الدكتور عمر مصطفى شركيان


د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ديناميكيَّة الحياة السِّياسيَّة في منطقة تقلي، كما هي الحال في جبال النُّوبة، أثبتت عدائها للمركزيَّة وتأسيس الدَّولة. حاملين الثَّقافة السِّياسيَّة المنتشرة في وادي النِّيل السُّوداني، دافع جباليُّو تقلي عن حكمهم الذَّاتي ضد الولاء السِّياسي؛ كما لم تستطع أيَّة قوة خارجيَّة أن تبرم حلفاً محليَّاً مع أي من حكام تقلي.(2)

تقديم
تأريخ السُّودان، الذي تغتال فيه الحقيقة اغتيالاً، كُتب مبتوراً من كل المعالم والسِّمات الأساسيَّة التي صنعت حوادث هذا البلد، وصاغت مصائر أهله في الأمصار والسبلان. ولو دُوِّنت الحوادث التَّاريخية حسبما وقعت، ونظر الرُّواة التَّاريخيُّون إلى المصادر الموثوقة، ببصائرهم لا بقلوبهم، لذُهِل النَّاس لفرط ما رأوه من همم كانت مصروفة، وفنون مبذولة، وتقنيات شتَّى كانت معمولة بها في حكم دويلاتهم، وتسيير شؤونهم وأمورهم. ونحن إذ ندوِّن وقائع تجاربهم حتَّي نشيد بها، وندعوا إلى اعتناقها إن كانت ناجحة؛ ونحذِّر منها وننذر إن كانت إخفاقاً. ومن هذه الدُّويلات والممالك نذكر مملكة تقلي.
تطلق تسمية جبال تقلى، والتي تبلغ ارتفاعها 5,000 قدم فوق سطح البَّحر، على مساحة قدرها 40 ميلاً مربَّعاً. وتضم في محورها التلال التي تشمل، فيما تشمل، قرى كراية، والهوي، وتاسي وجولية. وتمتد هذه السلاسل الجبليَّة شرقاً لتندمج مع الهضاب الشماليَّة-الشرقيَّة التي تعلو 3,000 قدم فوق سطح البَّحر، وتنتهي في الجِّبال الصَّخريَّة المعروفة بجبال أم طلحة، 35 ميلاً صوب الشَّرق.
أصل سكان تقلي
تتعدَّد الرِّوايات عن أصل سكان المنطقة، وقد أوردت جانيت جي إيوالد رواية هي - في واقع الأمر -  أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة. ذكرت جانيت أن أقوام من الفونج المسلمين يدعون (كونياب) سكنوا أبودوم التي تبعد مسافة 10 أميال من جبل تقلي. وفي يوم من الأيام، وبينما كانوا يمارسون حرفة الصَّيد، جرحوا تيتلاً وطاردوه حتى عثروا على مساكن (لابوجاب) في قلب تقلي، وهم قوم عراة وغير مسلمين. وقد أُعجب (لابوجاب) بملابس (كونياب)، وطلب زعيم الأول من مجموعة الصيَّادين (المونياب) أن يستقروا في تقلي ليعلِّموهم زراعة القطن ونسج الملبوسات. وقد قبل (الكونياب) الدَّعوة على الرَّغم من أنَّهم ظلُّوا في اتِّصال مستمر مع ذويهم في أبودوم؛ كما أنَّهم لم يتدخَّلوا في معتقدات (لابوجاب) الدِّينيَّة مثل تقديم الفتيات قرباناً لحيَّة في بئر لضمان الهطول المبكِّر للأمطار.  وهناك قول أنَّهم ينتمون إلى قبيلة السقارنج: الرجل منها سقراناوي والمرأة سقرناويَّة، وإلى هذه القبيلة تنتمي خيرة - والدة إسماعيل صاحب الرَّبابة من الشَّيخ مكي الدَّقلاشي الذي تكلَّم في المهد.(3)
من جانب آخر، تقول القصص الشَّعبيَّة إنَّه زهاء 400 عام مضى حطَّ فقير متجوِّل من الجعليين الموجودين على النِّيل قرب مصب نهر عطبرة، واستقر في هذه التِّلال، وبدأ في مزاولة النَّشاط الدِّيني الذي سرعان ما انقلب سياسيَّاً. وبهذه الطَّريقة، وبأسباب أخرى سنوردها في هذا البَّحث، أوغل نفسه في بلاط الحكم وأمسى يمارس السِّيادة والرَّيادة في هذه المملكة العريقة التي اشتهرت في القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر في وسط السُّودان. وقد ذكر المؤرِّخون أنَّ تسعة عشر حفيداً تعاقبوا على حكم المملكة دونما انقطاع: من ابن هذا الشَّيخ الجَّعلي، جيلي أبو جريدة، حتَّى المك آدم النِّيل جيلي. وقد انتشر الإسلام في المنطقة بفضل هذا الفقير، حيث تجد في كل قرية مسيد(4) الذي تمَّ تأسيسه بواسطة المسلمين الأوائل ومازال قائماً حتَّى يومنا هذا. توجد بالمنطقة أغلب الطُّرق الصُّوفيَّة، لكن معظمهم من تابعي الشَّريف يوسف الهندي. هذه المملكة، التي امتدَّت من خور أبوحبل شمالاً حتَّى تلودي جنوباً، كانت ذات شأوٍ وشأنٍ عظيمين: وقد اعترفت بها قبائل العرب التي كانت تدخل المنطقة في كل فينة وأخرى. ولا غرو في أنَّها تحدَّت، بنجاح منقطع النَّظير، الحكومة التُّركيَّة-المصريَّة لسنين عدداً.
بتشجيع الهجرة والاستيطان في تقلي في خلال السَّنوات الأولى من الحكم، استطاع هؤلاء الحكَّام الوافدون أن يغيِّروا ديانة أهل المنطقة، وأسلوب حياتهم ولاسيَّما أنَّهم قد أدخلوا ارتداء العمامة وقولة "اللَّه يطوِّل عمرك". وبذا تحوَّل جزء من النُّوبة الذين كانوا يؤمنون بالآلهة المحليَّة، في هذه المنطقة، إلى مسلمين، وتركوا ما كان آباؤهم يعبدون من كريم المعتقدات الأفريقيَّة. ونتيجة المصاهرة والتَّزاوج مع سكان المنطقة الأوائل ظهر خليط من المجموعة التي تقطن المنطقة. أمَّا سكان الكيجاكجة، جنوب-غرب تقلي، فيمثِّلون العنصر الصَّافي من سكان المنطقة الأصليين. كحال كل القبائل العربيَّة في السُّودان، تدَّعي العائلة المالكة أنَّهم ينتمون إلى الجعليين - نسبة لإبراهيم جعل. توجد، كذلك، بالمنطقة أحفاد الفونج، وأجناس من دارفور في غرب السُّودان، والعرب الذين يشملون: البديريَّة والجوامعة وكل فروع الكواهلة وكنانة.
وكأي نظام ملكي، فإنَّ نظام الحكم في هذه المملكة كان وراثيَّاً؛ وللمك مطلق الحريَّة في تصريف أمور البلاد والعباد، يعاونه في ذلك شخصين من أقربائه والذي يُسمح لأحدهما، وهو الجُّندي، بمقابلة المك في أية ساعة من ساعات النَّهار أواللَّيل. وكل من عزم أن يقابل المك عليه أن يقابل الجُّندي أولاً، وهو كذلك المسؤول عن المكوكيَّة في جنوب المملكة: جزيتهم وهداياهم تُسلَّم للمك بواسطته.  أمَّا المعاون الثَّاني فيسمَّى سكراوي، ولا يتمتَّع بقدرٍ كبيرٍ من الصَّلاحيات كتلك الممنوحة للجُّندي، لكنَّه هو المسؤول عن الجزء الشِّمالي والشَّرقي من المملكة. في بعض الأحيان يتم تعيين الوزير؛ وشاغل هذا المنصب يكون دائماً من مقرَّبي المك.  كما أنَّ مهمة اختيار مك جديد، إذا كان هناك أكثر من مرشَّح واحد، تقع على عاتق الجُّندي.
بعد مرور ما يقارب أربعة قرون، أصبحت العائلة المالكة أرستقراطيَّاً لا يستطيع أحد أن يتطاول عليها، ولم يخل نظام الحكم من القسوة المفرطة. وقد قيل إنَّ زبانية المك ناصر كانوا يلقون بالمعارضين السِّياسيين في دوكة حجريَّة تحتوي على زيت ساخن بعد ما تصل درجة الغليان وذلك بعد منتصف النَّهار، أي في وقت الهجيرة. ونتيجة لهذا الرُّعب، هرب كثيرون من رعايا المك إلى خارج المملكة، وقد سكن أفراد منهم في مدينة الدَّلنج في ريفي شمال الجِّبال.
تقلي قبل ظهور المكوك
قبل أربعة قرون، كان يتكوَّن سكان الجبال الشماليَّة-الشرقيَّة من عنصر عرقي واحد؛ وكانوا يتمركزون في ثلاث مناطق: تيرمي في أم طلحة، وجبال الكيجاكجة، وتقلي نفسها. كان القوم  يعبدون الآلهة الطَّبيعية وهم لها عاكفون، ويعيشون حياة بدائيَّة بسيطة تحت السيطرة الوراثيَّة للمشايخ في دارهم التي تقع في تقلارو - بالقرب من قرية الهوي - وكانوا يُعرفون باسم الهمج، هكذا تقول الأساطير القديمة. وبما أنَّ دماء السكان الأوائل قد ذابت واختلطت مع العناصر التي وفدت إلى هذه المنطقة من كل فج عميق، إلاَّ أنَّها مازالت باقيَّة لدي مواطني جبال الكيجاكجة، الذين احتفظوا بنقاء حسبهم ونسبهم.
على الرَّغم من دخول الكيجاكجة إلى الإسلام أفواجاً خلال ثلاثمائة عام مضى، إلاَّ أنَّهم مازالوا يتمسَّكون ببعض عاداتهم وتقاليدهم القديمة، وطريقة حياتهم اليوميَّة لم تتغيَّر كثيراً.(5) كما تجدهم يمارسون حرفة زراعة الذُّرة على سطوح الجِّبال باستخدام الحشَّاشة الخشبيَّة؛ ويقومون بتربية الماشية؛ ونادراً ما كان يغامر القوم بالابتعاد عن جبالهم. قليلاً منهم كانوا يتحدَّثون اللُّغة العربيَّة، حيث أنَّ في تقلي قلَّما تجد اللُّغة المحليَّة في الاستعمال وربما أصبحت نسياً منسيَّاً. أمَّا عُمدتهم أو الجُّندي فينحدر من جنادي تقلي القديم الذي كان من الملازمين الوارثين للشيوخ الحاكمين، واستمر المنصب حتَّى خلال فترة حكم المكوك "الجعليين".
إنَّ إقامة أهالي تقلارو في هذه الجبال الصخريَّة، والحصون المنيعة تعكس الصِّفة الحربيَّة التي كان يتميَّز بها القوم. وكان تسليحهم يشتمل على الحراب والسكاكين والحجارة.  إذ يبدو أنَّ المملكة لم تتخوَّف من أعدائها في الشمال القصي أو الغرب البعيد، لكن أعدائها الفعليين كانوا قاطني المجتمعات المجاورة. مهما بُذِل من الاجتهاد، فمن الصَّعب جداً تعقُّب جذور سكان المنطقة الأولين. لكن هناك كثيراً من أوجه التَّشابه بين الكيجاكجة والكواليب، مما يدعم هذه الشبه التَّكهن بوجود سلالة مشتركة. لكن الكيجاكجة اعتنقوا الإسلام، وفضَّل الكواليب البقاء على معتقداتهم الأفريقيَّة، وقد تنصَّر جزء منهم عندما دخل التَّبشير المسيحي إلى المنطقة إبَّان الحكم البريطاني-المصري في السُّودان (1898-1956م). بإجراء البحوث المكثَّفة على سكان تُكم، وترجوك، وتقوي - الذين جعلوا الإسلام ديناً لهم - وكذلك النُّوبة في جنوب المنطقة قد يساعد في اكتشاف التَّباين بين الكيجاكجة والكواليب.
كل ماهو أكيد، ولا ريب فيه، أنَّه منذ القرن السَّادس عشر بعد الميلاد عاش في تقلي أناس كانوا يسبِّحون اللَّه عن طريق سنن الكون؛ ولهم ملامح نوباويَّة مميِّزة؛ ولم يتم التَّزاوج والتَّمازج بينهم وبين الأجانب. هذه المجموعة البشريَّة كوَّنت النَّواة لمملكة تقلي التي نحن بصدد الحديث عنها. مما سبق يتَّضح أنَّه قبل أن تنتقل مقاليد السُّلطة إلى الحكام الوافدين، كانت بالمنطقة أنظمة حكم سياسيَّة واجتماعيَّة؛ وكل مافعلته السُّلطة الاستيطانيَّة هو تطوير النِّظام السَّائد حينذاك وإضافة شيئ من الارستقراطيَّة كثير، والاستبداد والتَّنكُّر على بعض العادات والتقاليد الموروثة، وإدخال الإسلام كعقيدة في المنطقة.
ميلاد العائلة المالكة والمكوك الأوائل
تقول الروايات القديمة أن شخصاً يدعى محمد الجَّعلي حضر من الشمال العام 1530م، وطاب به المقام ونال احترام أهل المنطقة الكرام وتدريجيَّاً طفق في تأسيس العائلة المالكة.(6)  بيد أنَّ المعلومات عن خلفيَّة الرَّجل تكاد تكون شحيحة لدرجة العدم.  فربما كان ذلك الجَّعلي من الذين انتشروا في الأرض ينشرون الإسلام بعد تأسيس سلطنة الفونج في سنار العام 1504م؛ وربما كان من المنبوذين اجتماعيَّاً في موطنه النِّيلي، أو من الهاربين من العدالة، أو ربما كان من الرحالة الهواة الذين يضربون في الأرض يبتغون فضلاً من الله ومرضاته. لم يكن هذا الشيخ الوافد حاملاً بين جنبيه آمالاً عراضاً وطموحات تفوق واقعه بكثير. كل ما يُعرف عن محمد الجَّعلي هذا هو أنَّه كان فقيراً بائساً وعلى قدرٍ كبيرٍ من التَّزهُّد. وقد وصل الجَّعلي ورفيق دربٍ له يدعى أبوحايمة (قد يكون هذا كنيته نسبة للحوم والتَّرحال)، بعد التيه في الأمصار، إلى تقلارو - التي كانت تحوي قرى الهوي وكراية. ومن هنا عثر عليهما الجَّبليُّون التَّقلاويُّون وقادوهم إلى كابر-كابر، مك المنطقة. وعندما مثَّلا أمام المك، شرعوا في تقديم مبادرات الصَّداقة. أمَّا المك، الذي أُعجب بمظهرهم النُّسكي، رحَّب بهم  وأكرم مثواهم في غاية الحفاوة. بعد أن عُوملا معاملة حسنة واطمأنَّت عليهما قلوب النَّاس، طفق الزَّاهدان يعلِّمان القوم أصول الإسلام، بدءاً بإقامة شعائر الصَّلاة والإبقاء على طقوسهم الدُّنيويَّة. ومنذ ذلك التَّأريخ أصبحت عقيدة الإسلام تدخل في نفوس النَّاس.
يدَّعي الجعليُّون في السُّودان أنَّهم ينتمون إلى إبراهيم جعل. وبما أنَّ شرف الانتماء إلى العروبة وتبنِّي الهُويَّة العروبيَّة ناجم من الشُّعور بالفخر والاعتزاز، رأت العائلة المالكة في تقلي، والنباطاب - العشيرة السائدة في البجة - بني عامر، وسلاطين الفور وملوك ودَّاي في تشاد أن يتقمَّصوا العنصر العربي، ويستجعلونه دماً سارياً في شرايينهم. إذن، من هو إبراهيم جعل هذا الذي يتشرَّف كل من ينتمي إليه، حقَّاً كان أم كذباً، ويحرث ثمار ذلك الادِّعاء في الحياة الدُّنيا؟ يقول هولت: "إنَّ دراسة سلالة إبراهيم جعل تشير إلى أنَّه حفيد العبَّاس، عم الرَّسول صلَّى اللَّه عليه وسلم".(7) وقد كتب ماكمايكل أنَّ تشبُّه سقارنج أو مكوك تقلي، أو سلاطين الفور، ومملكة ودَّاي بإبراهيم جعل يعود إلى التَّملُّق.(8)
مهما يكن من أصل الجعليين، فقد رأى محمد الجَّعلي النَّاس يدخلون في دين اللَّه أفواجاً، أو هكذا شُبِّه له، حتَّى أصبح له موطأ قدم في المنطقة. ولم يمض وقت طويل حتَّى بات واحداً من الذين يُشار إليهم بالبنان في المملكة. ومن ثم وهبه كابر-كابر ابنته ليتزوَّجها؛ وانجبت له ابناً سمَّوه أبوجريدة - نسبة لأنَّ عظام ذراعه كانت ملتحمة سويَّاً بدلاً من أن تكون متفرِّقة. هكذا شبَّ الطِّفل وورث العقيدة من والده وآزره في نشر الدَّعوة الإسلاميَّة في المناطق المجاورة. وليس صحيحاً ادِّعاء بعض الباحثين أنَّ الإسلام والثقافة العربيَّة قد عرفا طريقهما إلى هذه المنطقة منذ فترة طويلة قبل قيام مملكة تقلي في القرن السَّادس عشر الميلادي.(9)
عندما توفى كابر-كابر، اجتمع كبار القوم واختاروا حفيده أبوجريدة، الذي كان في مقتبل عمره، ليحل محل كابر-كابر كمك لتقلي. وفي نفس الوقت أعادوا تسمية أبوجريدة  وأضافوا اسم "جيلي"؛ اقراراً لحقيقة أنَّه نتاج دم أجنبي، وليس منحدراً من الخط الوراثي للعرش. وقد حدَّثني محدثي، وهو من مواطني المنطقة، أنَّ أصل الكلمة يعود إلى تحريف عبارة الاستفهام العربي "جاء ليه؟" (لماذا أتى؟) لقد ورث جيلي أبوجريدة الحكم على أساس وراثي لجهة الأم، ولكن ما أن مات أبوجريدة إلاَّ وأن انتقلت الوراثة إلى جهة الأب: أي على النِّظام العربي، وهذا ما تمَّ لدي اختلاط العرب بالنوبيين في شمال السُّودان في القرن السَّابع الميلادي.
وهكذا، أي في العام 1560م تقريباً، تم تأسيس الأسرة الحاكمة في تقلي في شخص جيلي أبوجريدة. وبنسب متفاوتة في الشهرة، حكم أبناء أبوجريدة الوارثون وتمتَّعوا بصلاحيات واسعة. لقد اشتملت المملكة التي ورثها جيلي أبوجريدة على تلال تقلي والكيجاكجة التي كانت تقع تحت نفوذ جدِّه.
فما هي الانجازات التي تمت في عهد جيلي أبوجريدة؟ جيلي أبوجريدة، الذي كان يتمتَّع بشخصيَّة فريدة، أكمل نشر الإسلام الذي بدأ في عهد والده، وعمل على توسيع نفوذه بجلب مستوطنين إلى المملكة حتى ساهموا في بسط السُّلطة. شيَّد لنفسه مسجداً، ونقل عاصمته من قرية تقلارو، وبنى حوشه في الهوي، التي تبعد مسافة قدرها نصف ميل شمالاً. في داخل هذا الحوش توجد فولة قيل إنَّها حفرت في عهده. لقد حكم طويلاً وبعد موته دُفن في حوشه، الذي أصبح فيما بعد بمثابة المقبرة الملكيَّة.  خلف أبوجريدة ابنه صابو، الذي انتقل من الهوي إلى تعودم، التي تقع على بعد 30 ميلاً صوب الغرب. هناك استمر في نشر الإسلام وتوسيع مملكته؛ وقد نقل عصا السُّلطة إلى ابنيه جيلي عمارة وعمر أبوشهيرة، وحفيده جيلي عون اللَّه، الذين حكموا المملكة على التَّوالي. فلما أتته المنيَّة تم دفنه في حوش أبوجريدة في الهوي، الذي أصبح مقبرة أقاربهم ووزرائهم.
كان الإسلام هو العامل الأساس في تكوين وبقاء هذه المملكة: لأنَّ بحجة نشر الإسلام تم توسيع رقعة السُّلطنة، وباسم الإسلام تم دخول اللُّغة العربيَّة - لغة القرآن - وسيطرة التَّعريب على جميع أوجه نشاطات الحياة في المنطقة. وتحت دعاوي الإسلام تم فتح أبواب المملكة لرجال الدِّين والتجار والمغامرين من خارج الدويلة. عاصرت المملكة العصر الذَّهبي لدخول العرب السُّودان والتَّبشير الإسلامي. ولا غرو أنَّ ملوك الفونج تكفَّلوا برعاية رجالات الدِّين وأرسل بعضهم من سنَّار إلى جميع أصقاع السُّودان لنشر الدَّعوة؛ وهكذا وفد جزء منهم إلى تقلي.  وكان أعظم من حضر إلى تقلي بغرض التَّبشير والتِّجارة هما حسن ودحسونة وتاج الدِّين البهاري في القرن السَّابع عشر الميلادي. وقد جمع هؤلاء الدعاة الإسلاميُّون بين المكسب الرُّوحي من جهة والمادي من جهة أُخرى، وقليل منهم قلما أوعظتهم ضمائرهم من الجَّمع بين الأثنين.  وكان مك تقلي يخصِّص منطقة يقطنها السكان الذين هم على دين آبائهم لأحد المبشِّرين كحقل لممارسة نشاطه التَّبشيري والتِّجاري؛ وفي المقابل يدفع المبشِّر قدراً مقدوراً من أرباحه للمك. وكثيراً ما يختار بعض من هؤلاء المبشِّرين الإقامة الدَّائمة في المنطقة، وعليهم، إذن، الإعتراف بسلطة السُّلطان ودفع جزيَّة دوريَّة ثمناً لحمايتهم، ويمسوا معاهدين مستأمنين ما أوفوا بالعهد.  بهذه الكيفيَّة استطاع مكوك تقلي نشر الدَّعوة المحمديَّة، وتوسيع نطاق سلطتهم، واخضاع أكثر من جبل إليهم. كما تزوج المستوطنون من السكان المحليين، وانجبوا خليطاً وهجيناً من العائلات والأفراد. لم يكن جميع هجرات العرب إلى تقلي من أجل تلاوة الصُّحف المطهرة وإقامة الصَّلاة، بل كان أغلبهم قد قصدوا المنطقة مبتغين تجارة العاج والرقيق؛ وكان بعضهم من الهاربين من العدالة في سلطنة سنار. وقد ساهم كلهم، بتمازجهم العرقي هذا، علي تعزيز سلطة المكوك حتَّى أصبحت نفوذهم في منتصف القرن السَّابع عشر هي الوحيدة السَّائدة في الجِّبال الشمالية-الشرقية. كان يقوم ملوك سنار بتعيين المهاجرين من الفونج مكوكاً على جبال رشاد، وتقوي وقدير. وأخيراً أصبحت قدير وتقوي أعظم مقاطعتين للفونج وقتئذٍ.
عند وفاة جيلي عون اللَّه، أصبح ابنه جيلي أبوقرون خليفته؛ وقد حكم أبوقرون في الفترة ما بين 1640- 1665م. ونسبة لمركز سلطنة تقلي الإستراتيجي - بحكم موقعها الجغرافي بين سلطنتي سنار والفور - حاول سلطان سنار أن يكسب ود مملكة تقلي ليعمل الأثنان معاً على الحد من نفوذ الفور.(10) فتزوج أبوقرون الأميرة عجائب أم شيلة، ابنة السلطان الرباط بن بادي عاهل الفونج، التي جاءت إلي تقلي وفي رفقتها حاشية كبيرة، واستقرت في حوش بلولة. ومن هؤلاء السَّدنة نشأت طبقة الفونج في تقلي وبلولة.(11) على الرَّغم من العلاقات الطيَّبة التي ازدهرت بين الفونج وتقلي في عهد أبي قرون، إلاَّ أنَّ الملك بادي الثاني - المعروف ببادي أبودقن - قد شن حملة عسكرية ضد تقلي وأجبرهم على دفع جزية سنوية لأجلٍ غير مسمى. وبذلك نجد أن الأواصر الحميمة التي تُوِّجت بالمصاهرة  قد أمست هباءاً منثوراً عندما أصبحت العلاقات السِّياسية في خطر محدق. إن التَّنافس بين سلطنتي الفور والفونج علي تقلي قد أدَّى إلى تفاقم الوضع وإضرام نار الفتنة. لم يستطع مؤرخو السُّودان تحديد عام العدوان وعدد القتلى والجرحى والأسرى وحجم الغنائم لدي الطرفين، وذلك لعدم وجود سجلاَّت تأريخيَّة.
على أي حال، يعزى سبب نشوب الحرب إلى أنَّ عصبة من جماعة المك أبي قرون قد أساءت معاملة أحد أصدقاء الملك أبودقن الخلصاء، حيث اُعترض سبيله ونُهبت بضاعته؛ ولم يتوقَّف أبوقرون عند هذا الحد، بل تأبَّط شرَّاً وتحدَّى الملك بادي شخصياً. من المعروف أنَّ مكوك تقلي كانوا يفرضون ضريبة العبور على كل من يعبر مملكتهم، إلاَّ أنَّه من غير المؤكَّد أنَّ صديق بادي هذا قد دفع الرسوم أم أنَّه طغى وتجبَّر؟ ومما يُحكَى عن التحام الجَّيشين أنَّ "القتال كان يستعر بينهما نهاراً، وفي المساء يخلد كل فريق إلى هدنة ريثما يقبل الصَّباح. غير أنَّ مك تقلي كان يرسل موائد العشاء حافلة إلى الجيش الغازي كل ليلة، لأنَّهم ضيوفه، ماداموا مقيمين داخل أرضه، وإن أبدوا العداوة والبغضاء. ولما علم سلطان الفونج بحقيقة الأمر، انسحب من ميدان القتال، منهياً الحرب من جانب واحد، أسفاً على ما كان، وخجلاً من مقاتلة قوم، على هذا الحظ العظيم من النبل، يصدون العدو الغازي في النَّهار، ويكرمون وفادته في الليل، مثل الصندل الذي يعطر الفأس، كلما أمعنت في تمزيقه وتهشيمه".(12)
كان للمك جيلي أبوقرون ابنين من الأميرة عجائب. ذينك الإبنان قد تعاقبا على حكم  المملكة. إنَّ الأميرة نفسها قد أمدَّ اللَّه في عمرها ولعبت دوراً هاماً في أحداث القرن الثَّامن عشر كما سنرى في مكان ما من هذا البَّحث. بهذه الهزيمة أمست تقلي مقاطعة تابعة لمملكة الفونج، ولكن سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها، ورجعت العلاقات الطيَّبة القديمة؛ وأصبحت تقلي ترسل محملاً مستقلاً للحجاز كدليل على استقلاليتها.
انتقل جيلي أبوقرون إلى  جوار ربِّه ودفن جثمانه في كراية. ثمَّ خلفه ابنه الكبير محمد الذي أطال اللَّه عمره في الحكم، وقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب؛ وإنَّ وجود أجيال كثيرة ينتمون إليه حاليَّاً دليل على كثرة أبنائه عصرذاك. أعظم مافعله المك محمد هو أنَّه شيَّد العاصمة الملكيَّة في تاسي؛ وعند وفاته أصبح شقيقه عمر أبوزنتر مكاً. ومما يُحكَى عن أبي زنتر هذا أنَّه طاغية كان وقاسي القلب، وقد بات ممقوتاً من أغلب أفراد رعيته: حتى والدته كرهته، ولم يرضها حكمه التَّعسُّفي، وحبَّذت أن تنتقل السُّلطة إلى حفيدها إسماعيل، ابن المك محمد، الذي كان يافعاً يومئذٍ.  ولكي تتخلَّص الوالدة من ابنها الفاشستي، المك أبوزنتر، مكرت مكراً كُبَّاراً. أعدت الوالدة، هكذا تقول الرواية، طعاماً لأبي زنتر، وأخفت في داخله سكيناً حادة، وما أن وجد المك أبوزنتر هذا الخنجر حتى صاح صيحة ملكية وجلت منها النُّفوس وبلغت القلوب الحناجر. وتحت تأثير هذا الغضب المروع المفزع، أعدم ثلاثين من خدمه. هذه المذبحة أشعلت شرارة الثَّورة التي كانت تغلي ببطء منذ زمن بعيد، ولاسيَّما أنَّ التقلاويين كانوا يدركون كيف ولج الخنجر في الطَّعام. طُرِد عمر وسدنته، وأُعلِن إسماعيل مكاً على تقلي.  على أيٍ، لا توجد معلومات أخري تمكِّننا من التَّعرُّف على الظُّروف التي استطاع بها إسماعيل أن يكون محبوباً أكثر من عمه عمر، واستحقاقه مزيَّة الاصطفاء. لكن العذاب البئيس الذي كان يعانيه القوم من أبي زنتر، وعصارة ماتعرَّضوا له في حياتهم، وحصيلة تجربتهم قد أجبرهم على القبول بأي من أفراد الأسرة مكاً عليهم، مهما كانت قلة خبرته وصغر سنه. بعد معارك متقطِّعة فرَّ المك المخلوع، عمر أبوزنتر، إلى سنار ليبحث عن الدَّعم العسكري لمواجهة أعدائه في تقلي. فعل هذا عملاً بوصيَّة والدته نفسها. وفي نفس الوقت بعثت الوالدة هي الأخرى برسالة سريَّة إلى ملك الفونج، الذي كان يمت إليها بصلة القرابة، طالبة منه عدم السَّماح لأبي زنتر بالعودة إلى تقلي، واذا استطاب له الأمر، عليه أن يقتله.
وصل أبوزنتر وأتباعه إلى سنار في وقتٍ كان يواجه فيه الملك بادي الأحمر، ملك الفونج، مشكلة أمنيَّة في جهة قصيَّة من مملكته. ظن الأحمر أن عمراً، بدلاً من أن يُقتَل في المدينة بدون مبررمقنع، قد يلقي حتفه اذا بُعِث به لتركيع هؤلاء القوم الخارجين عن السُّلطة المركزيَّة في سنار؛ ومن ثَمَّ أُسند إليه هذه المهمة. كان هذا هو شرط التَّمويل الحربي الذي قطعه الأحمر على أبي زنتر وقتما يرجع من المعركة منتصراً. أمَّا عمر، الذي حسب أنَّ فرص نجاحه ضئيلة، فقد قبل التَّحدي وهزم العصاة ولم يذر على الأرض من الخارجين دَيَّاراً. عاد عمر يطالب بوعده، فأمره الأحمر أن يعود إلى تقلي ومعه رسالة وعد بالمساعدة؛ وقد وصَّى الأحمر ربان المركب، الذين كانوا في رفقة المك المخلوع المخدوع، أن يغرقوا المركب في النِّيل الأبيض. وهكذا فعلوا، وغرق أبوزنتر ومجموعته، عدا شخصان نجيا من الموت ليحملان النَّبأ العظيم إلي تقلي، أو كما تقول الفرنجة (They survived to tell the tale).
أمَّا المك إسماعيل، الذي اعتلى العرش العام 1705م وهو ما يزال في مرحلة الطُّفولة - كما سبق الإشارة إلى ذلك - عاش حتَّى بلغ من العمر عتيَّاً.  فبالإضافة إلى عمره المديد وحكمه السَّديد، كان إسماعيل طيَّب القلب، نزيهاً كان ومتجرِّداً.  وأذكر في الكتاب إسماعيل إنَّه كان ملمَّاً بعلوم الشَّريعة. ففي العهد "الإسماعيلي" بلغت حدود المملكة تكم وترجوك غرباً، وأم طلحة شرقاً، وخور أبوحبل أو النِّيل الأبيض شمالاً. والجدير بالذكر أنَّ في تلك الفترة، كانت جبال الكيجاكجة تُحكم بواسطة أحفاد المك الزَّيبق أو توراي. إنَّ أحفاد الأخير كانوا ينتمون إلى الأسرة المالكة عن طريق نسبهم إلى المك صابو، ثاني ملوك تقلي. أمَّا رشاد وتقوي، على صعيدٍ آخر، فكانتا تحت سيطرة المهاجرين من الفونج بعد أن فوَّضهم أحد مكوك تقلي الأوائل على القيام بهذا الدَّور. لم تلبث رشاد وتقوي تحت نفوذ مكوك تقلي كثيراً، وسرعان ما نالتا قدراً من الحكم الذَّاتي، واكتفتا بإرسال هدايا رمزيَّة لكل مك تقلي لحظة اعتلائه على العرش، حيث تمثَّلت هذه الهدايا في جلد الكودو، وقطعتين من ثوب ناعم، وعشرة قطع من ثوب دمُّور؛ وكذلك الرقيق الذي اشتدَّت حملات القبض عليهم في عهد المك ناصر.
صوب جنوب-غرب المملكة، كان يقيم بعض قبائل النُّوبة الذين كانوا يخضعون لكريم المعتقدات الأفريقيَّة، ويتبعون بصورة غير مباشرة، أو بطريقة ما، إلى تقلي. هذه القبائل هي: الكواليب، اللَّيري، هيبان، وشواي؛ وربما كذلك عطورو. كل هذه المناطق، ما عدا عطورو، تقع بين تقلي وشيبون، حيث كانت توجد مناجم الذَّهب. ولمَّا كانت تقلي، التي كانت تسيطر على مناجم شيبون ومندي في القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر، ترسل حملات عسكريَّة لاستجلاب الذَّهب، كانت هذه الغارات تحكم قبضتها على القبائل التي تقع في خط سيرهم؛ وتفرض عليهم جزية معلومة غالباً ما كانت هذه الجِّزية في شكل الرقيق. ومن هنا نستنتج أن الذَّهب، كعامل اقتصادي حيوي، قد لعب دوراً فعالاً في الحياة السِّياسيَّة والاجتماعية والعسكريَّة في مملكة تقلي.  أمَّا مقاطعة قدير، جنوب المملكة، فقد توارث على حكمها أسباط المهاجرين من الفونج كما كان الحال في رشاد وتقوي. وبما أنَّ مكوكهم كانوا شبه مستقلِّين إلاَّ أنَّهم كانوا يدفعون جزية أو هدايا لمكوك تقلي، وتعيين مكوكهم مشروط بموافقة مكوك تقلي. والجدير بالذِّكر أنَّ النُّوبة في كاو، وفنجور، وورني، وكلوقي - الذين أخرجهم الكواهلة من ديارهم بغير حق - وتيرا، وتلودي؛ وربما شرق مورو قد اعترفوا بسيادة مكوك قدير وكذلك، بطريقة غير مباشرة، بتقلي. امتداداً لعادات وتقاليد الفونج، كان مكوك قدير، ورشاد، وتقوي  يرتدون التَّاج الملكي ذا القرنين. هذا التَّاج، الذي كان يقره مك تقلي وبموجب مرسوم ملكي، كان على درجات متفاوتة في الجُّودة والشَّكل: تخصَّص الدرجة الأولى  للمكوك المذكورين  سلفاً، أمَّا الدَّرجات الأخرى فكانت لاشخاص أقل رتبة، مثل مكوك الكيجاكجة والكدرو. هناك بعض التَّكهنات بأنَّ سكان الكدرو والدَّاير، غرب وشمال-غرب المملكة، كانوا يتبعون للمك إسماعيل "التَّقلاوي".  تلك هي حدود مملكة تقلي قبل الهجرات الجماعيَّة للعرب، التي بدأت في أواخر عهد المك إسماعيل واستمرَّت حتَّى منتصف القرن التَّاسع عشر الميلادي.
توفَّى المك إسماعيل العام 1773م بعد ما بلغ أرذل العمر، ودُفِن جوار قبر والده في تاسي. خلفه ابنه أبَّكر الذي عاصر عهد الهمج في سنَّار، ومن ثَمَّ استقلَّت تقلي من ربقة استعمار الفونج لها. نتيجة لهذا الاستقلال، نمت عظمة مملكة تقلي داخليَّاً وخارجيَّاً.  توفَّى المك أبَّكر العام 1814م ومازال أبناؤه عمر، وأحمد، وناصر صغاراً في السِّن؛ ولهذا حاول أخوه المريود الاستيلاء على السُّلطة. ونسبة لرداءة خلق المريود، الذي لم يأبه على الرَّغم من السخط الجماهيري الذي كان يتمتَّع به، امتنع الجُّندي والمستشارون أن يضعوا أمور المملكة والرَّعيَّة في يده. واُختير عمر ليخلف والده على أن يعمل عجلون - أخ المك أبَّكر - نائباً لأبن أخيه، المك عمر. وقد قيل عن عجلون هذا أنَّه كان رجلاً عال الاتزان، وبنى النِّظام على مستو رفيع من الرِّضا الشَّعبي، ورعى ابن أخيه حتَّى بلغ أشدَّه واستوى علي عرشه، وتزوَّج له، ثمَّ استقال. في عهد المك عمر أرسل محمد علي باشا - الوالي التركي في مصر - ابنه إسماعيل لغزو السُّودان العام 1820م، والقضاء على مملكة سنَّار. مات المك عمر في سنٍ مبكِّر العام 1827م، ولم يحتار عمه عجلون كثيراً في البَّحث عن الخليفة، بل تحرَّك سريعاً لتنصيب أحمد - شقيق المك عمر - مكاً حتَّى يفوِّت الفرصة على المريود الذي كان ينتظر في الأجنحة، وطالما عاش على أمل أن يكون مكاً على تقلي في يومٍ ما.
