كلما هجست لي خيبتنا في الاستقلال تذكرت شذوذ الوضع الذي تلقيت به نبأ منح السودان حق تقرير المصير بفضل اتفاقية 23 فبرائر 1953 الموقعة بين حكومتي بريطانيا ومصر. كنت وقتها في الحادية عشر من عمري. واجتمعنا صبية حلة المحطة بعطبرة للعب عند رأس الحلة من جهة شارع المحطة بين آخر البيوت ودار المرشدات التي تحولت إلى استراحة للكمسارية لاحقاً. وكنا نغشى دار المرشدات. وأذكر أنها عرضت علينا فيلماً من وحدة أفلام السودان لمباراة كان الهلال أحد المتنافسين فيها. ولا زلت أذكر سحر الفيلم في نفسي . فتلك كانت المرة الأولي التي أرى فيها شخصاً أعرفه لحماً ودماً على الشاشة الغشاشة. فقد ظهر في الفيلم عامر حسن لاعب الهلال المبدع يملأ الساحة فتوة رياضية غراء. وكان الفتى من أبناء حلتنا ايضاً. وهذا رزق في مزاوجة الواقع والخيال فوق احتمال الخيال الصبي.

كنا في تلك الدورة من الصبينة التي يولع فيها الأطفال بقلب الهوبة. وجاء دوري لقلب الهوبة يوم اجتمعت شلة أولاد حلة المحطة في تلك الظهيرة من فبرائر 1953. ولم أكد انقلب وتستقر قدماي على الحائط حتى سمعت من يذيع متطوعاً إلى من حوله خبر توقيع الإتفاقية قائلاً "السودان استقل خلاص". ونظرت من أسفل إلى أعلى ورأيت رجلاً يخب خباً تضوع منه الفرحة بتحرر السودان ويتنسمها العالمين. وكان هذا علماً باكراً بالوطن. وكانت سوح حلة المحطة هي أكثر ينابيع علمي هذا الباكر بالوطن. فقد وجدت نفسى يوماً متطفلاً أجرر أذيالي في مؤخرة موكب عمالي علمت لاحقاً أنه مسيرة هئية شئون العمال في عام 1947 التي حاصرت مدير السكة حديد، الذي تقع مكاتبه عبر الشارع من حلتنا، ليعترف بالنقابة. ولم أكن سوى متطفل لا يريد غير أن يبلغ بيته عائداً من روضة مدرسة كمبوني. ولا زلت أذكر عصر يوم من نوفمبر 1948 وقفنا بظهر الحلة نتسقط أخبار مظاهرة ضد الجمعية التشريعية قائمة على قدم وساق بالنادي الأهلي بحلة الفكي مدني. وما لبثنا قليلاً حتى جاءنا رجل اطلق ساقيه للريح في موضع الكبري الحالي بين حلة المحطة ومكتب العموم. وهرج فينا من بعيد: "موت، موت". وكان بذلك قد أذاع علينا خبر مقتل الرفيق قرشي الطيب وصحبه ممن تظاهروا في ذلك اليوم. وقد عرفت البمبان أو الغاز المسيل للدموع بأعجل ما تيسر. فقد كنا نجده ملق في طريقنا إلى روضة كمبوني خالفاً من صدام البوليس والعمال. وقد جربنا شمه بإنوفنا من فرط شقاوة الصبا فسالت منا دموع اربكتنا. وقد سقطت بمبانة من تلك الحارقات على عم عبد الجليل الذي كان يبيعنا الدندرمة بروضة الكمبوني وتفصد جسده بالجراح.

