(من الجزيرة نت)

حتى بين الكتب تجد الكتاب السعيد. ومن الكتب السعيدة ما صدر منذ أسابيع وعنوانه "صفقة الشيطان: ستيف بانون، ودونالد ترمب، واجتياح البيت الأبيض" للصحافي جوشا قرين. فبعد صدوره بشهر تحديداً في 18 يوليو المنصرم كان بانون، نجم الكتاب وأخص مستشاري الرئيس ترمب، قد استعفى من الخدمة في البيت الأبيض. وصار الكتاب مضغة في فم محللي الأخبار وضيوف الوسائط.
ورغبتُ، طالما كان الكتاب عرضاً لسيرة بانون، أن أعرف منه منبع موجدته الكبرى على المسلمين التي تجلت في قرارات الرئيس ترمب فحظرت دخول المسلمين من أقطار بعينها إلى أمريكا. وهي القرارات التي أثارت الثائرة المعروفة وكشف عورتها القضاء الأمريكي على مستوياته المختلفة. ووقفت من الكتاب عند ثلاث محطات في حياة بانون تقاطع فيها مع الإسلام والمسلمين، فاستشعر خطرهم على الغرب، حتى انتهز سانحة وجوده في مركز القرار التنفيذي ليستأصل شأفة هجراتهم الهادمة لأمريكا. كانت المحطة الأولى هي ما تلقاه في كليته الكاثوليكية الرومانية من معارف عن بأس الغرب ومكر المسلمين. وكانت المحطة الثانية هي تعلقه بأفكار الفيلسوف الفرنسي المسلم فريني قِيون. أما المحطة الثالثة فانطباعات ترويع مشاهد إسلامية له خلال عمله ضابطاً بالبحرية الأمريكية في أعالي البحار الآسيوية.
الأندلس: الفردوس المستعاد
يثير تعليم بانون في مدرسته الكاثوليكية (أو المدنية لا فرق) سؤالاً غائباً في علاقتنا بالغرب. فبقدر ما سألوا عن تعليم أولاد المسلمين الذي يحرضهم، في زعمهم، على كراهية الغرب، لم نسأل نحن بصورة منهجية عن تعليم أولاد المسيحيين الذي يحرضهم علينا كما تجسد في شرور بانون. فجاء في الكتاب أن ستيف بانون من أسرة كاثوليكية رومانية محافظة في ولاية فرجينيا. وبلغت من محافظتها أنها لم تقبل بتعديلات مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) للطقوس التعبدية الكاثوليكية لمّا بدا لها من "نذر" الليبرالية فيها. واضطرت الأسرة سقماً للتحول إلى كنيسة لم تلتزم بالفاتيكان الثاني. ودخل ستيف مع أخوته الاثنين كلية البندكتاين (المسماة على القديس بندكتت الذي عاش في القرنين الخامس والسادس الميلاديين) في مدينة رتشموند بفرجينا. وهي مدرسة حربية خاصة بالكاثوليك الرومان. ودرس ستيف فيها مقرر الحضارة الغربية من منظور كاثوليكي. وفيه يجري التشديد على أن هزيمة المسلمين في الأندلس في 1492 هي التي أنقذت الحضارة الغربية. فلو لم ينهزموا لاستولوا على أوربا. فكان درس الأندلس العميق لبانون أن تحذر عدوك بعد معرفة دقيقة بهويته. ومن رأي قرين أن بانون المستشار بالبيت الأبيض هو امتداد غير خاف لبانون الفتى بكلية البندكتاين لم يتغير منه سوى صيرورته، وبيده مفتاح الأمر، أكثر شراسه.
ربما لم نعر في بكائنا على "الفردوس المفقود" فرح الغرب بالفردوس المستعاد. فلم تبرح حادثة انهاء الوجود لإسلامي ذاكرة أوربا المسيحية. فوظفوها في بيدوجوجيا (نظرية وممارسة التدريس) التنصير. فجسدوها في مسرحية "المغاربة (المور) والمسيحيون" التي تروي قصة المعركة التي دارت بين المسيحيين المسلمين انتصر المسيحيون فيها في خاتمة المطاف. ففي القصة يرسل سلطان المسلمين "محما" (وواضح أنه نطق ما لاسم النبي صلوات عليه وسلامه) ليسرق الصليب من المسيحيين. ويقترب محما من حارس القلعة المسيحية، ويعرض عليه رغبته أن يصبح مسيحياً، ويغريه بالشراب، فالسكر، وينفذ بهذه الحيلة إلى موضع الصليب فيسرقه. وكان غرضه مع ذلك أن ينال فدية كبيرة من المسيحيين لاستعادة صليبهم. ورفض الملك المسيحي المساومة، و فحارب المسلمين وهزمهم، واستعاد لصليب غلابا. ونقل الأسبان قصة "المغاربة والمسيحيون" معهم لدى غزوهم أمريكا اللاتينية. وجرى تمثيلها أمام الهنود الحمر لترويعهم من المكابرة دون الدخول في المسيحية افواجا.

