وجدت السر سيد أحمد، في دعوته للمعارضين أن يسلكوا سبيل الانتخابات لإزاحة الإنقاذ من سدة الحكم، نبه إلى تجارب أفريقية سبقتنا إلى القضاء على الاستبداد بنهج منازلته في الانتخابات وصرعه. وهذه لفتة سائغة. فعلم الناشطين السياسي عندنا لا يقيم وزنا لمقارنة أوضاع السودان بغيره. فهو عندهم لا لو شبيه ولا لو مثالو. ومتى اعتبروا النظر المقارن كان لمعط الذات والبكاء على حال وطننا الذي فاتته الأوطان بالقطار الفات. وودت لو أن السر تمهل عند الحالات الانتخابية الأفريقية غالباً التي رأى فيها مشابه لما يمكن للسودان تحقيقه لفض الاستبداد بالانتخابات. فلو والى تلك الحالات بالتحليل لما أقام هذه النقيضة بين الانتخابات والثورة. فهما عنده وضعان عليك بترك الواحد ما اتبعت الثاني: فإما الثورة وإما الانتخابات. وسنرى أن الحالات السياسية الانتخابية التي ذكرها معجلاً استصحبت في واقع الأمر إما انتفاضة أزالت الظالم نهائياً أو عوقته إن لم تقض عليه.

يدعو السر إلى إسقاط النظام بفوهة الانتخابات لا فوهة الانتفاضة-الثورة. فالانتخابات عنده طريق أقل تكلفة في الضحايا من ثورة الشارع. ويرى أن من له القدرة على حشد الجمهور للثورة عليه من باب أولى أن يثق أن غزارته الجماهيرية، متى أحسن حشدها بعمل سياسي وانتخابي دؤوب، ستحمله إلى السلطة طال الزمن أم قصر. ولا يرى كذلك في العمل المسلح سبيلاً إلى إزاحة الإنقاذ. فامتشاق السلاح، في رأيه، قد يغير النظام ولكنه لا يستبدله بآخر أفضل منه كما في جنوب السودان، واثيوبيا، وأرتيريا. وأنا اتفق معه بفساد فكرة العمل المسلح ولن أنشغل به هنا انشغالي بالحاجز الحديدي الذي أقامه بين الثورة والانتخابات.

لو وقف السر عند انتخابات المستبد لوجدها حشدت الشارع حشداً مرموقاً لتؤمن انتخابات مستحقة الاسم. ففي الانتخابات التي جرت في بلاد للطغاة، والتي عرفت بثورات اللون (color revolutions) في رومانيا (الزهرة)، أوكراينا (البرتقالية)، كريقيستان (التيوليب)، تشيكوسلوفاكيا (المخملية) شهدت حشوداً جماهيرياً معارضة سبقت انتخابات مزيفة وعاقبة لها أدت إلى استقالة الحاكم أو سقوطه. فليس تستطيع، والخال هذه، أن تفصل إلا جزافاً أين انتهت الانتخابات ومتى بدأت الثورة. فهما صفقة رابحة من نوع اثنين في واحدة.

وضرب السر مثلاً بتحولات ديمقراطية في الحكم في أفريقيا تمت عن طريق الانتخابات. فقال إن فوهة الانتخابات هي التي تحولت بكل من غامبيا وكينيا والسنغال وغانا إلى الديمقراطية في الحكم. وأود قبل مناقشة الحالات الواردة أن أبعد السنغال لأنه لم ينشأ فيها مستبد تحول عن طغيانه إلى الديمقراطية. فقد استظلت السنغال بنظام ديمقراطي غلب فيه حزب صبرت عليه المعارضة حتى أزاحته عن سدة الحكم انتخابياً. وربما صدقت قولة السر عن غانا التي انتقلت إلى نظام ديمقراطي بالانتخابات الاستبداد بعسر وصبر. ونحتاج إلى علم أفضل بتاريخ الانتخاب في غانا لنفسر سلاستها في التحول الديمقراطي. ولكن واضح أن عين الغرب كانت على غانا وأنفق مالاً لبدا في إغرائها بانتهاج الديمقراطية. وعموماً جعل الغانيون من إرهاقهم بالانقلابات إرهاقاً خلاقاً علماً بأن جيشهم لم تغره بالحكم حروب أهلية كجيشنا.

