سأل الأستاذ حسين إبراهيم ملاسي في واحد من سطرياته قال: "لو لم يخلق الله عبد الخالق محجوب، ما الذي سيجده ع ع إبراهيم ليكتبه ويقوله!". وأجيب: كنت سأكتب عن كثير أمثاله من الخيرين مثل والده أستاذنا المرحوم إبراهيم ملاسي كما فعلت قبل سنوات في رسالة وجهتها إليه حين ذكر تقريظ والده لشخصنا مراراً:

الأخ الأستاذ حسين ملاسي، أسعدني ما رويته عن والدكم المرحوم ملاسي وأنه قد طبعكم على محبة تلميذه الذي هو أنا من فرط الثناء.
يدين كل من تعلق بالإبداع بعطبرة الثانوية (1956 -1960 وما بعدها) لوالدكم. فقد كان قوي العقيدة في الفن حتى أنه لم "يحتشم" أمامنا فيمتنع عن التمثيل كما هو متوقع من مثل جيله أمام تلاميذ. فقد أضحكنا حتى قطع مصاريننا وهو يمثل بصوت واحد "خرستو" اليوناني" وكوهين" اليهودي" فاطلعنا على ثراء اللسان وكنوز الحنجرة.
كان أباً لفصلنا في سنة أولي "تيجاني". واراد ان يفاخر بنا الفصول. فأخرج بنا مسرحية "إسلام عمر" بقلم صديقنا المرحوم أبراهيم سيد احمد زميلنا في نفس الفصل. وهو شقيق المرحوم الدكتور الموسيقار مكي سيد أحمد. وينتمي الي عترة إسماعيل الأزهري حتى ان شقيقه المرحوم الدكتور حسن سيد احمد خطب نيابة عن الأسرة يوم عند دافنة المرحوم إسماعيل الأزهري. وقد أصبح إبراهيم ضابطاً بالقوات المسلحة واشترك في انقلاب 19 يوليو وفصلوه وجردوه. ثم عينوه بالحكومة المحلية. ومن موقعه ذاك حشد خريجي عطبرة الثانوية في 1981 ليحتفل بالعيد الفضي للمدرسة. وكان حسن الاطلاع يفوق لداته كثيراً. وعلاوة على المدرسة تزاملت مع المرحوم في رابطة اصدقاء نهر عطبرة الأدبية (1957) التي ضمت المرحومين المنبثق وبشير الطيب وحسن مدثر والدكتور باخريبة والأمين عبد المجيد واحمد الأمين البشير وآخرين. وكان مكتبها بعمارة عباس محمود وأصدرت نشرة شغلت الساحة الأدبية هي "نهر العطبرة".
وكان إخراج المسرحية مناسبة لصبي مثلي ان يقف علي سحر الفن فينجذب له حتى هذه السن المتأخرة من العمر. كان دوري لا يتعدى سطراً واحداً. فكنت أرصد لسيدنا عمر (وهو لم يسلم بعد) عند الباب الذي يتذاكر فيه المسلمون القرآن. فإذا جاء عمر الي البيت قلت: "هذا عمر. . . هذا عمر". فيخفون نصوصهم السرية المطاردة. وحكيت هذه الواقعة المسرحية يوماً للأستاذ خالد فتح الرحمن. فاستملحها قائلاً: "وما تغير شيء. ما زلت تقول هذا عمر . . . هذا عمر". ويقصد الرئيس عمر البشير. ولكن هذا السطر الذي حشرني في المسرحية حشراً أطلعني على وسيط الفن فتعلق قلبي به.
وقفت بنفسي على الإخراج كعملية ذكية تأليب لعناصر الإبداع. ولا يصدق المرء حسن خاتمتها وإشباعها وهو الذي رآها تبدأ من لا شيء. وقد تناصرت وسائط اخري لأعانت ملاسي على بلوغ الغاية من إخراجه. كان بالمدرسة المرحوم هاشم عثمان يدرس التاريخ. وكان مولعاً بعزف الكمان. واستعان به المرحوم ملاسي لوضع الموسيقي التصويرية. ولم يحتشم هاشم كما لا يحتشم ملاسي لعرض "الأعيبه" الموسيقية على تلاميذه كما قد يفهم من هو في جيله. وما يزال في أذني صدي الموسيقي الرعوية التي اختارها هاشم لمصاحبة المسرحية. وأكتمل سعدنا بتبرع الأستاذ أحمد علي المدرس بالأهلية الوسطي بتسجيل المسرحية على شريط بمسجله الذي ربما كان الوحيد بعطبرة أو المديرية الشمالية لو اردت الدقة. تجمع من هذا كله شلال فرح وفن عقدت لسان الصبي بالدهشة. وأيقن من يومها ان هذا الفن زمالة وكدح الي الجمال والحق.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.