شغل نبأ نية أوبرا ونفري (63)، البليونيرة الأمريكية السوداء ونجمة برنامجها التلفزيوني الأشهر، الترشح لرئاسة الجمهورية الأمريكية في 2020 الناس جراءها لأيام قبل أن يتبخر بعد إشارات قوية منها أنها ليست طامعة في تلك السدة. وتواترت الذائعة عن ونفري بعد خطبة لها ملهمة في مناسبة تسلمها جائزة سيسي ديل ميل لخدمتها الطويلة الممتازة في عالم المرئيات الماتعات في 8 يناير الجاري. ولم يبق للمعلق بعد، وحتى إشعار آخر، سوى تحليل إسقاطات طلة ونفري الانتخابية القصيرة على حالة السياسة الأمريكية في ظل الرئيس ترمب.
فقالت النيويورك تايمز إن حديث ونفري كشف عن المسغبة الكبيرة وسط الديمقراطيين لمرشح أكبر من الحياة لمنازلة ترمب. فالحزب تتنازعه تيارات حول ليبراليته ومقتضيات الكسب الانتخابي لا يجد منها فكاكاً. ومن رأي الصحيفة أن ونفري، ديمقراطية الهوى، ستختصر له طريق حلحلة تلك المشاكل. فهي امرأة سوداء ستجتمع عليها النساء والأمريكيون السود. ولها مع ذلك خاطر مقبول للكثيرين الآخرين لأنها مروج كبير لعقيدة أمريكية جوهرية مفادها أن بوسع المرء اجتراح المعجزات طالما امتلك زمام نفسه، وتقوى على الصعاب، ووسعت نفسه الآخرين برحابة. وزكى هذا النظر للديمقراطيين أنهم خرجوا من حملة للرئاسة خاسرة لأن مرشحتهم هللري كلينتون، على نبلها، ماسخة قابضة لا فضفضة لها مع الناس. فلم يكن بوسعها أن تأتي بمثل عبارة ونفري: "يطل يوم جديد في الأفق" في حفل الجائزة. وهي العبارة التي هفت لها الأفئدة، وأروت ظمأ للديمقراطيين، أو الأمريكيين، للتفاؤل في عهد ترمب القابض المبتئس. وقال فران بروني من النيويورك تايمز شعراً في ونفري حين عقد المقارنة بين طلاقتها وتيبس كلنتون بقوله إنها محمولة على أجنحة الكاريزما التي تفيض منها بالجنبات، لا بل هي شلالات نياجرا الكاريزما.

ولكن من الديمقراطيين من لم يستحسن فكرة ترشح ونفري للرئاسة. وقالوا إنهم لا يريدون للانتخابات أن تكون حرباً للنجوم اللوامع عديمي الخبرة في الوظيفة السياسية. فلا يفل عندهم الحديد الحديد. فتجربتهم تحت حكم ترمب، النجم التلفزيوني، أزهدتهم في رئيس منهم أو من غيرهم يأتيهم عبر التلفزيون بلا خبرة في السياسة. فمن رأيهم أن حزبهم يعاني من فقدان الأجندة لا من حاجته إلى شخصية مشعة لها كاريزما.

وهكذا رأينا ذائعة ترشح ونفري للرئاسة الأمريكية تجدد مسألة أمريكية شاغلة جاء بها ترمب خلال عامه في الحكم، وهي وجوب الوظيفة السياسة وخبرتها في شعاب الحكم في من يملأ السدة الأمريكية. ولكني أعتقد أن من أكثر أخطاء الليبراليين فداحة ترويجهم أن الرئيس ترمب، الذي لم تعركه الوظيفة السياسية، جاء ممثلاً لزمان "جاهلي"، في مصطلحنا ربما، موصوف بأنه "ضد النخبة، وضد التبحر في المعرفة، وضد واشنطن." وفداحة هذا الترويج في ظنهم أن تبخيس ترمب لبنية المؤسسة الحكومية نابع من جهله المحض بأعرافها وآلياتها. ولكن الصحافية كاثرن بونل نفت عنه الجهل بمعنى "عدم المعرفة" العادي بالأمر. فمن وراء صعوده، في قولها، صفوة محافظة ظلت لنصف قرن تنخر في جسد البنية السياسية القائمة تريد خلق نظام جديد للمعرفة حول ما ينبغي أن يكون عليه أداء الدولة. وهم نخبة من رجال الأعمال وعلماء الجامعات والإعلاميين. وهم صفوة "ليبرالتانية"(Libertarian) العقيدة تجعل الفرد في مركز المجتمع وتحليله، وتنسب حقوقه للفطرة لا عطية حكومة أو مجتمع، وتناوئ مركزة الأشياء لأنها تعتد بالطلاقة والتلقائية. ومن هنا كان مطلبها أن تكون الحكومة التي على الناس مؤسسة في الحد الأدنى. وتميز هذه العقيدة الإنتاجية، وترى من حق المنتج أن يحتفظ بعائد إنتاجه لا تتطفل عليه حكومة تأخذ منه لتسعف غير المنتج. وهذا الترفيع الروحي للإنتاجية ينعكس الآن في تنصل الدولة حسب سياسات ترمب الحالية عن غوث الضعيف.