في عهد المك أحمد، الضعيف نسبياً، استطاع الأتراك للمرة الأولى والأخيرة التَّوغُّل في المملكة؛ حيث قاد خورشيد باشا - الذي أصبح حاكماً عاماً للسُّودان في الفترة ما بين 1826-1837م - حملة إلى تقلي.  وقد حُكِي أنَّ أحمد باشا زار تقلي العام 1840م. لكن تظل المعلومات شحيحة إلى درجة العدم عن النُّفوذ التُّركي-المصري في المملكة. وإذا فرضنا أنَّ اتفاقاً للسلام قد أُبرم بين الأتراك-المصريين والنُّوبة، إلاَّ أنَّنا لم نعثر على بنود هذا الصُّلح.  كان الشئ المتوقَّع أن يقبل الأتراك-المصريُّون على اتفاق أشبه باتِّفاقيَّة "البقط" المشؤومة التي عُقِدت بين النُّوبة بقيادة ملكهم، قاليدروت، والعرب تحت إمرة عبداللَّه بن أبي السَّرح العام 652م، وخاصة أنَّ الأتراك المصريين غزوا السُّودان من أجل المال والرِّجال.
في العام 1843م استطاع مريود، العم الشرِّير الذي لم يزل يختمر حقداً على أبناء أخيه المك أبَّكر، في الخفاء تجنيد أشرار تقلي لمساعدته في تنفيذ مؤامرة اغتصاب السُّلطة. وقد نجح في قتل أحد أقارب المك أحمد، والوزير المنصور، واغتال المك أحمد كذلك، واستولى على الحكم بقوة السِّلاح. حاول ناصر، الذي كان سئ السُّمعة هو الآخر، نزع السُّلطة من عمه مريود وفشل فشلاً ذريعاً. ذهب ناصر إلى الخرطوم يتوسَّل إلى الباشاوات والبكاوات الأتراك لمعاونته لاسترداد حقِّه المسلوب، على أن يدفع ناصر في المقابل، عند استعادة ملكه، جزية سنويَّة من الرقيق والعاج؛ ووعد بأن يكون القسط الأوَّل 12 ألفاً من العبيد، وتحت دعاوي الانخراط في الجنديَّة.  ابتهج الأتراك-المصريُّون، الذين لم يفلحوا أساساً في إخضاع تقلي، فضلاً عن أنَّ الطَّلب الذي هو في الحقيقة من ضمن أهداف احتلالهم للسُّودان، ومنحوا ناصراً قوة عسكريَّة استطاع بفضلها أن يعيد عرشه ويقتل مريود.  كتب اسكيراك لوشر يقول:"إنَّ مصطفى باشا، حاكم كردفان يومئذٍ، قبض على ناصر. وقد وعد الأخير باحتلال تقلي إذا وضعت تحت إمرته سريَّة من المشاة، ووقتما يستتب له الأمر، سيدفع جزية مقدارها 4 آلاف من العبيد. وحينما أفلح في استعادة الملك المغصوب وقتل أخيه، ذبح كل الضبَّاط الذين كانوا معه في الحملة، وأسكن الجنود السُّود في تقلي، ورفض دفع الجِّزية".  إنَّ ظاهرة التماس العون والمدد من الأجانب لحسم الصراعات السياسيَّة الدَّاخليَّة هي سمة من سمات تأريخ السُّودان؛ فاستعان ملوك النُّوبة في شمال السُّودان بحكام مصر المماليك في نزاعاتهم السلطويَّة حتَّى أدَّت هذه التدخُّلات إلى انهيار المملكة، كما استعان أمراء الميرفاب بمحمد علي باشا في مصر ضد أخوته في السلطنة في وادي النِّيل في شمال السُّودان.  لذلك لم نندهش حين ذهب ناصر للأتراك-المصريين في مدينة الخرطوم مستنجداً بهم.
ذروة المملكة... ناصر وآدم أم دبالو
كما أبنَّا سلفاً كيف أصبح ناصر بن المك أبَّكر عاهلاً لتقلي العام 1844م، إلاَّ أنَّ أسلوب البطش والتنكيل بالأعداء قد تضاعف في عهده. وفي خلال الأربعين عام، عقب توليه الحكم، شهدت المملكة توسُّعاً هائلاً - بواسطة الدِّماء والدَّمار - وبلغت أعلى أوجها.  فلم تهدأ الأحوال إلاَّ في عهد خليفة المك ناصر، وتبدَّد ذلك السَّلام بعد مجئ المهديَّة.  تميَّز ناصر بالقسوة المفرطة، وكان ذا بأسٍ شديدٍ، وفعَّال لما يريد. ومما يُحكَى عنه أنَّه كان ذات يومٍ يقضي بين النَّاس في ديوانه، ويضحك بصوتٍ صاخب. وإنَّه لفي هذه الحالة، وإذا طائر ذو حظِّ نحس يمر ويردِّد صوت ناصر. عندما رأى القوم مكَّهم وقد اشتاط غضباً، أوجس كل من حوله خيفةً؛ ومن ثَمَّ أمر ناصر بإحضار ذلك الطَّائر اللَّعين. وعلى الفور تفرَّق القوم جرياً وراء الطَّائر من جبلٍ إلى آخر، حتَّى تمَّ القبض عليه، وجئ به أمامه، وقام ناصر شخصيَّاً بسمل عيون الطائر، ثمَّ أطلق سراحه مرة أخرى.  وكذلك ما يُحكَى عن انتقامه قصَّة الصَّائغ الكردفاني.  إذ يُروى أنَّ صائغاً بالأبيض كان يقوم بعمله وعندما سئل عمَّ يفعل؟ ردَّ الصَّائغ بتهكُّم إنَّه يصنع خاتماً لأنف المك ناصر اللَّعين، وظنَّ أنَّ الأمر قد انتهى عند هذا الحد، ثُمَّ ذهب إلى أهله يتمطَّى.  بيد أنَّ ناصراً قد سمع بهذا الخبرعن طريق جواسيسه المنتشرين في أرجاء المعمورة، وعمل جاهداً على استدراج الصَّائغ إلى تقلي بحجة صناعة له فيها. وعند حضور الصَّائغ، أمره ناصر أن يغلي فضة؛ وعندما فرغ من ذلك، سأله الصَّائغ ماذا هو فاعلٌ بهذه الفضَّة المغليَّة؟ أجاب ناصر: إنَّها لصناعة خاتم لأنفك!  وعلى التو انقضَّ جلاَّديه قبضاً على الصَّائغ، وقام المك ناصر شخصيَّا بصب الفضة السَّائلة في أنفه حتَّى لقي مصرعه.
كان ناصر شجاعاً، صنديداً كان ثمَّ طاغية؛ وكان يعاقب الزناة بصورة وحشيَّة. وحينما نكث عن وعده، ورفض إرسال الرقيق إلى السُّلطات التُّركيَّة، أُرسِلت إليه حملة بواسطة عثمان بك، حيث مُنيت الحملة بهزيمة ساحقة، ولم تعاود الحكومة إيفاد قوة أخرى. كان المك ناصر ذكيَّاً ملمِّاً بفنون السِّياسة والحكم، وقد استخدم سياسة "فرِّق تسد" بمهارة بارعة في إدارة المملكة. ومن مكائده، أنَّه سمح لقبيلة الهبَّانيَّة بمهاجمة سنادرة: لكن الأخيرة، تحت قيادة شيخهم هارون، استطاعوا بعصيهم فقط هزيمة البقَّارة، الذين كانوا مسلَّحين بالحراب وعلى ظهور خيولهم أتوا. كان ناصر قلَّما يوجد في تاسي؛ حيث كان دائماً على رأس قوة غائرة على القبائل المجاورة: يضرب عليهم خراجاً يحملونه له كل عام، ويجمع الرَّقيق، ويسبُّ الماكرين. وحينما يكون في تاسي، يقضي جل نهاره جاثياً على صخرة فوق قمة جبل شالوكدوك: يلاحظ حركة العباد، ويراقب كل من لا يعمل في الحقل، أو الذي يحدق إلى نساء غيره شهوة؛ وعندما ينزل في المساء، يقضي بين النَّاس بحق أو بغير حق.  ولربما توهَّم واهمون بأنَّ مملكة تقلي كانت إسلاميَّة تحكم بما أنزل الله. وقد يندهش البعض كيف كان الرعيَّة عل الدَّوام يذكِّرون بعضهم بعضاً بأحد الجناة الذي أُتِّهم في قضيَّة القتل، واختار الجاني - بمحض غباوته - الاحتكام إلى شرع اللَّه فأُعدم. فلم يكن لطف المكوك هو الدَّافع الأساس في الاحجام عن تطبيق حدود اللَّه فحسب، بل كانت الديَّة التي تدفع إلى الخزينة العامة تمثِّل ثروة ماليَّة لا يمكن الاستعاضة عنها بقتل النَّفس. وقيل إنَّ ناصراً كان ممقوتاً لمحاولاته أسلمة المجتمع التَّقلاوي، وإضفاء الطَّابع الدِّيني على الحياة العامة في كافة أرجاء المملكة.
بدأ تسلُّط المك ناصر يزداد بين عشيَّة وضحاها، وكان ينافسه في طغيانه وجبروته ابنه الأكبر المدعو المؤمن، الذي لم يأمن القوم من شره. وقد تضاعف فساده واستبداده عندما عيَّنه والده مكاً على بلولة وأم طلحة.  إذ لم يكن بمقدور القوم تحمل تجاوزاته الكثيرة حتى اختطف المؤمن خطيبة أحد رعاياه عشيَّة يوم الزَّفاف، وأصبحت هذه الفعلة القشَّة التي قصمت ظهر البعير. لم يسر تصرُّف المؤمن المواطنين الذين رأوا مفارقات شتى في ادعاءات الوالد وضلالات النجل. وكيف يغض ناصر الطَّرف عن هذه الجريمة الاجتماعية طالما كان يصبُّ على الذين يزنون بأبصارهم سوط عذاب؟ اجتمع عقلاء القوم واجمعوا على كلمة سواء: على أن يتخلَّصوا من المك ناصر، ويبايعوا ابن أخيه آدم، الذي أصبح يعرف فيما بعد بآدم أم دبالو، مكاً لهم، وقرَّروا أن يكون ذلك يوم قنصة المك، في ذلك اليوم الموعود خرج المك وأعوانه للصَّيد، فنفَّذ القوم ما خطَّطوا له. ولمَّا علم المواطنون بخبر استيلاء آدم على السُّلطة، جاء أهل المدينة يستبشرون. عندما أدرك ناصر أنَّه زُهِق من منصبه، جمع أتباعه وهرب إلى الصريف، حيث مكث فيه عاماً كاملاً دون مضايقة أو تحرش من آدم، وأخيراً طرده سكان المنطقة، ومنه ذهب شمالاً واستقرَّ في أبودوم لمدة عامين آخرين. وحينما علم بأنَّ آدم يعد العدة للهجوم عليه، فرَّ إلى السلطات التُّركيَّة-المصريَّة للمرة الثَّانيَّة طالباً المساعدة. إذ لم تنخدع الحكومة التركيَّة مرة أخرى، كما لم تحاسبه بأثر رجعي على عدم وفائه بوعده في الماضي، بل اكتفت بمنحه قطعة أرض في معفوق على النِّيل الأبيض، حيث أقام فيها واستمرَّ في اضطهاده للنَّاس حتَّى أخذته المنيَّة.
ومن جانب آخر، هرب المؤمن إلى طريفي في الجبال الواقعة غرب تقلي، وعاش فيها حتَّى مماته؛ أمَّا شقيقه الصَّغير، الفحل، فقد حاول قيادة المقاومة المسلَّحة ضد حكام تقلي بعد سنوات قليلة من سقوط نظام والده لكنه مُنِي بهزيمة ساحقة وقُتِل.  تولَّى آدم الحكم العام 1859م وعمل على بسط العدل، واطلاق الحريات العامة إلى حدٍ ما. وفي عهده سمح لكل من رشاد، وتقوي، وقدير أن تصبح مكوكيَّة مستقلَّة؛ وحوَّل العاصمة من تاسي إلى كراية؛ وازدهرت التِّجارة بين تقلي والأبيض، ومن خلال الأخيرة مع مصر عن طريق درب الأربعين.
تقلي إبَّان حكم المهديَّة (1882-1898م)
في العام الثَّاني والعشرين من حكم المك آدم أم دبالو نزل محمد أحمد المهدي في قدير، عملاً بمشورة عبدالله التَّعايشي وإخوته، الذين وصُّوا المهدي بالابتعاد عن سلطات الخرطوم.  ولئلا يظن أتباعه أنَّ هذه الهجرة المزعومة ما هي إلا فراراً من الحكومة التركيَّة-المصريَّة، أعلن المهدي لأنصاره أنَّه تلقَّى رسالة إلهيَّة بالهجرة المهدويَّة إلى جبل ماسة، ومن هناك سوف ينتظر تعليمات ربَّانيَّة أخرى.  وبما أنَّ المهدي يفترض أن يكون قد أتى من جبل ماسة في شمال أفريقيا، غير أنَّ المهدي السياسي المحنَّك لم يتردَّد لحظة واحدة في تسمية جبل قدير باسم جبل ماسة، حتَّى يحقِّق واحداً من شروط المهديَّة الرئيسة.  مهما يكن من أمر الادِّعاء المهدوي، فعلى الفور طلب المهدي المساعدة من المك آدم، الذي كانت عداوته للحكومة التركيَّة-المصريَّة غير خافية على أحد. أما آدم - العليم بأمور السياسة والساسة - فقد وافق على مبايعة المهدي والتعهُّد بعدم التَّعرُّض له، أو الوقوف في طريقه، على ألاَّ يتعدَّى المهدي على تقلي وقتما تنجح ثورته. أما الاشتراك مع المهدي في الحرب العلنيَّة ضد السلطات التركيَّة، فقد رفض آدم الاذعان لهذا الطَّلب، واكتفى باغداق المهدي بالكرم الفياض والتأييد المعنوي. كان يرى علماء آدم، أي مستشاريه وعلى رأسهم القاضي ميرغني ود تميم، غير ذلك. فقد نصحوه بقتل المهدي لأنَّه ليس بمهدي حقيقي.  وإذا قتلته فسوف لن تكون مسؤولاً عن فعلتك هذه أمام اللَّه، هكذا استنصحهم آدم ونصحوه.  بل أصرُّوا أنَّ الواجب الإلهي يتطلَّب قتل مثل هؤلاء الرِّجال الدجَّالين. لكن آدم رفض الخضوع لهذه الاستشارة، بل أرسل ابنه عمر مع المهدي إلى قدير للانخراط في المهديَّة. وقد تعمَّق عمر في المهديَّة، وبات يحتل مكاناً مرموقاً تحت قيادة الخليفة عبداللَّه التَّعايشي.
لم يفقد المهدي الأمل في الحصول على المساعدة من المك آدم. وفي الأعوام الأولى من الثَّورة، أرسل رسالة الى آدم طالباً منه المال والمدد؛ ولكن آدم، بناءاً على وصية العلماء، رفض الامتثال للطَّلب. بعد سقوط الأبيض، دعا المهدي آدم لزيارته. في هذه المرة، على الرَّغم من نصيحة علمائه بعدم الذِّهاب، قرَّر آدم قبول الدَّعوة، ولم يفلح معه اصرار القاضي ميرغني الذي كان يلهث وراءه، وباخعاً نفسه عليه حسرات لعلَّه يثنيه عن عزمه، ولكن هيهات. كانت المفاجأة الكبرى عندما وصل آدم وحاشيته إلى الأبيض ليجد نفسه وأقرباءه سجناء في يد المهدي، فندم ندماً شديداً على ثقته في المهدي، ولات حين مندم. أمَّا القاضي ميرغني، الذي تفجَّر غضباً وطفق يسب المهدي ويصفه بأنَّه محتال ومخادع،  فقد أُعدِم على الفور.  أدرك آدم أنَّه أحسن الظَّن بالمهدي دون أن يقرأ الغيب، فكان جزاءه جزاء سنمار.  فعندما اتَّهمه آدم بأنَّه نقض العهد الذي كان بينه وبين تقلي، كان المهدي ذكياً في رده، وقال إنَّه لم يهاجم تقلي. لكن هل امتنع خليفة المهدي - من بعده - من مهاجمة تقلي؟ بالطَّبع لا وسوف نرى كيف أمست تقلي مسرحاً للعمليات العسكريَّة ومصيداً للرقيق في عهد الخليفة عبداللَّه التعايشي.  توفى آدم  في الحبس مصفداً بالأغلال وموثقاً بالحبال في شبشة في دار الجمع خلال زحف المهدي نحو الخرطوم. أمَّا أبنائه، الجيلي، والطَّاهر، وأبوفلج الذين كانوا مع والدهم في الحبس، فقد استطاعوا أن يفروا من الاعتقال.  في تقلي نفسها كان آدم قد خلف وراءه ابنيه، علي أبوزنيت والزيبق، ليديرا شؤون المملكة في غيابه. لكن تشاجر الأخوان، فأخذ علي يسيطر على غرب المملكة، بينما بقي الزيبق في تقلي. وقد قيل إنَّ أخوهما الطيِّب كان مسؤولاً على أم طلحة. لدي سماع خبر وفاة والده، أعلن علي نفسه مكاً على تقلي، ودخل في معارك ضارية مع أخويه. منذ تلك اللَّحظة بدأت مملكة تقلي تشهد تصدعاً داخلياً، وكان هذا الصراع الأسري يمثِّل البذرة الأولى للانهيار والتفتت.
بعد وفاة المهدي في 22 حزيران (يونيو) العام 1885م، أرسل الخليفة عبداللَّه التَّعايشي عمراً، ابن المك آدم، إلى تقلي ليأتيه بدعم أهله.  لكن عمراً قد قُوبِل بالغضب العارم من أخوانه لأنَّه هجر والده في تقلي وفي الأسر وانضم إلى الدَّراويش، وتمرَّغ في المهديَّة. أقفل عمر راجعاً إلى الخليفة وهو يحمل رسالة تحدِّي من تقلي. في هذه الأثناء، ابتعث الخليفة قوة عسكريَّة تحت قيادة حمدان أبوعنجة والنُّور عنقرة في شباط (فبراير) 1885م، ثمَّ لحقهما يونس الدِّكيم لإخضاع تقلي، أي بعد سقوط الخرطوم مباشرة.  وقد قامت هذه القوة بمجازر بشعة، حيث قُتِل 7 آلاف شخص في منطقة سنادرة وحدها، وأُسِرت أعداد كبيرة من المواطنين.  وقد ذُبِح كل من له صلة رحم بالأسرة المالكة، ولم ينج من هذه المذابح الطِّفل الصغير ولا الشيخ الكبير.  وفي هذه المعارك قُتِل كل من الزيبق والطيَّب، واستطاع علي أبوزنيت أن يهرب بجلده.  شملت حملات النُّور عنقرة كذلك أولاد حميد وكنانة في جنوب شرق تقلي؛ تنزع النَّاس كأنَّهم أعجاز نخلٍ منقعر. فرَّق حمدان (من قبيلة المنضلة) النَّاس في بطون الأودية والكهوف وغنم ماشيتهم وأُحرق غلالهم وبيوتهم؛ ثمَّ دخل بلاد الكواليب فاستولى على جميع ما ملكت أيديهم من غلال ومواش مع 300 رأس من الرَّقيق و120 بندقيَّة.(13) وتوغَّل أبوعنجة في قدير، وهزم مكها بوش، ويحكى أنَّ البشر والقردة فرَّوا جميعاً صوب مورُنج، أمَّا لماذا امتنع حمدان عن مهاجمة رشاد، فقد قيل إنَّه أخذ معه قرون فيلة، ابنة المك عبدالرَّحمن - مك رشاد،  كخليلته حتى لا يدمِّر رشاد.
بدأ الصِّراع الثَّقافي واضحاً في المهديَّة بين من يدينون بالإسلام ومن لا يدينون به وقد تحمَّلت عبء هذا الصِّراع القبائل الزنجيَّة التي تسكن جنوب خط عرض 13. وتنفيذاً لتعليمات المهدي بعد تعيينه أميراً على الكدرو والمندل والنيمانج وكل الجبِّال الواقعة غرب تقلي، قام عمر بشن هجمات على البعثة المسيحيَّة ومخفر أمامي تركي-مصري في الدَّلنج.  لا مراء أنَّ المهدي قد استغل العامل الدِّيني كأداة رائسة في تأجيج نار الثَّورة الشَّعبيَّة التي اجتاحت السُّودان عصرئذٍ، وقد استفاد من خبرات الخليفة عبدالله التَّعايشي - الذي ورث هو الآخر العلم اللّدني من والده الذي كان فقيهاً مشعوذاً.  وقد علمنا أنَّ الخليفة عبدالله التَّعايشي، حين وقع أسيراً في يد الزبير باشا رحمة في دارفور، حاول تحبيب فكرة المهدي إلى الزبير الذي رفض الأمر بشدة وزجره ثم هجره هجراً مليَّاً، وما أن لاحت لعبدالله الفرصة مع محمد أحمد حتَّى نالت الفكرة إعجابه وبدأ في استثمارها دينيَّاً وسياسيَّاً.  فسجلاَّت التأريخ مليئة برجال ابتغوا السُّلطة، وبدأوا تدريجيَّاً بأخذ القيادة في كثير من الجماعات، مطلقين على أنفسهم ألقاباً طنانة.  لقد أراد البعض أن يكونوا قادة دينيين ورجال سياسة على السواء.  وسنحت لهم الفرصة المناسبة لتحقيق مآربهم حين حدثت تجاوزات اجتماعيَّة وسياسيَّة في حق الشُّعوب المغلوبة على أمرها.  فقد نظَّم بعض رجال الدِّين، الذين امتهنوا السياسة، حملات تؤيِّد المساواة العرقيَّة وإلغاء الرِّق وأموراً مشابهة، فلقوا - في سبيل تلك الحملات - الاستحسان عند النَّاس، وفي ذكراهم بقوا.  وبما أنَّ المهدي قد انتفض ضد الفساد الخلقي في المجتمع السُّوداني وسياسات الحكومة التركيَّة-المصريَّة، غير أنَّه لم يفعل شيئاً ضد ممارسة الرِّق، الذي هو أكبر جريمة أخلاقيَّة في تأريخ الحضارة الإنسانيَّة، بل تحالف المهدي مع النخَّاسين الذين ارتأوا في سياسات الحكومة الجديدة ضد علاقات الرِّق تهديداُ لمصالحهم التجاريَّة.  ومن هؤلاء التجَّار الياس باشا - حاكم كردفان السَّابق - وابنه عمر في الأبيِّض، وعثمان دقنة في شرق السُّودان وآخرين ممن تحالفوا معه ضد النظام وسدنته؛ ومن أولئك السدنة نذكر: عبدالله ود دفع الله وأخوه أحمد بك دفع الله في الأبيِّض.
فلندع أمر المهدي جانباً ونعود إلى الصراع السياسي حول السُّلطة في مملكة تقلي.  فقد استطاع علي أبوزنيت أن يعيد تأسيس مركزه في كندورو، وبدأ في تكريم كل من صمد معه في هذا النِّضال الطَّويل، مثل النِّيل إدريس، الذي أصبح فيما بعد عمدة موريب. هاجم إبراهيم الخليل قرى تقوي، وأجزاء من جبال الكيجاكجة، وكذلك أولاد حميد في مية العام 1892م. لو اعتزم الخليل هذا محاربة تقلي، لوجدها مفكَّكة وآيلة للسقوط، وذلك للتشتُّت الذي أصاب أحفاد العائلة المالكة، فتفرَّق الأخوة، وسادت الخلافات، ودخلت المملكة في صراع داخلي مستميت أصبحت تهدِّد استقلاليتها وبقائها ككيان سياسي كان مستقلاً حيناً من الدَّهر وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. هرب جيلي، شقيق علي أبوزنيت، من معتقله في القضارف العام 1891م، وتمَّ تعيينه وزيراً لأخيه المك. كان علي مستبدَّاً لدرجة تفوق استبداد المك ناصر؛ أمَّا جيلي، الذي كان يحظى بتأييد شعبي واسع، كان يرى نفسه أنَّه المك الشَّرعي، ولذلك قرَّر علي أن يقتله. احتدم النِّزاع حول السُّلطة شديداً، وفي ذلك تنافس المتنافسون. وبلغت الفتنة مداها عندما جاء أحد الحوازمة الرواوقة - يدعى ناصر - هارباً من الدَّراويش، وطالباً حق اللُّجوء السِّياسي في تقلي. لم يجد علي حرجاً من أن يتَّهم  هذا المتضرع بأنَّه جاسوس المهديَّة، وحكم عليه بالإعدام. أمَّا ابن المتوسل، فقد جري إلى بيت جيلي يستغيثه من بطش علي وعصبته، ووعده جيلي بأنَّه في أيدي أمينة؛ ولكن ما أن عسعس اللَّيل إلاَّ وذهب عملاء علي إلى بيت جيلي، وأخذوا الطِّفل وقتلوه. كان ذلك في العام 1892م.  بهذه الواقعة، توهَّم جيلي أنَّ عليَّاً ينوي قتله إذا وجد فرصة سانحة. لذلك، وكأنَّ جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى فقال له إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إنِّي لك من النَّاصحين، اتفق جيلي مع أتباعه أن يلتقوه في بلولة، ومن ثمَّ فرُّوا إلى تاسي. وقد لحقه متطوعون من تقلي في بلولة، تحت قيادة الفكي الحسن من الكواهلة، وبايعوه مكاً على تقلي. أرسل علي قوة من الجيش يقودها الفكي عبدالكريم، شيخ شريحة من الكواهلة، ليقاتل جيلي في بلولة. انضم عبدالكريم وجنوده إلى جيلي، وشرعوا في أداء فروض الولاء والطَّاعة، وبعث عبدالكريم بخطاب إلى علي يحدِّثه فيه أنَّه هُزِم في المعركة، وقّبِض عليه أسيراً.
لم يمض وقت طويل حتَّى أصبح جيلي على رأس قوة كبيرة من المحاربين، وخاصة عندما أرسل أخوه أبوفلج ليجنِّد أولاد حميد. تحرَّك جيلي نحو تقلي والتقى مع علي في طريفي، وعلى الرَّغم من هذه القوة، هُزِم  جيلي وتقهقر صوب الجنوب إلى تدقل في جبال الكيجاكجة، حيث وصلته تعزيزات من الذين هجروا عليَّاً، والعائدين من المهديَّة، وقاتل عليَّاً وانتصر عليه، وهرب الأخير. جمع علي قوة متعدِّدة الجنسيات من تقوي، والضَّباب، وحتى الكواليب، وبات يقود حرب العصابات ضد جيلي: يهلك الحرث والنَّسل في المناطق الواقعة في غرب وشمال المملكة.  أخيراً جاءت المسرحيَّة إلى نهايتها العام 1896م عندما عزَّز جيلي موقفه العسكري بالعائدين من الدَّراويش الذين هجروا الخليفة حينما لاح على الأفق كتشنر وجنوده البريطانيُّون-المصريُّون والسُّودانيُّون الذين التحقوا بالقوات الغازيَّة، وأمست هزيمة الأنصار قاب قوسين أو أدنى. وبعد المعركة الفاصلة بين الأخوين، هُزِم علي واستقرَّ في جبل الدَّاير، وبذلك انفرد جيلي بالسُّلطة: يقيم الحق، ويسوس الخلق، ويرعى العباد، ويراعي البلاد. حاول البريطانيُّون إعادة الاعتبار إلى علي، وجعلوه مسؤولاً على جبال تكم وطيشان - غربي جبال تقلي - وضمَّت هذه المنطقة لاحقاً وديلكة والموريب. عاش فيها علي حتَّى مات العام 1922م، وخلفه ابنه أبَّكر.  أمَّا جيلي، الذي وقَّع اتفاقيَّة السَّلام مع الخليفة عبداللَّه التَّعايشي، رجع ونقض ذلك العهد؛ ربما قد تعلَّم من الخطأ الذي وقع فيه والده مع المهدي. وعندما هرب الخليفة إلى أبودوم بعد معركة كرري بأم درمان، رفض جيلي توفير الحماية له؛ وأمر وكيله عبداللَّه جودات - الذي سبق أن عمل ملازماً في الحرس الخاص للخليفة في أم درمان، وهرب إلي تقلي مع عددٍ من الجهاديَّة - أن يطرده من تقلي. طُرِد الخليفة من بلولة، ومنها إلى قدير، حيث اختبى فيها حتَّى خرج أخيراً ليلاقي ربُّه في معركة أم دبيكرات.
في العام 1899م عيَّنت السُّلطات البريطانيَّة-المصريَّة مأموراً في كراية، ولكن جيلي - الذي كتب إلى حاكم كردفان بالأبيض يشكره على هذا التَّعيين - بات يتجاهل هذا المأمور، وطفق يقوم بتصريف أمور العباد والبلاد كما كان من قبل. وقد تواطأ مع حركة الشَّريف محمد الأمين في تقلي العام 1903م، وعند القبض على الأمين وشنقه علناً في الأبيِّض، وسجن أتباعه، أُخِذ جيلي للمساءلة الجنائيَّة. وحينما أبلغ السُّلطات البريطانيَّة-المصريَّة أن الأمين قد خدعه، تمَّ إطلاق سراحه. توفَّى جيلي العام 1916م بعدما تقلَّصت نفوذه وأصبحت محدودة جدَّاً، وخلفه ابنه أبَّكر الذي عاش حتَّى العام 1921م، ليتولَّى العرش من بعده أخوه آدم النِّيل جيلي.
تقلي في عهد الحكم البريطاني-المصري (1898-1956م)
عند اعتلاء المك آدم جيلي - المك التَّاسع عشر - على العرش العام 1921م كان السُّودان قد دخل مرحلة جديدة من تأريخه الحديث، وذلك من خلال الغزو البريطاني-المصري إليه في 2 أيلول (سبتمبر) العام 1898م، وشرعت السُّلطة الجديدة في البلاد في عمليَّة تجميع أشلاء المملكة ومحاولة إنعاش الحكم الوراثي المتهالك. لقد أضفى النِّظام الثنائي على أجهزة الحكم القديمة طابعاً تجديدياً، ولذلك نجد أنَّ تقلي أصبحت جزءاً من مجلس ريفي المنطقة في كانون الثَّاني (يناير) 1947م. جاءت فكرة رتق أجزاء المملكة في الفاتح من نيسان (أبريل) 1931م، وذلك عقب إلغاء مديريَّة جبال النُّوبة وإضافة تلودي إلى منطقة الجِّبال الشرقيَّة.  شهدت المملكة تطوُّرات إداريَّة أخرى، فقد اختار المك أدم آبار كُتُري عاصمة جديدة له العام 1929م بدلاً من كراية في جبال كيجاكجة، ورفض استخدام اسم كُتُري وأطلق اسم العباسيَّة على العاصمة. كان للعاصمة الجديدة موقعاً استراتيجيَّاً هاماً، فضلاً عن كونها مركزاً تجاريَّاً واقتصاديَّاً في غاية الأهميَّة. فنجدها مصدراً للمياه، وبها طرق اتِّصالات جيِّدة بين الشَّرق والجنوب، وقريبة من السكة حديد في أم روابة، كما أكسبها فتح طريق رشاد-العباسيَّة في نفس العام وضعاً خاصاً؛ ثم انشاء محكمة تقلي تحت نفوذ المك، ومنحه سلطات قضائيِّة واسعة.
وفي العام 1930م أصبحت عموديتي الكواهلة وكنانة في بلولة وأبوجريس وأم طلحة في الشَّرق تحت سلطات المك القضائيَّة، وارتفع تعداد السُّكَّان بإضافة 4,100 مواطن إلى المملكة. وفي العام 1932م أُدمجت الموريب وتكم (تعدادهما حينئذٍ 3,300 نسمة) إلى المملكة، وكذلك ترجوك وتقوي (2,500 نسمة) في العام التالي. باتت تقلي - باستثناء رشاد - يحدُّها من الغرب الحوازمة بناظرهم الزِّبير، ومن الجنوب أولاد حميد وكنانة تحت إدارة النَّاظر راضي كمبال، الذي أمسى كيلاً للمك في مدينة أبو جبيهة. بحلول العام 1934م ارتفعت ميزانيَّة المنطقة إلى 1,265 جنيهاً إسترلينيَّاً. وفي العام 1935م امتدَّ نفوذ تقلي القضائي إلى رشاد (7,800 نسمة)، وكذلك أولاد حميد وكنانة والكواهلة في كلوقي بناظرهم محمد (13,200 نسمة).  بلغت مساحة رقعة المملكة بعد ترميمها 1,200 ميلاً مربَّعاً، وتعداد سكانها ما يربو على 47,000 نسمة، وقفزت ميزانيتها إلى 3,500 جنيهاً إسترلينياً. أصبح السكَّان خليطاً من العرب، والنُّوبة المسلمين في رشاد، والنُّوبة غير المسلمين في كاو-نيارو، وقبائل تعود أصولها إلى نيجيريا (الفلاَّتة).  وبحلول العام 1937م انضم ناظر اللِّيري إلى المنطقة، وفي العام 1943م ارتفعت الميزانيَّة بإضافة 1,600 جنيهاً إسترلينياً إليها من العموديات الأربع، وبعد عامين انضمت عموديَّة تلودي وبلغت الميزانيَّة 15,000 جنيهاً إسترلينيَّاً وتعداد السكَّان 140,000 نسمة.
تم تقسيم المملكة إلى إدارتين وتجزئة هاتين الإدارتين إلى 7 أقسام:(14)
الإدارة الشَّماليَّة: وتضم 3 أقسام هي تقلي والحوازمة ورشاد (مجموعة تقوي وترجوك). وتقع تحت إدارة شقيق المك - الشَّيخ حاج الطَّاهر جيلي.
الإدارة الجنوبيَّة: وتشمل 4 أقسام هي أولاد حميد - كنانة، الكواهلة في كلوقي، اللِّيري، وعموديَّة تلودي. ويدير شؤونها النَّاظر راضي كمبال.
حينما عزم المك الاستقالة العام 1946م ليعتزل العمل العام ويركن إلى حياته الخاصة، رفض الإداريون ذلك لأنَّ إبنه كان لايزال يافعاً وليس بمقدوره أن يرث الحكم.  أمَّا النِّظام السِّياسي الذي الذي أصبح سائداً في المنطقة منذ الفاتح من كانون الثَّاني (يناير) 1947م فقد كان يعرف بمجلس ريفي المنطقة، ويتكوَّن من ممثِّلي القبائل الذين يعيِّنهم محافظ المديريَّة، وثلاثة أعضاء يمثِّلون المصالح الخارجيَّة - يتم تعيينهم بواسطة المحافظ كذلك - ثمَّ الممثل التجاري - الذي ينتخبه رجال المال والأعمال في الأسواق الرئيسة في العباسيَّة ورشاد وتلودي. وجد المك آدم فرصة مواتية لرفض رئاسة هذا المجلس الموقر، فما كان من المجلس إلاَّ أن انتخب شقيقه الشَّيخ حاج الطَّاهر جيلي رئيساً للمجلس - على الأقل - خلال الثلاث سنوات الأولى من تأسيس المجلس.