قَلّ، وذاكرة هزيمة المسلمين بيد المسيحيين في اسبانيا كما نرى، أن نظرنا للعام 1492 بغير منظار نكبة الأندلس: وآ أندلساه، مع أنه عام منعطف للتاريخ الأوربي لم نكن نحن ضحاياه في الماضي فحسب، بل وما نزال. وأميز من توقف عن المركزية التاريخية لذلك العام محمود محمداني، عالم السياسة الأفريقي الهندي المسلم. فقال إن 1492 كان بدء انطلاق النهضة الأوربية وميلاد الحداثة السياسية. واتصل الحدثان في رأيه بمشروعين: أولهما توحيد الدولة-الأمة على الصفاء الثقافي والعرقي. وثانيهما هو الإمبريالية الأوربية وغزو العالم. فقامت دولة اسبانيا القومية بفرمان فيرديناند وإيزابيلا الذي قضى بطرد اليهود حتى من تحولوا منهم للمسيحية (70 ألف) للريبة في خلوص دينهم الجديد. وأعملوا فيهم حد محاكم التفتيش. وجاء دور المسلمين في 1499 وخُيروا بين التنصير ومبارحة البلاد. وهكذا كان غير الأوربيين ضحية مزدوجة لأوربا: خضعوا للتطهير لعرقي الثقافي لتخلص الأمة الأوربية صافية من كدر الآخر. وهم، كذلك، من طالتهم يد الإمبريالية تريد أن ترقى بهم مراقي الحضارة حتف أنفهم. وبانون هو ابن كل هذا التاريخ المشترك برموزه الشائكة، أو هو بالأحرى ابن الضفة الأخرى منه.


هروب من الغرب وإليه
أما المحطة الثانية في احتكاك بانون بالإسلام فمن جهة تأثره بريني قِنون (1886-1951). وهو فيلسوف فرنسي مجاله علوم الماورائيات. واستغرب كل من قرأ كتاب قرين عن بانون لهذه العلاقة التي لا تخطر لأول وهلة على بال. فقنون تحول من الكاثوليكية إلى الإسلام في مجاهدة روحية تنقل فيها بين بيع كاثوليكية مختلفة لم تشف غليله الروحي. وكاد يعتنق الهندوسية غير أن تحول إلى الإسلام الصوفي في 1910 سأماً من المادية الغربية. وتسمى ب"عبد الواحد يحي". وأسلم في القاهرة على يد الشيخ عبد الرحمن عليش الكبير المالكي. وعاش في القاهرة من 1930 إلى وفاته في 1951 زاهداً في المال منصرفاً إلى كتابة تآليف عديدة. ثم تطرق على يد الشيخ السيد سلامة بن حسن الرضي الشاذلي مؤسس الطريقة الحامدية الشاذلية. وتزوج من بنت الشيخ محمد إبراهيم وله منها ذرية. ومنحوه الجنسية المصرية في 1949. ومات بمصر.
ومتى عرفنا فكرة قنون عن عالمه آنذاك لربما عرفنا كيف جعله بانون من بين آبائه الفكريين. فقد نعى قنون على الغرب انقطاعه عن تقليده الثقافي. وهو نعي وافق ميل بانون ومزاجه. وافترق الشيخ والحوار في واحدة: فالبادي أن الشيخ يئس من عودة الغرب إلى تقليده، فأرتحل إلى الإسلام، بينما ساق يأس بانون من غربه إلى عداوة الإسلام كالخطر الماثل أمام الحضارة الغربية. فطبق قنون علوم الماورائيات في تحليل أزمة العالم الحديث. وخَلُص إلى أن مجتمعه الحداثي هو عالم الظلام السابق لنهاية عالمنا. فحضارته نشاز لأنها، دون غيرها، قامت على أسس مادية محض بينما تراجع فيها الفكر. وقال إن عزتها بنفسها عزة بالإثم لأنها في نظر غير أهلها بربرية صريحة. وأصلى قنون "انحراف" الغرب عن تقليده الثقافي نارا. وتطلع ليوم يتنادى مثقفو الغرب في ظروف ملائمة لاسترداد الجذور الثقافية للغرب.


