(في أعقاب الأزمة الاقتصادية في 2008 عاد الغرب يقرأ ماركس كما لم يفعل منذ زمن. فصدقت عندهم جملة من أقواله وهم في مطب أزمة نظامهم الرأسمالي).

1-عودة دي ماركس

اشتريت من دكانة الصحف بمطار أمستردام جريدة "يو إس آي تودي" وكتاباً صغيراً (130 صفحة) عنوانه "رأسمال ماركس" لمؤلفه فرانسيس وين (2006) صادر في سلسلة "كتب زلزلت العالم". وهو كتاب عن "رأس المال" كتاب كارل ماركس الذي تواترت الأنباء عن رواجه في ظل الأزمة الاقتصادية الناشبة بالعالم حالياً. ولم اكتشف الرابطة الوثقي بين مبيعاتي في ذلك الصباح إلا بعد أن رأيت الكاريكاتير بالجريدة. ففيه طفل مستشيط غضباً يصرخ لأمه: "ماما جيمي قال لي كلام السفاهة". وفي مقابل الطفل المستشيط وقف جيمي بوجه غاضب متحسب للعواقب. والكلمة السفيهة التي أغضبت أخاه معلقة على رأسه تقول: "يا رأسمالي". فلم يكن صعباً بالطبع أن اقيم العلاقة بين الجريدة والكتاب. فالرجل ذو الدقن الدائرة، ماركس، هو وحده لا غيره الذي جعل من كلمة "رأسمالي" كلمة سفيهة. يكفي القول في سفه هذا الرأسمالي ذائعة الشركة التي أنفقت 165 مليون دولاراً حافزاً لرجال أعمال فيها وفي غيرها من مال امتصته الإدارة الأمريكية من دم دافع الضرائب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الشركة. وهي نفس الشركة التي أفلس بها من أمطرهم دافع الضرائب بشآبيب الإحسان.

كتاب ماركس قصة لوحدها في المماطلة بالنشر من فرط طلب الإحسان والإصابة. فقد طال حمل ماركس لكتابه نحو 20 عاماً منذ نشر مقدماته في 1844 حتى صار كتاباً سويا صدر جزؤه الأول في 1867. ومات ماركس قبل أن يحرر الأجزاء الأخرى التي تولى أمرها خدن روحه فردريك إنجلز وآخرون. كما ساهم في هذا العطل إملاق ماركس وصنوف المرض التي تعاورته. كان بوسع ماركس أن يكتسب عيشاً رضياً كأستاذ فلسفة في بلده ألمانيا بعد حصوله على الدكتوراه. ولكن نفسه أبت إلا أن ينغمس في السياسة الراديكالية ضد الإقطاع والاستبداد الملوكي. فيهاجر إلى فرنسا ثم انجلترا التي كتب فيها "رأس المال". كما وجد أن العيش بين الأكاديميين يوماً بعد يوم مما لا يطاق. وتساءل: من يريد أن يتحدث دائماً إلى الأكاديميين الذين وصفهم بأبي ظربان وهو صنف حيوان خبيث الرائحة. كما كره فيهم أنهم لا يجتذبهم البحث عن شأن ما إلا ليقف حمارهم عند عقبة كل ركن من أركان العالم.

كان مما أخر صدور الكتاب أخذ ماركس لنفسه بالشدة في تحصيل المعرفة. ففي انجلترا عكف على دراسة الاقتصاد السياسي الذي اشتهرت به ليستكمل معارفه المستحصلة من الفلسفة الألمانية والسياسة الفرنسية. وأحسن الفرنسية حتى أنه راجع مترجم كتابه فيها. فأخذ عليه هنات في بعض فقراته وتولى ترجمتها نيابة عنه. وكان ماركس ممن يتعلم خلال الخدمة أي خدمة الكتاب وتأليفه. فقد توقف عن التأليف ليدرس اللغة الروسية حتى يتمكن من دراسة نظم تملك الأرض عند الروس. وتوقف كذلك ليدرس الرياضيات مرة وحركة أجرام السماء. فقد اعترضته في 1857 أو نحوها مسألة رياضية اضطر معها لأخذ كورس عاجل في الجبر لتخطيها. وقال إن هذا التعليم خلال الخدمة لازم لمن يريد أن يرتاد بالناس آفاق المعرفة.

