عقدت الدهشة لساني ليلة الثاني من فبراير بعد فراغي من حديثي عن أستاذنا عبد الخالق محجوب مع الأستاذ الطاهر حسن التوم، مقدم برنامج "حال البلد" على س 24، حين بدأ يتنادى إليه جماعة من زملائي الكتاب. دخل الأستاذ السر السيد، ثم السفير خالد دفع الله، ثم الأستاذ غسان عثمان. وخطر لي أن الطاهر ربما دعاهم لاستنطاقي المزيد عن أستاذنا عبد الخالق. فصرخت فيهم: "اتفزعتوا عليّ". وتهيأت لأعرض المزيد مما أعرفه عن الرجل. وما أن تراص زملائي حولي وحول الطاهر حتى اتضح أن شأنهم غير. وبدأ لي شأنهم حين قدم الطاهر لفيديو من إعداد الأستاذ الفاتح وديدي عني أنا. لقد تكبدوا جلسة طويلة في منتصف ليل الخرطوم ليقولوا كلما طيبة عن منزلتي في التأليف والثقافة السودانية.

SURPRISE
وطرأ لي لماذا لم اشك في شيء وقد رأيت السر السيد ساعة دخولي. وأفتكرته، من فرط حسن ظني، أنه جاء لغرض آخر. ولم يقف دفق الزمالة عند هؤلاء. ف"تخابطت" التلفونات تنقل صوت السفير الخضر هارون من الخرطوم والأستاذ عادل الباز من الدوحة المحروسة.

كانت لحظة استثنائية في مادة عزت عندنا. وهي الصحبة الماجدة في السفر المهني الشاق. وهي أعراف يطلقون عليها في الإنجليزية espirit de corps أي الزمالة التي تظلل سماء أولاد الكار ممن تواثقوا على أداء خدمة ما للناس من حولهم وتواضعوا على إحسانها. ومن ذلك أن تنعقد بينهم وشائج العرفان والتكافل والمودة على الحق. وهي مما ربما احتاجه الدكتور عبد الله الطيب يوماً وقال "الإنسان كثير بأخيه". وقد صدئت هذه الزمالة من جراء نظم سياسية مستبدة تعاقبت وطالت وصار فيها الترقي في المهن بالولاء لا الأداء. وهذا تعطيل خطر للمعيار الذي هو قوام الزمالة. واشتهرت عبارة "القفز بالعمود" في وصف هذا الخرق للزمالة يتخطى به العجول سياسياً الرصين المستحق. وهذا خلق شائن بشع يذهب بريح المهنة ووصفه بالإنجليزية ill collegiality أي الزمالة الممروضة. واستباحت النظم المستبدة المهن من هذه البوابة.

كانت جلسة الطاهر ل"” لبب نجاب" اتفق لهم التضامن مع زميل سبقهم إلى "ارتكاب" طريق الكتابة. وهو وحشة. فلا خيل تهديها ولا مال. ولا عصبة قبلية تجيشها فتخوض في مضمار قسمة الثروة والسلطة وتسقط المساومة كاسباً. وصرنا لقلة نفرنا "مثقفاتية" ساكت. تجود لك الجماعة بالقراء إلى حين ثم، ما شرعت في إداء وظيفتك كما تقتضي المهنة، نزعوا البلك وأخذوا منك القراء وحولوهم إلى قطاع لطريقك. ولم يحتمل كثيرنا المضي في الطريق إلى نهاية الشوط. فإما هجر المهنة أو تحالف مع الشيطان.

قال لي من أثق في حكمه أن مجلسكم على س 24كان فتحاً. فلربما كانت المرة الأولى التي اجتمع فيه نفر منا على جسد تآليف كاتب لا على جسده الفيزيائي. ولم تكن معرفتهم بهذا الجسد من التأليف وليدة لحظة دعوتهم للمحفل بل ثمرة إطلاع حفي دقيق طويل بها. وبلغ من النفاذ أن استوقفتهم عبارات من النص مثل ما استوقفهم معني النص. وقال لي رأيتك مطرقاً صامتاً من "هول" الفتح. فالمناسبة مبتكرة والأدوار فيها لم تسفر عن نفسها بعد. الحق كنت أنتظر قطر بلل العرفان بعد ستين عاماً من صهد الكتابة. وحين جاءت به سارية س 24 كان وابلاً. "حلم أم علم" يا رب.

دين الطاهر حسن التوم، الإعلامي عالي المهنية، عليّ كبير في ما تأخر من نبله وما تقدم. وأكثر ما أسعدني إن السابحين إلى ضفة الثناء على تآليفي جاؤوا جميعاً من ضفة أخرى للنهر: السفير خضر هارون، السفير خالد دفع الله، والأساتذة عادل الباز، والسر السيد وغسان عثمان. وأحسنوا النظر في شغلي. وهذا اختراق ندعو الله أن يكون السنة في الوطن بل الفرض طمأنينة واعتدالا. فلو اضطرنا حب الوطن أن نبدأ من الصفر كما فعلنا على س 24 لما استغليناه.

ولتدم أنت أيها الوطن.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.