خلاصة
فيما مضى من السَّرد التأريخي للأحداث السياسيَّة والاجتماعيَّة التي عليها قامت مملكة تقلي، نجد أنَّ المملكة كانت مستقلة أيَّما استقلال.  واستطاع رعايا المملكة أنَّ ينجو من نير الضَّرائب الباهظة، التي كانت سمة العهد التركي-المصري في السُّودان (1821-1885م).  بناءاً على هذا، رفض المك آدم أم دبالو دفع الضرائب حين أوفد الياس باشا - حاكم كردفان يومئذٍ - رسله من مقرِّه في الأبيِّض إلى المك "التَّقلاوي".  فماذا كان رد المك آدم لرسل الياس؟  قال لهم المك آدم: "إنَّي لأدفع فقط قيمة البضائع التي أشتريها من التجَّار، لكنَّني لن أدفع لهم الضرائب."  وفي تلك الأثناء، أرسل المك آدم رسالة إلى الأبيِّض مستفسراً مستنكراً عما حدث للأتراك والبيض؟  هل لقوا مصرعهم أجمعون أبتعون حتَّى باتت الحكومة تعيِّن التجَّار "الجلاَّبة" من الجعليين والدَّناقلة والشَّايقيَّة في وظائف عليا دون إعطائها لرجال ذوي شأن عظيم؟  فكان هذا الاستهجان كافياً بأن تعفى السُّلطات حاكم كردفان، الياس باشا، ومساعده، عبدالرحمن بن نجا، من منصبيهما حين رأت أنَّهما لا يحُظيان بتقدير وتوقير من النَّاس.  بيد أنَّ للإعفاء دواعي أخرى تتمثَّل في التَّنافس السياسي والتجاري لتجار الرَّقيق في الأبيِّض والنتائج التي أفرزها هذا الصراع المحموم، وخاصة إذا أدركنا أنَّ أحد أسباب غزو محمد علي باشا للسُّودان كان من أجل الحصول على الرِّجال الأقوياء (الرَّقيق) لتحديث جيشه، فضلاً عن جمع المال لتوسيع نفوذ الإمبراطوريَّة العثمانيَّة.  ولإشباع رغبة السُّلطة الملحَّة ومصالهم الشخصيَّة، استخدم جباة الضرائب من الأتراك والشايقيَّة والعساكر (الباشبزق) سبلاً وحشيَّة، وانتشر أسلوب الرشوة والمحسوبيَّة، حيث نجت منها مملكة تقلي بفضل استقلالها.
يقولون دائماً إنَّ التأريخ يكتبه المنتصرون، وهكذا الحال لتأريخ السُّودان (History is written by victors).  فالذين دوَّنوا تأريخ هذا البلد هم أولئك الذين تربَّعوا على عرش السُّلطة في الخرطوم سواء علينا البريطانيُّون-المصريُّون، الأجانب الذين خدموا الإمبراطوريَّة العثمانيَّة أو البريطانيَّة في السُّودان، أم الأقليَّة الحاكمة التي ورثت السُّلطة من المستعمرين.  على أيٍ، هذه لمحات وقبسات من حضارة سادت ثمَّ بادت، وقد إرتأينا أنَّه من الضُّروري تسليط الأضواء عليها لإزالة الضباب الذي ظلَّ ضارباً عليها حيناً من الدَّهر، إما بسبب جهالة الجهلاء، أو تحريف المغالين، أو انتحال المبطلين. ولكن ثمة أسئلة تظل في حاجة إلى أجوبة؛ نذكر على سبيل المثال الحاجة إلى الدراسة الأثنية واللُّغوية عن سكان تقلي وعلاقتهم بقبائل النُّوبة الأخرى؛ وكذلك العلائق التي ربما ربطتهم بممالك النُّوبة القديمة على ضفاف نهر النِّيل قبل دخول العرب إلى السُّودان. وهذا يعني الانغماس في دراسة رسائل ومخطوطات الرحَّالة الذين زاروا السُّودان والمنطقة وكذلك إجراء بحث ميداني مع بعض كبار تقلي، فضلاً عن القيام بحفريات في المنطقة.  فهل نحن فاعلون؟
هوامش وإحالات
(1) أنظر الدكتور يوسف فضل حسن: مقدمة في تأريخ الممالك الإسلاميَّة السُّودانيَّة في السُّودان الشرقي (1450-1821م)، الدار السُّودانيَّة للكتب، الخرطوم.
(2) Ewald, J J, Soldiers, Traders and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley (1700-1885), USA, 1990.
(3) أنظر محمد بن النور بن ضيف الله: كتاب الطبقات في الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السُّودان، تحقيق الدكتور يوسف فضل حسن، الخرطوم، 1971م.
(4) المسيد عبارة عن مسجد خصوصي ومدرسة لتعليم القرآن والحديث.
(5) بالإضافة إلى الشَّهادة، التي هي ركن من أركان الإسلام الخمسة، نجد أنَّ البديَّات يمارسون بعض الطُّقوس والعادات التي تُعتبر في بعض الأوساط الدِّينيَّة بدعة منافية للتَّعاليم الإسلاميَّة.  وتشمل هذه العادات التَّوسُّل إلى الخالق تحت شجرة الهجليج، وتقديم القربان للبارئ على قمم الجِّبال، وهذا هو إسلام أهل السُّودان الذي فيه تمتزج الخرافة بالعقيدة والتَّقاليد بالعبادات.
(6) Elles, R S, The Kingdom of Tegali, Sudan Notes and Records, Vol XVIII, Part I, 1935.
(7) Holt, P M, A Modern History of the Sudan: From Funj Sultanate to the Present Day, London, 1961; Slatin Pasha, R C, Fire and Sword in the Sudan:  A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes (1879-1895), London, 1897.
ينسب الجعليُّون أنفسهم إلى جدِّهم العبَّاس عم الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في شبه الجزيرة العربيَّة.  وإنَّهم بهذا النَّسب لفخورون، وإنَّهم لينظرون بشئ من السخريَّة والازدراء على الدَّناقلة، الذين يعتبرونهم منحدرين من العبد دنقل.  وحسب الأسطورة، فإنَّ دنقل - بالرَّغم من أنَّه كان عبداً - صعد إلى مرتبة حاكم مملكة النُّوبة، وكان يدفع الجزية لبهنيسا، القس القبطي، الذي كان مسؤولاً عن المنطقة الواقعة بين صرص ودبَّة.  وقد شيَّد دنقل مدينة دنقلا، التي باتت تحمل اسمه، وسرعان ما بدأ مواطنو هذه المنطقة يُعرفون بالدَّناقلة.  بالرَّغم من أنَّهم امتزجوا وتصاهروا مع العرب والمواطنين المحليين، وهم كذلك يصرُّون على أنَّهم عرب، إلاَّ أنَّهم لم يسلموا من تهمة العبوديَّة والتمييز العنصري من قبل الجعليين.
(8) MacMichael, H A, A History of the Arabs in the Sudan, Vol 1, Cambridge, 1922.
للتعرف على أصل اسم (جعل) أنظر مقال علي حليب بعنوان الأصل الزنجي لأسماء المدن السُّودانيَّة.. المعاني والأبعاد،  سودانايل، 7/5/2003م.
(9) أنظر سراج الدين عبدالغفار عمر: تأريخ الصراع في جبال النُّوبا (الفترة 1984-1996م)، الخرطوم، 1996م.
(10) الدكتور شوقي الجمل: تأريخ سودان وادي النيل: حضاراته وعلاقته بمصر، من أقدم العصور للوقت الحاضر، الجزء الأول، القاهرة، 1996م؛ أنظر صحيفة "الخرطوم": 12/9/1995م - العدد 986.
(11) Ibrahim, A U M, The Dilemma of the British Rule in the Nuba Mountains (1898-1947), Khartoum University Press, 1985.
(12) الدكتور أحمد محمد البدوي: مجلة "الحوار": أكتوبر 1993م، العدد الثالث، السنة الأولى.
(13) عوض عبد الهادي العطا: تأريخ كردفان السياسي في المهديَّة (1881-1899م)، الخرطوم، 1973م.
(14) Kenrick, J W, The Kingdom of Tegali, Sudan Notes and Records, Vol XXXIX, Part II, 1948.





د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جبال النُّوبة... الإثنيات واللُّغات
أدَّى تفاعل الأحداث في السنوات الأخيرة بخصوص مسألة النُّوبة (The Nuba Question)، والتي ترمي بظلال كثيفة على مشكل النزاع الدَّموي في السُّودان، إلى وضعها في بؤرة الأحداث المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة.  وكأي شعب أصيل، امتلك النُّوبة حضارة إنسانيَّة عريقة، ولعبوا دوراً رائداً في النطاق الإقليمي الواسع الذي أحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، وذلك بحكم توسُّعهم الجغرافي حتى البحر الأبيض المتوسط واتصالهم التجاري والسياسي بالأمم المجاورة.  بيد أنَّهم كانوا حراصاً على الأشياء التي تميِّزهم عن غيرهم، وبالتَّالي حموا كيانهم الحضاري، ولكن إلى حين.  وعندما اشتدَّت بهم الأهوال والأوجال انتشروا في أرض السُّودان الشاسعة، وتفرَّقوا أيدي سبأ.(1)  ثم أسهموا - أي إسهمام - في تفعيل تأريخ شرق أفريقيا الحديث، وعبروا المحيط الأطلسي إلى المكسيك لخوض حروب الأغيار.  وفي السُّودان استقرَّ النُّوبة في جبال النُّوبة يذودون عن ديارهم حتى لا يظن الأقوام أنَّهم تضعضعوا وونوا، ولم يكونوا خشباً ينقصم أو عوداً ينحطم، وقد احتملوا الحياة في شئ من الصبر والجلد، خليق بالرَّثاء والإعجاب معاً. ومن خلال هذه الدراسة نحاول إزاحة الستار عن، وإلقاء الضوء على، جذور وتأريخ وأسرار مسألة النُّوبة، وتداعيات ذلك على أمن واستقرار السُّودان.  فعلى الرغم من أنَّ النُّوبة خاضوا حروباً ضارية في الجبال وكل المواقع الحربيَّة التي استبسل فيها الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - بما فيها جنوب السُّودان - إلاَّ أنَّ الإعلام الغربي غالباً ما يختزل المشكل السُّوداني بأنَّه نزاع شمالي-جنوبي.  إذ أن مبتغى الأنظمة الحاكمة في الخرطوم كان - ومازال - يتمثَّل في حصر هذه القضية القوميَّة في في إطار إقليمي ضيِّق بحيث يتَّسع فقط لإعادة ارتداء إتفاق أديس أبابا في العام 1972م، أو زد عليه قليلاً، وبذلك تضيع حقوق سكان المناطق المهمَّشة الأخرى الذين رفعوا السلاح أسوة بأهل الجنوب وناضلوا معهم أي نضال وما بدَّلوا تبديلاً. ولكن بادئ ذي بدء، من هم النُّوبة؟
تُستخدم لفظة "النُّوبة" لوصف الزنوج القاطنين في الرقعة الجغرافية المعروفة حالياً - ومن قبل - بجبال النُّوبة في القطاع الجنوبي-الشرقي من إقليم كردفان بجمهوريَّة السُّودان. وإذا استقرأنا جغرافية وطبوغرافية منطقة جبال النُّوبة، نجد أنَّها تشتمل على الحقائق التَّالية: تبلغ مساحة جبال النُّوبة في جنوب كردفان حوالي 30,000 ميلاً مربعاً، وتقع بين خطي عرض 29 - 31 درجة غرباً وخطي طول 9 - 13 درجة شمالاً، كما أنَّه ليس هناك تعداد سكاني للنُّوبة يمكن الإعتماد عليه نسبة للظروف السياسيَّة التي تمر بها البلاد والعباد.  وتحدها من الشمال ولاية شمال كردفان، ومن الشرق ولاية النيل الأبيض، والتي تشمل مناطق تابعة لجبال النُّوبة، ومن جهة الجنوب الشرقي ولاية شمال أعالي النيل، ومن جهة الجنوب الغربي ولاية الوحدة، ومن الغرب ولاية غرب كردفان، التي تشمل - كذلك - مناطق هي في الأصل تابعة لجبال النُّوبة. وتُستخدم لفظة "النُّوبيُّون" لوصف أهل شمال السُّودان حتَّى جنوب أسوان في مصر، الذين مازالوا محافظين على عاداتهم وتقاليدهم التليدة على الرَّغم من قساوة التاريخ والجغرافيا عليهم. فقد ذهب المؤرِّخون في تعريف كلمة "نوبة" مذاهب شتى، واتخذوا في سبيل ذلك طرائق قدداً. فمنهم من قال إنَّ الكلمة مشتقة من لفظة "نوب" (Nub) التي تعني الذهب في اللُّغة الفرعونيَّة القديمة، ونحن نعرف شهرة بلاد النُّوبة بالذهب إبان العصور الفرعونية، إذ كانت هذه المنطقة هي الوحيدة التي تُغذي مصر بتلك الكميات الهائلة من الذهب. فما زالت هناك أسرة في مدينة الدلنج تحمل الاسم "سرنوب" أي سوار الدهب كما عرَّبها النُّوبيون أهل الشمال. ومنهم من قال إنَّ الكلمة انحدرت إلينا عن طريق الكلمة القبطية (Anouba or Anobades) بمعنى يُضفر، وفي هذه الحالة يكون معنى (نوبة) ذو الشَّعر المضفَّر أو المجعد.(2)  ويقول بروكوبيوس إنَّ الإمبراطور الروماني ديوكليشيان (في الفترة بين 284-305م) قد دعا "نوباتا" (Nobatae) من الصحاري الغربيَّة (الخارجة) وأسكنهم في وادي النيل، لكيما يوقفوا غارات البجة (Blemmyes) والنُّوبة على مصر العليا جنوب أسوان. غير أنَّ هنالك رأي يقول إنَّ كلمة "نوباتا" مشتقة من العاصمة نبتة (Napata). وإنا نميل إلى التَّكهن بأنَّ الكلمة ربما قد اُشتقَّت من لفظة (Nubile) التي تعني في الانجليزيَّة الفتاة البَّالغة سن الزَّواج، ومن المعروف أنَّ الإغريق استخدموا النوبيَّات كجواري في المنازل بعد السبي والاسترقاق. ومهما يكن من أمر، فقد جاء العرب وأطلقوا اسم "النُّوبة" عليهم، كما أطلقوا اسم "المريس" (Nobatia) على إقليم النُّوبة بين أسوان إلى دنقلا.(3)
أيَّاً كان صواباً من هذه المشتقات، غير أنَّ الذي لا مراء فيه هو أنَّ أرض النوبيين في شمال السُّودان كانت غنيَّة بثرواتها المعدنيَّة من ذهب وحديد وزمرد ونحاس وغيرها. فالنُّوبيُّون قوم تحدَّروا من حضارات، فأرضهم يفوح منها عبق التاريخ، والنقوش تنطق بحضارات كانت سائدة ثم بادت من جراء النكبات التي انتابت عالمهم في الأزمنة الغابرة. وقد اُستخدم العبيد في مناجم التعدين وغير ذلك من الأعمال الشاقة التي دوماً تحدثنا عنها كتب التاريخ. ونتيجة لأعمال السخرة وتجارة النخاسة هاجرت مجموعات كبيرة من النوبيين من شمال السُّودان نحو مناطق السُّودان المختلفة بما فيها جبال النُّوبة، وبوَّأهم الله في الأرض وكانوا "ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين" (الحجر 15/82). بيد أنَّ أكبر هجرة جماعية حدثت لراعيا مملكة مروي في شمال السُّودان كانت في القرن الثالث الميلادي (العام 325م) بعد الحرب الشعواء والهزيمة النكراء التي سددها الملك عيزانا - ملك مملكة أكسوم الأثيوبيَّة. وفي استعراض بديع للتاريخ، سجَّل عيزانا انتصاراته في لوح محفوظ عثر عليه الباحثون فيما بعد، ودوَّن عيزانا في سجلاته أنَّ النوبة، الذين ناصبوه العداء، كانوا نوعان: الحُمر والسُّود. ودارت جل معاركه مع أعدائه النُّوبيين حول نهر تاكيزي (عطبرة حالياً). أما الهجرة الثانية فتقول الروايات التاريخية أنَّها بدأت بعد سقوط مملكة علوة والدمار الذي أعقب الانهيار. ولعل عبدالله جماع قد قاد تجمع العرب حول الخرطوم وقام بالإنقلاب على سلطة المملكة، التي طالما وفَّرت لهم الأمن والطمأنينة، وسمحت لهم بممارسة شعائرهم الإسلامية على الرَّغم من أنَّ المسيحيَّة كانت ديانة المملكة الرَّسمية. وقد اكتظت الطُّرق بجموع الفارين من سوبا، عاصمة مملكتهم التي باتت هباءاً منثوراً، حيث لم يطب بهم المقام في أربجي (عرب بجي) - أي العرب قادمون، واتجهوا نحو الغرب وتفرَّقت بهم السُّبل. وقد عثر علماء الآثار على آثار هذه المملكة، التي اندثرت، في مناطق جبل موية بين سنَّار وكوستي، مما يعني امتداد نفوذ المملكة إلى هذه المنطقة أو تكون هذه الآثار قد خلفها القوم الهاربون.
بيد أنَّ بعض المؤرِّخين يعزون وجود النُّوبة في هذه الجبال إلى حقب سحيقة. وحسبنا أن نذكر - في هذه الدراسة - أن المورِّخ الأغريقي (اليوناني) هيرودوت تحدَّث عن الجنود الأبَّاق (الهاربين) وقد سمَّاهم "أشام"، وتعني التَّسمية في اللُّغة اليونانية الذين يقفون يسار الملك. لقد فرَّ هؤلاء الجنود، الذين بلغ تعدادهم 240,000 شخصاً، واستقرَّ بهم المقام في أثيوبيا (السودان حالياً). فلم تفلح معهم كل المحاولات التي بُذلت لإرجاعهم لوطنهم وزوجاتهم وأبنائهم. وفي غمرة هذه المحاولات الميؤوسة أشار أحدهم إلى أعضائه التناسليَّة وقال: "مادام لديَّ هذه فسيكون لي زوجات وأبناء أينما ذهبت".(4)  هذه هي الهجرات التي لها علاقة عضوية بوجود النُّوبة في منطقة الجبال ومجموعات أخرى في شمال دارفور هي الميدوب والبرقد، وأخرى استوطنت في شمال كردفان فيما تعرف بالجبال البحريَّة، وذلك قبل دخول العرب والإسلام إلى السُّودان. فما هي تلك الجبال؟ وما الذي حدث للنُّوبة في هذه الديار؟
تضم تلك الجبال البحريَّة جبل حرازة، أبوحديد، أم دُرَّاق، كاجا (كاجا السُّروق، كاجا الحفرة، كاجا سودري)، كتول، أبوطُبر، الأضيَّة، العفاريت، والعطشان. وتنتمي هذه المجموعة البشريَّة إلى قبيلة العنج (Anag). وتقول السِّيرة الشَّعبيَّة قي جبل حرازة إنَّ أهل أبوكنعان، الذين تربطهم صلة بالعنج، قد عاشوا في ديارهم في عهد الرُّسل الذين سبقوا بعث الرَّسول سيدنا محمد صلى اللَّه عليه وسلَّم - أي قبل ظهور الإسلام، وكانوا أثرياء أشداء وقد هُلكوا في مساكنهم بسبب الفاقة.(5)  إنَّ مواطني جبل حرازة كانوا حتَّى العام 1857م يتكلَّمون لغاتهم "النوباويَّة". وتمثِّل لغة جبل حرازة، مع اعتبار الوضع الجغرافي، الحلقة المفقودة بين لغات البرابرة في نهر النيل والبرقد والميدوب والألسن ذات المقاربة في شمال وشمال وسط دارفور. كما أنَّه من المعلوم أنَّ البرقد كان يمثِّل العرق السَّائد في جبال كاجا في شمال كردفان خلال القرنين السادس عشر والسَّابع عشر الميلادي، وأحفادهم في دارفور يذكرون أنَّ لهم نسب وحسب مع الميدوب، ولغتهم ذات صلة وثيقة بلغات البرابرة في شمال السُّودان.(6)  وفي العام 1911م خطَّ داؤود جبارة بن سليمان مسودة تاريخيَّة أورد فيها أنَّ جبل عبدالهادي الذي يقع بين دنقلا وكردفان كان العاصمة القديمة لمملكة النُّوبة، وضمَّت المملكة، فيما ضمَّت، النُّوبيين في نهر النيل.(7)   ومهما يكن من أمر، فقد أمست المسودَّة مادة دسمة للنقاش لدي ماكمايكل الذي كتب تاريخ العرب في السُّودان. كما ذهب البعض قولاً إن مدينة بارا هي العاصمة الثانية للنُّوبة بعد دنقلا. ولعل العثور على نقوش في شمال جبال أبونجيلة في شمال كردفان يؤكد ما ذهب إليه داؤود. وقد احتوت النقوش، فيما احتوت، على رسوم حيوانية وصليبين من الكنيسة الأرثوذكسيَّة ومخطوطة كُتبت باللُّغة النُّوبيَّة، حيث تُرجمت على النحو التالي: "أنا أنينا من كوش حينما كان هارون ملكاً". ويبدو أن ناحت هذه النقوش كان متعلِّماً، فخوراً كان ثم متباهياً بمملكته مروي وملكها هارون، الذي ربما اتَّخذ هذه المنطقة ملجأً له عندما تهاوت مملكته في وجه الملك عيزانا. ويعود التمازج العرقي في جبل حرازة إلى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي حينما هاجرت جماعة من الركابية من منديرا في النيل الأزرق واستوطنوا في المنطقة، بعدما أخرجوا أهلها من ديارهم بغير حق، وتزاوجوا مع بعضهم بعضاً. ثمَّ جاء الفوج الثاني من الركابية، الذي بلغ أكثر من 70 شخصاً، إلى جبل حرازة بعد المعارك التي دارت رحاها بينهم وبين الشايقيَّة في النيل الأزرق وانتهت بهزيمة نكراء للركابية.
كانت لفظة العنج تطلق على سكان مملكة علوة القدماء (قبل دخول العرب السُّودان)، وسكان جزيرة مروة، وسكان الجبال الواقعة في شمال كردفان، والعنج معناها الحاكم. وهذا اللفظ يستعمل أيضاً في أوراق النسب السُّودانيَّة مرادفاً للفظ النُّوبة. ويظهر، إذن، أنَّ العنج كانوا من النُّوبة واستقلوا من أصلهم الأول.(8)  ومهما يكن من أمر، فلقد شهدت جبال كاجا وكتول وفود غرباء كثر، نذكر على سبيل المثال، الكنجارة، البرقد، والكيروبات من جهة دارفور، والبديات من وسط كردفان، واستوطنوا وتزاوجوا مع المواطنين الأصليين في مراحل مختلفة من التاريخ. وجاءت البديرية إلى هذه المنطقة في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وبعدها هاجم هاشم المسبعاوي (نسبة إلى مملكة المسبعات) كتول، وقطع طرق إمداداتهم، وقتل أهليهم، وباع البعض الآخر في سوق النخاسة. ومن ثّمَّ ذهب إلى جبل كاجا وشقَّ عدداً من الآبار في صخور سودري، وغيرها من الجبال المجاورة، وهي فوجا، مزروب، كتول، كوقوم، والمقينص. وقد اعتبر المواطنون هذه الصناعة عملاً خارقاً لم يأت به أحد من قبله.
وما يعنينا في هذا الأمر مقال كتبه السيد عبدالرسول النور إسماعيل - حاكم إقليم كردفان السَّابق في عهد حكومة السيِّد الصَّادق المهدي (1986-1989م). ذلكم المقال، الذي هو جزء من دراسة وُصفت خطأً بأنَّها تتميَّز "بنظرتها الموضوعيَّة الثَّاقبة لقضايا منطقة جبال النُّوبة، والتصوُّر الأمثل لحلولها"، قد نُشر في صحافة العهد الغيهب في السُّودان. وما كنا أن نعيره انتباهاً لولا أنَّ الأمر قد تجاوز الافتئات، فالافتئات دوماً تسويل للأغراض، حيث أنَّ المستفيدين من هذه الأساطير هم سماسرة الفتنة في الخرطوم. وقد تجنَّى الحاكم الظليم على حقائق تاريخيَّة دامغة تجاه النُّوبة صاحب الحق التهيم. فماذا كتب الحاكم من باطل لجج؟ ومن ذا الذي دعاه إلى الخوض فيما ليس له به علم فبات ملوماً محسوراً؟ يقول عبدالرسول النور :"إنَّ النُّوبة وصلوا إلى جبال النُّوبة واستقرَّوا بها منذ العام 1323م (...) وقد وجدوا استقبالاً وضيافة من إخوانهم الذين استقروا قبلهم في المنطقة من عرب، وداجو، وشات. لأنَّ العرب دخلوا هذه المنطقة منذ نهاية القرن الثالث عشر، أي العام 1317م كما تقول معظم الروايات".(9)  فإننا نتساءل من أين له بهذه المصادر التاريخية التي تهيَّب من ذكرها وتزاور عنها؟ مما يعني أنَّه يتعمَّد تزوير التاريخ وخاصة لأنًّ ما أورده يناقض حقائق بديهيَّة عند الثقاة.  وسبيل الباحث المحقِّق أن يستعرض الأشياء في عناية وأناة وبراءة من الأهواء والأغراض، فيدرسها محلِّلاً ناقداً، مستقصياً في النقد والتَّحليل، فإن انتهى من درسه هذا إلى حق أو شئ يشبه الحق أثبته محتفظاً بكل ما ينبغي أن يحتفظ به من الشك الذي قد يحمله على أن يغيِّر رأيه ويستأنف بحثه ونظره من جديد.  إنَّ هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به، لا لأنَّ الشك مصدر اليقين ليس غير، بل لأنَّ الإثبات والتَّحقيق ينبغي أن يقومان على أساس متين. ومما يضحض افتراءات عبدالرسول النور تلك الهجرة لمجموعة "أجانق" "والتي تقول (المجموعة) بنزوحهم من دنقلا بعد اتفاقيَّة البقط الشَّهيرة العام 652م واستقرارهم في الأجزاء الشماليَّة من جبال النُّوبة وانحسارهم بمرور الوقت للاحتماء بطبيعة جبال النُّوبة".(10)  وخير دليل على هذه الهجرة وجود قربى لغويَّة بينها وبين النُّوبيين في شمال السُّودان. ومن العادات التي جلبها هؤلاء القادمون الجدد الاحتفال بسبر الحصان "الكوج" كنوع من الطقوس. هذا الحيوان هو الذي جعل جدهم بعانخي يغزو مصر حينما علم أن المصريين يضطهدون الحصان. وكذلك تزيين النُّوبة لجدران منازلهم برسومات للنيل والنخيل، وعادة الخفاض الفرعوني، التي تلاشت فيما بعد. هؤلاء هم النُّوبة، وقد نزحوا في فجاج الأرض من ضيم وإملاق.  وقد أوجد البروفسير الألماني، كارل ماينهوف، علاقة وثفى بين المصطلحات اللُّغويَّة المستخدمة في جبال النُّوبة ولغة الدناقلة، غير أنَّه أصرَّ أنَّ الفراق الذي تمَّ بينهما قد حدث منذ زمن باكر جداً.  ودليله في إثبات هذا الزعم عدم وجود ألفاظ إغريقيَّة أو قبطيَّة في جبال النُّوبة، مما يوحي أنَّ الفراق قد حدث قبل وصول المسيحيَّة وسيادتها في شمال وادي النيل، وهكذا يزعم ماينهوف أنَّ القول بأنَّ النُّوبة احتموا بجبال النُّوبة هربا من غزو المسلمين العرب غير دقيق.(11) هذا عكس ما أثبته باحثون آخرون.(12)
ويرى فريق من المؤرِّخين الأفذاذ وعلماء الأجناس الذين أفنوا أعمارهم في البحث لإتحاف البشريَّة بالمعرفة، يروا "أنَّ الداجو خاضوا حروباً طاحنة مع أهل جبال النُّوبة خاصة في الأجزاء الشماليَّة من الجبال، مع مجموعة الأجانق، وهي تقريباً آخر مجموعات قبائل النُّوبة وصولاً لهذه المنطقة. لقد انسحب الداجو بعد هذه الحروب غرباً مخلفين وراءهم مجموعات صغيرة مثل صبوري ولقوري وشات، التي هي جزء من النُّوبة اليوم، هذا بالإضافة إلى المجموعة التي تحمل اسم الداجو في الدار الكبيرة، فقد واصلت هجرتها حتى دارفور وأقامت هناك مملكة مشهورة في أوائل القرن الثاني عشر في حوالي العام 1125م ثم من بعد في تشاد".(13)  كان أشهر ملوك الداجو في دارفور هو عمر كسفورو الملقَّب "بآكل الفور". خاض عمر حرباً لا هوادة فيها مع الفور، طاغية كان ثم مستبداً، ومما يُعرف عنه أنَّه حاول تحويل جبل أم كردوس من موضعه الحالي وضمَّه إلى ال99 جبل، ومازالت قاعدة جبل أم كردوس محفورة من جراء عملية الإزاحة الفاشلة. وقد قتلته رعيته شر قتلة. هذا ما كان من أمر الدَّاجو في دارفور.
وعوداً إلى الدَّاجو في جنوب كردفان نجد أنَّ قائمة السَّلاطين الذين تعاقبوا على سلطنة الدَّاجو في الدار الكبيرة قد بلغوا ثلاثة عشر سلطاناً في خلال أربعة أجيال، بدءاً بسلطانهم موم، الذي كان له الفضل في لم شعث الدَّاجو، وتكوين وحدة سياسيَّة قويَّة منهم. وقد خلف موم خمسة من أبنائه هم شينقو، جيقر، دنقس، صابون، ووادي. ثم حكم حفيد صابون، ومن بعده ابني دنقس. غير أن آدم، أحد أبناء دنقس، لم يحظ بإدارة السُّلطنة، حيث انقطع التسلسل السلطاني حينما استولى على العرش كوداي وهو من العرب المسيرية الذي تزوج من الأسرة الحاكمة. ويعكس هذا الانحراف عن التقليد التليد مدى تأثير نفوذ المهدية، التي باتت تدق على أبواب الجبال يومئذٍ. ويبدو أنَّ الاضطرابات السياسيَّة والاجتماعية التي عمت البلاد إبان الثورة المهديَّة (1881-1898م) قد ساهمت بقدر كبير في قطع الصلات التاريخيَّة لأهل النُّوبة بالماضي البعيد، الذي كان هادئاً إلى حدٍ ما. ونجد أنَّه في بعض الأحايين من يخبرك من أعيان النُّوبة أنَّهم عاشوا في هذه الجبال والتضاريس منذ خلق البشريَّة. ويقول هؤلاء الأعيان أنَّهم شعب أصيل في المنطقة منذ آلاف السنين، وليس شعباً طارئاً. ونذكر على سبيل المثال مجموعة النيمانج، الذين يقولون إنَّهم نزلوا من السماء مباشرة إلى مناطقهم الحالية غرب مدينة الدلنج - حاضرة المنطقة - وحجَّتهم في ذلك بأنَّ هناك آثار بشريَّة فوق صخورهم تدل على نزولهم قبل استواء هذه الصخور. فالنيمانج هم أكثر المجموعات النوباويَّة معرفة بأصولهم.  ولعلَّ وجود أطول الناس قامة في مناطق مورو، وأشرون، وسرف جاموس، وأقصرهم قامة في مناطق تيرا، وهيبان، وشواي لا يمكن أن يكون مدعاة للتفريق بين النُّوبة كأثنية، كما حاول - عبثاً - عبدالرسول النور أن يعتبره "اختلافات أساسية تجعل (جبال النُّوبة) مناطق وليست منطقة واحدة". ومهما يكن من أمر التباين البدني واللُّغوي، فإنَّ الذي يجمع النُّوبة كشعب أفريقي أصيل أكبر من كل هذه الشكليات المختلقة بواسطة أهل الحكم في الخرطوم.
إنَّ خير دراسة علميَّة أُخرِجت للناس هي التي قام بها الدكتور ناديل في الفترة بين 1938-1941م في جبال النُّوبة، وقد غطَّت الدراسة عشر مجموعات نوباويَّة مع التركيز على قبائل هيبان، عطورو، وتيرا.  هذه الدراسة قد تمَّت بدعوة من دوقلاس نيوبولد، حاكم كردفان آنئذٍ، للدكتور ناديل لإجراء بحث أنثروبولوجي لمجموعات النُّوبة في جنوب كردفان، وإبراز طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصاديَّة التي تعيشها هذه القبائل.  وقد قسَّم ناديل - لاعتبارات عمليَّة - القبائل النوباويَّة إلى مجموعات ثقافيَّة مستخدماً المعايير الثلاثة الآتية:
التركيب الأسري، أي حسب الانتماء من ناحية الأب أو الأم.
طبيعة العشيرة وقوة وضعف "التكافل الاجتماعي".
الاعتقاد بوجود أو غياب عالم الآلهة وأرواح السلف في المسائل الدينيَّة.
بيد أنَّ أعظم عمل خرج به الدكتور ناديل من هذه الدرسة هو "مفهوم التكافل الاجتماعي" (The concept of social symbiosis)، وتعني نظريَّة التكافل الاجتماعي طريقة فهم التركيبة الاجتماعيَّة التي بها تقوم كل شريحة في المجتمع بأعباء محدودة - دينيَّة كانت أم سياسيَّة - بالإنابة عن المجتمع ككل. فمثلما تعني لفظة التكافل في علم الأحياء، فإنَّ التعايش المقوِّ لأفراد الكائنات الحيَّة، بحيث أنَّ بقائهم الفردي يصب في بقاء واحتواء المجموعة كلها، كان هو نواة هذه الفسلفة الاجتماعيَّة.  وقد طبَّق ناديل مفهومه هذا في دراسة ال 29 عشيرة التي تتكوَّن منها قبيلة كرتالا، وكذلك الجبال الستة التي منها تتكون مجموعة الكدرو، بالإضافة إلى بعض الأسر غير النوباويَّة التي استوطنت في هذ المنطقة وتنوبنت (أي أمست نوباويَّة تقاليداً وعادات).(14)  ويتَّضح من هذا البحث الذي أجلاه الدكتور ناديل، والذين خدموا الأمبراطوريَّة البريطانيَّة في جبال النُّوبة من إداريين وضباط سياسيين، أنَّ للنُّوبة عادات اجتماعيَّة عظيمة وتقاليد ثقافيَّة نبيلة؛ فهم يبجِّلون الصغار، ويوقِّرون الكبار، ويطعمون الجائع، فلا يقهرون اليتيم، ولا ينهرون السائل، ويكرمون وفادة الضَّيف، ويعينون ابن السبيل على نوائب الدَّهر.  كما أنَّهم يمتنعون ويمانعون عن زواج الأقارب، ولا يمارسون عادة ختان البنات، ويعتبرون القتل جريمة بشعة، وبالرَّغم من العقوبة التي يوقِّعونها على القاتل من دية وهجر واستتابة، إلاَّ أنَّهم يعتقدون أنَّهم مهما بلغوا في إنصاف أهل القتيل غير أنَّ الذي يستطيع عقاب هذا الجاني القاتل هو الله رب العالمين.  وفي مجتمعات الكدرو يحدِّد أسلوب القتل ونوع الآلة التي اُستخدمت في الجناية كيفيَّة ونوعيَّة العقوبة طبقاً للأعراف القبليَّة.  هذه صورة مصغَّرة من النظام الاجتماعي القديم الذي وجده البريطانيُّون والمصريُّون في جبال النُّوبة، فاعتمدوا عليه وطوَّروه مع إدخال بعض القوانين الجنائيَّة والمدنيَّة والأحوال الشخصيَّة عليه.