وتأخر صدور الكتاب كذلك لأن ماركس "متلقي حجج". يترك ما بيده من تأليف ليجادل المهاجرين الليبراليين الألمان ويسفه أحلامهم. فهو لا يقاوم إغراء وقاية الجمهور من الزيف التقدمي لأن رأيه أن الناس ستتبع الاشتراكي الزائف بأكثر من إتباعها لمناصر للملكية. فكان يهجر رأس المال ليصدر كتب لجاج وحجاج.

وكان ماركس مفلوكاً كبيراً. والفلاكة هي حالة إملاق خاصة بمن أدركتهم حرفة الكتابة. وقال مرة وقد انتاشه الفقر إنه لا يعتقد بأن هناك من كتب عن النقود مثله وهو الذي خلا وفاضه منها. وقد أعانه إنجلز دائماً ولكنه ظل عائلاً. فقد طرده صاحب عقار من شقته في 1850 لأنه لم يدفع الإيجار. وأحدق بماركس الدائنون من الجزار والخباز يطلبون السداد. واضطر مرة لرهن كل ملابسه للخلاص منهم حتى قال إنه لم يعد يخرج من المنزل لأنه لم يجد ما يرتديه. وأطعم أسرته مرات كثيرة خبزاً وبطاطس لأنه لم يقو على شراء اللحم. وبقي أثاث منزله رثاً مترباً. فشغلت الأسرة (زوجة وأطفال) وماركس والمربية غرفة صغيرة وخصصوا الغرفة الأخرى مكتباً لماركس وملعباً للأطفال ومطبخاً. وتتالت على الأسرة المصائب. فقد مات ابنه قويدو في 1850 وماتت فرانسيكا الرضيع في 1852. أما إدجار، طفله المدلل، فمات بالسل في 1855. ولم يتمالك ماركس نفسه وطاش عقله وكاد يرمي بنفسه في القبر من بعده فرقاً لولا أن حبسه حابس.

ولعب المرض دوراً كبيراً في عطل ماركس عن انجاز الكتاب في موعده. وقال مؤلف الكتاب الذي نعرض له إن جسد ماركس ربما كان يحتج بالمرض لكي يتنصل عن مواعيده مع الناشر. فقد حرمه المريء لأسبوع طلاقة التفكير والكتابة والقراءة او أي شيء آخر. وتعاورته أوجاع الكبد. فمتى كتب أو قرأ لساعات أحوجه ذلك لأن يخلد للراحة لأيام. واستعمل ماركس لوصف هذه الراحة بالغصب عبارة "أبقى بوراً " والبور هي الأرض التي تترك بغير زراعة حتى تتدارك خصوبتها لموسم قادم. وعاني في سنة أخرى من تقيح الجلد وتفسخه وكذلك الآم الكبد. فمنعته من مواصلة التأليف. وكتب الصفحات الأخيرة من مخطوطته وهو واقف عند منضدته لأن التقرحات الملتهبة في صلبه جعلت الجلوس على الكرسي مشقة غير محتملة. ورفض أن يتناول المضاد الحيوي للعلاج لأنه يبلد مخه بينما احتاج هو إلى اليقظة. ولما قرأ إنجلز بعض ما كتبه صديقه تحت تأثير المرض لاحظ بعين فاحصة ضعف تلك الفقرات المكتوبة وقوفاً. ولما صارح صديقه بذلك قال له ربما جففت تلك الآلام بالفعل أسلوبه شيئاً ما. وقال لاعناً: "على كل حال أتمنى أن البرجوازية ستتذكر تقرحاتي هذه حتى يوم وفاتها. أي جماعة من الخنازير هم؟".

وصدق ماركس في هذه اللعنة للبرجوازيين إن لم يصدق في أي شيء غيرها. فقد ذكروه كما رأينا في المدلهمة الاقتصادية التي أحوجتهم لقراءته طلباً لحكمته. كما اتفق على "خنازيرية" البرجوازية كل من علق على فضيحة حوافز المديرين التي عض بها الرأسماليون يد دافع الضرائب التي تقدمت لإسعافهم. ولهذا امتعض الطفل لأن أخاه جيمي قال له كلام السفاهة: "يا رأسمالي".


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.