صدر عن مؤسسة سنار: عاصمة الثقافة الإسلامية كتابها الواحد والتسعون بعنوان "أصل الفونج: تحرير الخلاف حوله". وجمع الكتاب مقالات بالإنجليزية عن أصل هذه الجماعة السودانية منذ عشرينات القرن الماضي. وقام بتعريبه المرحوم محمد عبد الله عجيمي، القاص والمترجم والإعلامي. وكتبتُ له أنا المقدمة وعنوانها: "أصل الفونج: تفكيك لغز معرفي استعماري".

وعمر هذا الكتاب كفكرة وشغل قارب نصف القرن. فانعقدت لي مع معرب هذا الكتاب المرحوم عجيمي صداقة نادرة. فاستضافني عن أعين أمن ليل استبداد نظام الفريق جعفر نميري كمتفرغ للعمل الثقافي في الحزب الشيوعي في 1973. ووجدني طريداً فآوى. بل جعل من أهله من جاد الله وحلة يونس والدويم أهلي. وكان سمحاً أخفى عني خلجات انزعاج كدرتُه بسببي كما عرفت لاحقاً. وكان فكهاً لا يجارى. وله طرب للنكتة يسمعها أو يرويها. وكنا إذا اجتمعنا على شواء لحم قلنا "تاج الدين البهاري" ضحكنا كأننا نسمعها لأول مرة. ولم نقصد سوى تذكر التوابل نبهر بها الشواء
واقترحت خلال تلك الفترة العصيبة على محمد ذات يوم من 1973 أن يترجم، حين رأيت إحسانه التعريب في العربية عن الإنجليزية، كل الكتابات عن أصل الفونج التي وردت في مجلة "السودان في رسائل ومدونات" وفي غيرها. وكنت قرأت له معجباً تعريبه حوالة البريد" لعثمان سامبين السنغالي صب فيها ذوقاً عربياً عالياً. وأعجبته الفكرة ووالى المشروع لم تقطعه عنه هجرة رزق إلى قطر وعودة منها. بعد إنهاء تفرغي الشيوعي اتصلت بالمرحوم بشير إبراهيم بشير رئيس وحدة الترجمة بجامعة الخرطوم أعرض المشروع. فنظر في أوراق عجيمي وأجازها معجباً وأعاننا ما استطاع. وأتاحت لي فرصة البعثة لأمريكا فزودته بمقال أو آخر. وتمسك عجيمي بعروة المشروع الوثقى لا يحيد عنها ولا يتحول حتى اثمرت هذا السفر الطيب الذي بين يديّ القراء الآن.

وما يمضني ويسد الحلق بالعبرات أن عجيمي لم يعش ليرى ميلاد كتاب سهر عليه وصابر واحتسب. ربي وسع مراقده، وأحسن مقدمه فهو من خلقك العُباد الزهاد السُجد في محاريب العلم، وأرفعه إلى عالي جنانك. رحمه الله وبارك في ذريته لؤي وعزة وأروى وفاطمة وصبّر أختنا سعاد ابنة عمنا المناضل التهامي محمد عثمان، من قادة ثورة 1924، الذي كان مدخلي منذ الستينات إلى هذه الاسرة الورعة.

الصورة للمرحوم محمد عبد الله عجيمي معرب الكتاب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.