وصبرت هذه الجماعة على خسرانها السياسي الطويل تبشر لفكرها ضد ما تسميه ب"الأرثوذكسية الفكرية السائدة" ويعنون بها الليبرالية. وأكثر ما تستهدف هذه الجماعة، التي خرج ترمب من كنف فكرها، "الموضوعية" التي تتذرع بها الأرثوذكسية الطاغية. وترى فيها موضوعية تخدم غرض خصومهم الليبراليين لا غرضهم. فروجت بالنتيجة لحق الواحد في أن "يختلق" حقيقته. وأنشأت لدعوتها معاهد مثل معهد الهيرتج الذي رمى بثقله في نقد "الخبرة الموضوعية" التي يتذرع بها الليبراليون للتمكين لأنفسهم. ولهذا كثرت عند الليبراليين الإشارة إلى ترمب كرجل "الحقائق البديلة" لا "الحقيقة" بينما لا يرى هو سوى أنه يختلق حقائقه كما يختلقون حقائقهم.

زبدة القول هنا أن ترمب، على ما يقال من خلوه من الفكر والخبرة، ليس نبتاً شيطانياً، بل هو خريج تقليد ثقافي أمريكي ليبرتاني توارى عن ناظرينا لغلبة التقليد الليبرالي في أمريكا كما نراه مثلاً في الحزب الديمقراطي. فما يقوم به ترمب حالياً من "تخريد" للقوانين التي قيدت الصناعات وغيرها حفاظاً على البيئة ليست جهالة كما قد يزعم الليبراليون. بل هو خطة حوكمية سياسية عائدة إلى العقيدة الليبرتانية التي تكره تطفل الدولة على ذوي الهمة في الإنتاج. فقد ألغى إلى يومنا هذا نحو 100 قانوناً رقابياً على الإنتاج صدر أكثرها في عهد الرئيس أوباما لصون البيئة. فرخّص مثلاً لأصحاب المناجم رمي مخلفات صناعتهم في الأنهار الشيء الذي يستبشعه الليبراليون. وصفوة القول إن ترمب ليس مجرد شعبوي في "حالة تسلل" في الحكم الذي جاءه على رأس رجرجت اسقمتها واشنطون. خلافاً لذلك فهو نتاج تقليد ثقافي تمسك بخيوطه نخبة لا تقل معرفة من الصفوة الليبرالية في مسائل السياسة والحكم.

ومن أذكي ما قرأت عن ذائعة ترشح ونفري من وصفها بأنها "متنبئة". وقالت بهذا الصحفية روس دوثات لترسمها نبية لدين أمريكي مستكن من تحت غطاء الدين التقليدي وعلمانية الليبرالية. ويَبْطل في هذا الدين الفاصل بين الدين الجواني والبراني في الإنسان، وتتواشج فيه السعادة مع المال، ويتوافر للإنسان فيه البحث عن حقيقته. وقالت دوثات إن هذا ما يزكي ونفري لردم الأخدود في الثقافة الأمريكية بين الليبراليين والمتدينين الذي عمقته رئاسة ترمب بحيث بدت أمريكا للناظر أمتين: متدينة وعلمانية. ووجدتُ العبارة الأكثر تمثيلاً في استحالة التفاهم بين الأمتين قولهم إننا نتهارج عبر الأخدود ولا نتحدث واحدنا إلى الآخر speaking past each other)). وبلغ هذا الأمر أشده الدرامي بفرز كل جماعة كومها عن الجماعة الأخرى. فصوت مجلس رقباء منطقة سيسكيو بولاية بكاليفورنيا في 2013 للانفصال من الولاية لأن قوانينها الليبرالية، في قول أحدهم، لا تتماشى مع حقوقهم المعطاة من الرب. ولم تمض أيام حتى قرر مجلس منطقة مودك اللحاق بمنطقة سيسكيو. وبالطبع لم يترتب وضع قانوني على التصويت ولكن دلالة سقم الأمة الوجودي من الأمة الأخرى غير خافية. علاوة على التجارة الرابحة الجديدة التي تتولى جمع أهل العقيدة والمزاج المشترك على صعيد واحد بعيداً عن أمريكيين أمثالهم ممن هواهم غير هواهم. وكنا نظن اقتسام أمريكا مما اقتصر على الجماعات الوطنية المتطرفة من البيض والسود التي خرجت بخرط للولايات انتبذت فيها كل من بيضها وسودها مكاناً قصيا.

