(شَرُفت بدعوة من الأستاذ كمال طيفور، صاحب وكالة البحر الأحمر للسفر والسياحة، بدعوة لحضور المهرجان الذي أعده بولاية فرجينيا الأمريكية لتكريم الموسيقار الأستاذ عبد الكريم الكابلي في 26 مارس المنصرم. وكانت مناسبة اجتمع فيها سودانيو الساحل الشرقي الأمريكي ضاقت بهم قاعة أكبر من قاعة الصداقة بما رحبت. وكتبت كلمة طويلة نوعاً ما للمناسبة علمت أنني لن أقول منها إلا النذر. ولكن طاوعت القلم ومحبة الكابلي فلم استبق شيئاً من معينهما بأمل نشرها في ما بعد. وها أنا ذا أفعل. بدأت كلمتي بهذا العبارة من الكابلي في عطر الكابلي فينا وضوعه):

جات الطيوب أعواد تميس من طيبها أهدت صندلو
واتجمعت كل الطبائع وقالو ليك طبعك براك هاك أعزلو
وعزلت طبعك كان معاي مما وعيت بتخيلو
الأستاذ عبد الكريم عبد العزير محمد الكابلي
يا حلو
قيل للرباطابي لماذا تأكلون آخر حروف الكلمة. فهم يقولون "مشيت البي" ل"مشيت البيت" أو "مشيت السو" ل"مشيت السوق".
قال الرباطابي الماكر: لأنه حلو.
ونحن نتذوق الكابلي الذي لا آخر له: كلك حلو
يا لون جديد في أولو
زمان الكابلي: من أين جاء هؤلاء الكابلي؟
نكتفي غالباً بالطرب للفنان. أبشر أبشر. وبلغنا من هذا الطرب حد كسر الحائط بيننا وبينه باستباقه لغناء أغنيته مما حدا بود الأمين للقول: "ما أنا أغني يا إنتو تغنو". ولم نتجاوز على مستوى النظر في المغنى والغناء، جغرافيا الطرب للفنان وبه.
شغلني هذا النقص في ذوقنا للغناء منذ رأيت ولع الناس بحقيبة الفن. أنا من متأخرة المعرفة بالحقيبة وظننتها في الستينات موضة أو فاشون يأخذ برنامجها "من حقيبة الفن" حظه من الاقبال ويزول. فإذا بالحقيبة ماكثة لا تريم. وصح عندي السؤال: من أين جاءت هؤلاء الحقيبة؟ وتربصت بالسؤال حتى عرضت عليّ الدكتور عفاف رحمة أن أشرف على رسالتها في الفلكلور. فاقترحت عليها بداهةً موضوع حقيبة الفن التي ملأت الدينا وشغلت الناس. وتفادياً من أن تدور طالبتي حول ما اتفق لنا من دراسة الحقيبة من حيث نشأتها، ومناسبات قصائدها، ومن قيلت فيه، وبلاغتها، ووطنيتها، اقترحت عليها أن تنهج في بحثها نظرية راجت وما تزال لعالم السياسة البريطاني بيري أندرسون قالت بأن الأمة-الدولة (وهي المؤسسة التي غلبت في تعبئة البشر في الجغرافيا السياسة منذ القرن التاسع عشر) هي نتاج خيال صفوة قومية في سياق تكنلوجيا الاتصال الحديثة من صحف، وكتب، وإذاعة، وتلغراف، وقاطرات، وطباعة. وصار تعريف الأمة على خطة أندرسون أنها جماعة متخيلة IMAGINED COMMUNITY. وأدين بالفضل لمثابرة طالبتي أن اعانتني على توطين الحقيبة في خيال حركتنا الوطنية، ومصطلحها، ومواردها الثقافية. ولا اريد أن أثقل عليكم هنا بالخوض في ما اتفق للدكتورة عفاف عن الحقيبة كبعض خيال صفوة العشرينات والثلاثينات. وسبق لي نشر كلمة عن ذلك حائمة في الأسافير.
وصح هنا، ونحن نقلب مأثرة هؤلاء الكابلي فينا، أن نسأل، متجاوزين طربنا المفعم به، إلى السؤال: من أين جاء هؤلاء الكابلي؟
ولم أهتد إلى شيء مما قد أطمئن إليه من إجابة السؤال سوى منذ أيام بفضل ابن الكابلي البار سعد الكابلي. فاستنطق في قناته الخاصة والده عن منشئه من خلال قصيدته "قلية بن". فبدا لي من القصيدة صحة وجدوى القول إن الكابلي ابن ظاهرة تكتنفتنا منذ زمن ولا نكاد نقبض على زمامها. وهي حقيقة البندرة urbanization من "بندر" وهي المدينة. فنحن في حبائل هذه الظاهرة منذ عقود طويلة ولم نتأقلم بعد على ديناميكيتها وإمكاناتها وجدلها ومطلوباتها. فما تزال القرية "وطيبتها" وحدة القياس الثقافي نحكم به على مدى سقوطنا من علياء طهرها إلى حضيض البندر. واكتفينا بام درمان من شمول الظاهرة حين اقتصرناها على أم درمان. وبالحق أم درمان تاج في البندرة قديماً وحديثاً ولكنها ليست نهاية الأرب. وبدر مني هذا الاحتجاج من قبل وأنا أكتب مقدمة لكتاب السفير الخضر هارون "رسائل في الذكرى والحنين " عن ذكرياته في بندر السجانة بالخرطوم الذي قل أن تذكر من فرط استغراقنا في أم درمان، فحل البنادر.
