كتبت يوماً أقول إن تعليم بخت الرضا منقطع عن البركة. وهذا رأي أخذته من الدكتور عبد الله الطيب. ولم "يقع" للدكتور حسبو البشير ربطَنا للتعليم بالبركة لأنها مما لايقاس أو يحاط به. وشجعني أمران للعودة لمفهوم البركة والتعليم. فقد استعرضت في مقالي ليوم الأربعاء الماضية كتاباً صدر هذا العام للسيد رالف نادر، الناشط الأمريكي المعروف في حقوق المستهلكين ومرشح حزب الخضر لرئاسة الولايات المتحدة. والكتاب آية في عرفانه بفضل أسرته ذات الجذور العربية في تعليمه في المعاني الغراء التي أسهرته طول حياته وكسب بها كسبه المعروف للمستهلك والمواطن الأمريكي. وقال بالنص ما معناه أن المدرسة تلقن والبيت يربي. وتربية البيت هي بعض ما أعنيه بالبركة.

من الجهة الأخرى وجدتني اعود إلى قراءة كتاب "حياتي" (3 اجزاء) لبابكر بدري (1861-1954) في مناسبة مرور 100 عام على تأسيسه لأول مدرسة بنات حديثة برفاعة. وأردت بقراءتي هذه أن لا أقبل بحقيقة مأثرته كأمر واقع نضج ظرفه أو شرطه بحيث أنه لو لم يقم به لقام به غيره. فقد كان حدسي دائماً أن مأثرة بابكر هي فحولة (في معنى passion الإنجليزية) استقت شغفها وعنفوانها وبركتها من حياة رجل فريد، هو كوم والآخرون كوم. وأردت بهذا التنبيه إلى أن المشاريع التي تبقى وتنفع الناس هي ما يتولد عن رجال ونساء أفذاذ عاشوا حياة بعرض وطول بنفوس عالية، ورعة، شماء تفني العمر تطلب الحق من وجوهه جميعاً. وإذا تساءلت لماذا لم نعد نحسن صنع مثل هذه المآثر فلأننا انتهينا إلى عصر بقر الصفوة المتشابهة، دا ترميه بدا. فلأكثرهم مشروعاتهم ولكنها لا تبارح سقف الأفندي وخطة التنمية القومية ةالهتيك ومتى سحبت الدولة ظلها تهتك المشروع وكسد.

وقفت بعد قراءة الجزء الأول من "حياتي" لبابكر بدري عند مصدرين من مصادر بركته على التعليم والنساء. أما المصدر الأول فهو توفيقه في تلقى العلم على معلمين شاغلهم المعرفة، أو الخلطة، بهم نذروا لها حياتهم بكبرياء وعفة. فقد قرأ في رفاعة على الفقيه أحمد حامد الكراس وكان بخلوته 400 حوار. وكان الكراس لا يبالي بأهل المال ولا أهل الجاه، ولا يقبل هدية من أحد، ولا يرسل تلاميذه ليخدموا في بلدة أحد، ولا في بلاده. ويمنعهم من عادات الخلوة المؤدية للدناءة كالشحذة بالشرافة في السوق، أو في المنازل، أو السعي لمآتم الأموات لأكل لحم الصدقات.

وروى بابكر أن شيخ العرب عوض الكريم أحمد ابو سن جاءه زائراً والفقيه بشغل عنه. فنبهه الفقيه وقيع الله مرة ومرات لوجود الشيخ في الخلوة. ولمّا لم ينهض الكراس للقاء الشيخ نزل شيخ عرب عن حصانه وقصد الفقيه المشغول عنه. ولما طالت المدة طلب شيخ العرب منه الفاتحة ففعل وأمر طلابه بها. ولما غاب شيخ العرب عنهم عاتب وقيع الله الفقيه على عدم استقبال الشيخ فزجره الكراس قائلاً "يا زول هل ربنا يسألني عن مجاملة الشيخ عوض الكريم أو عن إصلاح الواح الحيران". وانطبع عند بابكر على عهد الطلب حرمة العلم وأشواقه. فقال بابكر إنه غضب مرة لأن الضابط التركي على كاشف أمر بجلد الفقيه أحمد تور ياسين المجذوب. فغضب الحوار بابكر وتصنع الانجذاب كحال شيخه ورمى بنفسه على الأرض شاخص البصر عادم الحركة مع أنه كان واعياً بكل شيء. ثم ترجم وقال إن على كاشف يموت في قرية أبي شوكة. وحدث ذلك بعد عام في ثورة حدثت بالقرية.