إن الذي بين التقاليد الثقافية في أمريكا لأخدود عظيم. فصدر لعالمة الاجتماع لأريل رسل هوشسجايلد كتاباً عنوانه "غرباء في بلادهم: الغضب والبكاء في اليمين الأمريكي" وصفته بأنه رحلة إلى قلب اليمين السياسي لكشف السردية العميقة التي "يضغن" عليها. وخلاصة السردية أنهم، من فرط سيادة الأرثوذكسية الليبرالية على حياتهم، صاروا غرباء في بلدهم. وللوقوف عن كثب على هذه السردية سعت الباحثة الليبرالية بقدميها إلى عوالم هذا اليمين ترصد ليالي ترمب الانتخابية لتصفه بأنه مرشح العواطف لتركيزه على استثارة الاستجابات العاطفية وتزكيتها بين جمهوره. ولا يشغله ذلك مع ذلك عن دقائق السياسة وخططها. فيُشْتَم من خطاباته الغُلب والفحولة والوضوح والعزة بالأمة ورفع معنويات الفرد، فتلهم مستمعه وتحوله عاطفياً. وقالت المؤلفة إن هؤلاء الغرباء في أوطانهم جاؤوا إليه حيارى من نكد الدنيا عليهم ليسترد لهم، باجتماعهم حوله، الأمل والبشاشة. فهم يجتمعون عنده لتأكيد وحدتهم، ومتى اتحدوا، شعروا بالأمن واحترام الذات. فترمب يطلق لسانه على عواهنه في النساء والمكسيكيين والمسلمين والسود. فيحل عقدة من لسانهم طويلاً خشية قلم التصحيح الليبرالي السائد، أو ما عرف ب"الحشمة السياسة". وقال رجل للمؤلفة عن هذا التضييق الليبرالي: " "يعتقد الناس أننا غير أسوياء إذا لم نحس بالأسف حيال المهاجرين السود واللاجئين السوريين. ولكنني رجل جيد ولا أحس بالأسف حيالهما".

تكون نهاية الثقافة متى تخددت على هذا النحو الذي نراه في أمريكا. فمتى انفلقت هكذا لم تعد وسيطاً للتفاهم بل للتهارج. وقيل إنه، متى وقف حمار الثقافة في العقبة، كان ذلك إيذاناً بظهور المتنبئون يسدون مسد الثقافة العاطلة بالكريزما والخوارق (وربما الدجل). ولذا وجدت هفوان الأفئدة لترشح ونفري، الموصوفة بالمتنبئة، للرئاسة صرخة في روح أمريكا تريد أن تجتاز الأخدود الواقعة في براثنه.

أخرجت ونفري في لمحة خاطفة أثقال أمريكا. فلامست رمزيتها الخصبة أوجاع وطن تتخطفه الأصوليات العلمانية والدينية حتى ألجأت كل جماعة للاعتصام بصدفتها عن الأخرى. ففي ومضة نية عابرة للترشح للرئاسة الأمريكية كشفت ونفري كالبرق تضاريس السياسة الأمريكية وأخاديدها. وليس معلوماً بعد إن عادت إلى فكرة الترشح التي من المؤكد قد خامرتها إلا إن كان استمتعت لمن قال لها: "لو صارت أوبرا رئيسا للجمهورية فمن سيكون أوبرا".

الجزيرة نت

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.