ويعيش في منطقة الجبال، بالإضافة إلى النُّوبة، بعض المجموعات العربيَّة - أو هكذا تطلق على نفسها - مثل المسيريَّة والحوازمة وأولاد حميد. وتنتشر في المنطقة كذلك أقلية من الفلاتة، ويقطن منطقة أبيي دينكا نقوك، الذين أتبع البريطانيُّون إدارتهم إلى كردفان (جنوب كردفان حاليَّاً) منذ العام 1905م، وباتت تشكل مشكلة في الصراع الدَّموي الدائر بين الشمال والجنوب.  كما اقتطع البريطانيُّون منطقة المجلد - موطن دينكا نقوك، تحت كبيرهم ملوال كيريجي - ومنحوها للعرب المسيريَّة لأسباب إداريَّة، أو هكذا زعموا. فالمسيرية قبيلة ذات قسمين هما المسيريَّة الزُرق والحُمر. أما المسيريَّة الزُرق فموطنهم حول جبل السنوط والمفرع، وينقسمون في كردفان إلى أولاد أم سليم والغزايا والديراوي وأولاد أبونعمان وأولاد هيبان. وقد دخلوا في نزاع مع قبائل كردفان "النوباويَّة" بغرض التوسع. وينقسم الحُمر إلى فرعين أساسيين: الحُمر العجايرة والحُمر الفلاتية، وموطن الحُمر بين البركة وشكا، ومن مراكزهم الأضية وأبو قلب، وفي فصل الدرت يقيمون في منطقة المُجلد. أما الحوازمة، فتقع منطقتهم إلى الشرق من الدلنج في جهات السنجكاية وأم علوان، وبعض القرى بالقرب من كادقلي. وتنقسم القبيلة إلى ثلاثة أقسام: عبدالعلي، حلافة، والرواوقة. ونسبة لتوغلهم في جبال النُّوبة فقد اختلط بعضهم بشعب النُّوبة حتى أنَّ بعضهم يسمى أولاد نوبة، وأخذوا كثيراً من اسماء النُّوبة (كوكو مثلاً)، وبعضاً من عاداتهم وثقافتهم مثل المصارعة ورقصة الكرنق. أما أولاد حميد فموطنهم حول تقلي، ويقولون إنَّ جدهم بابكر العباس من الجعليين(15) الذين نزحوا إلى كردفان في حوالي منتصف القرن الثامن عشر حيث أقام في منطقة بين الرَّهد وشركيلة وفي جنوب غرب تقلي. وفي تلك المنطقة تنازعوا مع الهبانيَّة وجانب من الحوازمة قبيل المهديَّة، وعند اندلاع الثورة المهديَّة حاولوا مقاومتها ولكنهم فقدوا كثيراً من رجالهم المحاربين فاضطروا إلى تأييدها والانضمام إليها. وفي كردفان اختلطوا ببعض القبائل الأخرى، كما تداخلوا في قبائل النُّوبة مما ساعد ذلك في تسرب بعض الدماء النُّوبيَّة إليهم. أما الفلاته فهم في الأصل من النيجيريين الذين حضروا طواعياً وسكنوا في السُّودان أو جلبتهم السُّلطات البريطانيَّة قبل الحرب العالمية الأولى للعمل في تشييد سد مكوار (سنار). وأكثر هجرة جماعية حدثت العام 1903م بعد معركة بورمي، حيث فرَّ حوالي 25,000 لاجئ فولاني واستوطنوا حول النيل الأزرق ومنحتهم السلطات البريطانية الأرض للفلاحة، وقد لعب الفلاتة دوراً رائداً في الاقتصاد السُّوداني على الرغم من المخاوف التي باتت تساور السطات البريطانية في العام 1910م نسبة لتزايد أعدادهم مما بات يشكل خطراً كامناً. ومن أعيان الفلاتة أحمد عمر، الذي جاء من إقليم سوكوتو في نيجيريا واستوطن في أم درمان، ثم نزح إلى جبال النُّوبة ووجه نداءاً للفلاتة للالتحاق به في الجبال، وقد استجاب لندائه عدد قليل.(16)  ويقيم الفلاتة في جبال النُّوبة في الفرشاية، التُّكمة، البرداب، وتقلي.(17)
وفي المبتدأ كانت كلمة كردفان ترمز إلى جبل كردفان، الذي يقع بالقرب من منطقة العين - إحدى محطات السكة حديد بين الأبيض والرهد. وهو اصطلاح أُحذ عن قول الأهالي (كلد فار) أي يغلي، وكلد هذا هو آخر ملوك النُّوبة الذين احتلَّت منهم قبيلة الغديات جبل كردفان، وكان من عادة هؤلاء التنقل خلف المرعى والماء فوجد بذلك اسم كردفان شيوعاً بين سائر السكان حتَّى صار يغلب على بقية المناطق.(18)
إنَّ أهم ما يميِّز المجموعات "النُّوباويَّة" المتباينة - إضافة إلى عادات الأفراح والأتراح - التعدُّد اللَّغوي، حيث أنَّ اللُّغة تلعب دوراً فعَّالاً في تحديد الفواصل العرقيَّة بين هذه المجموعات. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ سهول جوس في نيجيريا وجبال النُّوبة في السُّودان تُعتبر من أكثر مناطق أفريقيا تعدداً في اللُّغات.  وفي هذين الإقليمين لتجدنَّ القرى، التي تبعد بضع أميال عن بعضها البعض، تتحدَّث لغات مختلفة تماماً، "وأسأل القرية التي كنا فيها" (يوسف 12/82).  كما يبلغ تعداد متحدثي بعض اللغات مئات من المواطنين.  هذه اللغات قد تطوَّرت في غياب النفوذ الخارجي، حتى باتت تتميَّز بسمات لغويَّة خاصة.  وقد أثبتت الجغرافيا والتأريخ أنَّه كلما استوطن النَّاس بكثافة في مناطق جبليَّة كلما تعدَّدت وتنوَّعت اللُّغات وتركز التحدُّث بها في مجموعات صغيرة، وكذلك الحال في الحدود بين نيجيريا والكميرون وتشاد.  هذا التعقيد اللُّغوي يفسِّر تأريخاً طويلاً جعل هذه اللُّغات تتنوَّع، كما أنَّ هذه المناطق الجبليَّة يسهل الدفاع عنها، فقد أمست هذه الأقاليم مناطق لجوء، حيث استطاع المواطنون الأوائل الدفاع عن أنفسهم ضد القادمين الجدد، وبذلك حفظوا لغاتهم من الانقراض بالعكس لما حدث لسكان السهول الواطئة.(19) ويعرِّف علماء اللسانيات اللُّغة بأنها وسيلة للتخاطب والتخابر بين البشر، أمَّا اللَّهجة فهي الاستخدامات المختلفة للغة الواحدة بين الشَّعب الواحد أو المجتمعات المختلفة، فمثلاً لهجة الشايقيَّة في إطار اللغة العربيَّة السُّودانيَّة أو لهجة البقَّارة وغيرهما.  وبناءاً على هذا التعريف نجد أنَّ منطقة جبال النُّوبة تشتمل على عدة لغات ولهجات. إذن، كيف حافظ النُّوبة على لغاتهم وحملت المنطقة في أحشائها هذا الكم الهائل من اللَّهجات؟ ولعلَّ إقامة النُّوبة في المناطق الجبليَّة قد ساعدت على بقاء هذه اللُّغات الكثيرة المتنوعة، بل والمحافظة عليها من التغول الأجنبي، بينما وقع بقية سكان السُّودان القديم ممن سكنوا السهول فريسة الانصهار اللُّغوي مع المجموعات التي وفدت إلى السُّودان من كل فج عميق. كما أنَّ تفشي الحروب القبلية وانتشار تجارة الرق على أيدي عملاء الاستعمار في تاريخ المنطقة قد حالت دون اتصال النُّوبة ببعضهم البعض، فلم تختلط هذه اللُّغات فيما بينها، على الرَّغم من وجود بعض النُّوبة الذين يتحدَّثون لغات القبائل الأخرى بطلاقة. ويدل النقاء اللُّغوي المبين في جبال النُّوبة على مقدار تمسك النُّوبة بثقافاتهم واعتزازهم بهويَّتهم.  إذن، ماذا تعني اللُّغة بالنسبة لأيَّة مجموعة أثنيَّة؟  الجدير بالذكر أنَّ باللُّغات يمكننا الغوص في فطنة وحكمة الأجداد الهالكين، حيث أنَّ هذه الحكم المأثورة هي - في حد ذاتها - شهادة للتأريخ والقرون الماضية، لذلك تُوصف لغة أي شعب أنَّها روح ذلكم الشعب، ولا ريب أنَّ النَّاس ينظرون إلى لغاتهم ليس فقط كأدوات ماديَّة للتحادث والتخابر، بل كوسيلة من وسائل حفظ التراث.  وعليه، يحدثنا تأريخ الشعوب أنَّه ليست هناك وسيلة أكيدة في سبيل اختمار الفتنة وخلق المشكل السياسي غير اتِّخاذ سياسة لغوية وطنية تحاول محو اللُّغات القوميَّة الأخرى.  ولأهمية اللُّغة في حياة أية أمة، كتب أحد الأفارقة يقول: "كل القبائل واللُّغات ينبغي أن نسمح لها، أو نشجِّعها، أن تعيش حتى يدرك العالم ما هو مدفون تحت ثدييه.  إنَّ أهل فاي (في ليبيريا) قد يكون لهم غناء به يودون الإصداح، أو حكمة عنها يرغبون الإفصاح، أو صلاة بها يعتزمون القيام، أو قانون في تفسيرها هم يلحِّون؛ وكل هذه العناصر تعتبر مهمة في تقدُّم ونهضة الحضارة الإنسانيَّة.  فإذا تركنا لغة واحدة كي تموت نكون قد حرمنا العالم من إحدى مجوهراتها اللاَّمعة، لأنَّ اللُّغة هي الوسيط الوحيد الذي من خلالها تستطيع روح الإنسانيَّة أن تنفذ." فبالرَّغم من مجاورة النُّوبة للعرب واختلاطهم بهم في بعض الأحايين، وبالرَّغم من الحروب والنكبات التي ألمَّت بهم في بعض مراحل تأريخهم، بقي النُّوبة على ما تركه لهم أجدادهم الأوَّلون، وما بدَّلوا تبديلاً. إنَّ ما يقوم به مركز اللُّغات المحليَّة السُّودانيَّة، التي تأسَّست العام 1993م بمدينة أم درمان وبمساعدة خبراء من مجموعة سل (Summary Institute of Linguistics -SIL)، في بحث وتطوير اللُّغات والثقافات المحليَّة السُّودانيَّة يجد منا كل التقدير والإشادة، لأنَّه يهدف - فيما يهدف - إلى مساعدة منطقة جبال النُّوبة في كتابة لغاتها وثقافاتها والحفاظ عليها من الضياع، والاهتمام بالتُّراث والرقصات الشَّعبيَّة للقبائل اللُّغويَّة.  وهنا تجدر الإشارة إلى أن المركز قد أنجز - خلال برنامج عمله اللُّغوي - تأهيل الكوادر سنويَّاً في شكل كورسات وورش عمل تُعقد للقبائل اللُّغويَّة، وإصدار كتب دراسيَّة واعتماد مناهج ثقافيَّة في مجال لغاتها، وتوعية وتشجيع لجان القبائل اللُّغويَّة لإنشاء مراكز تعليميَّة للغاتها.
ومما سبق من تعليل لأهمية اللُّغة، قسَّم عالم اللُّغات الألماني الألمعي - كارل ماينهوف - اللُّغات النوباويَّة إلى ثلاث مجموعات هي: لغة الجبال الستة، اللُّغات السُّودانيَّة، واللُّغات التي تستخدم بادئة في ألفاظها.  وتشمل المجموعة الأولى نوبة جبل داير، دلنج، كُدُر، هبيلا، مجموعة كاركو (التي تضم دُلمان، كُندوكُر، كوُكنديكيرا، كاشا، وشيفر)، مجموعة خلفان (بالإضافة إلى جبال مورونج)، مجموعة كدرو، مجموعة والي (والي بوباي، والي كوروم، ووالي أبوسعيدة)، أبوجنوك، طبق، وحجيرات (وتضم كبجا، شنشان، بوشا، سيجا، طبق، وأبوقرين)، فندا، كونيت (وتعرف باسم كجوريَّة)، دبري، مجموعة نيمانج، ومجموعة مندل.  باستثناء نيمانج ومندل وأفيتي في جبل داير، تتحدَّث هذه المجموعات لغة واحدة وشبيهة بلغة الدناقلة في شمال السُّودان.(20)  وتعتبر لغات الجبال الستة - لغة النيمانج بالتحديد - وتيمين وبعض لغات النُّوبيين في شمال السُّودان، ومجموعة الدَّاجو تعتبر من مجموعة اللُّغات السُّودانيَّة الشرقيَّة، التي صنَّفها قرينبيرج في قسم شاري-النيل والذي ينتمي إلى لغات الصحاري-النيليَّة.  وحسب تصنيف قرينبيرج، تنقسم لغات النُّوبة إلى مجموعتين: المجموعة الكردفانيَّة، التي هي فرع من النيجر-الكردفاني، حيث أنَّ الفرع الآخر هو النيجر-الكونغولي، والمجموعة الثانية هي شاري-النيل.  ويقول علماء اللسانيات إنَّ لغات النُّوبة تنتمي إلى فصائل مختلفة.(21) وعليه، يمكن تقسيم النُّوبة إلى عشر مجموعات لغويَّة:
مجموعة "الأجانق" التي تقطن المناطق الشماليَّة والغربيَّة من جبال النُّوبة، ولها ارتباط لغوي مع النُّوبيين في شمال السُّودان وجنوب مصر. تُعتبر هذه المجموعة من المجموعات العرقيَّة الكبيرة، وتضم قبائل: جبل الداير، كُدُر، كدرو، دلنج، غلفان، كاركو، أو ما يعرف بالجبال الستة؛ وكذلك والي، أبوجنوك، طبق، كاشا، وشيفر (شمال شرق الجبال)، فندا، وكجوريَّة. ويقول رواة التاريخ التقليديون إنَّ أهل طبق حضروا إلى هذه البقعة قادمين من جبل الأضية في شمال كردفان في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي هرباً من هجمات الفور وغارات الحمر.(22)
مجموعة تقلي، وتشمل تقلي نفسها، رشاد، كيجاكجا، تقوي، توملي، موريب، وتورجوك. ومن اللُّغات المستخدمة في هذه المنطقة طقوقن وتيريفيت.  ويعتبر بحث هير في لغة تمولي، التي يتحدَّث بها مواطني مجموعة تقلي-تقوي في جبال النُّوبة، الأساس في دراسة الخلفية التأريخيَّة للُّغات السُّودانيَّة، والطليعة في دراسة اللُّغات النيليَّة بواسطة أوسين هوكير.(23)
مجموعة النيمانج، وتشمل قبيلة النيمانج، مندل، وأفيتي في الجانب الشرقي من جبل الدَّاير.(24) فالنيمانج ينحدرون من منطقة كوجيا الواقعة غرب الأضية غرب كردفان (دارفور الحالية)، فالنيمانج هم النُّوبة الوحيدون الذين يتسمون بأسماء ترجع لمنطقة دارفور مثل الفاشر ودارفور.(25)
وحدة كتلا التي تضم قبيلة كتلا، جلد، وتيما.
مجموعة تُلشي-كُرُنقو في المنطقة الجنوبيَّة من جبال النُّوبة، وتضم تُلشي، كيقا، ميري، كادقلي، كاتشا، كُرُنقو، وجزء من أبو سنون.
مجموعة تيمين، وتشمل قبيلة تيمين، كيقا جيرو، تيسي أم دنب، وجزء من والي. وتتفرع قبيلة والي نفسها إلى: والي بوباي، والي السُّوك، والي أم كُرم، والي كرندو (جوار كجوريَّة)، ووالي أبوسعيدة.
مجموعة كواليب-مورو، وتضم كواليب، هيبان، شواي، أطورو، تيرا (الأخضر، ماندي، ولُمون)، مورو، كما تشمل هذه المجموعة فنقور، كاو، نيارو،(26) وورني في أقصى جنوب-شرق الجبال في المنطقة المتاخمة للنيل الأبيض.
مجموعة تلودي-مساكين، وتشمل تلودي، الليري، مساكين (طوال وقصار)،(27) أشرون، تاكو، تورونا، وكوكو-لُمون.
مجموعة لافوفا، وتضم لافوفا نفسها وأميرة.
مجموعة داجو،(28) وتضم داجو، لقوري، صبوري، تالو، وشات (الدمام، صفية، وتبلديَّة)، ومجموعات صغيرة في أبوهشيم وأبوسنون.
وقد اعتبرت الحكومات المركزية، التي تعاقبت على سدة الحكم في الخرطوم، اللُّغات واللهجات المحلية - بما فيها لغات النُّوبة - أحد العوائق التي تعرقل مسيرة الوحدة الوطنيَّة في السُّودان. وقد سماها البعض رطانات (جمع رطانة وتعني لغواً لا يُفهم)، وقد ادَّعى البعض بأنَّها غير مكتوبة، وأخذ البعض الآخر بالتجهيز والاجهاز عليها ريثما تحل محلها اللُّغة العربية والثقافة الإسلامية. فقد جنح رواد التربية في السُّودان "في مضمار السَّعي لتحسين أداء صغار التلاميذ في مناطق السُّودان الناطقة بغير العربيَّة بتوصي إدخال الناشئة، في هذه المناطق، المدرسة في سن أبكر من رصفائهم في المناطق التي فيها العربية لغة أم (...) من قبل أن تتمكن منهم العجمة".(29)  وهذ العجمة التي يخشى رجال التربية على التلاميذ تمكنها منهم هي - في عبارة أخرى - لغاتهم التي ورثوها عن أمهاتهم وأبائهم وأسلافهم. ولا يضير الوطن بشئ إذا نشأ الناشئة وهو يتحدث عدة لغات، مع العلم أن الطفل في مثل هذه السن المبكرة قادر على اتِّقان أكثر من لغة دونما أية مشقة. أما هؤلاء الذين يتشدَّقون بأنَّ لغات النُّوبة غير مكتوبة، فإننا نقول لهم لقد وجدنا في المدارس الوسطى كتاب المطالعة بلغة النيمانج (Nyimang Reader)، وهنالك نسخاً من الإنجيل بلغات تيرا وهيبان وعطورو وغيرها، بل هناك دراسات وبحوث في لغات النوبة وهي في انتظار قرار سياسي لكيما تبدأ تدريسها للأطفال. وقد بدأت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في تنفيذ ذلكم البرنامج لربط الطفل بالبيئة والثقافة المحلية التي تكوِّن هوية وشخصية النُّوبة.
تذخر جبال النُّوبة بموارد طبيعية، وكانت هناك مناجم للذهب في تيرا مندي، دونقور، تيرا الأخضر، عطورو، شيبون، لوخا، شواي، وتقلي. وقد أدرك مزيج من العاملين باللسانيات والآثار والحفريات والتأريخ - منذ وقت مبكر - أن اشتغال سكان النُّوبة الأوائل بالتعدين يؤكد حقيقة أزلية ما زلنا نرددها ألا وهي أنَّ أسلافهم سكنوا المنطقة الممتدة بين النيل والبحر الأحمر، وتوغَّلوا إلى الجبال لحظة اشتداد "الغزوات" المصرية عليهم. في العام 1791م نزحت عائلة عربية من المسلمية في النيل الأزرق - نتيجة حرب قبلية - واستوطنت في جبل شيبون، وأطلقت على نفسها اسم "شوابنة"، وأصبحت هذه العائلة حلقة وصل بين التجار الجلابة والنُّوبة - أصحاب المناجم. وقد تقهقر سكان شيبون الأصليون - دوليب وهم أقرب إثنياً إلى المورو - إلى شواي. وازدهرت شيبون وأمست مركزاً تجارياً هاماً في جنوب كردفان في الفترة 1770- 1882م.
لم تقتصر هوية "الشوابنة" على الاسم فحسب، بل بات الذراري خليطاً بين العرب والنُّوبة، ويتكلمون لغة هجينة بين العربية ولغة تيرا. وارتبط مصيرهم في الماضي بمملكة تقلي، وكان عبدالرحمن بن يوسف نائباً لملك تقلي في شيبون. وإنَّ الطقوس الدينية التي كانت تقام حول المناجم في كل من شيبون وتيرا مندي وبمشاركة عينيَّة من ملك تقلي، تدحض الآراء التي ظل المؤرخون الإسلاميون يردِّدونها وهي أنَّ تقلي كانت إسلامية مملكة وملكاً. فما هي هذه الطقوس وعلام كانت تُقام؟ كان يرسل ملك تقلي - مع الوفود الزائرة إلى مملكته - ثوراً أسوداً، وماعزاً أسوداً، وديكين أسودين ليتم ذبحها حول المنجم. أما الكجور، الذي كان صاحب قوة ما وراء الطبيعة، وتقع على عاتقة حراسة الذهب، فيخصه الملك بطاقية أم قرنين ومئات من السوار، والكلاب التي كانت مصدراً غذائياً هاماً يومئذٍ. وينقسم "الشوابنة" إلى بطون صغيرة هي: مسلمية، جموعية، حسبالاب، ورياش.(30)  ومن شدة ما أعجبهن ذهب شيبون بدأت الحكامات (المغنيات الشعبيات) من عرب الحوازمة، والكواهلة، وأولاد حميد في جبال النُّوبة يصدحن بالأغاني، وفيما يلي نورد بعضاً منها:
إنَّ وزن دهب شيبون مرجَّح مايل، شوف ذات الدهب فوق الدهب كيف خايل.
دهب شيبون اللكيك - طول عمري بغني ليك.
دهب شيبون الغالي ولونه جميل من فراقك أنا ما بنوم الليل.
دهب شيبون الجمروه قلبي بريده والنَّاس أبوه.
ولعل من نافلة القول أن نذكر أنَّ هناك تواجد بشري، في شكل أفراد أو جماعات، للتجار الجلابة (The haughty, cosmopolitan merchants) في مدن جبال النُّوبة المختلفة.(31)  وقد ازداد حضور هؤلاء التجار إلى المنطقة مع انتعاش زراعة القطن قصير التيلة في العام 1924م، وانتشار مشاريع الزراعة الآلية في هبيلا وكرتالا في السبعينيات من القرن المنصرم، فوجدوا التربة الصالحة والعمالة الرخيصة فأثروا ثراءاً فاحشاً. وقد تدخَّلت الدولة والبنك الدولي بتمويل هذه المشاريع، وأدَّت سياسات الفلاحة غير الرَّشيدة إلى استهلاك التربة وتعرية الجبال من الغطاء النباتي، وانقراض حيوانات متوحشة كانت بمثابة ثروة حيوانية للمنطقة. وأصبح الزحف الصحراوي يهدِّد هذه الجبال بما تنذر بكارثة طبيعية وشيكة، وبات الأهالي ينتابهم القلق بما حلَّ بديارهم من تغييرات بيئية ومناخية.


النُّوبة في الإطار الإقليمي
تناقلت وكالات الأنباء - المرئية والسمعية والمقروءة - نبأً مفاده أنَّ الجنرال عيدي أمين دادا قد استعان بأفراد من قبيلة الكاكوا - التي ينتمي إليها وتقطن شمال-غرب يوغندا وجنوب السُّودان - وكذلك قبيلة النُّوبي في الجيش اليوغندي للاستيلاء على السُّلطة في كمبالا في العام 1972م. وقد أصبحت هذه القوة المسلَّحة - فيما بعد - العمود الفقري لنظام عيدي أمين طيلة الثمانية أعوام التي قضاها في إدارة البلاد والعباد. كما أنَّ قوة تعدادها 3,000 جندي نوبي من الكتيبة الاحتياطيَّة في معسكر بوندو هي التي أخَّرت انهيار واندثار نظام عيدي أمين. فما هو سر وجود هذه القوة الضاربة في الأرض اليوغنديَّة؟ وما هي علاقة أفرادها بالسُّودان؟
بعد بزوغ الثورة المهدية (الانتفاضة المسلحَّة بلغة العصر) في السُّودان، ونجاحها في تصفية نظام الحكم التركي-المصري العام 1885م، أمسى أمين باشا - حاكم المديريةَّ الاستوائيَّة - منقطعاً عن العاصمة، الخرطوم. وعلى الفور بدأ ستانلي، جاكسون، وبيترس في سباق مع الزَّمن، كل يريد أن ينقذه. وقد يتساءل البعض عن هويَّة وأهميَّة أمين الذي ذاع صيته، والذي قد لا تعرف عنه الأجيال المعاصرة إلاَّ لماماً؟ نشأ أمين وتعلَّم في ألمانيا، وتنقَّل في بلدان وأمصار الشرق الأوسط واعتنق الإسلام. كان أمين طبيباً، عالم نبات، العالم بالطيور، لغوي يتحدَّث اللُّغة الألمانيَّة، الفرنسيَّة، الإنجليزيَّة، الإيطاليَّة، التركيَّة، العربيَّة، الفارسيَّة، اليونانيَّة العاميَّة، ولغات سلافيَّة. وصل الطبيب اليهودي-الألماني المدعو إدوارد شينترز (Eduard Schnitzer) إلى الاستوائية في جنوب السُّودان بعد أن عمل في تركيا. بعد وصوله ادَّعى أنَّه تركي ويُدعى أمين أفندي. ولعل أمين أفندي هذا، بالرَّغم مما أُوتي من نفاق، لم يستطع اقناع الرفاق جيسي الإيطالي وغردون البريطاني بهويَّته المزوَّرة.(32) كان هذا هو الشخص الذي أوكل إليه إدارة المديريَّة الإستوائيَّة في جنوب السُّودان، حيث لم يكن - في بادئ الأمر - على اطِّلاع تام بدقائق وخصائص المنطقة. لكنه طاف المنطقة بجبالها وسهولها وخبر أهلها وتعلَّم عاداتهم وتقاليدهم. وفي المبتدأ - حين كانت الثَّورة المهديَّة في أوجها - رفض أمين الإذعان إلى فكرة الجلاء وترك الخلاء الذي عاش فيها ردحاً من الزمان، ولكن علَّمته تجاربه الحياتيَّة أنَّ الطأطأة أمام الريح قد تكون ضروريَّة في بعض الأحايين. وفي خضم هذا المزج في المبادئ والحسابات، حزم أمين أمتعته وغادر جنوب السُّودان.
ووسط حالة القلق من المصير المجهول، جاء ستانلي منقذاً لأمين وجنوده السُّودانيين. "وفي أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأت فلول جيش أمين بك في الانسحاب جنوباً هرباً من جيوش المهديَّة، بدأت هذه الفلول في الاستقرار في شرق أفريقيا، بينما كان أمين مواصلاً انسحابه صوب المحيط الهندي. استقرَّت فلول جيش أمين بك، التي اعتنقت الإسلام، في مناطق أروا الحالية وبمبو التي تقع على بعد 20 ميلاً من العاصمة كمبالا، وفي منطقة عنتيبي. كما استقرَّ جزء منهم بمدينة أروشا بتنزانيا، وفي نيروبي في حي يسمى كيبيرا، ولقد ساهم هؤلاء النفر، والذين عُرِفوا فيما بعد باسم "النُّوبي"، في نشر الإسلام وأصبحت لهم لغتهم الخاصة، والتي سُمِّيت بلغة النُّوبي وهي خليط من اللُّغة العربيَّة بلكنة محليَّة."(33)  ويبلغ تعداد قبيلة النُّوبي في كينيا حوالي 10,000 نسمة، حيث يتراوح عددهم في كيبيرة في نيروبي بين 3,000 - 6,000 شخص، ويستخدم النُّوبيُّون اللُّغة السواحيليَّة في التخاطب مع المجموعات غير النُّوبيَّة، ويتحدَّث 30% منهم اللُّغة الإنجليزيَّة، مما يعني أنَّ نسبة التَّعليم فيهم ضئيلة.  فكيف كان الوضع السياسي والاجتماعي في يوغندا قبل وبعد نزوح هؤلاء الجنود السُّودانيين إليها؟
كانت يوغندا عبارة عن ممالك متفرقَّة، وكانت بوغندا إحدى هذه الممالك العريقة التي حكمت قلب يوغندا قبل وصول الأجانب من كل حدب ينسلون. وفي العام 1848م، بينما كانت هذه المملكة تحت حكم كاباكا (الملك) سونا، وصل أول عربي إليها. لكن في حقيقة الأمر، فإنَّ المدعو سايم كان مزيجاً بين العروبة والأفريقية (Mulatto)، وتبعه بعد العام عيسى بن حسين وهو جندي آبق من قوات سلطان زنجبار العربي، وعمل هذا الأخير مستشاراً للملك سونا. وحينما زار سناي بن أمير المملكة العام 1852م، وجد هذا المستشار في بلاط الملك وقد تبوَّأ مكاناً عليَّاً. وقد بدأ النمو والنفوذ العربي يتزايد في يوغندا بشكل مضطرب، وبوصول المبشِّرين المسيحيين الأوربيين وجدوا بها مستعمرة عربيَّة، حيث كان يمارس العرب تجارة العاج والرقيق. وكان يُقايض أثنين من الذكور ببندقية واحدة، أو قماش أحمر مقابل ذكر واحد، أو 100 طلقة بمعدَّل أنثى واحدة. على الرَّغم من أنَّ العرب كانوا يقومون بنشر التعاليم الدينيَّة، غير أنَّ هدفهم الرئيس كان العمل في التجارة، وبالتَّالي لم يستطيعوا أسلمة مجموعة كبيرة من المواطنين. وفي العام 1875م قابل الرحَّالة هنري ستانلي موتيسا الأول - ملك بوغندا - وكتب رسالة نيابة عن الملك ونشرت في صحيفة "الديلي تيليغراف" اللندنية، يتوسَّل فيها إلى المبشِّرين المسيحيين في الحضور إلى مملكته. وقد بدا جليَّاً أن موتيسا، الذي بات يتوجَّس خيفة من الوجود التركي-المصري في جنوب السُّودان، في حاجة ماسة إلى السِّلاح لتأمين مملكته شمالاً. وجاء البريطانيُّون البروتستانتيُّون العام 1877م، وتبعهم الفرنسيُّون الكاثوليكيُّون العام 1879م، وشرعوا في تنصير شيوخ المملكة والبلاط الملكي، حيث أنَّ موتيسا كان يمارس بعض الشعائر الإسلاميَّة كصومه لشهر رمضان في الفترة 1867-1876م. وعند مجئ المسيحيَّة أصبح الدين أداة للتنافس والتناحر السياسي. وبعد وفاة موتيسا في العام 1884م قامت حرب طائفيَّة بين المسلمين والمسيحيين بتشجيع الأجانب للطَّرفين، والتي انتهت بهزيمة المسلمين وتعيين الكاثوليك الملك موانقا خلفاً لموتيسا. وبناء على ما سبق أمسى الملك الجديد أسيراً لقوى سياسيَّة أجنبيَّة دون أن يتمتَّع بحق التسيُّد عليها.
بعد إبرام اتفاق مع الملك موانقا - ملك بوغندا - ركَّز اللورد لوقارد جهوده على اخضاع المسلمين، الذين كانوا يدعون أنفسهم حزب محمد. ومما ساعد لوقارد في حملته ضد المسلمين توحيد الكاثوليكيين والبروتستانتيين تحت راية واحدة وتكوين جيش بوغندي قوي من الطَّائفتين تحت قيادة أبولو كاقوا. وفي العام 1891م هُزم المسلمون في موقعة بوقانقادزا، وقد حالت الأمطار الغزيرة دون وصول جنود أبولو إلى بونيورو - معقل المسلمين. ونتيجة للأحداث اللاحقة يبدو أن اللورد لوقارد استطاع اخماد التمرُّد دون أن يعمل على إزالة أسباب تفجُّر الصراع. غير أنَّ فكرة إحياء التمرُّد لم تمت في نفوس المسلمين، وفي العام 1893م ظهر حزب سياسي يسمى حزب محمد وطفق يطالب بصلاحيات سياسيَّة أكثر من المشيخات الثلاثة الممنوحة لأتباعه. بيد أنَّ الذي جعل هذا التحرُّش أمراً خطيراً وجود الجنود السُّودانيين تحت قيادة سليم بك، والذين لم يخفوا تعاطفهم مع المسلمين الحانقين على أوضاعهم السياسيَّة. وبما أنَّ الجنود السُّودانيين كانوا مسلمين أنفسهم، فقد خشيت السُّلطات الإنجليزيَّة أنَّه في حال نشوب عصيان مسلَّح من المسلمين، وتضامن الجنود السُّودانيين معهم فسيكون من الصعب جداً استتباب الأمن وعودة الحياة إلى طبيعتها. وبالتالي تحركت السلطات مسرعة وهزمت المسلمين مستخدمين عناصر من البروتستانتيين البوغنديين، وتم تجريد الحامية السُّودانيَّة في ميناء أليس (عنتيبي حالياً) من السلاح واعتقال سليم بك. لقد أدى تحرُّك النقيب ماكدونالد - الذي آلت إليه مقاليد السُّلطة في كمبالا بعد ذهاب السير جيرالد بورتال - إلى درء خطر حرب أهلية وشيكة كادت أن تندلع. وقد لعب الجنود السُّودانيون، الذين اشتهروا بشدة المراس، دوراً فعيلاً في هزيمة الملك كاباريقا في أرض بونيورو - غرب يوغندا، وكذلك في إنهاء تمرُّد الملك موانقا - وأتباعه - بعد أن ثار ضد الإنجليز حينما بدأت نفوذه تنحسر وتنهال عليه قيود المبشرين المسيحيين من كل فجٍ. تجذَّرت قناعة في ذهن موانقا بأنَّه لايمكن أن يعيش أسيراً لأهواء الكهنة المسيحيين الذين يتدخَّلون في عادات وتقاليد القبيلة بما فيها منع تعدد الزيجات وغيرها، ومن ثمَّ ثار على الوضع القائم يومذاك. وما أن أنهت السلطات البريطانيَّة تمرد موانقا عنوة واقتداراً حتى ظهر خطر جديد بات يهدِّد الوضع. كان هذا الخطر آت من الجنود السُّودانيين الذين استخدمتهم السُّلطات البريطانيةَّ كأداة فعالة لتطويع الوضع الأمني في غرب وشرق وجنوب-غرب البلاد. بدأت المشاكل تطفو إلى السَّطح عندما أُمر هؤلاء الجنود بالتوجه شرقاً صوب وادي الداما تحت قيادة الرائد ماكدونالد، وذلك بغرض اكتشاف منابع نهر جوبا، وصد الزحف الفرنسي من الكنغو والحبشة والخطر المهدوي في جنوب السُّودان، في الوقت الذي كان السير كتشنر زاحفاً نحو أم درمان - عاصمة الدولة المهديَّة في السُّودان. ويعُزى أسباب اندلاع التمرُّد وسط الجنود السُّودانيين إلى التغيير المستمر في قيادة أولئك الجنود، وقلة الأجور التي كانوا يتقاضونها بالمقارنة مع رصفائهم في مناطق أخرى من شرق أفريقيا، علاوة على أن هذه الأجور قد بلغت متأخراتها ستة أشهر. غير أنَّ أحد قيادات التمرُّد - مبروك أفندي - كان يبغي بهذا العصيان إثارة الوضع آنذاك لخلق ظروف تسمح بالسيطرة على السُّلطة في يوغندا لصالح المتمرِّدين السُّودانيين، وهكذا استخدم الأسباب الفعليَّة للتذمُّر كوسيلة لتحقيق مآربه. ويمكن اعتبار مسألة التنقُّلات الكثيرة في أرجاء يوغندا أمراً لم يكد يقبله الجنود السُّودانيُّون الذين أنهكتهم الحرب، وما هي إلاَّ أياماً معدودات حتى اُستدعوا من الجنوب بغرض خوض غمار الحرب وويلاتها في مكان قصي من البلاد.
