيب عن نزع صورة لماركس عن غلاف الكتاب لأنه خشي أن يتبعه الروس ويجعلوا منه وثناً. وقال الرقيب في تقريره إن قليلين هم من سيقرؤونه وأن القلة بينهم هي التي ستفهمه. ونعلم كلنا كيف جرى تطبيق نظرية هذا الكتاب لأول مرة في هذا البلد بالذات الذي ظن الرقيب أنه بريء منه. وقد استعجب ماركس من هذا الاقبال على كتابه لدى الروس الذين حارب استبداد نظامهم طول عمره. وتوقف عند معنى هذا الإقبال قليلاً ليقول إن صفوة روسيا تتحرى كتب غرب أوربا الأكثر تطرفاً بنهم أشعبي. وقرأ قادة الثورة البلشفية ماركس. قرأه تروتسكي (المهيب الذي عاداه ستالين وقتله شر قتلة في المكسيك التي لاذ بها خشية الرجل) وهو في المنفي في قرية في سيبريا تنتاشها الحشرات. وقال إنه كان يزيح الصراصير عن وجه صفحات الكتاب ليواصل الاطلاع.

أما إنجلترا التي أوت ماركس خلال كتابته لرأس المال فقد أدارت له كتفاً بارداً. فلم تقبل دار ماكميلان نشر ترجمة إنجليزية للكتاب. وقال فرانسيس وين، مؤلف الكتاب الذي نعرض له هنا، إن موت ماركس، ولم يترجم كتابه في الإنجليزية، ربما كان شاهداً على هذه الموهبة البريطانية في الدماكة. وبلغ إهمال البلد لرأس المال حداً قال متعاطف إنجليزي مع الكتاب إن ماركس بيننا مجرد اسم شبحي. فالإنجليز قد يشرفونه بالإساءة إليه أما أن يقرؤونه فلا. ولم يتوان ماركس في القول إن انسداد الذهن موهبة مقسومة لكل بريطاني بالميلاد.

وحتى من تأثر به من الإنجليز للحد الذي نقل منه صفحات بأكملها تغاضى عن ذكر الكاتب والكتاب. وكان عذره أقبح من الذنب. فتذرع بأن الإنجليز يكرهون الاشتراكية علاوة على أنهم يأنفون ان يجلسوا عند قدميّ أجنبي يتلقون عنه علماً. ووصف ماركس فعلة ذلك الرجل بأنها "نصب عديل". وصادف الكتاب مع ذلك حظاً من الذيوع هنا أو هناك. ولكن أكثر من أعجبه الكتاب هو برنارد شو المسرحي الإنجليزي المعروف. فقد قرأه في الفرنسية بالمتحف البريطاني الذي كان ماركس يغشاه بإدمان للاطلاع وبحث مادة الكتاب. وقال شو لما قرأ رأس المال إن تلك كانت لحظة انعطاف في حياته. وزاد بأنه جنى من ماركس فتحاً فكريا غير مسبوق. فقد فتح عيونه لحقائق التاريخ والحضارة وأعطاه مفهوماً طازجاً للكون، وأفاض عليّه رسالة في الحياة، وأصبحت له فيها غاية. ولكن شو لم يكسب جماعته الفابية الاشتراكية ولا حزب العمال لماركس لأنهما ابتعدا أبداً عن تبني منهج الصراع الطبقي. ومن بين من قرأه من الإنجليز وليام موريس الاشتراكي. وهو من كتب عنه الدكتور محمد عبد الحي رسالته للماجستير لو صح استرجاعي لقول عبد الحي لي ذات يوم. أما موريس فقد أحسن غاية الإحسان إلى من ورث نسخته المجلدة. فقد بيعت بمبلغ 50 ألف دولار في عام 1989.

وبرضو بتقول ماركس طفش وين يا جماعة الخير.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.