من أوسع أبواب العزاء نبوءة الرجل بفساد الأمر قبل وقوعه. ومما يسليني احياناً حين أضيق بمالآت الاستقلال وفجيعة الناس فيه استدراكي أنني لقيته قالباً الهوبة معلقاً بين السماء والأرض. وهذا التأرجح بين السماء والأرض هو ما تأّذ ت منه جمهرة من الناس لم يأت الاستقلال بقدر توقعاتها منه. ولم استسلم لصدق نبوءتي مع ذلك. فقد وقفت بصورة مستقيمة ضد ما سميته ب "التنصل من الاستقلال". وهو سقم صريح بالاستقلال. وقد قاد هذا بعضنا الي القول إننا ربما لم نكن اهلاً لهذه التبعة الثقيلة. وهو ندامة علي فعل الحرية ومردودها. ويري المتنصلون في الإستقلال قفزة في الظلام هززنا بها الشجرة الوارفة ( دولة الاستعمار) ولم نلتقط الثمر.

ليس بوسعنا بالطبع رد المتنصلين عن الاستقلال الي الجادة الوطنية بالتخوين مثل قولنا لهم : "بيئس ما تقولون. إنكم تتنكرون لتاريخ الوطنية السودانية." فالمتنصلون يملكون الدليل الحي علي بؤس مردود الاستقلال. وقد تكاثرت هذه الأدلة علي النطاق الأفريقي حتي تنامت الدعوة الي عودة الاستعمار الي القارة بمبررات شتي. ويذكر الناس للدكتور علي المزروعي، عالم السياسة الأفريقي الذي لا ترقي الظنون الي حسن وطنيته، مقاله عام 1994 في "الهرلد تربيون" الذي دعا فيه إلى عودة الاستعمار الي القارة بتفاصيل لا مكان لذكرها هنا. بل عاد الاستعمار بالفعل الي افغانستان والعراق.

كلما بلغت في الدروس التي القيها علي طلابي الأمريكيين مقالة المزروعي ودعوته تغنيت أمامهم ببيت من أغنية رائجة عندهم عن الرابع من يوليو وهو يوم الاستقلال الأمريكي. ويقول البيت :"دع الحرية تصدح أو ترن". وأضيف لهم قائلاً لقد ارتكبنا حماقات كبرى أو بشعة منذ استقلالنا. ثم أعيد عليهم قصة أستاذ أمريكي بدأ في بيان فكرة له أمام مجلس ما. وسرعان ما قاطعه أحدهم يريد مناقشته حتى قبل أن يستكمل شرحه. فما كان من الأستاذ إلا أن قال له:"أعرف أنني ربما ازعجتك بفكرتي البليدة. ولكن أصبر على حتى استنفد بلادتي". واختم كلمتي للطلاب بأن على العالم المتنفذ أن يصبر علينا حتى تنضب بلادتنا وشرط نضوبها هو الحرية: دع الحرية تصدح.

لقد تنكبنا طريق الاستقلال ما من ذلك شك. وظللنا مختلفين اختلافاً مضرجاً بالعنف حول من هو الملام لهذا التنكب. وهذا شقاق فاش في الأمم. ولكن لا يجهلن أحد علينا بتبخيس استثمارنا في الاستقلال للوطن. يقولون عن الوطن أنه مصطنع وهو ثمرة مرة للاستعمار اختلقه لأغرضه واستنفد عمره الإفتراضي برحيل المستعمرين. ولكن ينسى هؤلاء أننا اصطفينا هذا الوطن القاسي. فلم تمنعنا صنعة الاستعمار للوطن من الفرح به وفدائه والإصرار عليه. وقد قتلنا بعضنا البعض ليكون وطناً أنجب وأذكي وأعدل.

لقد إدخرنا إدخاراً جميلاً في الوطن. ووربما لم نوثق بعد لهذا الاستثمار بما يستحق. وقد كنت طرفاً في مشروع جيد للتوثيق للحركة الوطنية من تراجم رجالها ونسائها لا من مجرد ضوضائها. واضطلعت بالمشروع شعبة ابحاث السودان بجامعة الخرطوم التي أصبحت معهداً للدراسات الأفريقية والآسيوية بقيادة الدكتور يوسف فضل حسن. ثم تراكم على المشروع غبار الهرج الذي اجتاح البلاد عصراً من الزمان. ويأمل المرء وقد انزاح بعض هذا الهرج أن ننفض عن المشروع الغبار ونستكمله بشراكة بين المعهد واتحاد الكتاب السودانيين الذي صار يوسف زعيماً له تكليفاً وتشريفاً.