بندرة الكابلي كما بدت لي من حديثه إلى ابنه سواكنية راسخة. أصلها في الميناء وبضائع الصادر والوارد:
السلع التغازل يقظة الأحلام
صندل والحرير من فيل وريش ونعام
وفرعها في سراية الكابلي والمماشي إليه الحاشدة ب"هنود وشوام". ولن تبلغ السرايا قبل مرورك ب"محلج دباس الشامي" ممن عَبر صيته "لمانشستر وبحر المانش":
واصل السير (هكذا طلب الكابلي من قلية البن) كمان لامن تلاقي سرايا
قدامها البحر يلمع كأنو مرايا
فيها الكابلي سطر بحروف ضوايا
للأطفال دروس قرآن كتابة قرايا
وعادني وأنا استمع إلى "قلية بني"، ترجمة الكابلي لنفسه، قوله مرة عن نهضة المرأة السودانية:
أي صوت زار بالأمس خيالي
إنه صوتي أنا
أو تدري من أنا؟
فلقصر الكابلي نسب بهذا الصوت الفأس. فلم تكن جداته، فاطمة وأم الحسن، متعلمات وحسب، بل كن يدفقن علماً على من لا علم له من بنات شعب البجا في حلقات تنعقد بسراياهن ذات الحروف "الضوايا". وهو قصر لم يعد في خيالنا عن سواكن وحقيقتها. فأحتل محله قصر الشناوي من أساطير الأولين بغرفه الثلاثمئة وخمس وستين الشبقة يخوضها صاحبه إلى النساء كل غرفة بيوم مع امرأة طازجة على مدار السنة. استبدلنا شطح غرائز الوهم بقصر الكابلي المنير.
ووجدت الشطر "أي صوت زار بالأمس خيالي" ذا صهيل في حياة الكابلي. فأسعدني أنه لما طاف بأرجاء بندر سنكات المقدس توقف بالذكر عند المرحوم محمد بدري أبو هدية. وكنت عرفت أبا هدية، الوسيم في الرجال، في سنكات عم 1988. قال الكابلي لقلية البن متى أدركت سنكات:
أبحثي عن هدية وقولي ليها والدك ود بدر بدرين يضوي سمانا
وود هدية رجل نادر جعل تعليم بنات البجا وأولادهم أكثر همه منذ الخمسينات. وله في التماس هذه الغاية الغراء حيل وفكر كبيرين عرضت لهما في مقالي بالعربية عن الإنجليزية: "مثقفو البجا: من قيد الاستضعاف للشوكة". ولن تجد لأبي هدية ذكراً كمثل همشكوريب ووليها الشيخ علي بيتاي. ومأثرة أبو هدية مع ذلك استثنائية بكل المقاييس. رحم الله محمد بدري أبو هدية ممن كشف لي عن خير الإنسان لأهله بسماحة ورحابة وعزيمة.
نشأ الكابلي في بيت به فونغراف على قلتها في زمنه. وتفتح وعيه الفني على أغنية المدينة الجديدة في وقت باكر. وسمع والده، عبد العزيز الكابلي، خريج غردون الموظف بالجمارك، يدندن بالحقيبة في غدوه ورواحه. وصدح الفونغراف بالحقيبة وإسماعيل عبد المعين: "قابلتو مع البياح". وكان والده يجمع هاشاً باشاً من حوله مجالس الأنس في الأدب والفن، ويولمها مما صنعت يده الهاوية للطبخ. وانتقل صغيراً في السابعة والأربعين من العمر. يا رحمة الله تنزلي عليه.
وترد في سياق "قلية بن" أسماء أسر سواكنية لها بصمة غير عادية على سياسة السودان ووجدانه: البازرعة، الملاسي، الضراراب ممن شكلوا ذوقنا الحديث للسياسة والتاريخ والغناء والمسرح والسينما ضربة لازب. فهم طلائع البندرة طليقة الجناح التي لا تخشى في طلب الجمال والحق والخير خشية تقليد، أو إملاءات ابوية مرهوبة الجانب.
لقد احتجت مؤخراً، كابن لبندر عطبرة ذي الخيال الاجتماعي الجموح، للدفاع مكرراً عن هذه البنية المستحدثة في الوطن. فقد أزعجني من استعجلوا بالحكم عليها بالفشل بل إدمانه، وتباروا في ندب هذه البيئة كمن لا نستحقها وشق للجيوب عليها بما هو "معط الذات" الخالق الناطق. فمؤكد أن ساء الناس من البندرة أشياء ولكن الحكم عليها من جهة سياسات الحكم وحدها افتئات وقصر نظر وبغي. فبمثل هذا الحكم القاصر يروح عليك جمال كل أولئك الذين جعلوا البندرة ممكنة، وممتعة، وشائقة. ومتى ما ساء فعل السياسة فيها "هبت الخرطوم في جنح الدجى" تقبل عثراتها وتبقى على جوهر البندرة "الباقي لي" في 1956 و1964و 1985. والليالي من الزمان حبالى. فالمدينة في تعريف بسيط مختصر مفيد هي ما صح فيه القول" إننا لا ننتظر المستقبل (أو نتكهن به) فنحن نصنعه بأيدينا. We don’t wait for the future, we make it.
وقال التجاني يوسف بشير عن هذا الصنيع "الوجود المعاير". ولهذا كان لأبيات محمد المكي صدها وصهيلها ما يزال:
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدة والسير
من غيرنا لصناعة الدنيا وتركيب الحياة القادمة.
إن ما نرزح تحته من هوان بوطننا هو عقوبة طالت واستطالت للمدينة التي تجرأت في أكتوبر 1964 لتكتب، بغير معقب، التاريخ والقيم الجديدة والسير على صفحة الوجود المغاير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.