وأيَّاً كانت الأسباب، فقد اندلع العصيان العسكري في 23 أيلول (سبتمبر) 1897م بالقرب من وادي الداما، الذي كان بمثابة بؤرة تجمع قوات ماكدونالد. وحينما عجز كل من ماكدونالد وجاكسون من الايفاء بشروط الجنود السُّودانيين، زحف الجنود نحو بوغندا، يقتلون وينهبون حتى استقر بهم المقام في قلعة لوبا. ولم تفلح محاولات الرائد ثرستون، الذي كان على رأس العسكر في يوغندا، في إقناع المتمرِّدين بالاستسلام، بل سقط رهينة في يدهم مع أثنين آخرين من الأوربيين الذين قُتلوا جميعاً فيما بعد. نصب ماكدونالد، ومن معه من الجنود السواحيليين والبوغنديين، حصاراً حول لوبا. وعلى الرَّغم من الهجوم المكثف على القلعة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1897م حتى كانون الثاني (يناير) 1898م، صمد الجنود السُّودانيُّون أيما صمود. وقد أدَّى تبادل النيران إلى قتل شقيق ماكدونالد وكذلك بيلكنجتون - أحد المبشرين المسيحيين الذي قام بترجمة الإنجيل إلى لغة اللُّوغندا، وأصبح يشار إليه بالبنان في يوغندا. فبينما ظل القلق ينتاب ماكدونالد، قامت السُّلطات البريطانية بارسال تعزيزات عسكريَّة من الجنود الهنود من أرض جوبا وبومباي، وأصبح الوضع ينذر باحتمال تمرد بقية الجنود السُّودانيين في بونيورو، تورو، بودو، وكمبالا. ومما زاد الأمر سوءاً ظهور موانقا كرة أخرى وإعلانه اعتناق الإسلام، وجمع فأوعى 2,000 جنديَّاً مسلَّحاً. وفي هذه اللَّحظة انسحب ماكدونالد غرباً لمواجهة موانقا، فانتهز السُّودانيُّون الفرصة وتوجَّهوا صوب بونيورو للإلتحاق بالحاميات السُّودانيَّة فيها، ولا سيَّما أنَّها أبدت رغبة أكيدة للإنضمام إلى العصيان. لقد تمَّت السَّيطرة على الوضع بعد وصول الملازم سكوت مع الجنود الهنود واستطاع أن يجرِّد حاميات بونيورو من السِّلاح ويوقف زحف السُّودانيين إليها. تمركزت القوة الأخيرة من المتمرِّدين في كاباقامبي على بحيرة كيوجا، الذين قُضى عليهم في شباط (فبراير) 1898م، وفرَّ فلول منهم عبر البحيرة وأصبحوا يغيرون على نقاط الحكومة من حين لآخر حتَّى تمَّ تشتيتهم بواسطة مليشيات من قبيلة لانجو في العام 1901م. وبهزيمة الجنود السُّودانيين ماتت الفكرة التي داعبت مخيلة مبروك أفندي عسى ولعلَّ أن تصبح إحدى الأهداف الممكنة.(34)  
مما مضى من حديث نجد أنَّ النُّوبة، أو النُّوبي كيفما أو حسبما شئت أن تسمِّيهم، قد أسهموا في تأطير الحياة الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والسياسيَّة في شرق أفريقيا، حتى أمسوا الآن جزءاً أصيلاً من شعوب المنطقة.  فلم يكونوا ظاهرة تراثيَّة أو أنثروبولوجيَّة عابرة تنتهي بانتهاء مرحلة من مراحل التطوُّر الاجتماعي والتأريخي، بل أمسوا جزءاً أساساً من التركيب الحيوي للمجتمع، وبالتَّالي لا يمكن إنكار فعاليتهم في حركة التغيير الاجتماعي والسياسي كما شهدنا في يوغندا، بما فيها من استغلال العامل الدِّيني - الإسلام أو المسيحيَّة - كأداة رائسة في تأجيج الصِّراع السياسي والقبلي.  لقد تمَّ هذا التداخل الإقليمي في عهد لم تكن هناك حدود سياسيَّة، وأضحى النُّوبي - بالرَّغم من تغيُّر الزمن والأوضاع السياسيَّة - وحدة اجتماعيَّة بلغتها وعاداتها وتقاليدها الرَّاسخة، التي حافظوا عليها من البوار والاندثار.  هذا ما كان من أمر النُّوبة في الإطار الإقليمي، فما يدريك عن دورهم في الإطار الدَّولي؟


النُّوبة في الإطار الدَّولي
ففي عهد الخديوي سعيد باشا أُرسِل جنود سودانيون إلى المكسيك (1863-1867م) لمساعدة الإمبراطور ماكسيميليان في الحرب الأهليَّة المكسيكية، وقد أبلوا بلاءاً حسناً.  إذ وصف الأمير عمر بسالتهم في رسالة له منشورة في مصر العام 1933م بعنوان "بطولة الأورطة السُّودانيَّة-المصريَّة في المكسيك".  وفي إحدى المعارك، التي اشترك فيها السُّودانيُّون في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1863م، كتب حاكم فيراكروز - في رسالته إلى القائد العام: "هذا الاشتباك قد توَّج السُّودانيين، الذين تحمَّلوا أعبائه ونالوا من المكافأة أرفع الشأن، حيث أنَّهم لم يأبهوا بكثافة النيران التي تلقوها من العدو الذين زادوا عليهم بنسبة تسعة إلى واحد، ولكنَّهم هزموهم في نهاية الأمر."  غير أنَّ بسالتهم هذه لم تلق الاهتمام من الدوائر الفرنسيَّة إلاَّ في الدراسات الطبيَّة، حيث أنَّ السُّودانيين لم يتأثَّروا بالحمى الصفراء التي كانت تفتك بالأوربيين فتكاً شديداً.  وقد عزا هؤلاء الأطباء الأوربيُّون سبب مقاومة السُّودانيين إلى طبيعة الزنوج، ولا مراء أنَّ أغلب هؤلاء الجنود كانوا من النُّوبة الذين اصطادوهم رقيقاً من جبال النُّوبة وتجنيدهم في جيوش الحكومة التركية-المصريَّة، حيث ورد في عدة مصادر أنَّ حوالي 200,000 منهم قد أُسِروا وأُخِذوا مصفدين إلى مصر حتى العام 1839م، وآلاف أخرين قد استاقهم عرب السهول المحيطة بهم وباعوعم للنخاسين العرب في الأسواق المحليَّة.(35)  وفي رسالة أخرى من فيراكروز إلى القائد العام في 22 نيسان (أبريل) 1864م، ذكر الراسل: "إنَّ الجيش المصري-السُّوداني يتقدَّمون بطريقة تؤكِّد شجاعتهم في المعارك ضد عدو متفوق عليهم عدداً، لكنَّهم ما يزالون في مستو عال من البسالة - كما شهدنا سلفاً.  لذلك، كذلك، لم يكد القائد العام أن يكتم إعجابه بهم إلاَّ أن يكتب إلى رؤسائه في وزارة الحرب الفرنسيَّة في 12 تموز (يوليو) 1864م يخبرهم عما شهد من الوقيعة.  فماذا دوَّن الكاتب في الخطاب؟  كتب قائلاُ: "إنَّ روح الجنود المصريين-السُّودانيين، التي لا تسمح لهم أنفسهم بترك سجين حرب على قيد الحياة، قد لمعوا في ساحة الوغى.  لم أشاهد في حياتي هذا العزم الأكيد والإصرار الفريد مثلما رأيتهما في هذ المعركة.  إنَّ عيونهم تحكي عما في مشاعرهم، ولهم من الشجاعة حظ عظيم، إنَّهم ليسوا ببشر، بل قسورة."  إنَّ المجنَّدين والعسكر، الذين تم تجنيدهم من كردفان ودارفور، قد نالوا إعجاب البوليس المصري في الإسكندرية لحظة مغادرتهم إلى المكسيك في 28 كانون الأول (ديسمبر) 1862م.  وقد عاد الجنود السُّودانيُّون - عن طريق باريس حيث نالوا أعلى الأوسمة الحربيَّة في فرنسا - إلى الإسكندريَّة في 28 آيار (مايو) 1867م، وكان في استقبالهم الخديوي إسماعيل باشا، خليفة سعيد باشا.(36)  
حين وصل السير صمويل بيكر إلى الخرطوم في كانون الثاني (يناير) 1870م وجد وسط العسكر الذين سوف يصطحبونه إلى مديريَّة الإستوائيَّة ضباطاً ممن خدموا في الحملة المكسيكيَّة.  ومن هؤلاء الضباط الرائد عبدالله، النَّقيب مرجان شريف، النَّقيب عبدالله، الملازم مرجان، والملازم فيرتك (؟)، وقد اصطحبوا السير صمويل بيكر - بعد عامين من وصوله إلى الخرطوم - إلى أرض أشولي وبونيورو اليوغنديَّة.  وفي منطقة بونيورو أصبح الرائد عبدالله قائداً على حامية فاتيكو، وقد اصطدم مع النخاسين في هذه المنطقة مرات عديدة.  كذلك كان الرائد عبدالله من مستقبلي العقيد شالي لونج، مبعوث الجنرال غوردون إلى الملك موتيسا - عظيم بوغندا.(37)  
في هذا البحث، الذي أوجزنا فيه السَّرد التأريخي وظروف الجغرافيا وعامل السياسة والتعدُّد الأثني واللُّغوي في جبال النُّوبة، استخدمنا نهج الخاص إلى العام، وإن كنَّا نعلم يقيناً أنَّ البعض يفضلون منهج العام إلى الخاص.  ومهما يكن من أمر المنهج، فقد تتبَّعنا حياة النُّوبة في السُّودان القديم والحديث، وإسهامهم إقليميَّاً في شرق أفريقيا، ودوليَّاً عبر المحيط الأطلسي إلى المكسيك لخوض معارك ضد أقوام لم يكن لنا معهم من شجار.  بيد أنَّ هذا الإسهام المحلِّي والإقليمي والدَّولي لم يُكسبهم من أهل الحل والعقد في الخرطوم إلاَّ بطشاً، لا لسبب إلاَّ لأنَّهم يودُّون الحفاظ على تراثهم وتقاليدهم وأديانهم.  فقد بدأ رجال أحزاب الشمال الإسلاميَّة يجادلوهم بالقرآن ما وسعهم الجدال، وحين رأوا أنَّ الجدال قد أصبح قليل الغناء، لجأوا إلى الكيد، ثمَّ إعلان الحرب الجهاديَّة عليهم.  وما الحرب التي ظل النُّوبة في سبيلها يتحمَّلون العنت والعسف إلاَّ للحفاظ على هويتهم ضد الذين يلهثون في محوها - أو على الأقل - يبغون أن يبقوهم بحيث لا يظهرون إلاَّ إذا كانوا لغيرهم تبَّعاً.  فقد رفض النُّوبة أجمعون الإذعان لشروط الاستسلام، إلاَّ الذين رضوا بالإفتئات على (أو من) موائد الاضطهاد، والشواذ ضعاف الآفاق، والشاذ لا حكم له.  فقد رفع النُّوبة الشعار الذي كان يبادي به الشَّاعر أبو نواس من يخاصمه كما كان يبادي به من يغريه بالجاه والسلطان:
وما أنا بالمشغوف ضَرْبَة لازبٍ        ولا كلّ سلطانٍ عليَّ أمير!
كان أحرى بحكام السُّودان الحديث تنمية هذه اللُّغات الوطنيَّة في الجبال وغيرها في أرجاء الوطن الواسع وإمطارها بالرِّعاية الحكوميَّة، وتقليص هيمنة ثقافة واحدة على غيرها، لأنَّ المشكلات الناشئة في السُّودان اليوم أصلاً سببها التقاء ثقافتين ودينين - أو أكثر - مختلفين، ولا تُحل هذه المشكلات إلاَّ عن طريق التَّفاوض الذي ينتج عنه الاحترام المتبادل وقبول الآخر بهيئته.  إنَّ الاحتقان النَّاجم عن حالة التعدُّديَّة الثقافيَّة والإثنيَّة الصَّارخة في البلاد يستلزم إجراء توازن بينها وبين الوحدة.  إذ على السُّودانيين أن يدركوا بأنَّ أية محاولة للقفز على التُّراث وحقائق الحياة إنَّما هي إنكار للواقع والتأريخ، وعدم الإعتراف بالتَّنوُّع قد كلَّفنا ثمناً باهظاً.

خلاصة
مما أوردناه من بحث يتضح أنَّ منطقة جبال النُّوبة ظلَّت - وما زالت - موطن إثنيات عرقية متباينة.  وقد عاشت هذه المجموعات المختلفة في هذه المنطقة - بالرَّغم من أحداث التأريخ الشائكة وعوامل الجغرافيا الشَّاقة - حياة تتخلَّلها حروبات قبليَّة كانت معظمها لإشباع رغبات الحكومات المركزيَّة منذ العهد التركي-المصري في السُّودان (1821-1885م) حتَّى هذه اللَّحظة.  إذ استخدم الأتراك قبائل البقَّارة في حملاتهم للحصول على الرقيق من النُّوبة، واستخدمهم المهدي لإخضاع النُّوبة، واستغلَّهم البريطانيُّون لإخماد تمرد وعصيان النُّوبة، وكذلك فعلت الحكومات الوطنيَّة بعد زوال نظام نميري العام 1985م في "التطهير العرقي" ضد النُّوبة بإعتبارهم متمرِّدين و"مرتدين".  بيد أنَّ الذي يجمع بين هذه المجموعات البشريَّة هو اشتراكها في الفقر والجهل والمرض؛ هذا الثالوث الاجتماعي لم يجد عناية فائقة من أهل الحكم في الخرطوم، وزادت الأوضاع سوءاً بُعيد وصول الحرب الأهليَّة إلى هذا الجزء من السُّودان.  إنَّ السَّلام والوئام هما مطلبين عزيزين لكل مجتمع ينشد الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصاديَّة والعدالة الاجتماعية، لذلك كان لزاماً على السلطات المحليَّة والمركزيَّة بحث سبل بسط الأمن والطمأنينة في الفئات البشرية التي تقطن هذه الديار قبل اللَّهاث وراء السَّلام الشامل (Charity begins at home).  وهنا يمكن الاستعانة بنظرية "التكافل الإجتماعي"، التي استخدمها الدكتور ناديل في دراسته الأنثروبولوجيَّة لمجتمعات النُّوبة، كما أسلفنا الحديث عنها.  فقد كانت هناك ميكانيكيَّة نوباويَّة لفض النزاعات وحل الصراعات داخل المجموعة الواحدة أو تلك التي تنشب بين المجموعات الإثنيَّة المختلفة، بما فيها المجموعات العربيَّة التي استوطنت في المنطقة وتنوبنت (أي أمست أو تبنَّت تقاليد وعادات نوباويةَّ).  وباستخدام العرف السائد والقانون المعمول به نجحت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في عقد اتفاقات سلام وتعايش سلمي مع قبائل البقَّارة في المنطقة؛ نذكر منها اتِّفاق برام العام 1993م، ريجيفي العام 1995م، وكين العام 1996م.(38)  استشعاراً لأهميَّة السَّلام والأمن على شعوب المنطقة، فقد وصَّى المؤتمرون - فيما وصَّوا - في مؤتمر كاودا في جبال النُّوبة، الذي انعقد بين الفترة من 2-5 كانون الأول (ديسمبر) 2002م، على ضرورة عقد مؤتمر سلام بين النُّوبة والقبائل غير النُّوباويَّة المستوطنة في المنطقة في سبيل الوصول إلى معايير وأسس التعايش السلمي و"التكافل الاجتماعي".  وتهدف هذه التَّوصية إلى إزالة الفجوة المأساويَّة بين الماضي والحاضر، كما تسعى لبناء مستقبل زاهر يمكن الاستفادة منه في غرس المفاهيم الرَّاشدة حول السَّلام، رحماً بالنَّاس وإشفاقاً عليهم ألاَّ يتورَّطوا في الخلاف والمراء فيما لا ينبغي فيه خلاف ولا مراء.  ولا نحسب أنَّ النُّوبة - بعد هذا الظلم والاضطهاد - سوف يصرُّون على الاقتداء بالهاييتيين في القرن التاسع عشر حين انتفض الأرقاء المحرَّرين في جزيرة هاييتي وهزموا البريطانيين والفرنسيين والأسبان، ومن ثَمَّ أقسم الأمين العام للمنتفضين أن يستخدم الهاييتيُّون الأحرار جمجمة الرجل الأبيض كمحبرة وجلده كورق والدم بدل الحبر لكتابة إعلان الاستقلال العام 1804م.(39)  بل سيقتدي النُّوبة بكلمات قائدهم الرَّاحل يوسف كوة مكي في قصيدته "أفريقيتي":
(...) سأبني حضارتي
وعندها سأمد راحتي
وسأغفر لمن تعمَّد طمس هويَّتي
لأنَّ المحبة والسَّلام هي غايتي
غير أنَّ هذه المغفرة والصفح الجميل سوف لا يشملان القتلة الفجرة، الذين تلطَّخت أياديهم بدماء النُّوبة الأبرياء التي سُفِكت والأنفس الزكية التي أُزهِقت والمؤودة التي قُتِلت.
لم تعش منطقة جبال النُّوبة في أي وقتِ مضى بمعزل عن القوى الخارجيَّة التى وفدت إلى السُّودان سواءأ من الشمال، الشرق أم الغرب، بل كانت المنطقة ملتجأ للفارين - حذر الموت - من الاضطرابات السياسيَّة والتحوُّل البيئي في وداي نهر النيل؛(40) وتبدو سمات هذا التداخل البشري جليَّاً في التعدُّد العرقي والثَّقافي والدِّيني في المنطقة.  غير أنَّ السلطات المركزيَّة حاولت استغلال هذا الوضع لمصالحها السياسيَّة ودأبت على تفتيت هذا النسيج الاجتماعي الذي يعاني أصلاً من تصدع.  لذلك لم تسر حكومة البشير نجاحات الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في إبرام الاتِّفاقات سالفة الذكر، وكادت كيدا جبَّاراً في إفشالها.  وما يجري اليوم في منطقة تقلي شر مثال لما نقول.  فقد شهدنا كيف استباحت بعض المجموعات الرعويَّة زراعة المواطنين عنوة بقوة السلاح في منطقة تقلي، دون وازع ضمير أو رادع من سلطان، يحملهم زهو النصر وغلواء البطر.  فالرعاة المدجَّجون بالسلاح الناري لا يتردَّدون في إطلاق النار على المزارعين العزل، وقد بلغت حالات القتل بالرصاص للمزارعين الذين تجرأوا لمنع البهائم من الزراعة 17 حالة حول مدينة العباسيَّة وحدها، مما اضطرَّ وفد من المنطقة، برئاسة الأمير مختار جيلي وعضوية عدد من العمد والمشايخ، لزيارة الخرطوم ليجأرون بالشكوى للمسؤولين في الحكومة المركزيَّة.  فإنَّ عجز الجهات المختصة عن ردع المعتدين القتلة أو التواطؤ معهم يعطي الضحية حق طبيعي في البحث عن سبل أخرى للدفاع عن النفس والعرض والمال.(41)  كان هذا النوع من الاعتداءات وتقاعس السلطات هو أحد الأسباب التي دفعت النُّوبة للالتحاق بالحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان للحصول على السلاح في سبيل حماية النفس والذود عن العرض، وإنَّ ما يجري اليوم في دارفور لتأكيد لذلك.  عليه، فإنَّا لنرى تحت الرَّماد وميض نار، وإنَّا لنخشى لها ضرام.

هوامش وإحالات
(1) كثرة الفتن والحروب الأهليَّة سبباً في تفرُّق قبائل سبأ في أنحاء جزيرة العرب، حتى ضربوا به المثل في التفرُّق فقيل تفرَّقوا أيدي سبأ.  وكان في مملكتهم سد عظيم هدَّه سيل العرم في اليمن، والعرم جمع عرمة كفرحة وهي سد.
(2) أنظر د. شوقي الجمل: تأريخ سودان وادي النيل: حضاراته وعلاقاته بمصر من أقدم العصور للوقت الحاضر، الجزء الأول، القاهرة، 1969م.
Vantini, G, Christianity in Sudan, Bologna, 1981; and Stevenson, R C, The Nuba People of Kordofan Province: An Ethnography Survey, Khartoum University Press, 1984.
(3) يقول البروفسير عبدالله الطيب في صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 6/4/1999م إنَّ المريس من "المَرَس" - أي الحبل إذ كان البحارة يضطرون إلى جر المراكب بالحبال في هذا الإقليم، ومن المعلوم أنَّ "المريسة" شراب ضعيف الإسكار يصنع من الذرة ويمرس بالأيدي قبل أن يجعل في آنية الشراب. ومريسة - من مرست شيئاً في الماء إذا وضعته فيه لينقع. وتقول بعض المصادر إنَّ المريس كلمة قبطية معناها الجنوب.
(4) Herodotus, The Histories, Edinburgh, 1954.
(5) MacMichael, H A, The Tribes of Northern and Central Kordofan, Cambridge, 1912.
(6) Newbold, D, Some Links with Anag of Gebel Haraza, Sudan Notes and Records, 1924, Vol 7, No 1; and Newbold, D, The White Nuba of Jebel Haraza, and White Races of North Africa, Sudan Notes and Records, Vol 7, No 2, 1924.
(7) Bell, H, An Extinct Nubian Language in Kordofan, Sudan Notes and Records, 1973, Vol 54.
(8) الدكتور عبدالعزيز أمين عبدالمجيد، التربية في السُّودان: من أول القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر والأسس النفسيَّة والاجتماعية التي قامت عليها، الجزء الأول، القاهرة، 1949م.
(9) صحيفة "الرأي العام": 23/1/1999م.
(10) صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 20/10/1997م.
(11) Meinhof, C, Sudan Notes and Records, Vol 3, No 4, 1920.
(12) Caputo, R, Sudan: Arab-African Giant, The National Geographic Magazine, Vol 161, No 3, March 1982, Pages 346-378.
(13) صحيفة "الرأي العام": 31/1/1999م.
(14) Nadel, S F, The Hill Tribes of Kadero, Sudan Notes and Records, Vol XXV, Part I, 1942; Nadel, S F, The Nuba: An Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan, Oxford, 1947; Hawkesworth, D, Sudan Notes and Records, Vol XXIX, Part I, 1948; and Salat, J, Reasoning as Enterprise: The Anthropology of S F Nadel, 1983.
(15) Holt, P M, A Modern History of the Sudan: From Funj Sultanate to the Present Day, London, 1961.
للمزيد من الإيضاع عن مدلول جعل ونسب الجعليين إلى العباس عم النبي صلى الله عليه ةسلَّم أنظر المقال الجيِّد الذي سطره علي حليب باسم "الأصل الزنجي لأسماء المدن السُّودانيَّة... المعاني والأبعاد"، سودانايل: 7/5/2003م.
(16) Manger, L O, From the Mountains to the Plains: The Integration of the Lafofa Nuba into Sudanese Society, Uppsala, 1994.
(17) أنظر سراج الدين عبدالغفار عمر: تأريخ الصراع في جبال النُّوبا: الفترة 1984م - 1996م، الخرطوم، 1996م.
(18) عوض عبدالهادي العطا، تاريخ كردفان السياسي في المهديَّة (1881م - 1899م)، الخرطوم، 1973م.
(19) Africa Today, London, 1996.
(20) Hawkesworth, D, The Nuba Proper of Southern Kordofan, Sudan Notes and Records, Vol XV, Part II, 1932.
(21) صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 20/10/1997م؛ صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 21/10/1997م.
MacDiarmid, D N, Notes on Nuba Customs and Language, Sudan Notes and Records, Vol X, 1927; MacDiarmid, P A and MacDiarmid, D N, The Languages of the Nuba Mountains, Sudan Notes and Records, Vol XIV, Part II, 1931; Stevenson, R C, Linguistic Research in the Nuba Mountains - I, Sudan Notes and Records, Vol 43, 1962; Stevenson, R C, Linguistic Research in the Nuba Mountains - II, Vol 45, 1964; Stevenson, R C, The Present Position of Research in the Nuba Mountains Languages, Directions in Sudanese Linguistics and Folklore, co-edited by Sayyid Hamid Hurreiz and Herman Bell, Institute of African and Asian Studies, Khartoum; Hair, P E H, A Layman’s Guide to the Languages of the Sudan Republic, Sudan Notes and Records, Vol 47, 1966.
(22) الحَمر والحُمُر من بطون القبائل العربيَّة التي تسكن شمال كردفان.
Henderson, K D D, Nubian and Nuba, Sudan Notes and Records, Vol 18, Part II, 1935.
(23) Hair, P E H, The Brothers Tutschek and their Sudanese Informants, Sudan Notes and Records, Vol 50, 1969.
(24) Kauczor, P D, The Afitti Nuba of Gebel Dair and their Relation to the Nuba Proper, Sudan Notes and Records, Vol VI, No 1, 1923; Hawkesworth, D, The Nuba Proper of Southern Kordofan, Sudan Notes and Records, Vol XV, Part II, 1932; and Bolton, A R C, The Dubab and Nuba of Jebel Daier, Sudan Notes and Records, Vol XIX, Part I, 1936.
(25) صحيفة "الشرق الأوسط": 4/9/1998م.
(26) Kingdom, F D, Bracelet Fighting in the Nuba Mountains, Sudan Notes and Records, Vol XXI, 1938; Riefenstahl, L, The People of Kau, London, 1976.
إنَّ خير من وصف قيم وعادات النُّوبة في منطقة الكاو-نيارو هو الأستاذ عباس مصطفى صادق في روايته "محنة الكاو".  وفي هذه القصة يعمد المؤلف إلى رسم صورة واقعية لحياة الناس في جبال النُّوبة، وما يمارسونه من طقوس في بعض المناطق.  ويروي الأستاذ صادق،  في هذه الرواية، ظروف الجفاف والتصحُّر التي جثمت - بأثقالها المرهقة الشَّاقة - على حياة النَّاس في منطقة الكاو، حيث اختلط فيها البؤس والفقر بالجهل والتخلف (صحيفة "الوفاق": 20/2/1999م).

(27) Luz, O and Luz, H, Proud and Primitives, The Nuba People, The National Geographic Magazine, November 1966; and Riefenstahl, L, The Last of the Nuba, London, 1973.
قدَّم لوذ دراسة اجتماعيَّة عن مساكين قصار وطوال تتضمَّن طريقة معاشهم ومناسك الدَّفن وطقوس الحصاد وسبل الزراعة والحصاد والمصارعة وغيرها.
(28) Sudan Notes and Records, Vol V, 1922; Hillelson, S, Notes on the Dago: with special reference to the Dago settlement in Western Kordofan, Sudan Notes and Records, Vol VIII, 1925; and Macintosh, E H, A Note on the Dago Tribe, Sudan Notes and Records, Vol XIV, Part II, 1931.
(29) الدكتور عبدالله بولا: شجرة نسب الغول في مشكل الهويَّة الثقافية وحقوق الإنسان في السُّودان، مجلة "مسارات جديدة"، العدد الأول، أسمرا، أغسطس 1998م.
(30) Dunn, S C, Native Gold Washings in the Nuba Mountains Province, Sudan Notes and Records, Vol 4, No 3, 1921; and Bell, G W, Shaibun Gold, Sudan Notes and Records, Vol 20, Part I, 1937.
(31) نشرت صحيفة "الخرطوم" بتاريخ 9/5/1994م الورقة التي قدَّمها الدكتور جون قرنق - رئيس الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - أمام المؤتمر الأفريقي السَّابع، الذي عُقد في كمبالا - يوغندا - في نيسان (أبريل) 1994م. وفي تلك الورقة قال رئيس الحركة الشَّعبيَّة إنَّ الجلابة جماعة اجتماعيَّة تطوَّرت ونمت في السُّودان منذ القرن الخامس عشر، وقد لعبوا دوراً في تجارة الرقيق، وامتلكوا القوة الاقتصادية والاجتماعية، التي تحولَّت إلى قوة سياسية وورثوا السلطة من المستعمر وطبقوا أيديولوجية العروبة والإسلام السياسي لحماية مراكزهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع السُّوداني.
(32) Trench, C C, Charley Gordon: An Eminent Victorian Reassessed, London, 1978.
(33) صحيفة "الإتحادي الدَّوليَّة": 29/11/1998م.
(34) March, Z and Kingsnorth, G W, An Introduction to the History of East Africa, Cambridge University Press, 1965.
(35) Strachan, R, With the Nuba Hillmen of Kordofan, The National Geographic Magazine, Vol XCIX, No 2, November 1951.
(36) Kirk, R, The Sudanese in Mexico, Sudan Notes and Records, Vol 24, 1941.
(37) Thomas, H B, Notes on the Sudanese Corps in Mexico (1863-1867) and on Fort Magungu, Uganda Journal, Vol 8, Part I, 1940, Pages 28-32.
(38) Suliman, M, The Nuba Mountains of Sudan: resources, access, violent conflict and identity, London, 2001.
(39) The Economist, March 6, 2004.
بالرَّغم مما أبدوه الهاييتيُّون من حقد وموجدة ضد الرَّجل الأبيض، إلاَّ أنَّهم لم يستطيعوا الانفكاك من قبضته.  حيث أنَّ هذا الرجل الأبيض بدا دائماً دخيلاً في شؤون هذه الجزيرة منذ مجئ الرحَّالة كولومبوس العام 1492م حتى مغادرة الأب جون-بيرتراند أرستيد في 29 شباط (فبراير) 2004م.  فقد بدأت كوارث هاييتي بالتَّعويضات، ثم الحظر الاقتصادي، وأخيراً المؤامرات.  ففي العام 1915م تدخَّلت القوات الأمريكيَّة لأسباب زُعِمت بأنَّها إنسانيَّة، غير أنَّ الهدف الرئيس كان مبطناً في تقليم النفوذ الألماني في المنطقة والحفاظ على المصالح الأمريكيَّة.  فقام المحتلُّون الأمريكان بتشييد البنى التحتيَّة والقضاء على الأمراض الإستوائيَّة، بيد أنَّ الاستخدام القسري للعمال قد أدَّى إلى نشوب انتفاضة ثانية قُتل فيها آلاف من الهاييتيين، وفرض عليهم الأمريكان دستوراً فوقيَّاً، ونصبوا رئيساً ضعيفاً تابعاً، وخرجوا من البلاد العام 1934م.  بيد أنَّ تدخُّلات "العم سام" في شؤون هاييتي الدَّاخليَّة لم تنته بعد، حيث ساندت الإدارة الأمريكيَّة دكتاتوريَّة دوفاليير ضد ما أسمته شيوعيَّة كاسترو في كوبا حتى الانتفاضة الشعبيَّة العام 1986م، وساعدت الحكومة الأمريكيَّة في نفي دوفاليير الإبن خارج البلاد.  ثم من بعد نجئ إلى انقلاب الجنرالات الذين أطاحوا بحكومة أرستيد الأولى العام 1991م، ذلكم الانقلاب الذي تشير أصابع الاتِّهام إلى وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة أنَّها وراءه.  أيَّاً كانت الجِّّهة المنفِّذة لهذا الانقلاب، فقد فرَّ أرستيد المخلوع إلى أمريكا حتى قامت إدارة الرئيس بيل كلينتون بإعادته إلى السُّلطة العام 1994م.  وأخيراً - وربما ليس بالفصل الأخير - قامت أمريكا بإقناع (أو اختطاف) أرستيد واقتياده إلى المنفى الاختياري (أو الإجباري) في جمهوريَّة أفريقيا الوسطى.
(40) Davidson, A P, In the Shadow of History: The Passage of Lineage Society, London, 1996.
(41) صحيفة "ألوان": 25/1/2004م.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
الدكتور عمر مصطفى شركيان
إرث الاسترقاق والمشكل السُّوداني
إنَّ الأدب الاستعلائي الذي انتشر في شبه الجزيرة العربيَّة، كما أسهبنا فيه في مستهل هذا البحث، سار بهم العرب عندما هبطوا السُّودان على ظهور الخيل أو على كل ضامر.  وتفاقم الوضع الاجتماعي في عهد السُّلطنة الزرقاء بعد أن اتَّخذوا الإسلام لهم ديناً، والعربية لغة وثقافة ثم هُوية لهم لتفادي غزو الأتراك-المصريين، الذين أفلحوا فقط في استبطاء الغزو. وساهم الخريجون الأوائل بأدبهم وتعليمهم ومنتدياتهم الفكرية في تكريس ذلكم المفهوم الأحادي (الإسلاموعروبي) في مؤتمر الخريجين، وقد قرأنا كيف كان يتبارى القوم في الخرطوم وواد مدني في تقليد العرب في أشعارهم ومناظراتهم كما حدثنا عنهم الأستاذ حسن نجيلة في سفره القيِّم "ملامح من المجتمع السُّوداني".  وفي الحق، يقول قائل: "عندما تتسيد الفصاحة على الخطاب السياسي - كما حدث بالأمس ويحدث اليوم - يُسحَق الفكر، ويعتري السياسة هُزال وغثاثة".  وهكذا أنتج هذا الاستهلاك الأدبي غلاة وأصحاب عواطف ومحاباة.  ولا ريب أنَّ ذلك الغلواء وتلك المحاباة وجدا سبيلهما إلى أدمغة السودانيين - باستثناء فئة قليلة في بعض الحلات النَّادرة، والنَّادر لا حكم له - في شمال السُّودان حتى بات جزءاً رائساً في تكوين عقلية "أهل الحل والعقد" في هذا القطر المتعدِّد الأعراق والمترامي الأطراف.  وعليه، بدا هذا السلوك الاقصائي للآخر يأخذ طابعاً سياسيَّاً واجتماعيَّاً ودينيَّاً في المجتمع السُّوداني بعدما وفَّرت له الدَّولة كل السبل عن طريق الممارسة والتسلُّط والقهر، والمحاكاة في الأسرة، التي هي نواة المجتمع، والمدرسة التي تصوغ الشخصيَّة حسبما ترتضيها الدَّولة.
والجدير بالذكر، فإن مسألة الانتماء القومي هذه أمست إحدى جوانب المشكل السُّوداني، الذي اصطلح عليها السُّودانيون اسم الهُويَّة. وقد قتل الدكتور الباقر العفيف مختار هذا الموضع بحثاً، فنوصي القراء أن يطلبوه ويقرأوه.  درس الدكتور مختار هذه المسألة الشائكة بعق منفتح وغطى جوانبها التأريخية - بما فيها من إرث تجارة الرِّق في السُّودان - والاجتماعية والسياسيَّة، والنفسيةَّ مستخدماً منهج بحثي علمي في غاية الأهمية وفيه شئ من المجهود كثير.  ومن خلال تتبعنا الأحداث السياسيَّة في الشرق الأوسط، علمنا - علم اليقين - أنَّ العرب ينظرون إلى السُّودان بصفتهم فئة وسطى بين الأفريقية والعروبة، في بعض الحالات، أو أفارقة لا غير، في حالات أخرى، ومن ثَمَّ اعتمد عليهم العرب في حل خصوماتهم وفض نزاعاتهم.  ويبدو ذلك جليَّاً في الأمثلة الآتية: فعندما اندلعت الحرب الأهلية في اليمن في الستينيات من القرن الماضي وتورَّطت فيها الحكومة المصرية والمملكة العربيَّة السَّعوديَّة، لم يجد الرئيس المصري - جمال عبدالناصر - والعاهل السَّعودي - الملك فيصل - غير وزير خارجيَّة السُّودان، محمد أحمد محجوب، لإصلاح ذات البين والتوفيق فيما شجر بينهما، وقد بذل المحجوب جل وقته محاولاً التوفيق بين الأشقَّاء العرب في الوقت الذي كان فيه جنوب السُّودان يشتعل حرباً أهلية ضارية. وقد شهدنا أنَّ العرب يمَّموا وجوهم شطر الخرطوم العام 1967 م لعقد مؤتمرهم الشهير "بمؤتمر اللاءات الثلاثة" للتنديد بالعدوان الإسرائيلي على الدول العربيَّة المجاورة لها.  وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي - كذلك - أوفد زعماء الدول العربيَّة المجتمعون في القاهرة الرئيس السُّوداني الأسبق جعفر محمد نميري إلى الأردن لإحضار رئيس منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة - ياسر عرفات - إلى القاهرة لمصالحته مع العاهل الأردني - الملك حسين - بعد الأحداث الدمويَّة التي جرت بين المنظمة والمملكة الأردنيَّة الهاشميَّة.  وفي تلك الأثناء استفاد العرب من تهور وطيش نميري الذي كان في ذلك الزمان غريراً أرعناً، ومعيناً من طاقة لا ينضب، وإلاَّ ماذا يعني إيفاد رئيس دولة إلى دار حرب وسط دوي المدافع وأصوات الرصاص لاستصحاب أحد طرفي النزاع إلى طاولة المصالحة؟ وقد طلعت علينا الصحف السُّودانيَّة حينئذٍ بالعنوان البارز التالي: نجا الرئيس نميري من إطلاق النَّار بالأردن!  إذاً، هل الشخصيَّة السُّودانيَّة في شمال السُّودان مأزومة أم لا؟
إنَّ الشخصيَّة السُّودانيَّة في شمال السُّودان السياسي تعاني من "ازدواجيَّة الضمير" (Double consciousness).  إذ أنَّ هذه الازدواجيَّة تجعله ينظر إلى نفسه من خلال عيون عنصر آخر - وهو العربي.  وتشتمل هذه الازدواجيَّة على أنَّه شخصين متباينين، وروحين منقسمتين، وفكرتين متنازعتين في جسد واحد ذي بشرة سوداء.  وكما قلنا - سلفاً - فقد ساعدت الدَّولة في ابتناء هذه السياسة منذ عهد السلطنة الزرقاء في سنِّار العام 1405 م، وكذلك تحت السيادة الأجنبيَّة، حيث رُجِّحت العروبة كأداة سياسيَّة عسكريَّة لاستمرار الدَّولة وديمومتها.  ومما لا ريب فيه أنَّ "التركيَّة رجَّحت كفة العروبة عندما قرَّرت البحث عن رقيق قادر على حمل السلاح دون مقابل أو أجر، وفي تلك المرحلة بدت العروبة كما لو أنَّها المقابل للعبوديَّة اجتماعيَّاً واقتصاديَّاً وثقافيَّاً، فأضحت العروبة خطاً سياسيَّاً انتقائيَّاً للتعبير عن الحريَّة التي يتمتَّع بها أفراد لم يخضعوا لضرورات عبوديَّة الدولة".  وقد عزَّزت الإدارة البريطانيَّة-المصريَّة هذه الفكرة (1898 - 1956 م)، وسار على نهجهم دعاة الاستقلال وقادة الحكم الوطني إلى يومنا هذا.
