عاد أحدهم إلى حكاية معارضة لبنان لدخول السودان الجامعة العربية عند استقلاله. وهي مضغة وربما كانت خزعبلة في تعريف عبد العزير البطل للتاريخ الحكائي ضارب الأطناب بين كتابنا. وعزّ عليّ دائما، متى أعاد أحدهم إنتاج هذه المعلومة الراتب، أن أجد مرجعاً مؤكداً مما يقطع قول كل خطيب.
ورأيت في مناسبة عودة عائد إلى المضغة اللبنانية أن أدلى بما أعرف عن انضمام السودان لجامعة العرب آملاً أن يحفز باحثاً ذرباً ليمحص المسألة وبالذات في ما تعلق بالتهمة المعلقة بلبنان. وهي من التهم الروابح. فمن تعلقوا بها أرادوا القول إن ذلك الانضمام كان "شبة وشلاقة" وزلفى للعرب الذين لسنا (أو بعضنا) منهم. ووجدوا في معارضة لبنان المزعومة مصداقاً لنفي العروبة عنا. فقد شهد شاهد من أهله.
فصدر عن مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الدوحة) كتاب للصحفية المصرية المعروفة أماني الطويل عنوانه "العلاقات المصرية-السودانية: جذور المشكلات وتحديات المصالح" وصفته هي بأنه قراءة وثائقية. ولابد للتنويه بأنه ربما الكتاب الأول الذي استثمر أرشيف وزارة الخارجية المصري، الذي هو مطبخ صناعة السودان في مصر، لتاريخ ما بعد استقلال السودان. وتبقى يوم استثمار أرشيف الأمن المصري.
قالت أماني (صفحتا 137-138) إن ما شغل السودان بعد استقلاله هو موضوع هويته. وكان انتسابه للجامعة العربية موضوع خلاف داخلي. فقد رفضته بريطانيا عملاً بالمادة 67 من الدستور الانتقالي التي تقيد يد رئيس الوزراء في تصريف السياسة بما اتفق له من دخول الجامعة العربية مع جمال عبد الناصر، علاوة على معارضة الجنوبيين لتلك الخطوة. فالجنوبيون، حسب أرشيف وزارة الخارجية المصرية، تمسكوا بأفريقيتهم حتى أنهم رفضوا مقاطعة إسرائيل. ولكن جمال عبد الناصر طمأن الأزهري أنه متى ما تقدم بطلب الانضمام للجامعة دعت مصر لجلسة طارئة للجامعة للغرض. وكان لحزب الأمة، من الجهة الأخرى، تحفظات تجاه ذلك الانضمام. فمن رأي الإمام الصديق المهدي أن الأزهري تسرع في دخول الجامعة العربية الذي لن يحصل السودان منه سوى الخضوع لمصر. وشدد عبد الله خليل على الولاء السوداني لأفريقيا لرفض الانتماء للجامعة.
*وجدت عبارة أماني الطويل غير واضحة في اقتران رفض بريطانيا بالجنوبيين. فالمادة 67 تأذن بعقد الاتفاقيات الدولية بعد موافقة البرلمان. ونصها:
67 - لا يكون لأية معاهدة أو أي اتفاق مع دولة أو دول أخرى، ولا يكون لأي قرار يتخذ في أي اتفاق دولي أو جمعية أو هيئة دولية، أي أثر في السودان ما لم يصدق البرلمان على كل منها بقانون.
وربما قصدت الطويل أن الجنوبيين لم تتح لهم فرصة مناقشة ذلك الانضمام في البرلمان إذا صح أن الأزهري لم يفعل ذلك.
أرجو لمن له إفادة حول انضمامنا للجامعة العربية أن يدلي بها. ولو تحقق أحدكم بالقاهرة من معارضة لبنان لدخولنا الجامعة العربية على بينة من وثائقها بالمدينة، يؤجر لعدل الرأس.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.