لا بد أن كثيرين منكم صدحوا ب "لن ننسى أياماً مضت لن ننسى ذكراها" ببراءة في مطلع 2018. بل ربما بشيء من الفخر أنها، كأهزوجة عالمية، صارت من بين مدارات عالميتنا. وتذاكرنا من عربها المرحوم أحمد محمد سعد بالخير.

وشاعر "لن ننسى" (وهي من البلد ballad وهي غناء محض) هو روبرت بيرنز الأسكتلندي. وأريد أن أفسد عليكم، لو سمحتم حماسته لأغنيته. فهو شاتم أفضل البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أغنية (بلد) أخرى ذائعة الصيت دارت حول بأساء جامع الضريبة-الباشبوزق الأسكتلندي. وكان بيرنز نفسه من جامعي الضرائب. ومعلوم أنهم جماعة مكروهة يتحاشاها الناس. وقبل إنه قطع الأغنية في حفل لهم في 1792. واستخدم فيها اسم النبي الكريم على صورته التي سادت أوربا الكلاسيكية والوسيطة وهي MAHOUN. وهي كلمة رديفة للشيطان. والاعتقاد عنها أنه إله يتعبده الوثنيون. وتجد أدناه المقطع الأول من أغنية الباشبوزق الاستكلنديين.

The Deil cam fiddlin thro’ the town,
And danc’d awa wi’ th’Exciseman,
And ilka wife cries:—’Auld Mahoun,
I wish you luck o’ the prize, man!

وجرؤت على تعريبها مع التعذر لعامية اللغة فيها. فهي تتحدث عن الشيطان جاء يعزف مزماره شاقاً المدينة ورقص مع الباشبوزق حتى توارى به عن الأنظار. والمزمار من ملاعيب الشيطان يغري به البشر ويستدرجهم إلى بلاده المجهولة. وصرخت زوجة مظلوم من الباشبوزق بعد أن رأت مشهد اختطاف الباشبوزق: "يا مهاون "محمد" القديم لتهنأ بصيدك اليوم. وهنا مطابقة بين الشيطان وأفضل البشر، والعياذ بالله. فقال مرجعي إن مهاون هنا كلمة رديفة لشيطان.
لماذا تورطت في هذا التحريض على هذا االشاعر البلداوي المشهور والمعروف بتقدميته في زمنه. فكان جمهوري العقيدة في بلد للملوك؟ سببي أنني ظللت لعقود اقرأ لبعض كتابنا يطلبون، راكبين اعتى خيولهم الأخلاقية، أن يشطب المتنبي من ديوان الشعر العربي لأنه قال عن كافور الإخشيدي:

لا تأخذ العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد
وهذا حساب صيرفي للشعر لن يبقي من الشعر ديارا. فلو ترخصنا في هذا الأمر، بحيث نرمي إلى سلة المهملات ديوان كل شعر تورط في حزازة ما، لما بقي من الشعر إلا المحفوظات الأولية. إننا لا نقوم الشعر والإبداع عامة ب"سنسرة" عاقبة. منتهى ما نطمع فيه أن نفهم حسنه وقبيحه في سياقه.
وقلت مرة في محاولة لفهم بيت المتنبي الرجيم إنه "شاعر شباك" مروع. فهو نفسه الذي دافع يوماً عن كافور الإخشيدي (الذي لا تأخذه إلا والعصا معه) ممن شانوه لسواده يبغي العطاء:
إنما الجلد ملبس وابيضاض النفوس خير من ابيضاض القباء (الملبس)
بل وجدت المتنبي يميز السواد على البياض بصورة بعيدة المأتى. فتذكرون إنني أكثر الإشارة إلى "المانوية". ووجدتها عند المتنبي في قوله عن كافور الأسود:
وكم لظلام الليل عندك من يد...تُخبر أن المانوية تكذب

فهو هنا يزكي السواد على البياض. فالمانوية عقيدة تقول بأن الخير من النور والشر من الظلمة. ولكن كافوراً الأسود كذَّب المانوية. فهو لا يرث الشر من الظلمة. فنِعم الليل المظلم عنده كثيرة خلافاً للمانوية. فالليل:

وقاك ردى الأعداء تسري إليهم وزارك فيه ذو الدلال المحجب

فمن نعم الليل (السواد) عليه أنه الغطاء ينفذ من لججه إلى الأعداء. وفي الليل تزوره ربة الخدر فيأنس بها. فأنظر إلى الحضور الفلسفي لهذا الشاعر الذي يريد عداة الأفروعروبية إلغائه بجرة قلم من سجل الشعر من فرط غلب الهرج على الثقافة عندهم.
أها دي بدي. صادروا المتنبي لوقاحته وخروجه من اللياقة مع السواد. ولكن ليس قبل مصادرة "أيام مضت" وشاعرها شاتم الرسول. والسنة الجديدة الجاية غنو "دجاجي يلقط الحبا" و "لي قطة صغيرة".


لا أدري متى نتوقف عن تعلقنا بالشعر العربي والتوغل فيه متى صح أننا مستعربون لا عرباً؟ هل حظ "المستعرب" بخيس وحظ العربي وفير؟ هل بوسعنا ان نقارن المتنبي بفروست مثلاً أم أن ذلك فوق وصفنا الوظيفي كمستعربين؟ هل نحن مساعد ياي عربي لا نكون به عرباً كاملي الذوق الشعري أبداً؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.