فقبل أن يصبح رئيساً للوزراء في السُّودان في العام 1986 م، طاف السيد الصادق المهدي في دول شرق أفريقيا، وعندها وقف معلناً على الملأ - الذين اجتمعوا حوله - أن فشل الإسلام في جنوب السُّودان يعد إخفاقاً من قبل السودانيين المسلمين منهم، لأنَّهم لم يستطيعوا حمل راية الإسلام إلى العالميَّة.  وأضاف الصَّادق قائلاً: "إنَّ للإسلام بعثة مقدَّسة في أفريقيا، ويُعتبر جنوب السُّودان نقطة انطلاق لتلكم البعثة".  هذا ما ردَّده الدكتور غازي صلاح الدين العتباني حينما كان يترأس أحد وفود حكومة "الإنقاذ" في مباحثات السَّلام بين الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في نيروبي - حاضرة كينيا - مما أدهش رؤساء الإيقاد، الذين هم أفارقة، كما أنَّهم كلهم نصارى أجمعين أبتعين.  هذا هو حال السُّودان بما فيه من عصر الحكم الغشيم، والفتنة السياسيَّة، والتطرف الفكري، وأخذ الناس بالغيبة المكفوفة والرغبة الجامحة في تصدير القلاقل والتوتُّر إلى كل مكان قريب أو بعيد.  إنَّ اختلاف الآراء وتنازع المصالح ينشآن من عدة تناقضات؛ هذه التناقضات تتولَّد من حقائق جغرافيَّة واجتماعية، وقد تتكوَّن بأسباب دينيَّة، وتأريخيَّة واقتصاديَّة، وسياسيَّة، ونفسيَّة. وقد وجدنا كل هذه التناقضات في شخصيَّة الصَّادق المهدي وكان هو أحد المساهمين في تدمير هذا البلد غير الأمين.  إذ أنَّ الشخصيَّة القوميَّة تعني مجموع القيم والأنماط النفسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة، التي تتميَّز بها الأمة عن غيرها من الأمم.  عليه نجد أنَّه من العسير جداً أن نجد شخصيَّة سودانيَّة تحمل في أحشائها هذه المكوِّنات لكيما يلتف حولها الناس، وذلك نسبة للتعدُّد الدِّيني، والثقافي، والعرقي الذي يتصف به السُّودان.
سواءُ علينا إن شئنا أم أبينا فالسُّودان اليوم سقيم ومرضه يكمن في مخلفات تأريخ الرق، التي باتت تنتج نفسها بصورة مستبطنة تظهر نتائجها النتنة في التهميش الاقتصادي والاقصاء الثقافي وحرمان التمثيل المتكافئ في السلطة المركزيَّة وغيرها.  إنَّ السلطة السياسيَّة والاقتصاديةَّ والعسكريَّة، بهذه القسمة الضِّيزي، مكثت في أيدي أقليَّة محتكرة من شمال السُّودان النيلي (Riverain North) ردحاً من الزمان حتَّى أزرى بهم الدَّهر.  وهكذا استحوزت هذه الفئة على كل شئ على حساب الأغلبيَّة المهمَّشة.  إنَّها تتحكم في الاقتصاد، وتصدر القرارات رُخاء في الاستثمار والأجور وفي الشأنين القومي والعالمي، وتتربَّع على الجَّيش، وتسيطر على وسائل الإعلام والتَّعليم والحياة العامة.  وتسمَّى هذه الظاهرة الاحتكاريَّة للسُّلطة لدي علماء الاجتماع بمفهوم المحصلة الثابتة في السُّلطة (A constant-sum concept of power)، حيث تتركز المصالح الذاتيَّة في أيدي نفر من قابضي السُّلطان الذين هم في صراع دؤوب مع رعاياهم.  وهم على ما يفعلون - أو قل فيما يفعلون إن شئت - يؤثرون على أنفسهم دون أن تكون لهم شمائل خاصة أو صفات نفسيَّة تميِّزهم عن عامة النَّاس. وما نقول إلاَّ ما شهدنا.  ذلك مرض تم تشخيصه منذ زمان ليس بقصير، والذي يرفض رفضاً باتاً صرف الدواء هم أولئك الصفوة الحاكمة، لما في أنفسهم من ضغينة كثير توهماً بأن الوضع الجديد قد يذهب بكل ما استحصدوه من مال وجاه. وداء عضال أخر استفحل في هذا البلد هو التطرف الديني لدين واحد بعينه - الإسلام.  وقد ذهب غيري - ممن لهم بسطة في العلم والقلم - في التحليل لهذه الظاهرة مذاهب شتى، مما يغنينا عن الخوض فيه أكثر من ذلك، وقديماً قالوا: لا يُفتى ومالك في المدينة.
وقد حمل الغلواء في المسائل التعبديَّة دولة أفريقيَّة أخرى - ألا وهي نيجيريا - إلى تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في بعض الولايات دون مراعاة حقوق مواطنيها غير المسلمين.  وكانت نتيجة هذا الطيش إزهاق أرواح بريئة في أعمال عنف احتجاجيَّة بين  صفوف المواطنين في الوطن الواحد.  غير أنَّ الشيخ إبراهيم ذكذاكي - أحد علماء الإسلام في نيجيريا - كان له رأياً مخالفاً لما وقع فيه الولاة النيجيريون أصحاب الغلو في الدِّين.  كان يجادل الشيخ ذكذاكي بأنَّ تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في دولة نظامها غير إسلامي سوف يجعل من الدِّين أداة لقهر المواطنين البسطاء، بينما يبقى الحكام والولاة فوق القانون.  وهذا ما يحدث في سودان البشير اليوم، كما حدث في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في الثمانينيات حينما أصبحت الشريعة الإسلاميَّة سوط عذاب مسلطاً على الفقراء والمساكين والخصوم السياسيين، وكان القاسم المشترك في كلا النظامين هو الدكتور حسن عبدالله التُّرابي.  كان حرياً بدعاة الإسلام السياسي في السُّودان أن يتركوا أمر انتشار الإسلام في المجتمع السُّوداني وماوراء حدود السُّودان أن ينساب بصورة تلقائيَّة وأن يأخذ منحى طبيعيَّاً لا حد السيف والتصريحات الهوجاء، كما شهدنا، لأنَّ الله قادر على حماية هذه الدعوة، وفعَّال لما يريد.  حيث أنَّ حركة تفاعل المجتمع كفيلة بتحديد مدى سرعة أو بطء حركة التغيير، كما حدث في بعض مجتمعات شمال وغرب السُّودان أثناء حقب تأريخيَّة مختلفة.  إنَّ محاولة تغيير أسلوب حياة الناس بالقوة قد يولد قوة مضادة ربما تكون أكثر عنفاً واقتداراً.  فكل شئ يحمل في صميمه جرثومة نقيضة، ويخوض المعركة مع النَّقيض، ويتطوَّر طبقاً لطبيعة الصراع.
ومما لا جدال فيه أنَّ لكل مجتمع محاسن ومآخذ.  وإنَّ هذه المحاسن والمآخذ مغروسة في نفوس الناس بواسطة الأسرة والتربية والعقيدة والبيئة والمفاهيم الاجتماعية.  فلا يعني هذا أنَّ الدين - كائناً ما كان - يمكن أن يكون مستودع المساوئ دون اعتبار العوامل الأُخر المذكورة أعلاه.  فتجارب الأمم وقصص الأولين والآخرين فيها تخابير مستفيضة في حق شخوص ناصروا أدياناً غير ذلك الذي يدينون له امتناناً على أصحاب الحق ورأفة بهم.  وفي هذا الصدد يقول فولتير (1694 - 1778 م): إنَّني لا أوافقك فيما تزعم، لكنَّني على استعداد للدفاع عن حقك - حتَّى الموت - في القول عما ترغب الإفصاع عنه (I disapprove of what you say, but I will defend to the death your right to say it) .  ففي السُّودان شرع المسلمون في بناء مسجد أم درمان الكبير، ثم انقطعت بهم النفقة، وظلَّ المسجد دون سقف، حتِّى مر بالمسجد شاعر مسيحي، أوجعه أن يعجز المسلمون عن إكمال مسجدهم، فأطلق قصيدة يعزِّي ويكفكف دموعه.  والقصيدة أطلقت دموع المسلمين فأكملوا مسجدهم.
ومثلما ألهب الشاعر السُّوداني المسيحي مشاعر المسلمين وأتموا بناء مسجدهم، انقذ الخليفة عمر بن الخطاب أضخم كنيسة عند النَّصارى- كنيسة القيامة - لتبقى في أيدي النَّصارى، ولا تذهب للمسلمين بعد أن أوشك النِّصارى أن يضيِّعوها.  وحينما زار القدس ومضى في جولة يتفقد أحوال مواطنيه، أدركته الصلاة وهو يزور كنيسة القيامة هذه.  فلما طلب منه القسيسون أن يصلِّى الظهر مكانه داخل الكنيسة رفض، وكان تبريره للرفض هو أنَّه إذا صلَّى فيها لا يمضي طويل زمان حتَّى يغلبكم عليها المسلمون، وهم يقولون: "صلَّى عمر هنا" ويجعلونها مسجداً.  وصلَّى عمر خارج الكنيسة، ولم يمض طويل زمان حتَّى أقام الناس مسجداً حيث صلَّى عمر وهو "مسجد عمر اليوم في فلسطين".  اعتبر عمر الخليفة كنيسة المسيحيين أمانة في عنق الدولة تحفظها الدَّولة المسلمة لأصحابها حتَّى إن فرَّط فيها أصحابها.  ويقوم تعامل الأديان بين الناس بمقدار "شخصيَّة أولي الأمر منهم" ومدى إيمانهم بالعدل والمساواة.  والخليفة العبَّاسي جلد طبيبه النَّصراني مائة جلدة لما قام الطبيب النَّصراني هذا بالبصق على رسم يمثِّل السيدة مريم العذراء. كان لعمر بن الخطاب رؤية، وذلك لدرايته بطبائع أهله المسلمين، الذين قد يستبد بهم الأمر ويحطِّمون الكنيسة لكي يبنوا محلها مسجداً.  ولنا فيما  جرى في الهند في التسعينيات عبرة حين هب الهندوز وثبة رجل واحد وهدُّوا مسجد أيودا ليشيِّدوا على أطلالها معبداً للإله رام، وقد زعموا أن المسجد - الذي كان يصلي فيه المسلمون حتى قبيل تحطيمها - هو في الأساس معبد قديم لهم إستبدله المسلمون المغول الغائرون مسجداً في زمن كانت الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة تمتد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولنا نحن في السُّودان كنيسة دنقلا التي قُلِبت مسجداً.  وقد أسفر عمل الهندوز هذا عن أعمال عنف طائفية راحت ضحيتها آلاف الأرواح.  ومهما يكن من أمر الهندوز والمسلمين في الهند، ففي السودان شهدت كنائس كُثر، لا كنيسة واحدة، تحطيماً مدمِّراً من قبل زبانية  نظام الفريق عمر حسن أحمد البشير في المدائن (الخرطوم بحري) والضواحي والأرياف.  ليس هذا فحسب، بل حُرِّقت مساجد ومصاحف في جبال النُّوبة بواسطة جموع المجاهدين، الذين يُرسلون لإخضاع أهالي هذه المنطقة بقوة السِّلاح، وفيما هم يقومون بذلك الحريق إذ يردِّدون قولتهم: أحرقوا مساجد العبيد!  هؤلاء هم النُّوبة المغلوبين على أمرهم، فلم يكد يحميهم شئ غير انطلاقهم إلى شَعَف الجبال فيتحرَّزون فيها خوفاً من معرِّة الجيش. هذا هو أمر النظام القائم في سبيل إخضاع الشعب على نحو بروكرستيزي (Procrustean).
فلو كان الإكراه بمقدوره أن يأتي بنتائج أيجابيَّة لأفلحت الحكومة النرويجيَّة أن تفرض اللُّغة النرويجيَّة على لابلاند، أي أرض الللاب، الذين يسمون أنفسهم ال(سامي)، وقد فشلت من قبل محاولات السُّلطة في إدخالهم في المسيحيَّة، وفضَّلوا البقاء على ديانتهم القديمة، التي تقوم على عبادة الطبيعة، وأهم آلهتم الشمس والقمر، وعندهم إله للرعد، وإله للعواصف، وإله للخصب وغير ذلك.  وفي القرن السابع عشر، حاول ملك النرويج، الملك كرستيان الرَّابع، أن يدخلهم في المسيحيَّة قسراً، ففرض عقوبة الإعدام على كل فرد منهم لا يعتنق المسيحيَّة، وأقام لهم كنيسة، فلم يجد ذلك نفعاً إلاَّ في حدود ضيِّقة.  وأخيراً اضطرَّت الحكومة أن تعترف بلغة ال(سامي) وثقافتهم، ومنحتهم نوعاً من الاستقلال الذاتي فكونت لهم برلماناً هو بمثابة مجلس استشاري، كما باتت تأخذ بمطالبهم وأعرافهم ومعتقداتهم بعين الاعتبار.
إذاً، أين يقبع منبع ثقافة الاستعلاء العرقي هذه الذي ينتهجها الصفوة الحاكمة في السُّودان ودول أخرى في مناطق التماس العربي-الأفريقي؟  لا يساورنا أدنى شك - كما أشرنا سلفاً - أن جذور هذا السلوك غير السوي تعود إلى عصر تجارة الرِّق، وإن كان ذلك العصر لم يزل ماثلاً للعيان بصورة مباشرة وغير مباشرة.  وعلى الرَّغم من أنَّ التجارة بالبشر قد أُلغيت في العالم منذ زمن سحيق، إلاَّ أننا نجد دولة موريتانيا قد أقدمت على إلغائها في العام 1980 م، ولم يستطع هذا الإلغاء الرسمي الاسمي من وقف ممارستها في المجتمع الموريتاني حتى يومنا هذا، حيث لا يزال هنالك 40% من الحراتين - الرقيق المعتوق أو أحفادهم - من جملة سكان موريتانيا البالغ تعدادهم 2 مليون نسمة. وإنَّ كل المستعبدين من أصول زنجيَّة في الجنوب، والذين يقومون بالاسترقاق هم البيضان من شمال موريتانيا.  بيد أنَّ بعضاً من البيضان لهم بشرة سوداء نتيجة تزاوجهم أو اتخاذهم نساء زنجيات - من جملة العبيد الذين يملكونهم - أزواجاً لهم، وما صفة البيضان التي رانت على قلوبهم إلاَّ حالة نفسية.  وهناك اعتقاد شعبي شائع غرزه البيضان في عقول العبدان أنَّ الطاعة تؤدِّي بصاحبها إلى جنات الفردوس نًزلاً، أما المعصية فمؤداها جهنَّم خالدين فيها أبداً.  وهنا تأتي تسخير الدِّين أداة رائسة للسيطرة الأبديَّة على إثنية اجتماعية.  ومن يفعلون ذلك، فإنَّهم على وجه اليقين أشرار.  ومهما يكن من الأمر، فالحريَّة أغلى شئ في الوجود، ولذلك حرصت القوانين والأعراف على تأكيدها وصيانتها.  ويُحكى أنَّه حدث أن تنازع أثنان طفلاً، وكان أحدهما مسلماً والآخر ذميَّا، وادَّعى المسلم أنَّ الطفل ملك له (أي عبد أو رقيق)، بينما ادَّعى الذمي أنَّه ابن له، فحُكِم لصالح الذمي، لأنَّ تنشئة الطفل على الحرية وإن كان على غير دين الإسلام أفضل من تنشئته على العبوديَّة وإن كان على الإسلام.  إذ أنَّ حرية المرء وكرامته ترتبطان بانسانيته، فتسبقان دينه وتتقدمان عليه، فالحريَّة في غير الإسلام أفضل من العبوديَّة في الإسلام.
ثم ندلف إلى تأريخ السُّودان بماضيه المأساوي.  فها هو أحد منظِّري الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة في السُّودان، الدكتور حسن مكي، يطل علينا باستعراض لكتاب "النيل الأبيض (The White Nile)" لمؤلفه ألان مورهيد (Alan Morehead).  وقد كتب الدكتور حين خلا إلى نفسه: "أنَّ الرحالة والتجار العرب مثل أحمد بن إبراهيم الملقب بتيبوتيب - ويعني اللَّقب الرجل صاحب الرموش المتحركة سريعاً لعيب في عينيه - هم الذين قادوا الرحالة الغربيين".  وإنَّه لمن المعلوم أنَّ تيبوتيب هذا لم يكن برحالة، إنَّما تاجر رقيق كان ثمَّ متخصصاً في بيع الأفارقة في أسواق النخاسة.  وأضاف حسن مكي قائلاً: "إنَّ أحمد بن إبراهيم قريب الشبه بالزبير باشا رحمة، حيث استطاع تأسيس نفوذ ضخم في قلب الأقاليم الإستوائيَّة، إلاَّ أنَّه لم يصنع دولة كما فعل الزبير باشا رحمة، والذي يلفت الانتباه إلى هؤلاء الأبطال العرب في وسط أفريقيا الإستوائيَّة أنَّهم استطاعوا بمفردهم تقريباً إنشاء سلطنات ودول من خلال تحبيب سكان هذه المناطق فيهم ووضع ثقتهم وولائهم كذلك، والدليل على ذلك أنَّ الزبير باشا رحمة استطاع أن يقود جيشاً ضخماً من الاستوائيين ويحارب بهم أقدم سلطنة في المنطقة وهي سلطنة الفور". واستطر حسن مكي: "إنَّ إخلاص قبائل جنوب (السُّودان) في القتال ومسيرتها الطويلة خارج حدودها الجغرافيَّة في أجواء صحراويَّة لم تتعوَّد عليها لا يمكن أن يأتي بدافع القهر والخوف". وفيما ذكر حسن مكي أنَّ "التأريخ يحفل بصور الرقيق الحقيقي الذي امتلك القوة المادية في مرحلة من المراحل فانقلب على ساداته ومزَّقهم شر ممزَّق"، بيد أنَّ التأريخ حفي - كذلك - بسِيَر العبيد الذين اُستُعبِدوا حتى باتوا مخلصين لأسيادهم أي إخلاص، ولم يكن يملكون من أمرهم رشداً، فقاتلوا وماتوا في سبيلهم، وهذا ما كان من أمر أهل الجنوب الذين أذلَّهم وغواهم الزبير باشا رحمة، تاجر رقيق بالمهنة كما اعترف هو بذلك حين كان يروي سيرته الذاتيَّة في منفاه بجبل طارق للصحفيَّة البريطانيَّة فلورا شو في سلسلة مقالات نشرتها بمجلة مراجعات معاصرة (Contemporary Review) العام 1887 م.  إذاً، من العبث بمكان أن يحاول حسن مكي أن يسبغ الزبير بصورة ناصعة غير التي هو كان عليها.  كما علينا أن نذكِّر الدكتور - وإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين - أنَّ علماء الإجتماع غالباً ما يميِّزون بين نوعين من السلطان: سلطة تفويضيَّة (Authority) أو إكراه وإجبار(Coercion) .  فلم نجد من الوثائق ما تدلُّ أنَّ أهل الجنوب فوَّضوا الزبير باشا رحمة ليكون سلطاناً عليهم، غير أنَّه أفلح في تزويد الأترك-المصريين بالعبيد حتى أجازوه بلقب الباشا، وهو أرفع لقب بعد الخديويَّة. حقَّاً، إنَّ كتب التأريخ حُبلى بقصص الأرقاء الذين ثاروا وانتفضوا ضد جلاديهم، ودونكم وكتاب السكرتير العام للحزب الشيوعي السُّوداني، محمد إبراهيم نقد، في "علاقات الرِّق في المجتمع السُّوداني"، غير أنَّنا نعيب على الكاتب، محمد إبراهيم نقد، أنَّه لم يذكر في الكتاب شيئاً عن تجارة الرِّق في شرق أفريقيا، الذي كان رائجاً للتجار العرب من مسقط وعمان بعدما خاض واستفاض في الحديث عن هذه التجارة في غرب أفريقيا، الذي كان مستودعاً لتجار العالم الغربي.
وعندما يكتب حسن مكي "أنَّ أثينا القديمة (...) استذلوا مجموعات كاملة من البشير (لعلَّه يعني البشر وليس البشير الذي يعرفه السُّودانيون) وجلهم من الأفريقانيين، انقلبوا على سادتهم الأوربيين وكوَّنوا جيشاً ضخماً خرَّب المدن اليونانيَّة القديمة، وحطَّم حضارتها إلى الأبد".  وقد إلتهمنا أسفار الأولين والآخرين إلتهاماً فلم نعثر على هذه الفرية، التي تقول إنَّ أغلب الأرقاء عند الإغريق كانوا أفارقة، ولم نهتدي إلى ذلك سبيلاً، وليت حسناً قد ذكر المصدر للاستوثاق واستجلاء الحقيقة. أما إذا أراد كاتبنا أن يستغفلنا بأن تجارة النخاسة كانت مقصورة على الأوربيين دون العرب، كما يردِّد ذلك أخرون، فهذا قول مردود.
وحين يسترسل حسن مكي في القول أن ألان مورهيد في تأليفه "النيل الأبيض"، حاول "أن يسمِّم العلاقة المستقبليَّة بين العرب والأفارقة بحديثه عن تجارة الرقيق، وكيف أنَّ العرب الأشرار دمَّروا كل صور الحياة هناك بفعل شراهتهم للرقيق، وكيف أنَّهم مارسوا القسوة المتناهية مع السكان المحليين (...)"، نجد أنَّه لم يكن حصيفاً وكان للحقيقة متجاوزاً، لأنَّ التَّسميم - في حقيقة الأمر - هو الإتيان بهذه الأعمال المنكرة التي تقشعر منه الأبدان ويشيب عنها الولدان دون الاعتذار عنها وطلب العفو والمغفرة والصفح، وليس تذكير الناس بالتأريخ المأساوي على حقيقته وعلاته، الذي أقدم عليه العرب وفعلوه شر فعلة، من التسَّسميم من شئ.  ومن واجبنا تذكير الشَّعب السُّوداني بهذه الحقائق الدَّامغة - الغابرة والمعاصرة معاً - وخاصة تلك التي لا تعرف عنها الأجيال المعاصرة إلاَّ لماماً.  وإذا اعتبرنا ما حدث كان من ماضٍ استعماري يشوبه الكثير من الشوائب القميئة - كما يحلو لبعض السُّودانيين النأي بالحديث عن الرِّق وتعليق كل شئ على الاستعمار، قميص عثمان - غير أنَّ الحرب الأهليَّة التي تدور رحاها اليوم في السُّودان أفرزت تجارة الرِّق مرة أخرى، وكان أصحابها تجار عرب سودانيين.  ولعلَّ من نافلة القول أن نذكر أنَّ وصف حسن مكي لشخصي الزبير باشا رحمة وتيبوتيب "بالأبطال العرب في وسط أفريقيا الإستوائيَّة" ونعته لتيبوتيب "بالمجاهد الإمام الأثيوبي المسلم أحمد بن إبراهيم" لهو إساءة بليغة للأفارقة، وإنَّ حسناً هذا قد أخذته العزة بالإثم.
في الحق، لا نكاد نصدق من يزعم لنا أنَّه يضع تأريخ السُّوداني السياسي بالمعنى الصحيح لكلمة التأريخ.  إنَّ لفظ التأريخ نستعمله نحن الآن فيما يستعمل فيه الأجانب لفظ (Histoire).  وأصل هذه الكلمة الوصف، كما فهمه أرسطاطاليس عندما كتب تأريخ الحيوان.  ومن أراد أن يصف شيئاً من الأشياء - أو يدوِّن حدثاً تأريخيَّاً - وصفاً علميَّاً فنيَّاً صادقاً يعطيك صورة مشابهة أو مقاربة، فلا بد من العلم بما يصف.  وما رأيك فيمن يصف ما يجهل؟  هو إما كاذب أو صاحب خيال.  والحق أنَّ كثرة الذين يكتبون في تأريخ السُّودان من السُّودانيين يكذبون ويتخيَّلون. فليس بين أولئك وهؤلاء الذين يتهالكون على تدوين تأريخ السُّودان، ويتنافسون فيه، ويحتكرون تعليمه والكتابة فيه من له فهم أو فقه في درس التأريخ والنقد التحليلي، وهم - بعد ذلك - ذوي نوايا سيئة وأصحاب غلو في العقيدة والعرق، فغلوا في تحقير غيرهم وإصغارهم، فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضاً.  وهل فعل الدكتور حسن مكي غير هذا؟
ومثلما اعتذر الغرب عن تجارة الرق واعتذروا - أيضاً - عن دورهم في الحروب الصليبيَّة، وقالوا لا تؤاخذوننا بما فعل أجدادنا الغابرين، كنا نتمنَّى أن يعتذر العرب عن دورهم الرائس في هذه التجارة غير الإنسانيَّة، وأقصد بالتَّمني الذين امتهن ذويهم هذه الصنعة، حيث ما زال أحفادهم - وهم كُثر - يصولون ويجولون.  فبدلاً أن يتواروا خجلاً عما فعل أنسابهم، أخذوا يؤلفون الكتب، وهم فيها يمجِّدون أفعالهم ويصفونهم بالأبطال، ويمكرون مكراً كُبَّاراً. ونذكر، على سبيل المثال، خليفة عباس العبيد وهو يقول في نسبه الزبير باشا رحمة:
سموك الزبير فارساً تشد الحيل
سموك الزبير فارساً تصد الخيل
سموك الزبير صالحاً تقيم الليل
سموك الزبير بتغير هوية ليل
لقد كان موقف السكرتير العام للحزب الشيوعي السُّوداني، عبدالخالق محجوب، مشهوداً حين وقف في مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم العام 1965 م معتذراً لأهل الجنوب، حيث قال - فيما قال: "نعم، نحن أحفاد الزبير باشا رحمة، تاجر الرقيق، غير أنَّنا نطلب العفو ونرجو المغفرة، بل نود أن نفتح صفحة جديدة من العلائق التصالحيَّة بين أهل الشمال والجنوب من أجل السُّودان الواحد".  ومن ثَمَّ ذهب إلى أهله (أهل الشمال)، فتشاوروا فيما بينهم، حتى أجمعوا على أمرهم، وجاءوا بالدكتور حسن عبدالله التُّرابي - زعيم جبهة الميثاق الإسلامي - ناطقاً رسميَّاً باسم أحزاب الشمال (يمينيَّة ويساريَّة وقوميَّة عربيَّة) ضد أهل الجنوب.  تُرى ماذا قال الدكتور التُّرابي عن "واقعة المائدة المستديرة" هذه لاحقاً؟  ذكر الترابي في التسعينيات في إحدى الدوريات العربيَّة التي تصدر في لندن أنَّ أحزاب الشمال - باستثناء جبهة الميثاق الإسلامي - لم تكن تملك مبادرة سياسيَّة لحل ما كانت تسمى - وما زالت تسمى خطأً - "بمشكلة الجنوب".  أما جبهته، والحديث للدكتور التُّرابي، فكانت لديها مبادرة مستوحاة من عهد (ميثاق) الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة.  إنَّ في هذا القول إساءة - في حق مواطنين وُجِدوا في البلاد قبل دخول العرب إلى السُّودان - لهو أوجع من لدغة الحية الرقطاء.  هذه الأقوال هي التي تعكِّر العلاقات بين أهل الشمال والجنوب، مما يصعب معها حل المشكل السُّوداني.
وتجدر الإشارة هنا إلى أمر الأدباء في العالم الغربي لما في الأمر من صلة بمسألة الرِّق.  فخلال حقب تأريخيَّة خلت ظلَّ بعض الكتاب المشاهير يكرِّسون جهدهم لظاهرة الاستعلاء العرقي، وذلك في منتدياتهم الأدبية وتأليفاتهم المتعدِّدة كما يفعل الدكتور حسن مكي حاضراً في الخرطوم.  فحين تمرَّد العبيد السُّود في خليج مورانت على الساحل الشرقي في جزيرة جامايكا - المستعمرة البريطانيَّة يومئذٍ - العام 1865 م، فرض الحاكم الإستعماري، آير، قوانين عرفيَّة، وللتو أعدم 450 متمرِّداً من العبيد، وجلد 600 رجلاً وإمرأة، وحرق 1000 منزلاً. ثم أخذ جمهور الأدباء في بريطانيا يتجادلون فيما بينهم في أمر الزُّنوج.  فمنهم من اعتقد، باطلاً، أنَّ السُّود ليسوا كمثل البيض، ولا ينبغي معاملتهم على السواء.  وقد ذهب في هذا المنحى توماس كارلايل في مقالة مناسبيَّة في مسألة الزُّنوج، وكتب - فيما كتب - أنَّهم جنس آخر محصور في بشرتهم السَّوداء وفي دونيتهم.  وسار على نهج كارلايل كل من تي إتش هوكسلي، وشارليس داروين (صاحب نظريَّة التطور)، وشارليس لايل، وجون روسكين، وشارليس تينيسون.  غير أنَّهم أبدوا قلقهم على الشرعيَّة لا الجنس البشري الآخر، فرأوا أنَّ رعايا بريطانيين (بحكم الاستعمار) قد حُرموا من حكم القانون، فالمشكل يكمن في القانون العرفي (الذي استنه الحاكم آير)، كما كتب هوكسلي، وليس هو بمحبٍ للزُّنوج.  وأضاف تينيسون أنَّ هناك فوارق فطريَّة (بين السُّود والبيض)، ونزعات وراثيَّة التي تتجاوز التربية، وأردف أنَّه ليس بمالكٍ للعبيد من القلب، لكنه لا يحب الزُّنوج.  وفي هذا الجدل الأدبي المقيت، انبرى شارليس ديكينز - من أعظم كُتَّاب الرواية التي كانت تعالج المشاكل الاجتماعيَّة في العهد الفيكتوري في بريطانيا - حاملاً رأياً متأرجحاً بين الإساءة وتأييد وضعية العبيد، وعلى وجه التخصيص إبَّان الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة.  ففي كتابه "مذكرات أمريكيَّة (American Notes)"، صنَّف ديكينز ملاك العبيد في أمريكا إلى قسمين: المعتدلين العقلانيين أصحاب الماشية البشريَّة، والقسم الآخر الذين لهم حق استمراريَّة مؤسسة الرِّق، بما فيها من الجلد والسخرة والتعذيب، دون أن تستوقفهم سلطة بشرية.
أما كرام الكاتبين الفرنسيين، مثل كادمي-كوهين، مؤلف "المقت الأمريكي (The American Abomination)"، وأندريه سيجفريد، وأندريه تارديو، وجرجس دوهاميل فلم يكتفوا بتصويب سهامهم على "الوحش الأمريكي" بعد أن توجَّسوا خيفة منه بما امتلك من القوَّة الاقتصاديَّة والعسكريَّة والنفوذ الاجتماعي والثقافي، وبات يشكل خطراً ماثلاً على الحضارة الأوربيَّة. بل طفق هؤلاء الكُتَّاب يضربون على الحلقة الضعيفة في صراع العمالقة - أي الزُّنوج الأرقاء الذين لا حول ولا قوة لهم.  فهاجم دوهاميل الأفلام الأمريكيَّة مدعياً أنَّها أداة رائسة لمضيعة وقت العبيد، وعنصر تسلية للأمي، والمخلوقات الفقيرة التي تخدَّرت بالعمل والقلق؛ إنَّها - أي الأفلام الأمريكيَّة - حصان طروادة لأمركنة (Americanise) العالم.  ووسط هذه الحملة الشعواء على الزُّنوج الأرقاء وقف جون ستوارت ميل، بعد وفاة وليام نيب العام 1845 م، لنصرة الزُّنوج العبدان من براثن طغيان البيضان.  مما مضى من جدال يبرز السؤال التَّالي: هل نأخذ العرق كمبتدأ لفهم العالم من خلال التجارب الفرديَّة أم نجعله منشوراً زجاجياً حيث من خلاله يمكن النظر إلى العالم وفهمه؟ ويقودنا هذا السؤال إلى التحكيم بين الناس عما يفعلون وليس يمعايير الأعراق البشريَّة.  وقد تطوَّرت الدول الغربيَّة - في حدود القانون والممارسة العامة عل الأقل - في تجاوز التظلُّمات بسبب التفرقة العنصريَّة في تشريع قانون الحقوق في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة(The Bill of Rights) ، وتطبيق سياسة تساوي الفرص في بريطانيا(Equal Opportunities Policy) ، وعلينا - نحن معشر السُّودانيين - أن نحذوا حذوهم.
وعلى صعيد آخر نذكر في الكتاب أديباً ذاع صيته في الأمصار وفي دول ما وراء البحار، ذلكم هو الطيَّب صالح. وإذ نقول ذلك وبين أيدينا روايته "موسم الهجرة إلى الشمال". وقد فكَّرنا مليَّاً علام أقبل العرب على روايات الطيب صالح يبجِّلونها تبجيلاً، وقادنا التفكير إلى وجود وجه الشبه بين ما تحويه روايته المذكورة من قصص جنسيَّة خليعة والأدب العربي المتمثل في "أخبار النساء" لإبن عبد ربه، و"أخبار النساء" لابن قيم الجوزية، و"أخبار النساء" لأبي الفرج الأصفهاني.  وفي هذا الشأن أكتفي بإيراد هذا التعليق الذي عثرنا عليه في "آخر ورقة" في الكتاب، الذي اكتفي المعلِّق بذكر اسمه على النحو التالي: د. قاسم (؟). فماذا دون الدكتورقاسم؟ قال الدكتور إنَّ هذا العمل "تبديد... تبديد... وثم تبديد لطاقات كامنة كان من الأولى أن تتحوَّل إلى شئ مفيد.  الكتاب عبارة عن خيالات شيطانيَّة وهيهات فهيهات خُلقت للتسلية اللَّحظيَّة التي تختفي بسرعة البرق كما التمتع بها، هذا إذا حدث!!!  وأكيد يتم حدوثه لرواد وعاشقين أمثال هذه الروايات.  أين الرسالة ومعالجة الموضوع يا صالح، الذي بدأت به القصة بعد انتظار على الجمر "سبع سنوات" من عودته؟؟؟  انتظار البلد الفقير لأدنى المجاهدة بمساندة العلم الذي جناه مقابل احتراق شمعات شبابه... هل أتى ليُنفِّر الخلق من صحرائهم الظامئة التي تحيط بهم؟ أم البؤس الذي استنكره في وضعه؟ أم كان هذا تقرباً لهم بالخمر وندمائه لقتل الوقت... دعايات بارعة مستمدة من إعلام غربي فاشل، ما أبشع الصور هي عندما تخلى عن كينونته الدينيَّة والعربيَّة بحرق المخطوط العربي والمصلاة... يا بئس ما ساوم به تلك (...) وكشف عن ضعف بدين في أحشائه، يا لهزيمة الرجل المتعلم، المسلم، العربي، الأفريقي الراشد.  كان من باب أولى أن يهدف إلى إكمال القصة بعكس انتصارات فكريَّة، علمية تجوب عطاءاً لطين البلد الذي نشأ منه، لكن هذه هو جزاء السُّودان في النهاية.  كان يمكنه أن يبني حلقة وصل مع محجوب لإتمام بناء مشروع زراعي، مستشفى، مدارس... إلخ.  لكنه هرب بخياله الشَّارد تحت وطأة التأثُّر بالانجليز ولم يفد أو يغذي عقلنا بشئ من حضارة الغرب التكنولوجيَّة.  الغرب يتألَّق يوماً بعد يوم، ونحن نخضع إن دلَّ هذا على شئ، إنَّما يدلُّ على التقاعد ومن ثّمَّ استعمار جديد أخطر من الأول (استعمار معنوي)".  فليس بالضرورة أن نتفق مع كل ما أورده الدكتور قاسم لفظاً ومعني، وإن وجدنا قواسم مشتركة بيننا وبينه فيما ذهب إليه تعليقاً على رواية الطيب صالح.
وفي أحدى صفحات الرواية وعلى لسان مصطفى سعيد (عثمان)، تلك الشخصية الأسطوريَّة التي دارت حولها الرواية، يقول الروائي الطيب صالح: "أنا مثل عطيل. عربي أفريقي (...) نعم. هذا أنا. وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة".  ثم يمضي الرَّاوي، الطيب صالح، فيضيف: "كنا واثقين أنَّ مصطفى سعيد سيصير له شأن يذكر.  كان أبوه من العبابدة، القبيلة التي تعيش بين مصر والسُّودان.  إنَّهم الذين هرَّبوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين استعاد فتح السُّودان.  ويقال إنَّ أمه كانت رقيقاً من الجنوب.  من قبائل الزاندي أو الباريا، الله أعلم.  النَّاس الذين ليس لهم أصل، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز".  ويستطرد الطيب صالح: "وقد استخدمته وزارة الخارجيَّة البريطانيَّة في سفارات مريبة في الشرق الأوسط.  وكان من سكرتيري المؤتمر الذي انعقد في لندن سنة 1936 م.  إنَّه الأن مليونير، ويعيش كاللوردات في الريف الإنكليزي".
