أحزنتني جداً عبارة صلاح قوش بعد إطلاق سراحه في 2013 بعد اعتقاله بتهمة الاشتراك في انقلاب عسكري للعميد ود إبراهيم . فقد ظننت أنه، وقد ذاق بعض السم الذي طبخه في الإنقاذ، سيرعى الله والوطن في نطقه. ولكنه لم يجد سوى تجديد البيعة للنظام بلا شرط ولا قيد. قال قوش إنه سيظل عضواً أصيلاً في الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وأنه لم يغير المباديء ولا الأفكار وسيظل متمسكاً بها، وأنه ابن الإنقاذ ومنها وإليها. وهذه هي الاستماتة على الثوابت التي غطست حجرنا. يقيض الله للرجل منا والمرأة تجربة مما يزلزل الطود الأشم وساستنا أشداء على المباديء والنظم والوظائف ذاتها التي أساءت لهم. يريد لنا الله أن نغير ما بأنفسنا بأنفسنا ولكننا نستعصم بما وجدنا عليه آباؤنا لا نتفرس تلك النفس ونحملها راغمة إلى الحق والجمال والله. فما الذي سيرفع عن قوش أسر تلك المباديء التي لم ينسها وقد جرى اعتقاله لعام بتهم لم تنهض أدلة كفاية على جرمه، كما قال؟

وليست عاهة التمترس من وراء المبدأ بعد تجربة السجن والظلم قاصرة على الإنقاذيين. فقد أحزنني جداً منذ نحو شهر أن رفيقنا فاروق محمد إبراهيم، القائم على منظمة لحقوق الإنسان، لم يستجب لندائنا للتحقيق في تعدي الحركة الثورية على أبو كرشولا المنكور حتى ندد به مسعود باردين مبعوث الأمم المتحدة للتقرير بشأن حقوق الإنسان في السودان. وصدق قولي في منظمة فاروق من أنها منظمة لضبط التعدي على حقوق الإنسان لصاحبتها الحكومة حصرياً حين وجدتها قبل أيام تطلب إطلاق سراح بعص المعتقلين بذمة الحكومة. وتعرض فاروق كما هو معروف لأذى بيوت الأشباح من صنع قوش بما حسبته يحرر حقوق الإنسان من الزيغ الحزبي ويبذلها لكل مظلوم مستصرخ. عاد فاروق من قبح بيوت الأشباح لم ينس شئياً من ثوابته ولم يبرأ فؤاده من الإثرة ليسع كل من "في هم وكرب" في لغة أشياخنا الختمية".

المباديء للصفوة السياسية مؤممة. بمعنى أنها لم تعد ملكاً للفرد منهم يتقحمها فرداً حراً بالمراجعة "ووزنة البلوفة" بما يطرأ عليه من تجارب. فليس بوسع الواحد منهم التصرف الذكي في المباديء لأنه شريك فيها مع جماعة تتربص ب"الزنديق" الذي كفر ببعضها ورغب في تغييره. وبليلة الشِركة لا تفور. ويخشى جميعهم الوحشة إذا ما خاطروا بتبديل سنن العقيدة. فمن "شذ" منهم نبذوه وتربصوا به. ولذا كانت الصفوة عندنا بلا وجدان الذي هو بؤرة الشغل المر في تنزيل المبدأ الرمادي على الواقع الأخضر فالنمو فالأريحية. فأعظم الحادثات المزلزلة المجلجلة تمر بصفوتنا فلا تترك أثراً في وجدانها ولا تمس ثوابتها. ولذا كان أقسى ما يلعن به أستاذنا عبد الخالق محجوب الصفوي بأنه "عديم الوجدان".

بكي قوش حين اجتمع بأفراد أسرته في أجواء الفرح. ولم ترجع به دموع الرجال العصية هذه إلى أيام احتبست على مآقي ضحاياه وفي صدورهم ليقول قولاً حسناً أشفق بنا من حديث الثوابت والاستماتة. وقرأت هذه الأيام عن دموع خضبت وجه ماندلا القديم. فقد زار جزيرة قوري بالسنغال. وكانت الجزيرة هي الخطوة الأولى في مشوار الرقيق الأفارقة قبل أن تقلع بهم السفينة إلى العالم الجديد. وطلب ممن حوله أن يختلي بقبو كان سجناً للمتمردين من الرقيق. ومكث فيه لبعض الوقت. ثم لما خرج كانت الدموع تبلل وجهه النبيل. فقد تنزلت مهانة الرقيق على وجدان من شقي بهذه المذلة لسبعة وعشرين عاماً في جزيرة روبن.

هذه هي الدموع الجوهر!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.