أما قول السر بالانتقال إلى الديمقراطية بالانتخابات وحدها في الحالات الأخرى ففيه قولان. برغم أن كينيا لم يقم بها حكم عسكري قابض إلا أنها عاشت في قبضة الحزب الواحد المانع لوجود غيره منذ 1969، بحل حزب أوقنقا أودينقا، والد ريلا اودنيقا رئيس وزراء كينيا السابق والطامح ابداً لرئاسة الجمهورية وزعيم الحزب الديمقراطي البرتقالي، حتى 1991. وكانت لرؤساء الجمهورية والحزب نزعات إثنية طغيانية. وظل حزب جومو كينياتا، كانو بقاعدته بين شعب الكيكيو، يعقد الانتخابات ويفوز فيها تباعا: 1969، 1974، 1979، 1983. وخضع الحزب الواحد الكيني في 1991، والموجة الديمقراطية تجتاح أفريقيا وبضغط من الغرب، لمساءلة قبل فيها بانتخابات تعددية سقط أخيراً فيها في 2002. ولن نخوض في التضحيات التي بذلتها شيعة أودينقا من شعب اللو حتى كتب أودنقا الأب "لم تبلغ الحرية بعد" عن بؤس استقلال كينيا. ويكفينا من تضريج الديمقراطية بالدم خلال محاول استعادتها ما جرى في كينيا في 2007 حيث سقط 1000 قتيل في احتجاجات جرت على تزوير في الانتخابات سرق رئاسة الجمهورية من أودينقا كما اعتقد. وكانت الصدامات المؤسفة وجهاً خفياً من صراع شعب اللو وشعب الكيكو التاريخي في كينيا. ونبهت في كلمة عام 2010 إلى وقوع أكثر الضحايا بجهة نيفاشا التي كانت شهدت تصالحنا السوداني على الاستفتاء لجنوب السودان. لقد صبرت المعارضة في كينيا وصابرت بالفعل كما قال السر لكن ليس بغير تحشيد من درجة عالية في الشارع وفدائية أعان عليها أن المعارضة وحزبها هما بوجه من الوجوه تعبير كبير عن إثنية اللو.

أما غامبيا فكان النضال لاستعادة الديمقراطية فاحشاً. فقد رفض رئيس الجمهورية المحتل للمنصب نتيجة انتخابات 2017 التي سقط فيها بعد قبولها لها.
واضطرت دول غرب أفريقيا إلى إرسال كتائب مسلحة حاصرت الرئيس المفتري واجبرته على الاستقالة. وحدث شيء قريب من هذا في ساحل العاج حيث تدخلت الأمم وفرضت بقوة كتيبة فرنسية على الرئيس الخاسر أن يغادر القصر أمام كاميرات التلفزيون. واتسمت انتخابات القابون في 2016 بعنف شديد لم يزعزع المستبد بعد من سدته.

ربما لم يحسن السر في دعوته للانتخابات طريقاً للتغيير السياسي في السودان بتصوير الدخول فيها كطريق آمن يصطف فيه الناخبون أمام صناديق الاقتراع لا طريق التظاهرة فيسلمون. وهذا ما أزعج معلقين على كلمته ونسبوها للخمول لسياسي لمّا رأوه حسن ظن بالإنقاذ وانتخاباتها لا دليل عليه حتى عند السر نفسه. فلو صمم السر دعوته على دخول الانتخابات بقوة بغير استبعاد لما قد تفضي إليه من التحشيد والصدام والتغيير، إن وجب، لما قام هذا التناقض الذي أوحت به دعوته: وهو الفصم ما بين دخول الانتخابات وإرادة التغيير بإرادة الشعب متى تجبر المستبد.

أرجو أن أتوقف في المرة القادمة عند خطتين في الممارسة السياسية ربما أعانتا في رد الاعتبار لدعوة دخول انتخابات المستبد بوصفها أفقاً مفتوحاً للتغيير السياسي. وهي ليست ضربة واحدة ننتظرها كهلال رمضان في 2020 بل فعلاً للتغيير من فوق ممارسة معارضة يومية بين الناس.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////