إنَّ وصف طفولة الطفل الأفريقي بالشر فيه غلواء، وعلمنا دوماً أنَّ الطفولة براءة، وقد يكون هنالك شر حول هذه الطفولة ولا يكون للطفل دوراً فعيلاً في هذا الشر، وقد يكون الشر ناتجاً من عدوان تجار الرقيق فيري الطفل، الذي لم يبلغ الحلم، أبواه  يُقتلان أمامه وإخوته يُقتادون إلى العبوديَّة، وقد لا يراهم منذئذٍ أبداً.  ثم طفق أديبنا يصف قبيلة والد مصطفى سعيد، أي العبابدة، بالخيانة الوطنيَّة لأنَّهم هرَّبوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين غزا السُّودان.  السُّودان - في حد ذاته - ملئ بسودانيين قاموا بدعوة ونصرة الغزاة.  فهناك المك نصر الدين، أحد أفراد العائلة المالكة في الميرفاب في بربر، الذي توسَّل إلى محمد علي باشا، والي الحكومة التركيَّة في مصر، لمساعدته ضد إخوانه الذين نافسوه في السلطة.  كما أنَّ السيد على عثمان الميرغني قد جاء مع كتشنر بصفته ضابطاً سياسيَّاً انتقاماً لما تعرَّضت له طائفته الختميَّة من المهديَّة، وظل يخدم "الاستعمار ودولة الاستكبار" حتى المعاش، وكان له نصيباً معلوماً من خزينة الدولة حيث به استطاع بناء حزبه الطائفي، وتمويل نشاطه الديني السياسي.  أما مسألة الرق في والدة مصطفى سعيد فحدِّث ولا حرج، ويقودنا الحديث إلى إطراح السؤال التَّالي: هل الشخص المستعبد مجرم أم ضحية؟ بالطبع، إنَّه ضحية فلا يمكن ولا يُعقل أن نزيد في عذابه وإيلامه، لأنَّه ليس لديه دور فعول في عمليَّة الاستعباد هذه، وإن نفعل ذلك نكون قد غرسنا طعنة نجلاء في جرح غائر لم يلتئم بعد، أو كما تقول الفرنجة(To add insult to injury)، فلو كان يملك المولى من أمره شيئاً لما اختار أن يكون مملوكاً، حيث أنَّ الحريَّة درة الحياة.  يقودنا هذا الجدال إلى أهل شمال السُّودان، الذين ما فتأوا ينعتون أهل الجنوب والنُّوبة والأنقسنا بالعبيد، متناسين أنَّ سكان أحراش الجنوب وجبال النُّوبة وتلال الأنقسنا هم أحفاد الأجداد الذين وقفوا وقفة رجل واحد ضد حملات الرِّق في عصر بداية توغل العرب إلى أفريقيا، وبلوغ تجارة النخاسة أوجها في العهد التركي-المصري.  أما إخوتنا في شمال السُّودان المستعرب، الذين أسرفوا على أنفسهم ضد السُّودانيين الأفارقة، فهم ذلكم الخليط الهجين من العرب القادمين من حيث أتوا والرقيق المريض، مع العلم بأنَّ الرقيق القوي الشديد كان يتم تصديره إلى الخارج حسبما تشترط "مواصفات ضبط الجودة (Slave quality control)" في أسواق الرِّق العربيَّة والغربيَّة، لأنَّ ظروف الرحلة الطويلة مشياً على الأقدام فضلاً عن حمل الأمتعة والبضائع، وهم موصدين بالسلاسل والشُّعب.  كما أنَّ الأسعار الباهظة للرقيق السليم القوي هي التي أملت شروط هذه الجودة.
ثُمَّ نأتي إلى قول أديبنا الروائي، الطيب صالح، إنَّ "الناس الذين ليس لهم أصل، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز". هذا قولٌ عار من الحقيقة، فقد علمنا علم اليقين أنَّ هؤلاء، الذين وصفهم الكاتب بمن ليس لهم أصل، هم أولئك الناس الذين بحثت في جذورهم الدكتورة اليابانيَّة، يوشيكو كوريتا، وأطلقت عليهم لفظة المنبتين (Detribalised) ، وعلى رأسهم البطل السُّوداني علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ. وقد حدا بهم مغني السُّودان الصدَّاح  الموسيقار محمد وردي: سيذكر التأريخ أبطالاً لنا، عبداللطيف وصحبه وكل من خط على التأريخ سطراً بالدماء، وكل من صاح بوجه الظلم لا.  ولا ريب أن علي عبداللطيف قد واجه المستعمر بصلابة وجسارة، وفي أروع ملحمة نضاليَّة عرفها تأريخ الشعوب والأمم، ولم يتبوأ منصباً سياسيَّاً أيام الإنكليز.
إنَّ فشل الكاتب في مواجهة الصورة العقليَّة، التي يشترك في حملها أفراد أو جماعة وتمثل رأياً مختزلاً إلى حد الإفراط المشوه أو موقفاً عاطفيَّاً من عرق أو قضيَّة، تمثل عين الإخفاق نفسه وفشل الروابة في تأدية الرسالة التربوية التصحيحيَّة.  هذا إذا فرضنا أنَّ الكاتب كان صافياً في نواياه وحاول بعمله الروائي عكس التقاليد الموروثة بما فيها من شوائب ونوائب الدهر.  إنَّ الكتابة الأدبيَّة التي تروي حقبة تأريخيَّة ينبغي أن يبحث صاحبها في الحياة السياسيَّة والجوانب الاجتماعيَّة إبَّان ذلك العصر دون محاباة أو مغالاة.  ومن يفعل ذلك دون فهم أو فقه، فمثله كمثل الذي يريد أن يفهم خمريَّة من خمريات أبي نواس دون أن يتعمَّق في فلسفة المعتزلة، ودون أن يدرس التَّوحيد واختلاف أهل السُّنة والمعتزلة فيه.  وقد علمنا أنَّ الجاحظ كان أديباً لأنَّه كان مثقَّفاً قبل أن يكون لغويَّاً أو بيانيَّاً أو كاتباً.  لذلك كنا نأمل أن يكون في رواية الطيب صالح موضوعية العلم كما فيه من ذاتيَّة الأدب.
وكما ذكرنا سلفا،ً فإنَّ أحد عوامل الصراع الدموي في السودان يعود إلى التهميش الثقافي، الذي بلغ مداه بحيث أمسى الحكام الخرطوميون يجدُّون ويجتهدون ثم يجاهدون من أجل محو الآخر من الوجود حتى لا يبقى هناك بشر يتعللَّ بالمساواة والتكافؤ الثقافي.  وبات الوطنيون المهمشون لهم خيار واحد لا ثاني له: خذوا هذه الثقافة الإسلاموعربيَّة لا غير.  "فإنَّ صفة قوميَّة الثقافة السُّودانيَّة لا يمكن خلعها في وقتنا الحاضر على شريحة لثقافة واحدة من أنماطه الثقافيَّة المختلفة، حتى لو كان تلك الثقافة قد أكَّدت منعتها وسيادتها على أجزاء كبيرة من الوطن".  وعندما احتجَّ أبناء الجنوب ضد سياسة تعريب المناهج التعليميَّة رد عليهم الدكتور خالد المبارك بأن يبقوا في جامعة جوبا فإنَّ لهم فيها ما طلبوه. ما هكذا تُورد الإبل يا خالد!  هذه الجامعات منذ تأسيسها ظلَّت قوميَّة، ولعلَّ جامعة جوبا، التي يوصي بها الدكتور المبارك أهل الجنوب أن يبقوا خالدين فيها، مكتظة بأبناء الشمال، إدارة وطلبة.  ولم يقل لهم أهل الجنوب إذهبوا إلى جامعة أم درمان الإسلاميَّة لتغترفوا منها العلوم باللُّغة العربيَّة وتنهلوا من معينها الإسلام، بل تعايشوا معهم إخوة وخلاناً، إيماناً منهم بأنَّ الوطن المسمى السُّودان، مهما جار وضنى عليهم، فهو واحد حتَّى إشعار آخر.
بيد أن ذلكم النهج الاعتسافي لم يكن هو ذوق عموم أهل السُّودان، وإلا لما عجز حكام الخرطوم بالجدال والنضال بالنقاش حتى اختاروا طريق الحرب وهي طريق التهلكة للجميع، ونقصد بالجميع هنا ضياع القطر المسمى السُّودان في خاتمة المطاف إذا لم يستدرك السادة الحكام الأمر.  إنَّ مسألة الثَّقافة في السُّودان، إذاً، في حاجة إلى معالجة.  وقد كان الأستاذ عبدالله عبدالوهاب ذكيَّاً أريباً حين طرح سؤالاً في ورقته "مقدمة في سؤال المسرح السُّوداني، وامتداداته في رقعة السُّودان القديم" عن دواعي مشاركة المسرح السُّوداني في الاحتفالات الحوليَّة التي تُقام في بغداد، ودمشق، والقاهرة، والرباط تحت اسم "المسرح العربي".  ونفى الأستاذ عبدالوهاب وجود ثمة علاقة بين المسارح العربيَّة وتراثياتها، والمسرح السُّوداني، وذلك من خلال ثلاث مستويات: عدم وجود أيَّة علاقة بين الموضوعيَّة التُّراثيَّة التي يشتغل عليها المسرح السُّوداني والمسرح العربي، وعدم وجود علاقة بين الشخصية الذاتيَّة التي يتحدَّث خلالها المسرح السُّوداني والمسرح العربي، وأخيراً غياب علاقة اللُّغة التراثيَّة التي يتمثَّل بها المسرح السُّوداني والعربي.  وذكر نماذجاً من الموضوعيَّة التُّراثيَّة السُّودانيَّة في ممالك النُّوبة القديمة، وتتويج رث الشُّلك، ومملكة المسبعات في كردفان، وسلطنة الفونج في سنار، ومملكة تقلي، وممالك دارفور، والزَّاندي وغيرها.  كما لا يمكن للجمهور العربي أن يتفاعل مع شخصيات سودانيَّة مثل إسماعيل صاحب الربابة أو سليمان الطوالي الزغرات مثلما يتفاعلون مع مسرحيَّة تراثيَّة عربيَّة اُستلهمت من عنترة بن شداد، أو الزير سالم، أو زهير بن أبي سلمى، فضلاً أنَّ لفظة "سوداني" تعني "عبد" في كل تفاسير الرحالة العرب من ابن حوقل وحتى ابن بطوطة.  وجاء في كتاب طبقات ود ضيف الله عند حسن ود حسونة "جاني السُّوداني الكلب"، و لفظة كلب تعني عبد.  وفي اللُّغة العاميَّة السُّودانيَّة نجد أنَّ الدكتور عون الشَّريف قاسم قد استطاع أن يحصر العديد من الكلمات العاميَّة السُّودانيَّة ويرجعها إلى أصولها، فوجد أنَّها إما بجاوية قديمة، أو نوبيَّة قديمة، أو فوراويَّة قديمة أم من جبال النُّوبة ... إلخ.
إنَّ الدكتور عون الشريف قاسم هو ذلك الرَّجل المتخصص في الجغرافيا اللُّغويَّة (دراسة الفروق المحليَّة والإقليميَّة الخاصة بلغةٍ ما - (Linguistic geography، الذي عاد إلينا ضحى لكي يحدِّثنا أنَّ الإسلام "أنشأ لغات إسلاميَّة جديدة مثل السواحيليَّة في أفريقيا، والأرديَّة في آسيا، والمالطيَّة والمجريطيَّة في أوربا".  ولا نحسب أنَّ الدكتور قد أصاب إذا اعتبر هذه اللُّغات إسلامية لأنَّ فيها كلمات عربيَّة وإن أصابها تصحيف.  فهل، بالمقارنة، تصبح اللُّغات النُّوباويَّة أو كل اللغات السُّودانيَّة بعدما دخلت إليها كلمات عربيَّة لغة الإسلام كذلك، وإن ظل المتحدثون بها نصاري أو معتنقي الأديان الأفريقيَّة أو ما يسمى في الدساتير السُّودانيَّة (المعدَّلة منها والدائمة، وما الدَّوام إلاَّ لله وحده لا شريك له) بكريم المعتقدات (Noble Religions)؟ ما لهم كيف يحكمون!  وقد وجدت مفردات عربيَّة سبيلها إلى لغات أجنبيَّة أخرى، لأن الاقتراض اللغوي ظاهرة طبيعيَّة في جميع اللُّغات ليقوم بدورها التواصلي والنفعي داخل نسيج المجتمع الواحد وبين الكيانات الثقافيَّة المتباينة.  ويحدِّثنا سيف الدين الماحي أنَّ "القرآن الذي نزل حاوياً من الحكمة والبيان ما لم تحويه كل البلاغات العربيَّة السالفة، نجده قد احتوى على كثير من المفردات الفارسيَّة والهنديَّة والحبشيَّة والعبريَّة والحورانيَّة والسريانيَّة والروميَّة وغيرها".  ولعلك واجد في لغة العرب الكثير من المفردات التي عُرِّبت حتى يُخيَّل للمرء أنَّها عربيَّة قحة وما هي بذلك.  فاللُّغة العبرانيَّة ساميَّة، واللُّغة الفينيقيَّة ساميَّة، ولغة الكلدانيين ساميَّة، واللهجات الآراميَّة كلها ساميَّة، وبينها وبين اللُّغة العربيَّة من التشابه القوي حيناً والضعيف حيناً آخر مثل ما بين اللُّغة العربيَّة ولغة البابليين في عصر حمورابي ولغة الحميريين والسبئيين والحبش والأنباط.  وإذن، فلم لا تكون العبرانيَّة والسريانيَّة والكلدانيَّة ولهجات الآراميين كلها إسلاميَّة لما بينها وبين العربيَّة من تشابه؟
وعلى جانب آخر، نجد ألفاظ "فتوى" (Fatwa)، و"جهاد"(Jihad) ، و"انتفاضة"(Intifada) ، و"سفري"  (Safari)العربية مشاعة في استخدامات اللُّغة الإنجليزيَّة.  وكما أسلفنا، فإنَّ اللُّغات لتتلاقح مع بعضها بعضاً لتتوالد حفظاً للبقاء مثلها كمثل الكائنات الحيَّة، وإذ يستفيد منها الناس في التخابر ونقل المعرفة ولا مناص من ذلك إلاَّ من أبى وتكبَّر وكان للحقيقة لكنود.  وقد ساعدت عوامل الاختلاط بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتجارة في أمر هذا اللقاح اللغوي المبين، فنجد في البرتغالية شيئاً من الأسبانيَّة، وفي الإيطاليَّة شيئاً من الأسبانيَّة، والإنجليزيَّة شيئاً من الفرنسيَّة وهلم جراً.  كما أنَّ للعدوان أثر بليغ في إعارة كلمات أجنبيَّة للغات المعتدي عليه، ففي السُّودان نجد مفردات مثل "اسبتالية"، و"شفخانة"، و"سلخانة"، و"جبخانة"، و"أدبخانة"، وتعني هذه الألفاظ - على التَّوالي - "مستشفى"، و"عيادة"، و"مسلخ"، و"ذخيرة حربيَّة"، و"مرحاض"، التي أتت إلينا نتيجة الاستعمار التركي-المصري الذي جثم على البلاد من العام 1821 - 1885 م.  بيد أنَّ للعولمة (Globalisation) - أو كما يسميه الصًّادق المهدي  الكوكبيَّة (Globality)، وإنَّ صادقنا هذا لشغوف بالمفردات - فضل عظيم في التداخلات اللغوية-الاجتماعيَّة.  هذه هي سنن الحياة، فقد تراضى الناس وتصالحوا مع أنفسهم أن تسير على هذا النهج، وما عسى أن يكون للدِّين الإسلامي من أمر هذه المسائل من شئ، إلا الذين أسرفوا على أنفسهم في الغلواء واستغلوا عقول الدهماء من الأقوام لتضليلهم.  هذا خلل يجب أن نتداركه، فهل نجسر؟
وفي الختام، نطرح السؤال الاستنكاري التَّالي، هل السُّودانيين الأفارقة مستاءون؟ ومم؟ ظلَّ السّودان مستودعاً لإشباع رغبات العرب بالرَّقيق منذ القرن السَّابع عشر فيما عُرف باتفاقية البقط.  كما أنَّ القبائل العربيَّة قد تحالفت فيما بينها وانقضوا على مملكة علوة في سوبا، وحين جاء جند إسماعيل باشا لغزو السُّودان كان العرب أدواتهم في تمويل الرِّق، ودونكم والزبير باشا رحمة في جنوب السُّودان ودارفور، وبدوي أبو صفيَّة في جبال النُّوبة - حيث كان يتَّخذ من الأبيض نقطة لانطلاق غزواته ثم مركزاً تجاريَّا لبيع الرقيق المجلوب - والست آمنة وزوجها خوجلي الحسن في جنوب النيل الأزرق (مناطق الفونج).  وحين أعلن المهدي حركته ضد الاستعمار التركي المصري العام 1882 م أواه أهالي النُّوبة حيث كان سكان الشمال البحري ينأون بأنفسهم، لواذاً، ويقفون على الأعراف - وهي منطقة وسطي بين هذا وذاك -  بعيداً عن مساعدة المهدي خوفاً من بطش الحكومة وتشككاً في مقدرته على منازلة السُّلطة. وما أن انتصر المهدي على الغزاة في الأبيض حتى أقدم على اعتقال المك آدم أم دبالو - مك تقلي - مع أهله وعشيرته وأعوانه، ومات المك أم دبالو وهو في الأسر ومقيَّد بالسلاسل في شبشة بالنيل الأبيض عندما كان المهدي زاحفاً نحو الخرطوم.  هذا هو جزاء الرجل الذي تبرَّع بابنه - فلذة كبده - للمهدي ليُعلِّمه أصول المهدية ويكون معه رفيقاً في السلاح، فضلاً عن المال والبنون الذي وجده المهدي لدي أهالي جبال النُّوبة لتقوية شوكة حركته. واآدماه! وفَّيت، وفي بعض الوفاء مذلَّة، لأُناس شيمتهم الغدر. ثم جاءت حملات المهدية على أهالي النُّوبة قتلاً واغتصاباً وتشريداً وحرقاً لديارهم دون حق، وآية ذلك الدَّمار إفراغ قرى كانت آمنة بأكملها مثل جبال كاو-نيارو وهلم جراً.
ثم انتفض السُّودانيون تحت راية اللواء الأبيض بقيادة البطل على عبداللطيف وصحبه ضد الاستعمار البريطاني-المصري، فنعتهم أهل الشمال العربي "بالناس الذين ليس لهم أصل"، وأساءوا إليهم في نسبهم وحسبهم، دون أن يسألوا أنفسهم عن الأسباب التي أدَّت إلى ضياع أصلهم. بالطبع، الإجابة تكمن في أزمة الرق الذي كان الشمال العربي سيدها. وظهر الدكتور محمد آدم أدهم على رأس الغلابة في العاصمة المسماة جوراً وبهتاناً بالقوميَّة، فنعتوه بالعنصرية.  هذا هو حال الأفارقة في السُّودان، فكلما أسرفوا في الإخلاص إلى العرب أي إخلاص اُضطُهدوا وزُجِروا.  فحقاً، إنَّ الذي بينهم وبين العرب لمختلفٌ جداً.  إنَّ أبيات الشاعر ابن المقفع الكندي لهو أصدق تعبير لحال السُّودانيين الأفارقة.
وإنَّ الذي بيني وبين بني أبي        وبين بني عمِّي لمختلفٌ جدَّاً
فإن هم أكلوا لحمي، وفَّرت لحومهم    وإن هدموا مجدي، بنيت لهم مجداً
وإن ضيَّعوا غيبي، حفظت غيوبهم    وإن هم هووا غيي هويت لهم رُشداً
وإن زجروا طيراً بنحساً تمر بي        زجرت لهم طيراً تسرُّ بهم سعداً
وفي السُّودان الظليم، وتحت رايات الحكم الغشيم، كلما طلب السواد الأعظم (سكان المناطق المهمَّشة بلغة العصر) نصيبهم في التمثيل السياسي، والخدمات الاجتماعية، والاعتراف الثقافي لم يجدوا غير وصفهم بالعنصريين الانفصاليين.  فماذا تعني لفظة العنصرية (Racism)؟  إنَّ كلمة العنصرية، التي ما فتأ أهل الشمال الحاكم يطلقونها على طلاب العدالة والمساواة، لهي مختزلة في المعنى والمدلول. العنصرية صفة لازمة لمن يرى في نفسه، أو لمن يروا في أنفسهم بالباطل، أسباب التفوق بسبب لون البشرة أو الجنس البشري، أو بما يمتاز به من تجاعيد الشعر وشكل الأنف والفم وهلم جرًا.  فافتخر العرب بلون بشرتهم واحتقروا الأفارقة شعراً ونثراً، واشتط أدولف هتلر بجنسه الآري وحسب أنَّ نسبه أسمى عرق خلقه الذي يبدئ ويعيد، وظنَّ العبريون بأنهم شعب الله المختار، لذلك جرى التصادم الاستئصالي لهم في ألمانيا الآريّة لأنَّه في حالة وجود، أو إدِّعاء وجود، قوتين عظميين فلا بد لأحدهما أن يسود في نهاية الأمر.  وكذلك اعتبر البيض أسياد الوجود فبغوا على الهنود الحمر في الأمريكيتين، وقضوا على الأروميين (سكان أستراليا الأصليين Aborigines -)، فنشروا الأوبئة والأمراض الفتاكة.  وصدق من قال ما أن حطَّ الاستعمار في الأمصار حتى نزل البلاء وعم الوباء يحصد أرواح المواطنين حصداً فيذرهم قاعاً صفصفاً.  وفي جنوب أفريقيا انتهج المزارعون الهولنديون (Boers) سياسة التفرقة العنصريَّة (Apartheid) وأذلُّوا سكان البلاد الأصليين لأكثر من ثلاثة قرون، حتى جاء الحق في العام 1990 م لحظة إطلاق سراح الزعيم الأفريقي - نيلسون مانديلا - وذهق الباطل إنَّ الباطل كان ذهوقاً.  وفي خضم هذه الادِّعاءات بالنقاء العرقي وسمو الحسب والنسيب، لم نسمع يوماً قط أن الأفارقة في السُّودان، أو في العالم كافة، قد تطاولوا على غيرهم عنصراً وتصايحوا فيهم بالباطل، بل كل ما نقموا من غيرهم هو العدل والمساواة وتكافؤ الفرص في التَّعليم والصحة والتنمية والتمثيل السياسي لا أكثر ولا أقل.  فليس هذا من العنصريَّة في شئ.  إنَّ محصلة هذه القسمة الضِّيزى هي سبب استعار الحرب الأهلية الأولى في السُّودان، وما الحرب الثانية التي تدور رحاها اليوم إلاَّ امتداداً للأولى. إذ أنَّ لكل حرب في التأريخ بقية معلَّقة من حرب سبقتها!  فمعاهدة فرساي للسَّلام التي انتهت بها الحرب العالميَّة الأولى كانت هي بذاتها خميرة وبذرة الحرب العالميَّة الثانية! والنتائج التي انتهت إليها معركة السويس العام 1956 م كانت هي بذاتها مقدمات الإعداد لمعركة سيناء العام 1967 م.
وإذا أخذنا السُّودان حسب النظريَّة الوظيفيَّة (Functionalism Theory) في علم الاجتماع، يمكننا اعتباره صرحاً أو جهازاً اجتماعيَّاً غير متجانس، ويحوي في أحشائه الشروط الوظيفيَّة (الانتفاعيَّة) الآتية: الثقافات المتنوعة، والقوميات المتعددة، واللُّغات المتباينة، والدِّيانات السماويَّة وغير السماويَّة.  فما المطلوب إذاً؟  ليس هناك أدنى شك أنَّ المطلوب هو توفير حدٍ من الإجماع القِّيمي (Value consensus) لكيما يتم الاعتراف بهذه الفوارق الاجتماعيَّة والروحيَّة والثقافيَّة، بل وتشجيعها وتنميتها.  هذا إذا تصالحت الصفوة الحاكمة مع أنفسهم، وكفوا عن التهالك على السلطة والتنافس فيه، ورأوا أن يكون للسُّودان من عوامل النمو ودواعي البقاء والرُّقي.  فلم نجد أبلغ من بيت الشعر المنسوب إلى أمير الشعراء - أحمد شوقي - الذي فيه ينشد إرساء قيم العلاقات الاجتماعيَّة المبنيَّة على التكافل الإنساني والتعايش السلمي بعيداً عن الغلاة الدِّينيين و محاباة الساسة وغيرهم:
أنا شيعي وحبيبتي أمويَّة        واختلاف الرأي لا يفسد للود قضيَّة
أما إذا لم يرض الصفوة الحاكمة أمر إيلاء هذه الشروط اعتبارات قصوى، فإنَّ الخلل السياسي والاقتصادي والتعليمي والتنموي والخدمي، الذي بدأ منذ فترة غير قصيرة في طريقها إلى حسم الصراع عن طريق تغيير الأجهزة التشريعيَّة والتنفيذيَّة والعسكريَّة، التي انتفعت به فئة قليلة ردحاً من الزمان.  فعلينا، إذاً، أن نذكِّر أولئك الصفوة المنتفعين أن المهمَّشين قادمين، وبعدئذٍ سيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

الدكتور عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج


د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حينما أُسر زعيم المعارضة الويلزي وأُحضر للمثول أمام الامبراطور الروماني في روما، قال الزعيم الأسير: "بما أنكم ترغبون في في السيطرة على العالم، فهذا لايعني أنَّ العالم راغب في العيش تحت احتلالكم".  كان هذا، بالضبط والربط، هو رد الملك النوبي المسيحي لرسل جوهر الفاطمي - حاكم مصر - عندما بعثهم إلى مملكة النُّوبة للخضوع للدولة الإسلاميَّة ديانة وحضارة.  فقد أردف الملك النوبي مستهجناً ذلك الإلحاء، بعدما طلب منه رسل جوهر اعتناق الإسلام، وهو يسأل لماذا لا يتخذ مليككم المسيحية ديناً له، حيث أنَّ كل عقيدة درة في عيون معتنقيها يبتهجون دائماً أن يروا طرائقهم تسود.
ومهما يكن من الأمر، فقد استبسل النُّوبة قتالاً ودفاعاً عن ممالكهم القديمة حيناً من الدهر حتى اُضطروا إلى توقيع ذلك الاتفاق المهين الذي يُعرف في التأريخ باتفاقية البقط بين زعيم النُّوبة وقتئذٍ - كاليدوسوس - وحاكم مصر عصرذاك - عبدالله بن سعد بن أبي سرح.  وأبشع ما جاء في الاتفاق هو اجبار النُّوبة على دفع 360 عبدا سنوياً إلى دولة المسلمين في بغداد.  إنَّ هؤلاء الأرقاء، وغيرهم ممن جُلبوا من بلدان أفريقيا، هم الذين خاضوا فيما بعد ما عُرف بثورة علي بن محمد الزنج في العراق.  غير أنَّ بعض الروايات تورد أنَّ العدد الاجمالي كان 400 عبداً حيث يذهب 40 منهم إلى حاكم أسوان حينئذٍ - عبدالله بن أبي سرح، وباقي الرقيق إلى دولة الإسلام.  فمن هو عبدالله بن سعد بن أبي سرح؟ ومن ذا الذي منحه حق امتلاك ذلك النصيب المعلوم؟
عبدالله بن سعد بن أبي سرح صحابي من بني عامر بن لؤي من قريش، كان أخاً عثمان بن عفان من الرضاعة وقد استجار له عثمان يوم فتح مكة فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم.  "عند فتح مكة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، هو وعبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة.  ففرَّ عبدالله واحتمى بسيدنا عثمان بن عفان فغيَّبه فترة حتى تهدأ الخواطر، ثم أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم طالباً له العفو.  فصمت الرسول صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم استجاب.  وبعد ذهاب عثمان وعبدالله قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن كانوا معه من الصحابة: ماصمتُّ إلاَّ ليقوم أحدكم فيضرب عنقه.  فقال له أحد الأنصار: فهلَّ أومأت إليَّ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم إنَّ النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين".  وقد اعطاه عثمان بن عفان خمس الخمس من غنائم جيوش المسلمين في أفريقيا.  وقد ورد في تأريخ الطبري (تأريخ الرسل والملوك) أنَّ عثمان لما أمر بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: "إن فتح الله عليك غدا أفريقيا فلك ما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة فضلاً". وإنَّه لمبلغ الأسى أن نجد رجال "الانقاذ" في السُّودان يطلقون اسم عبدالله بن سعد بن أبي سرح على إحدى كتائب الجهاد التي تموج وتمور بها الساحة السياسيَّة السُّودانيَّة لإخضاع أهل الجونب وجبال النُّوبة والأنقسنا كرهاً ورهبة.  بالطبع وبالضرورة، لم يعجب هذا المرج والهرج بأرواح الأبرياء أهل العقل والبصيرة.  فقد تصدى لهذا العبث لفيف من الأقلام  كان أبرزهم السيد إبراهيم طه أيوب، وزير خارجية سابق في حكومة الدكتور الجزولي دفع الله (1985 - 1986 م).  فلم يترك صاحبنا أيوب أهله والرماح تنوشهم، بل هب ليبدِّد هذا الخطل الجلل في المخيلة السُّودانيَّة.  وأذكر في الكتاب أيوب إنَّه كان صادقاً فيما ذهب إليه وعما عبَّر عنه.
عوداً إلى البدء، فقد انصرف جل اهتمام العرب باصطياد الرقيق أكثر من اهتمامهم بنشر التعاليم الإسلامية والثقافة العربية، ويتضح ذلك جلياً في إلحائهم على تسديد متأخرات الرقيق والعمل بهذا الاتفاق القميئ على نحو 600 عاماً. وقد اهتم العرب، أكثر مما اهتموا، بالإماء.  والأمة كما هو معروف هي أنثى العبد، وكان يجيز لهم الاستمتاع بهن كزوجاتهم، مستدلين بالأية الكريمة في قوله تعالى: "والذين هم لفروجهم حافظون. إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنَّهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون". فعقد الزواج في الاسلام لا يحل للرجل أن يتزوج أكثر من أربع في وقت واحد، ولكن يحل له أن يطلق منهن ويتزوج غيرهن ولكن بعد انقضاء عدتهن وهي مدة ثلاثة أشهر بعد الطلاق.  أما ملك اليمين فهو حق الرجل أن يمتلك من النساء ما يشاء دون تحديد العدد طالما هو قادر على ذلك، حتى وصل الأمر عند بعض الخلفاء إلى امتلاك ألفي أمة، وعند البعض الآخر آلاف أمة.  وتوزَّعت الأماء بين جارية لفراش اللِّذة، وبين سريَّة تلد لمولدها وتقيم معه ولا يحق له بيعها، وتصبج حرة بعد موته، وبين قينة تحي الليالي الملاح بصوتها العذب الصدَّاح. وقد حفلت قصور الخلفاء والأمراء والقادة الأغنياء بالجواري من كل لون وجنس، فمنهن الحبشيَّة، ومنهن الروميَّة، ومنهن التركية، ومنهن الهندية، وقد تفشَّى الفساد واللهو في الدور التي غصَّت بمثل هؤلاء الجواري، ولم تسلم من ذلك قصور الخلفاء الذين بالغوا في اقتنائهنَّ وفي المبالغ التي دُفعت لشرائهن حتى أنَّ بعض الخلفاء دفع أربعين ألف دينار ثمناً لجارية واحدة، وهذا المبلغ يكفي لإعالة عائلة لمدة سنة كاملة، وبعضهم جمع في قصره أكثر من ثلاثة آلاف جارية يُنفق عليهن ما يكفي للانفاق على خمسين ألف مسلم، وبعضهم انشغل عن أمور الخلافة بجارية أخذت بعقله وسيطرت على تفكيره حتى مات حزناً بعد موتها فدُفن بقربها.  وكان أكثر الناس يُكرِهون إماءهم على البغاء، يبتغون عرض الحياة الدنيا، وإن أردن تحصناً، فنهى الله تعالى في كتابه عن ذلك بقوله عزَّ وجلَّ: "ولا تُكرِهوا فتياتكم على البغاء وإن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا".
ولعل هذا السلوك غير الانساني يفسِّر ما تتعرض له عاملات(خادمات) البيوت من فليبينيات وهنديات وغيرهن في المملكة العربيَّة السَّعودية وغيرها من دول الخليج الأخري من استغلال جنسي وامتهان لحقوقهن ضد رغباتهن. كما أنَّ تلك الدوافع الجنسية والرغائب الشهوانية هي التي جعلت العرب يؤثرون الإناث على الذكور في الاسترقاق، وقد بلغت نسبة الإناث إلى الذكور 1:3.  وعلى الرغم من هذه النسبة الضئيلة من الذكور، بيد أنهم كانوا يتعرَّضون إلى أفظع صنوف الأذي الجسدي وهو عملية إزالة الأعضاء التناسليَّة (Castration) وتحويل الرجال إلى الخصيان (Eunuchs) لحراسة الحريم في المنازل. وفي هذه العملية البشعة كانت نسبة البقاء على قيد الحياة 10% من جملة الذين يتعرَّضون لهذا العملية المميتة. وعليه فلن تصيبنا دهشة إذا وجدنا نسبة قليلة من الزنوج الأفارقة في شبه الجزيرة العربية الذين جاءوا إلى هذه البسيطة عن طريق "ما ملكت أيمان العرب".  بالمقارنة مع العالم الغربي، نجد أنَّ الغرب استحبوا الرجال الأشداء الأقوياء على النساء، وإن جلبوا مع أولئك الرجال عدداً من النساء، لحفظ النوع وضمان عملية التكاثر.  كان دافعهم إلى استجلاب الرقيق القوي الأمين للعمل في مزارع القطن في الولايات المتحدة الأمريكية وحقول قصب السكر في جزر الهند الغربيَّة (البحر الكاريبي)، وتعبيد الطرق، وتشييد القناطر، وحفر السرادق، وبناء العمران والعمل في مصانع الغرب الرأسمالي إما إبَّان الثورة الصناعيَّة في أوربا أو في بناء دولة الويات المتحدة الأمريكية الحديثة النشوء.