لم يبايع بابكر الإمام المهدي لأنه الموضة. كان بابكر قد رأى المهدي حين كان يزور بلدته رفاعة في جماعة من تلاميذه. ووصفهم بأنهم كانوا ذوي وجوه مشرقة وثياب نظيفة وأذكارهم نسيقة. وكان يشغف بأداء صلاة المغرب خلفه. وقال بابكر إن المهدي قرأ مرة سورة القارعة في الركعة الأولى فلما بلغ "يوم يكون الناس كالفراش المبثوث" صعق وخر مغشياً عليه. فتقدم أحد حيرانه وأتم الصلاة بالناس. وظل المهدي في صعقته حتى انفض الجمع. وقال إنه كان ملتصقاً بصفحة المهدي حين جاء الخرطوم بعد سقوطها في يناير 1885 يتفقد بيت المال. فرأى حلي الذهب وسبائكه فالتفت عنها بسرعة البرق وصد عنها راجعاً. فخطر لبابكر في الساعة بيت البصيري: "فراودته الجبال الشم من ذهب." وصلى بابكر في يوم آخر مع المهدي فلما قرأ: "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها" انحنى المهدي حتى ظنوا أنه سيموت ولكنه لما رفع راسه فإذا لحيته كلها تقطر دموعاً. لقد عاش بابكر عصر المهدي. عصر الرجل تصرعه المعاني ويستسخف الزينة البلهاء.
وكان تعلق بابكر بسنن المهدي الأخلاقية عالياً. فقد أعجبته رصانة وعدل أمير بلدة صرص خلال حملة النجومي على مصر لا يفرق بين أمير وحقير. فقال كلمة شاعت: "صرص جوعها قَرَص وأميرها حَرص لا يؤثر فارساً ولا فرس". وكانت هذه السجايا المهدوية من وراء اعتذاره عن تكليف ود النجومي له بتحصيل ضريبة المناصير قائلاً: "يا سيدي أما رأيت غيري تقطعه من الله." فقال له ود النجومي: "هكذا يكون أصحاب المهدي". وقد أحزن بابكر حال ود النجومي وهو يخطو نحو الهزيمة ببسالة اعتصم فيها بالدين وتوكل. فقد داخ ود النجومي يوماً وهو يؤم المصلين من التعب والجوع فقال بابكر: "الله يعزك يا ولد النجومي بعد هذا الذل". قالها ثلاثاً بصوت عال. فألتفت ود النجومي إلى بابكر ووضع يده على فمه وتبسم. وقام بعزيمة وأكمل الصلاة بصوت جهير. وقد سمع بابكر رد النجومي رد الباسل على الإنجليز حين أوغروا صدره على يونس ود الدكيم، الذي جعله الخليفة عبد الله أميراً على حملة مصر. فقد اخضع الخليفة ود النجومي لود الدكيم في ملابسات هي موضع مؤاخذة كثيرة في النظر التاريخي. وسأله الإنجليز أن يتحول إليهم، ومنوه بأصناف الراحة والسعادة، فقال إننا بايعنا المهدي وخليفته فإذا قتلناكم وجدنا ما منيتمونا به وإن قتلتمونا لن تجدوا غير "جبة متروزة وحربة مركوزة".

وكان بابكر مجاهداً مهدوياً من ممن وصفهم الأستاذ التجاني عامر بأنهم "دراويش وفرسان". كان مؤرقاً بقتال الكفرة الغاصبين متحرفاً له. كان "طالبانياً" شديد العقيدة في النصر على القوم الكافرين. سمى عوده للجهاد بعد قضاء غرض ما "شوق" له. وشارك في حصار الخرطوم وفتحها وسار في جيش ود النجومي لطرد الإنجليز من المتمة في 1885، ثم في حملة الأمير نفسه إلى مصر 1886. وكان سباقاً إلى الجهاد. فقد ذهب في نفر من الأنصار راجلين من غير علم أحد لفتح حلفا. وعلم جيش الأنصار بهم فأرسلوا من أرجعهم. وتطوع في دنقلا العرضي حين نقل لهم ود النجومي مصرع أنصار صرص وطلب فدائيين منه لدفن الشهداء. ولم تمنعه جهاديتة الطالبانية الشهمة مع ذلك من رؤية الحق والعدل برجاحة لا تغطس بحجرها مقتضيات زمالة السلاح أو غريزة القطيع. فقد واجه خلال حصار الخرطوم رجلاً قرأ لهم منشوراً من المهدي يأمر الأنصار أن لا يخالطوا الخالفين عن الجهاد، ولا يصلوا عليهم عند دافنتهم. فقال له بابكر بجراءة: "المهدي رحيم لا يكتب مثل هذا الكلام". وقرر أن يشكو حامل هذا الوحي الكاذب حتى بلغ ود النجومي. واتضح بالتحقيق أن المهدي لم يرسل ذلك المنشور.

وكان حبه للعلم عميقاً وصحبته للكتاب غراء. كان يجلس إلى العلماء ويستمع إليهم. فقد لقي عالماً أزهرياً بجزيرة كلب بالمحس خلال جنديته في جيش النجومي. فجالسه. فأهداه العالم كتاب الحرفيشي الذائع بين صوفية السودان.
وكان بابكر يطيل القراءة فيه حتى قالت له زوجته ذات ليلة "كفاك قرايه". وأطفأت النور الذي كان عبارة عن عود خشب مسقى في الشحم ليلهب النار. ولكن "تهايل" بيت بابكر الجهادي على الكتاب حين أسرع الأنصار في الرحيل عن صرص. ولم يجد بابكر فسحة من الوقت للبحث عنه. وعاد بعد عامين بعد فك أسره بمصر عام 1891 وقصد صرص وحفر المكان الذي كان به بيته. فأخرج الحرفيشي من تحت الردوم ما مس ضر الأرضة غير ورقة واحدة. وذكر بابكر الحرفيشي مرة اخرى في معرض أسفاره بالقوافل للتجارة في سواكن الواقعة في حكم الأتراك. فقد طلب عالم من شعب الرباطاب منه هدية ما من سواكن. فلما لم يجدها اشترى له كتاب الحرفيشي وأخفاه في طي بضاعته لأن الكتب من نوعه ممنوعة من المهدية حتى أوصلها له.

إن المشروع النافع للناس يخرج من مثل هذا الكتاب "المغمول". وقد جاء خلف من الأفندية الخريجين قرأ نهج بخت الرضا والتجهيزي الغردوني وكان آخر عهدهم بهما في امتحانات السنة النهائية قسماً عظيماً أنهم لن يفتحوا كتاباً حتى يلقون ربهم. وقد بروا بوعدهم. ولهذا تتخبط بلادنا في حبائل المشروعات خالية الذمة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////