الرئيس كارتر: الواهن الخذول
وكان تقاطع بانون الثالث مع المسلمين خلال خدمته العسكرية في البحرية الأمريكية في نهاية السبعينات. فقد غبنه تهافت الهجمة الأمريكية على إيران في 1980 لاستنقاذ الرهائن الأمريكيين الذين حصرهم الحرس الثوري الإيراني في سفارة بلادهم. فاضطربت أطراف الغزوة خلال التنفيذ اضطراباً استدعى الرئيس كارتر لفضها بعد أن خسر الأمريكيون ثمانية جنود. وكان بانون وقتها على بارجة حربية أمريكية حين تلقى الخبر. ورأى في الرئيس كارتر وهناً قيادياً تخلي به بانون عن ميله الواهن للحزب الديمقراطي. وطبعت فيه الغزوة الفاشلة لزوم أن يفيق لحقائق العالم الخطر الذي يعيش فيه مثله. وهو الخطر الذي تمثل عنده لاحقاً في وجوب الحرب الكوكبية ضد الفاشية الإسلامية حتى في وجود الخطر السوفيتي. وهذه عنده من العزائم الكبرى والسبيل إليها القول الصريح بلا مواربة، وعدم تهيب المواجهة
وزعم بانون أن وحشية خطر المسلمين ودنوه من الغرب تجسد له بعد زيارة لكراتشي وإطلالة على إيران خلال خدمته في البحرية. وتركته التجربتان مروعاً من الكثافة الإسلامية التي رآها ونذر الشر في بيدائها. وحققت "إنترسبت" السايبرية في رواية بانون عن دخوله ميناء كراتشي ببارجته وإطلالته على إيران من عرض البحر. وانتهت من النظر إلى مانفستو البارجة إلى أنها لم تزر كراتشي وبانون فيها. وقالت إنه في أغلب الظن دخل هونغ كونغ المعلوم أن بارجته غشتها. ودليل إنترسبت على ترجيحها قول بانون إنه دخل في معاملة ما مع بعض الشباب الإنجليز في كراتشي. وهم من يتوقع المرء وجودهم في هونغ كونغ التي كانت تحت سلطان الإنجليز، لا كراتشي. كما كذبت إنترسبت قول بانون إنه رأى من بارجته إيران في كامل حلل بدائيتها ورعبها الأولي. وقالت المجلة إنه لم يكن بوسعه أن يرى من بارجته أي جزء من إيران. وختمت إنترسبت نقد مزاعم بانون بكلمة لا غناء لنا منها. فقالت إن عداء بانون للمسلمين لم يأت من إرعاب المسلمين له، ولا بدائية صحاريهم. إنه ربما تولد من جيب غاية الإظلام في موضع ما من نفسه الثقافية.


الرئيس ريقان: شعواء العزيمة
ووجدت موجدة بانون على الإسلام والمسلمين تجسيدها الدرامي الفوتغرافي حين دخل سوق المال والأعمال ومنها عالم هوليوود للسينما. وعمل فيها منتجاً ثم تسلل للـتأليف والإخراج بعدد من الوثائقيات أشهرها "في وجه الشر (2004). وهو فيلم عن الرئيس ريغان وعزائمه التي قضت على الاتحاد السوفياتي. وكأن بانون بهذا الفيلم يستنفر أمريكا لتحذو حذو ريغان فتخوض حرباً لا هوادة فيها ضد الإسلام. والتقى في سوح هوليوود ودوائرها اليمينية بمدون هو أندرو برتبارت. وتحابا في حرب الفاشية الإسلامية. فلما مات عنه برتبارت صار بانون رئيس تحرير المدونة التي اتخذها منبراً للترويج عن الخطر الذي يحدق بأوربا وأمريكا من جراء الهجرات المتلاحقة للسلمين. وهي عنده نذر منبئة عن تحلل الغرب، وبدء عصر للظلام جديد في أوربا على سنة قيون.
بدا لي دائماً قصور فكرنا عن رفع الغطاء عن الجيوب المظلمة في أمثال بانون الذين خرجوا من ثناياها للنيل منا. وبلغنا من ذلك أن حظر علينا رتشارد بايب، الأكاديمي من أصل يهودي، حتى من الخوض في ذلك. فقال مرة، لما أزعجته كتابات بعض الأكاديميين المنصفة عن الإرهاب الموصوف ب"الإسلامي"، إن الأكاديميين لا يحسنون تعريف الإرهاب مثل إحسان الإرهابيين له. ولا اعرف أن جنينا، أو جنى الغرب، أي مكرمة من "احتكار" الإرهابيين لتعريف الإرهاب . . . وممارسته.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.