استاء الأستاذ هيثم الفضل من صحافتنا التي لم تنبس ببنت شفة صبيحة موكب معارض لحكومة الإنقاذ ذات أربعاء قريب. وقال: "كيف نبحث عن شمس التحرر والانعتاق . . . ونحن نسجن الناس جوراً وبهتاناً في اضابير الظلام".
ولم أجد من ينطبق عليه خبط العشواء إلى الحرية مثل الأستاذ صلاح الدين عووضة في عمود له ب"الجريدة" عنوانه "النهر الأحمر" (الصيحة 27-1-2018). أقام فيه مقارنة عجفاء بين "تحرير" الخرطوم في 1885 على يد المهدي "وفتحها" على يد كتشنر في سبتمبر 1898. ووجد صلاح (كسائر كتابنا من سوست دولة الإنقاذ عقلهم ووجدانهم) المهدية متوحشة، متعطشة للدماء في تحريرها الخرطوم وفي دولتها بينما كانت بكتشنر الرأفة بنا والحنان والذوق. وخلص من سرد عجول لدموية المهدية إلى قوله: "ففي مقابل وحشية "التحرير" هذه دعونا ننظر لإنسانية "الفتح" عند كتشنر".
وما بدأ بعرض إنسانية كتشنر حتى كشف عن جهل فاحش بتاريخ "فتح" الرجل. وأول آيته كذب. قال إن كتشنر استباح أم درمان ليوم واحد. وكذباً كاذب. فكانت الاستباحة ثلاثة أيام حسوما. وكتب ضابط إنجليزي عن حصاد تغنيم المدينة قائلاً: " كان كل أنواع منهوب أم درمان معروضاً للبيع في المعسكر. فتجد الدروع والأسلحة وأخريات (سوفنيرات) من دلائل النصر والتغنيم. لم يخل أحد منا من سيف او سيفين أنصاريين جاء بهما. وكذلك جبب الأنصار الحسان التي جاؤوا بها للمعسكر بكميات وافرة. وحتى الشيخ بابكر بدري، الذي شهد الوقيعة، اشترى بخمسة ريالات الجزء الأول من تفسير الكشاف بورقه الأميري الجميل المنهوب من بيت الأمير شيخ الدين ابن الخليفة عبد الله كرم الله وجهه. وظل ود بدري يبحث عن الجزء الثاني حتى وجده.
وواصل عووضة تزوير إنسانية كتشنر. فقال إنه أوقف الاستباحة فوراً لما خرجت عن الضبط على يد الجهادية السود ممن أسرفوا في التغنيم وعوّض من تضرر من النهب. ونقول عرضاً إن الاستباحة، التي قال عووضة أن كتشنر قررها ليوم واحد، لم تدم حتى لسحابة اليوم لأن كتشنر أنهاها من فرط شفقته على الأمة. فأنظر هذه اللجلجة!
ولو قرأ عووضة التاريخ بغير ما يتسقطه في صيف غيظه الإنقاذي لعلم أن الرأي العام البريطاني استفظع "فتح" الخرطوم على ضوء ما ورد عن توحش كتشنر وجيشه. وقال تشرشل عن بشاعة "فتح" أم درمان: "سأكتفي بالقول إن النصر في أم درمان قد شانه القتل الوحشي لجرحى الأنصار، وأن كتشنر لمسؤول عن هذا جميعاً". وكتب مارتن دالي في مؤلفه "امبراطورية على النيل" عن اضطرار كتشنر لنفي ما أثير عن قساوة قواته وتوحشها في فبراير 1899. وكانت التهم التي وجهت إليه 1) الأمر بقتل جرحى المهدية أو التغاضي عن ذلك، 2) قيام جنده بذلك القتل، 3) استباحة أم درمان، 4) تعريض المدنيين لإطلاق النار قصداً. وقال مارتن دالي إن التهم كلها ثبتت عليه ما عدا الرابعة.
لم تكن استباحة أم درمان نزوة أو سوء تقدير. كانت حملة دفتردارية انتقامية قاصدة. فقد بالغ الإعلام البريطاني في تصوير سوءة حكم الحليفة عبد الله، كرم الله وجهه، لغاية تجييش بريطانيا من وراء حملة "فتح" الخرطوم. وكانت بريطانيا البرلمانية على خلاف في الأمر. واشتغلت مخابرات ريقنالد ونجت لكي تذيع عن الخليفة كل ضروب البطش لكي تكسب الرأي العام للانتقام لغردون، وتفرض على البرلمان تخصيص المال للفتح. ويكفيك دليلاً أن الذي كلفه كتشنر بتفجير قبة المهدي كان الرائد دبليو إس غردون أبن أخ جنرال غردون باشا. فأنظر هذه "الصعيدية" الحداثية: يثأر بها أهل الدم لوليهم. وقال مارتن دالي إن وحشية كتشنر وجيشه الفاتح هي الثمرة المرة للإعلام البريطاني المفرط في عداء الخليفة الذي جعل استرداد السودان الانتقام الأمثل لغردون. وعليه انطبع في الجنود الغزاة أن الأنصار من هوام الأرض ولا يستحقون الحياة. فقتلوهم لا يلوون على شيء. بل كان الفتح مناسبة ليصفي مثل سلاطين باشا حسابات مع المهدية التي حبسته واضطرته للإسلام. فقتل أمراء جرحى معتقلين عرضوا عليه فيهم الأمير العريفي الربيع.
لقد أطلق كتشنر باستباحة أم درمان لأيام ثلاثة غرائز الانتقام، وأخذ القانون باليد حتى لو صدقت المظالم. فكتب بابكر بدري عن انتقام عسكري من سيده السابق بإطلاق الرصاص عليه، ووضع حذائه على جسده القتيل. كما انتزع جندي أخر أخته من سيدهما المولدين ببيته، وقتله برصاصة، وسط ضحكات الأخ والأخت. كما قتل الميرغنية عوض الكريم كانون وقتل الجعليون أحمد حمزة. وقال بابكر بدري إنه ولثاني يوم الفتوح ترى الجنائز مطروحة في طريق الهجرة مجهول قاتلوها ومجهول أهلوها. وحكى عن تغنيم بيته أمام ناظريه بالسلاح.
المعروف عن عووضة أنه قلم حاد في نقد الإنقاذ التي طال ليلها. ولا أعرف كيف يشحذ مثله النفوس للتغيير بهذا التزوير للتاريخ ليزري بالمهدية الأميز في طلب الحرية وتحقيقها في السودان. حين خرج الناس يطلبون التحرر من الإنقاذ وجدوا عووضة، من صفوة الرأي، في الجانب الآخر من سرغام (جبل عند كرري. والعبارة عن الفاصل بين من كانوا مع المهدية ومن كانوا في الضفة الأخرى منها مع الإنجليز) يروج لكتشنر ممن ظلم الأنصار والسودان بشهادة وثقى من أهله. وهذا "حوص" تاريخي يذكر بكلمة هيثم الفضل: "كيف نبحث عن شمس التحرر والانعتاق . . . ونحن نسجن الناس جوراً وبهتاناً في أضابير الظلام".


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.