وأقرا لمعاً من استثمار جيل الحركة الوطنية وأطرب. فقد وجدت بعض هذا الإدخار الكثيف في الوطن موثقاً أجمل توثيق في كتاب للمرحوم أمين التوم في كتابه "ذكريات ومواقف". والمرحوم افضل من كتب الترجمة الذاتية من ابناء جيله بإستثناء المرحوم عبدالله رجب. فاكثر من ترجموا لأنفسهم كتبوا صورتهم هم لتاريخ الحركة الوطنية لا صورتهم هم في صفوفها وأشواقها. وقد استوقفني ما كتبه أمين عن الحرية والدموع. قال إنه كان ضمن وفد مؤتمر الخريجين المكون من 30 شاباً بقيادة أحمد خير لافتتاح مدرسة أهلية من عمل المؤتمر بقرية الكنوز بالنيل الأبيض. وتوقفوا عند القطينة التي اجتمعت عن بكرة أبيها: "وقبل ان ننزل من العربات أنشدنا نشيد المؤتمر وكانت دهشتنا حين رأينا الناس يبكون بدموع غزيرة وهم يستمعون إلي نشيدنا". وربما كانت بداية تنكبنا طريق الاستقلال تفريطنا في هذه الثروة العاطفية ووثائقها. فما نلنا استقلالنا حتى خرج علينا ولاة الأمر بنشيد وطني مسيخ قيل إن تأليفه وتلحينه قد جرى بليل لتلافي مناسبة رفع العلم. فجاء من فرط انسداد الخيال والعجلة مثل قام سافر تاه. وكأن الخليل لم يغن "عزة في هواك". أو كأن "صه يا كنار" لم تكن. أو كأن أهل القطينة لم يختاروا سلفاً ما تدمع له العين من بأس الوطن. ولما جاء يوم النصر اغرورقت العيون بالدمع أيضاً لميلاد الوطن، لميلاد الأمل. فقد قال أمين إنه لم يوفق في توفير دعوة لأبيه لحضور مراسيم رفع العلم السوداني. فامتنع أن يذهب هو بدونه. وبدلاً عن ذلك أخذ المرحوم والده وأولاده بالعربة لشارع القصر الحالي وتوقف أمام شركة مركنتايل حيث ساريات القصر مرئيات لهم. وقال: "ثم شهدنا وما اعظم ما شهدنا. . رأينا علم السودان بألوانه الثلاثة يرتفع خفاقاً في الفضاء. وبكي والدي وبكيت كثيراً ونحن نشاهد هذا المنظر المهيب وكانت دموع فرحنا غزيرة مسرفة في غزارتها . . وبكى ولدانا وهما يشهدان معنا في تلك اللحظة الخالدة صفحة من تاريخ الاستعمار تطوى وصفحة الاستقلال تفتح من جديد."

كان الاستقلال ثمرة مهارة سودانية في صناعة الأمل. ومن استهان بالحركة الوطنية بالنظر إلى بؤس مردود الاستقلال قد ينزع منا هذه المهارة لنتعلمها من جديد. فهي كياسة لا غنى عنها لكل مشروع للمستقبل لأن كل مشروع يبدأ بالأمل. ومن فرط في خبرتنا في النفاذ إلى المستقبل بالأمل كحالنا مع الاستقلال زج بنا في الزمان الذي وصفه الشاعر ت س إليوت ب "موت الحلم، موت الأمل".

الصورة على اليمين للزعيم اسماعيل الأزهري يقف في الصف ليدلي بصوته. تفرغ الأزهري للقضية الوطنية حتى كرمه الوطن برفع العلم في أول يناير 1956 مزيلاً وضر الاستعمار عنا.

الصورة على اليسار للمرحوم أمين التوم قطب حركة الخريجين، والحركة الاستقلالية في حزب الأمة، ووزير الدفاع بحكومة له، ووالد البروفسير مهدي أمين التوم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.