ويحدثنا البروفسير يوسف فضل حسن، المدير السابق لجامعة الخرطوم، في بحثه القيم عن بعض مظاهر تجار الرق العرب من السُّودان بين القرن السابع والتاسع عشر، أنَّ العرب هم أول الأجانب الذين توغَّلوا إلى أدغال أفريقيا لاشباع الرغبة الملحة للرقيق في العالم الإسلامي. ومن خلال إيلاجهم إلى أعماق القارة، ومازال الحديث للبروفسير حسن، وجدت تجارة الرق حافزاً قويَّاً وأهمية قصوى.  وفي هذا السياق تأتي مقولة بن خلدون الشهيرة: "إنَّ العرب ما أن تغلَّبوا على أوطان وإلاَّ آل عليها الخراب". بيد أنَّ سياسة الإسلام تجاه الاتجار بالإنسان يصدع بها حديث شريف يُنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مستهجناً هذه المهنة: "شرار الناس من باع الناس".  وقد كان عمر بن الخطاب - ثاني الخلفاء الراشدين - يردد مقولته الشهيرة "بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" في الوقت الذي كانت فيه تجارة الرق رائجة في شبه الجزيرة العربيَّة.  ومهما يكن من الأمر، فقد كان هنالك نوعين من الرقيق المطلوب في سوق النخاسة: النوع الأول ذو الأصل التركي، ويتم استخدامهم في الجندية (المماليك)، أما النوع الثاني فهو السًّوداني بمعناه التأريخي العريض (من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي)، وكانوا يعملون في البيوت، والعسكرية والأعمال اليدوية الشاقة. ويمكننا الاستدلال بشجاعة الأفارقة، مما استخدمهم العرب في ساعات الوغي وحين يحمو الوطيس، في قول الشاعر الزيمبابوي - موسيمارا بوناس زمونيا - حيث أنشد:
إحد عشر رجلاً رُصصوا قتلاً
في تظاهرة رفع الرواتب
لكن! لما صمت دوي المدافع،
حالاً اصطفَّ مائة آخرون وقوفاً
وجوههم فحمية مسلوخة
وقفوا
لتظاهرة أخرى
إنَّه يسحر الإنسان
وعلى الرَّغم من غياب احصاء دقيق عن العرب وتجارة الرقيق في أفريقيا، غير أنَّ المؤرخ بول لوفجوي (Paul Lovejoy) يقدر العدد بنحو 9.85 مليون أفريقي تم نقلهم قسراً كأقنان إلى شبه الجزيرة العربيَّة وجزء يسير إلى شبه جزيرة الهند.  إذاً، مالذي يجعل الإنسان  يختزل إنساناً أخر إلى وضع قانوني يسمح ببيع وشراء غيره في سوق النخاسة؟
حدثت في عصور متأخرة محاولة لتصنيف البشر إلى ثلاثة أقسام: سلالات "النهار" وسلالات "الليل" وبينهما برزخ هو سلالات "الغسق"، وحتى الأن لا يزال الناس في أمرهم مختلفون، فهناك فريق كبير من الكُتاب يقولون: الجنس الأبيض والجنس الأسود والجنس الأصفر. ومع أنَّ لون البشرة هو الفوارق الظاهرة بين الجماعات البشريَّة، فهو ليس فارقاً سلاليَّاً أصليَّاً، بل مكتسباً من تأثير البيئة. فليس اللون إلاَّ صبغة والبياض نقص الصبغة.   ويأبى بعض الناس ألاَّ يسمون الأشياء بأسمائها، فيطلقون اللون الأسمر على الإنسان ذي اللون الأسود، وفي ذلك يقولون - على ذمة التقارير الاجتماعيَّة والنفسيَّة - "السمارة أمارة" خاصة هجين "حبشطالي" (الأب حبشي والأم إيطاليَّة)، أو هجين "إيطاشي" (الأب إيطالي والأم حبشية).  وإذا كان هذا الأسمر ممن يملك صوتاً جميلاُ، فإنَّ الناس تطلق عليه اسم العندليب الأسمر.  وفي المقابل هناك اللون الأبيض، وهو أقرب ما يكون إلى لون الحليب، لذلك يُقال أبيض كالحليب، وتقول العرب الجارية الرعبوبة وهي البيضاء الحسنة الناعمة التي تستحسنها عند التأمُّل لدمامة قامتها، والهجان هي المرأة الحسنة البياض. ويتخذ العنصريون من القتامين أو الصبغ السافع - صبغة الجلد - طريقاً للتفاضل والتمايز، ويجعلونه سبباً لأنَّ هذا التباين إنَّما هو بيولوجي قد أوجده الله على السَّطح الخارجي لجسم الإنسان للتكيُّف مع تغيُّر البيئة واختلاف الأجواء الشمسيَّة بين القطبين وخط الاستواء.  وقد توهَّم بعض النسَّابين العرب ممن لا علم لديهم بطبائع الكائنات أنَّ السُّودان ولد حام بن نوح، اختصوا بلون السَّواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه، وفيما جعل الله من الرِّق في عقبه وينقلون في ذلك حكاية من خُرافات القصاص.  وفي القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء.  كائناً ما كان الأمر، فقد اتخذ العالم الغربي هذا التفسير التوراتي لسواد الزنوج كتعليل ديني لاستعبادهم، ثم ذهب بعض منهم أكثر من ذلك سبيلاً، حيث نظَّر العلماء الغربيُّون إنَّه إن وُلد طفلان أحدهما أبيض والآخر أسود، ففي لحظة ما يتوقَّف عقل الطفل الأسود عن التطوُّر، وتم إصدار تأليفات شتى في هذا الافتراء الذي لا تسنده حجة.  فلا التفسير اللاهوتي للعنصريَّة ولا العلمي يمت للحقيقة بصلة.  وإنَّ الأدلة على عدم صحة القول بتفوق إحدى السلالات الراقية في المواهب العقليَّة على الأخرى لمتوفرة. فإذا أخذنا الوجهة الفردية ودرسنا تسلسل بعض النوابغ، وجدنا أنَّ لا عبرة بنقاوة السلالة فالشاعر الكبير أسكندر بوشكين المبدع في الأدب الروسي القومي كان ذا عرق زنجي، فقد كان لبطرس الأكبر قائد زنجي رفعته درجة ذكائه إلى مرتبة مهندس المدفعيَّة العام وصيَّرته ذا أملاك واسعة وبطلاً هماماً وتزوج سيدة روسيَّة من الأشراف، وحفيد هذا الزنجي هو بوشكين أعظم شعراء روسيا.  والكاتبان الشهيران دوماٍس الأب والإبن كانا ذا عرق زنجي.  كما أنَّ تشيفاليير دي سينت-جورج (Chevalier de Saint-George) كان أول أسود بلغ مرتبة عقيد في الجيش الفرنسي.  وقد وصفه جون آدمز، الذي أصبح فيما بعد ثاني رئيس للولايات المتحدة الأمريكيَّة، لدي زيارته لفرنسا في العام 1779 م بأنَّه الشخصية الأكثر موهبة في أوربا، وذلك في ركوب الخيل، والرماية، والمنازلة، والرقص والموسيقى.  وقد رفعته مواهبه في اللحن والموسيقى مكاناً عليَّاً، وبات يُعرف بموزارت الأسود.  وفي العام 1775 م، عيَّنه الملك لويس السادس عشر رئيساً للأوبرا في باريس.  بيد أنَّ الرَّاقصات الباريسيات رفعن بلاغاً إلى الملكة يخبرن جلالتها أنَّ شرفهن وحساسيَّة ضمائرهن يجعلان الأمر مستحيلاً لهن تلقي تعليمات من الخُلاسي (المولَّد). رحم الله سينت-جورج موسيقاراً كان ثم فارساً مغواراً. فقد انتظرت روحه حيناً من الدهر قبل أن يتم الاحتفاء بهذا النابغة وتخليد ذكراه باعادة تسمية شارع ريتشبانز، الجنرال الفرنسي الذي أمر بقتل آلا ف المتمردين في إحدى جزر الهند الغربيَّة، باسم تشيفاليير دي سينت-جورج في قلب باريس.
وقد أنجبت أفريقيا رجالاً عظاماً، فيعتبر ليوبولد سيدار سنجور، الرئيس السنغالي الأسبق، واحداً من أهم شعراء الفرانكوفونيَّة (Francophone) - أي الأقطار الناطقة باللغة الفرنسيَّة، بل أجل من قال الشعر الفرنسي بعد الحرب العالميَّة الثانية (1939 - 1945 م).  وقد صاغ مع إيميه سيزير نظرية الزنوجة (Negritude) للتعبير عن الشخصية الجماعيَّة الزنجية-الأفريقيَّة.  وقد أصدر سنجور أول عمل شعري العام 1945 م تحت عنوان "أناشيد ظليَّة".  و على الرَّغم من تسلمه مقاليد الحكم في السنغال، إلاَّ أنَّه واصل عمله الشعري.  وأصدر بعد ديوانه الثاني "أثيوبيات" (1956 م)، "طوارق ليليَّة" (1961 م)، و"مرثيات كبرى" (1978 م).  وسنجور معرف أيضاً بقلمه النقدي في شؤون الثَّقافة والسياسة، وتقف الأجزاء الخمسة "الحريَّة" على رأس أعماله النثريَّة.  لقد نال العديد من الجوائز وأوسمة الشرف، حيث استطاع هذا الشاعر الإنساني النزعة أن يكتشف لنا المخيلة الأفريقيَّة في أجمل لحظاتها الإنسانيَّة وبلغة آتية من أعماق تربتها وتأريخها العريق، وفي الوقت ذاته ترتقي بلغة المستعمر إلى سمو الشعر الكوني، حيث كان سنجور أول أفريقي يدخل الأكاديميَّة الفرنسيَّة.  ووقتما أكَّد سنجور بأنَّه يتمتَّع باحساسات أفريقيَّة، ولكنه يفكر بطريقة أوربيَّة سمى ذلك "ظاهرة التهجين الحضاري والبيولوجي والثقافي".  فقد ولد لأب مسيحي وأم مسلمة.  وهذه الظاهرة - أي ظاهرة التهجين الحضاري - أعطت دفعة قوية للحضارات المصرية والأفريقيَّة والأغريقيَّة.  وقد درس سنجور المسيحي الإسلام وقرأ القرآن، كما أنَّه تأثَّر بالشعر العربي القديم ولا سيما أشعار عنترة بن شداد العبسي.  وعلى الرَّغم من اعتناقه للمسيحيَّة عقيدة له، إلاَّ أنَّه كان ينفق على إخواته المسلمات حتى أكملن تعليمهن الجامعي.  وليس هذا بغريب، وإنَّما هو عرف جار في الثقافة الاجتماعيَّة الأفريقيَّة حيث يأخذ الدين دوراً فردياً في علاقة الشخص مع ربه، وكل نفس بما كسبت رهينة، فلا تديين للأسرة، أو المجتمع، أو الدولة، إلاَّ بعد انسياب الهوس اللاهوتي إلى بعض أقطار القارة كما سنبين ذلك لاحقاً في هذه الصفحات.  إنَّ مبادئ التلاقح الانسيابي في المجال الثقافي والديني والعرقي بين الشعوب الأفريقيَّة والعربيَّة، لا بالسيف والسلطان كما يفعل الآخرون، قد استرسل فيها الأديب السوداني جمال محمد أحمد.  ذلكم الأديب الألمعي الذي أفنى ريعان شبابه يعلِّم السودانيين والأمم الناطقة بالعربيَّة عن تراث أفريقيا في تصنيفاته الأدبيَّة والفكريَّة وفي التراجم والبحوث: "مطالعات في الشؤون الأفريقيَّة (1968 م)، "سالي فوحمر" (1970 م)، "في المسرحية الأفريقيَّة" (1971 م)، "وجدان أفريقيا" (1972 م)، "عرب وأفارقة" (1977 م)، "أفريقيا تحت أضواء جديدة"، "ولايات النيل المتحدة"، و"الثقافة الأفريقيَّة المعاصرة".  هذا الرفد العارف والمتعمِّق في الشأنين الأفريقي والعربي قد تم على بصيرة ورؤية، واتكأ على تأريخ ومكوِّن عميق الجذور.
ومثلما أنجبت أفريقيا سنجور أتت، كذلك، بابن آخر يشار إليه بالبنان.  إنَّه فتى نيجيري يقال  له وول سوينكا - وإن كان أهالي نيجيريا ينطقون اسمه "شوينكا".  إنَّ هذا الأديب الحصيف قد لفت انتباه العالم كله بإبداعه في الأدب حتى حاز على جائزة نوبل للآداب لعام 1986 م كأول أديب أفريقي يحصل على هذه الجائزة منذ أن وُجدت، ثمَّ تبعه في الجائزة سنجور.  وسوينكا كاتب دراما ومقال وقصة قصيرة، ثمَّ إنَّه شاعر وروائي وممثل موهوب وموسيقار بارع ومخرج مسرحي عميق الوعي والإدراك والفهم، كما أنَّه سياسي من طراز رفيع.  ولذلك فإنَّ الأكاديميَّة السويديَّة، وهي تعلن عن قرار فوزه بجائزة نوبل، قالت في أسباب هذا الفوز ... إنَّ سوينكا قدَّم عرضاً مؤثراً للوجود والإنسان مع آفاق ثقافيَّة عريضة الاتساع.  وقد قال عنه المناضل الأفريقي، نيلسون مانديلا: " إنَّه شكسبير أفريقيا".
على الرَّغم من هذه الأدلة الدامغة في نبوغ الأفارقة، أخذت العرب أهمية عظمى على أوهام السلالة فافتخروا كثيراً (بطيب عنصرهم) وظنوا الأجانب أدنى منهم فسموهم (علوجاً) وغير ذلك من الأسماء، وأثَّر الدين الإسلامي عندهم كثيراً على أوهام السلالة.  فقد تقاول مرة أبوذر الغفاري وعبد زنجي في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاحتد أبوذر على العبد وقال له: "يا بن السوداء"، فغضب النبي عليه السلام، وقال: "طفَّ الصاع طفَّ الصاع"، أي قد تجاوز الأمر حده "ليس لابن البيضاء على بن السوداء فضل إلاَّ بالتقوى أو بعمل صالح".  فوضع أبوذر خده على الأرض، وقال للأسود: "قم فطأ على خدي".  تُرى من هو ذلك العبد الزنجي؟  إنَّه بلال بن رباح مؤذِّن الرسول صلى الله عليه وسلم.  إنَّ الإسلام الذي يدين له العرب وغيرهم قد آزره وحملوه العبيد في بادئ الأمر. فقد نكل بهم المشركون أي تنكيل وكابدوا وصابروا كل أضراب العذاب. فنجد أنَّه حين سمع الخباب بن الأرت بالرسول صلى الله عليه وسلم، أعلن إسلامه.  وعلى الرغم من أنَّه كان عبداً بلا سند شعبي، لم يخف إسلامه من قريش، فأوسعوه ضرباُ حتى أغمي عليه واستيقظ ليجد جسمه يعاني من جروح، وعظامه تعاني من التواء وتكسير.  قال الشعبي: "صبر الخباب فلم تكن له بين يدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العري بالحجارة المحماة حتى ذهب لحمه من شدة العذاب، ولم يضعف ذلك من إيمانه فكان أكبر من كبرياء قريش في طغيانها حتى اشتد عليه البلاء ومن معه من بلال بن رباح، وصهيب بن سنان، وعمار بن ياسر وآخرين. وقد عُذِّب الأرقاء لسببين: لأنهم عبيد سود، فضلاً عن اعتناقهم الدين الجديد الذين هم له مخلصون والكفار به مشركون. وبما أنَّ المسترقين لم يملكوا من الدنيا من شئ، إلاَّ أنَّ إيمانهم بالعقيدة الجديدة قد تجلب لهم تغييراً اجتماعياً من حرية وكرامة، أو تعدهم بالوعد الحق، لذلك نجدهم قد دخلوا في دين الله أفواجاً.
وكتب الأديب النحرير أبوعثمان الجاحظ رسالة مستفيضة عن "فخر السُّودان على البيضان" فيها سارداً ومعدِّداً مزايا وحرف ومواهب الأقوام ذي الأصول الأفريقيَّة الذين عاشوا في الوطن العربي حول شط العرب ومسقط وعمان وسواحل البحر الأحمر. وتوصَّل إلى حقيقة ذكاء هؤلاء الناس من الصومال وأكسوم وغيرهما، بحيث تؤكِّد ما دوَّنه عنهم الرومان واليونان وكبير النجاشي في أثيوبيا. وقد يقول قائل: كان الجاحظ يتخذ أسلوباً دفاعيَّاً عما كان يجيش في نفسه ويعتمل في صدره من الغضب، لأنَّه كان أسود اللون مما أضفى على عمله الجانب الانتقامي أكثر من المسلك البحثي.  لكن ماذا عساه أن يفعل: رجل عاش في مجتمع تنوشه العنصريَّة البغيضة وتتقاذف به الأهوال والضغينة كأنَّه كبش فداء في مأدبة اللئام.
وقد كتب أحد القراء العرب - معلِّقاً ومبدياً إعجابه عن طريق التهكم والسخرية - عن مقال خطَّه جعفر عباس في إحدى  الدوريات العربيَّة، حيث قال: "إنَّه أُعجب أكثر لأنَّه يحاول (جعفر عباس) أن يختبئ وراء اللون الأسود محاولاً اخفاء أصله السويدي. ولعلَّ تشابه كلمتي سويدي وسوداني هو ما جعله يختار سوداني".  هذا هو جزاء السًّودانيين في الوطن العربي، فكلما أسرفوا في حب العرب من جانب واحد، رُدت إليهم بضاعتهم مزجاة بما في ذلك منتجاتهم الزراعية. وهكذا نجد أنَّ الفول السُّوداني معروف في لبنان وبقية أقطار الشام الأخرى "بفستق العبيد"، في الوقت الذي يدلِّل فيه السُّودانيون الصمغ الذي يُحصد من غابات السافنا في قلب أفريقيا "بالصمغ العربي".  فعلى السودانيين أن يُستشفوا من هذا المرض النفسي ويعتقوا رقابهم من الذيلية العمياء التي رموا فيها أنفسهم ولا يكادون أن ينفكوا منها أو يجدوا منها مخرج صدق.    ولمعرفتنا بالجغرافيا السياسيَّة لمنطقة الشام لم تأخذنا دهشة عندما قرأنا أنَّ وليد جنبلاط، أحد زعماء الطوائف اللبنانيَّة، قد عاب كونداليزا رايس، مستشارة الرئيس الأمريكي - جورج دبليو بوش- في شؤون الأمن القومي، في لونها الأسود، حيث قال عنها: "وكونداليزا بلونها النفطي (أي الأسود)".  أولئك هم أخلاق خلائق أهل الشام في الحاضر والماضي.  فحينما ولاهم معاوية بن أبي سفيان بن حرب بعد الفتنة الكبرى أتى شيئاً مثيلاً لما قاله جنبلاط.  فبينما كان معاوية في الحج سأل عن إمرأة من بني كنانة يقال لها دارميَّة الحجونيَّة، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فبعث إليها فجئ بها، فقال: ما حالك يا ابنة حام؟ فقالت: لست لحامٍ إن عبتني؛ أنا إمرأة من بني كنانة.  وفي موضع آخر سأل إعرابي رجلاً موسراً فلم ينل منه شيئاُ فقال شعراً مبتذلاً ليس به بيان أو إبداع:
والله والله مرتين        لحفر بئر بإبرتين
وكنس مصر بريشتين        وغسل عبدين أسودين
حتى يحولا لأبيضين        وحمل ثورين باليدين
وهناك أشعار عربية كثيرة نكاد لا نحصيها عدداً تجعل من الإنسان الأسود - رقيقاً كان أم حراً - موضع الإهانة والاستفزار، كما يقول شاعر آخر:
العبد يقرع (يلحى) بالعصا        والحر تكفيه الإشارة
وهذا البيت هو أقرب ما يكون إلى المثل العربي القائل: "إنَّ اللبيب من الإشارة يفهم". وترقى فكرة هذا المثل إلى "حسب الحكيم كلمة واحدة"، أو "حسب العاقلين كلمات قليلة"، واستقر هذا المثل على الصيغة المتداولة: "تكفي الحكيم كلمات قليلة".  وبين أيدينا مقال للكاتب السعودي - نزار عبيد مدني - عارضاً فيه الشخصية العربيَّة في الفكر العربي القديم.  ولقد عني الكثير من الأُدباء العرب القدامى منهم والجدد بإبراز صفات فاضلة عن الإنسان العربي في خلقه وطبائعه وتقاليده وسجاياه في الشعر والنثر والخطب والقصص والأمثال، حتى لو كان ذلك متناقضاُ مع ما أقره القرآن الكريم في محكم تنزيله "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً".  ولم نستثن، بلومة لائم ولا ضربة لازب، أولئك الذين اتخذوا العروبة إثنية ثانية لهم، كما يندرج في هذا الإطار رأي بن المقفع الكندي (وأصله من فارس) في العرب في معرض سؤاله عن أعقل الأمم.  فلم يعني بالسؤال الفرس الذي قال فيهم: إنَّهم ملكوا كثيراً من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر، فما استنبتوا شيئاً بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم.  وقال في الروم أصحاب صنعة، وفي الصين أصحاب طرفة، وفي الهند أصحاب فلسفة، وفي السُّودان قال عنهم شر خلق الله.  ومن شعراء الصعاليك من عُرف بسواد لونه، لاختلاط دمه "بالدم الحامي"، وذلك لكون أمهاتهم من الإماء السوداوات المستقدمات من الحبشة أو أفريقيا أو من الهند عن طريق اليمن.  ولقد سمى العرب هؤلاء الشعراء السُّود بأغربة العرب أي غربانها.  فكان من هذه الأغربة عنترة بن شداد، كما كان منهم الصعاليك الثلاثة: ثابت بن الأوس الأزدي الملقب بالشنفري نسبة إلى عظم شفته أو حدة مزاجه، وثابت بن جابر بن سفيان الفهمي الملقب بتأبط شرَّاً، والسُليك بن السُلكة. والشنفري، الذي يُدعى في بعض المصادر بعمرو بن مالك الأزدي، شاعر جاهلي يماني، كان من فتَّاك العرب وعدَّائهم لما تعرض له منهم، وهو أحد الخلعاء الذين تبرَّأت منهم عشائرهم. قتله بنو سلامات نحو 70 ق.ه. (نحو 525 م).  أما عنترة بن شداد العبسي - هذه الشخصية الأسطوريَّة في تأريخ العرب قبل الإسلام - فقد كان لديه مشاكل مع أبيه - أقرب الناس إليه - بسبب لونه الذي تسببت فيه أمه السوداء، أو لكون أمه جارية لا أكثر ولا أقل.  إنَّ هذه الاشكاليات مع أبيه قد زالت عندما أبلى عنترة في إحدى الغارات بلاءً حسناً، مما دلَّ على شجاعته وجعله حرياُ بأن ينال إعتراف أبيه. ويشير المؤرخون إلى أنَّ سبب تفتُّح شاعرية هذا الرجل، أنَّ رجلاً من بني عبس قد سابه وذكر سواده، وأمه، وأخوته، وعيَّره بذلك، فجاوبه عنترة، وفخر عليه بأنَّه يخوض المعارك، ويعف عند المغنم، ويجود بما ملكت يده، ويفصل الخطة الصماء. فقال الرجل: "أنا أشعر منك"، فردَّ عنترة: "ستعلم ذلك"، ثم أنشأ المعلَّقة ... وقد ذكر بعضهم أنَّها أول قصيدة قالها.
وقد بلغ بالعرب مبلغاً من الكراهيَّة والعنصريَّة جعلهم يقتلون ثلاثة من شعراء أولاد العجم ممن كان مشتهراً بالغزل، ومنهم: وضاح اليمن، ويسار الكواعب، وسحيم عبد بني الحسحاس.  ووضاح اليمن هو عبدالرحمن بن إسماعيل (وفي المؤرخين من يسميه عبدالله بن إسماعيل)، من آل خولان، من حمير: شاعر رقيق الغزل، عجيب النسيب، كان جميل الطلعة يتقنَّع في المواسم.  قدم مكة حاجاً في خلافة الوليد بن عبد المطلب، فرأى أم البنين بنت عبدالعزيز بن مروان، زوجة الوليد، فتغزَّل بها فدفنه الوليد حيَّاً في العام 90 ه، ويسار الكواعب قيل عنه إنَّه كان شاعراً دميم الصورة تضحك النساء من رؤيته فيحسبهن يعجبن به ويعشقنه.  ورأته منشم بنت الوجيه وكانت زوجة مولاه، فضحكت، فطمع بها فدخل عليها خباءها فأتته بطيب ومعها موسى فأشمته الطيب وأنحت بالموسى على أنفه فاستوعبته قطعاً فخرج ودمه يسيل فعرف زوجها فقتله.  أما سحيم فهو شاعر رقيق الشعر اشتراه بنو الحسحاس فنشأ فيهم، فقتلوه وأحرقوه لتشبيبه بنسائهم، وذلك نحو 40 ه(660 م).  وإنَّما قُتلوا كلهم أجمعين أبتعين بدعوى الكف عن أولئك النساء، وحفظاُ لهن، حين رأوا التعرض، وشنعة تلك الأشعار، والمقالة القبيحة.  بيد أنَّ الحجاج بن يوسف في عتوه لم يتعرَّض لابن نمير في تشببه بزينب أخته مخافة أن يكون ذلك سبباً للخوض في ذكرها، فيزيد زائد، ويكثر مكثر.  وكذلك معاوية بن أبي سفيان لم يتعرَّض لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وكان يتشبب بابنته.  هؤلاء هم قوم أحلُّوا الغزل لأنفسهم فلم يطب لهم أن يروا ذلك في غيرهم ولا سيما العجم والعبيد حتى لو أدَّى ذلك لتصفيتهم جسديَّاً كما شهدنا. وقرأنا كيف اكتظَّت الساحة الأدبيَّة بشعراء الغزل العذري والعفيف وغيرهما، أمثال قيس بن الملوَّح (المعروف بمجنون ليلى)، وهي ليلى بنت مهدي بن سعد، وكذلك جميل بن معمر العذري (من بني عذرة) - صاحب بثينة - وآخرون.
ومثلما بغض العرب شعر العجم، انحسر دور الموسيقي في نطاقه العربي السلبي، فكان متروكاً "للموالي".  ويحدثنا التأريخ الإسلاموعربي عن أول مغني نبغ في الإسلام وهو "طويس"، أي تصغير طاووس - والتصغير هنا للتحقير - واسمه الكامل عبدالمنعم عيسى بن عبدالله الذائب (637 - 710 م).  وكان "طويس" مولى بني مخزوم في المدينة.  نشأ ببيت أروي أم الخليفة عثمان بن عفان، وسحرته وهو صغير الألحان التي كان يغنيها أسرى الفرس الكادحون في المدينة، فقلَّدهم ولم ينبه ذكره إلاَّ في أواخر خلافة عثمان (644 - 646 م).  وتلهج كتب تأريخ العرب بذكر عبقريَّة "طويس" الغنائيَّة، ولقد قال عنه تلميذه "بن سريح" إنَّ "طويس" أجمل وأحذق مغني عصره.  وهكذا ترفع المواهب الناس للعلا، وإن كانوا غير أهل لذلك بالميلاد.  ومع ذلك كان "طويس" مثل أكثر أوائل المغنيين آنذاك من سقط المجتمع ومنبوذيه لأنَّه مخنث ولا يتمتَّع بمكانة واحترام من الطبقة العليا، وإنَّه صار مضرب المثل عند العرب إذ يقولون "أشأم من طويس"، لأنَّ طويس قال: "ولدت ليلة قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وفطمت ليلة مات أبوبكر (الصديق)، واحتملت ليلة قتل عمر (بن الخطاب) وزففت إلى أهلي ليلة قتل عثمان (بن عفان) وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي (بن أبي طالب)".  هكذا كان مضرب المثل في الشؤم، الذي يلاحق الموالي باستمرار مع تقلُّبات الخلافة (الأمويَّة والعبَّاسيَّة).  أما "طويس" نفسه، فعندما استخلف معاوية الأول (661 - 680 م) صاح مروان بن الحكم بالمخنَّثين وكان آنذاك عاملاً بالمدينة.  فهرب "طويس" إلى السويداء على طريق الشام، وفي هذه المدينة بقي الموسيقار الشيخ حتى وافاه الأجل وهو ممتلئ مرارة لأنَّ شهرته في الغناء لم تعصمه من قضاء مروان عاهل المدينة. وقد انتهج الزنوج الأرقاء في الولايات المتحدة الأمريكية أغاني الحزن الأفريقيَّة والنواح كأداة للتعبير عن الشعور الديني العميق في قلوبهم.  وهكذا تطوَّرت الموسيقى الأفروأمريكية من أنين الزنوج في الكنائس، والحقول كما أخبرنا عن ذلك الموسيقار  الأفروأمريكي الأسود ليونيل ريتشي، والناشط السياسي دو بويس (W E B du Bois).  فالواقع السئ الذي تعيشه الطبقة المضطهدة في المجتمع الطبقي، تفجِّر في ذهنيتها الأفكار الدينيَّة، لتستمد منها السلوى والعزاء.  وعليه فإنَّ الدين لهو التعبير عن البؤس الواقعي، والاحتجاج على هذا البؤس الواقعي معاً، وهو زفرة الكائن المثقل بالألم، وروح عالم لم تبق فيه روح، وفكرعالم لم يبق فيه فكر.
بيد أنَّ أكثر الأشعار هجاءً قد جاء من أبي الطيب المتنبئ فيها يهجو كافوراً.  وكافور الأخشيدي نوبي من شمال السودان، كان والده زياتاً، وكغيره من ضحايا عصره وجد نفسه يُباع ويُشترى في سوق النخاسة بمصر، ولكن بفضل ذكائه وقوة مراسه استطاع كافور أن يستولى على مقاليد السُّلطة في مصر.  وُلد المتنبئ ونشأ في عصر من أدق العصور الإسلاميَّة، حيث واجه المسلمون ثلاث حركات من التمرد: التمرد البابكي الذي قاده بابك الحزمي، وتمرد الزنج بقيادة علي بن محمد الزنجي في البصرة، ثم جاء في النهاية التمرد القرمطي.  وكان يرى المتنبئ أنَّ الأعاجم جبناء لكنَّهم يمثِّلون عنصراً متفوقاً، فدفعته كراهيته للمد الشعوبي إلى مهاجمة الأعاجم في شعره.  غير أنَّ عصيان الزنج كان له مبرراته بعد أن جمع العرب الأرقاء وحشروهم في بيئة تتلقَّفهم متاهات موحشة، لا ملجأ لهم فيها ولا عاصم لهم منها، حتى بدأوا يتربَّصون بأسيادهم الدوائر، إلى أن لاحت لهم بارقة الأمل في ثورة علي بن محمد بن عبدالرحيم من عبدالقيس، تلكم الحركة المعروفة بثورة الزنج في تأريخ الطبري.  فعندما حشد على بن محمد جنوده من الأرقاء الزنوج، قال لأسيادهم في إحدى المواقع: إنني كنت قد عزمت على قطع رقابكم جزاءاً نكالاً لمعاملتكم لهؤلاء المسترقين بالغطرسة والعجرفة، فلقد تحدَّث إلي عنكم زملائي، والآن قررت أن أطلق سراحكم.  فرد السادة الوجلون، الذين هم على وشك الموت، إنَّ هؤلاء العبيد لأُباق مسرفون، وسوف يؤبقون حين تلوح لهم أول فرصة سانحة، وإنَّك وهم إذاً لخاسرون.  لم يأبه علي بما قالوا، بل أجبرهم على الحلف بالطلاق ألاَّ يبوح أي منهم بموضعه وجنده وتعدادهم، ومن ثَمَّ أطلق سراحهم.  ومهما يكن من الأمر، فقد وعد علي أتباعه وأشياعه من الموالي، والعبيد، والغلمان، والخوال السودان بالمال والمنازل والجاه والسلطان وتحسين أحوالهم المعيشيَّة من حياة ضنكة إلى أخرى رغدة.  ورأينا كيف جاءت سهام البيضان على السُّودان من معية عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي (المعروف بابن خلدون)، فقال: "قد رأينا من خلق السُّودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب، فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع، موصوفين بالحمق في كل قطر، والسبب الصحيح في ذلك أنَّه تقرر في موضعه من الحكمة أنَّ طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه".  وأضاف بن خلدون أنَّ المسعودي قد تعرَّض "للبحث عن السبب في خفة السُّودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم، وحاول تعليله فلم يأت بشئ أكثر من أنَّه نقل عن جالينوس ويعقوب بن اسحاق الكندي أنَّ ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم، وهذا كلام لا محصَّل له ولا برهان فيه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".  ويمضي ابن خلدون في مقدمته متحدِّثاً عن نيل السُّودان (غرب أفريقيا) الآتي من مبدئه عند جبل القمر ويذهب إلى البحر المحيط في مملكة مالي من أمم السُّودان.  وذكر بن خلدون أنَّه "في جنوبي هذا النيل قوم من السُّودان يقال لهم لملم، وهم كفاَّر ويكتوون في وجوههم وأصداغهم (...) وكلهم عامة رقيقهم، وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلاَّ أناسي أقرب إلى الحيوان العُجم من الناطق، يسكنون الفيافي والكهوف، ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة، وربما يأكل بعضهم بعضاً، وليسوا من عداد البشر".  وأيم الله أي إساءة أفظع وأشنع من هذه!  ولا يحسب المر أنَّ شعوب السُّودان الشرقي كانوا أحسن وصفاً من أترابهم في غرب أفريقيا من شئ.  وإنَّ من الأمم لمختلفين في ألسنتهم، وإنَّ منهم لمتشعِّبين في عاداتهم وتقاليدهم ثم إنَّهم بغير الإسلام يدينون.  ولم يكن هذا الاختلاف أو ذاك التباين أو ذلكم الاعتقاد أمراً يدعو لأساءة الآخرين بما يلتهجون، أو حسبما يتصرَّفون، أو عما يعتقدون.  فذلك شأنهم وهذا نهجهم انتهجوه في هذه الحياة الدنيا، فلست عليهم بمسيطر.
ولكيما يظن غيرنا، وإنَّ بعض الظن إثمٌ، إننا صببنا جام غضبنا على العرب دون الغرب فنذكِّرهم أنَّنا جادلنا في أمر الغرب ونظرتهم تجاه الأفارقة في دوريات عربيَّة أخرى.  وقد تصدى لهجوم الغرب أدباء أفارقة آخرون بالتَّفنيد لأباطيلهم بالخطابة والكتابة.  فكان تشينو أتشيبي - الروائي النيجيري الذائع الصيت والأب االرُّوحي للأدب الأفريقي الحديث - محقاً في نقده اللاذع لجوزيف كونراد في روايته عن أفريقيا - قلب الظلام (Heart of Darkness) - حين نعته بأنَّه عنصري بعد ذلك زنيم. وقد أبان أتشيبي بأن الهدف السامي للأدب أكثر من أن يكون محتوياً على جملة رصينة، وذلك مما يجعل الأمر مأساويَّاً. وإذا كان الأدب، سواءٌ علينا أنثراً كان أم شعراً، يهدف إلى الإساءة إلى الناس، فهذا يحط من قدر الأدب نفسه.  إنَّ الرصد الدقيق لما يعتمل في وجدان الأدباء من انفعالات وأحاسيس ذاتية تترجم معاني الضمير الجماعي لدي الأمم التي يعيشون فيها وإليها ينتسبون.
إنَّ ما ذهبنا إليه، إذاً، يلخِّص باختصار غير مخل بالقصد المخيلة العربيَّة في الأقوال والأفعال تجاه شعوب أفريقيا.  فقد أدركنا لماذا أقبل العرب بقضهم وقضيضهم على أفريقيا من الشرق والشمال، حيث نزلت سفنهم سواحل أفريقيا الشرقيَّة، وزحفت جحافل جيوشهم من الشمال إلى الجنوب على نهر النيل لاسترقاق أهل أفريقيا، فسبَّوا نساءهم، واختطفوا أطفالهم، وقتلوا رجالهم، وهلكوا الزرع والضرع، وحرقوا الديار، وخلفوا وراءهم الدمار، وشرَّدوا القرويين وساموهم سوء العذاب بغير حق.  فلم تنحسر هذه الحملات الغاشمة بعد ظهور الإسلام، بل أخذت طابعاً جهادياً يقتلون الذين لم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم.  وحين نشأت طبقة من العبيد المجلوبين من أفريقيا في شبه الجزيرة العربيَّة تعرَّضوا لأبشع صنوف الأذي الجسدي من خصيان، وقتل، وعنصرية دنيئة؛ فمنهم من نُعتوا باسماء مهينة، ومنهم من أصبحوا في عداد الخلعاء - أي تبرَّأت قبائلهم عن أفعالهم وأقوالهم فلا تُثار لهم إن هم قُتلوا، ولا تتعرَّض قبائلهم إلى أي هجوم إن هم أتوا شيئاً إدَّاً، فكان وضعهم كمثل المنبوذين في الهند أو أدنى منهم وضعاً.  هذه هي محصلة الثقافة العربيَّة، التي ما فتأ إخوة لنا في السُّودان يجادلون دوماً عنها، ويكدون كدحاً للانتساب إليها، وإن أنكرهم العرب القح ولفظوهم.

وللحديث بقيَّة


د. عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج



د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>
مقدمة
حين بدأ مصطلح المناطق المهمَّشة يأخذ حيزاً في الساحة السياسيَّة السُّودانيَّة، برزت آراء متباينة تجاه هذا المصطلح والذين أخذوا ينعتون به حالهم - كل حسب رؤياه النسبيَّة ومنظوره الحزبي أو الاجتماعي.  فبينما طفق أولئك وهؤلاء الذين سُحقوا بالتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي يعدون البحوث(1) ويديرون النقاش لإبراز أوجه التهميش المختلفة ودورها في النزاع الدموي الدائر في السُّودان، أخذ الذين أسرفوا على أنفسهم ينفون ذلك بالباطل تارة ويذكرون أن السُّودان كله مهمَّش تارة أخرى.  أما الفئة الثالثة، التي أخذت لنفسها منطقة وسطى بين هذا وذاك، فنجدهم قد اعترفوا بالتهميش، لكنَّهم عزوا ذلك إلى الاستعمار "اللَّعين"، الذي حل في القرن التاسع عشر ورحل قبل ما يقارب نصف قرن من الزمان.  ونحن في هذه الصفحات نود أن نسلط الضوء على الفئة الأولى، أي الذين أكتووا بنيران التهميش. إذاً، هل الذين يزعمون أنَّهم مهمَّشون على حق؟
بعد إحلال السَّلام محل الاقتتال في كثير من الدول الأفريقية، باتت الحرب الأهلية في السُّودان تشكل أطول صراع دموي في القارة.  تُرى لِمَ تزداد رقعة الحرب لتشمل مناطق كانت آمنة حتى وقت قريب (البجة بشرق السُّودان)، أو كانت تتصارع مع نفسها في صراع إقليمي-إقليمي مستميت (دارفور) ووجَّهوا سلاحهم شطر المركز؟  تقول الحكمة البرازيلية: "ليست الأرض عطشى إلى دم المحاربين ..... بل إلى عرق الرجال". ولكن هذه الحكمة لم يولها الساسة السُّودانيون اهتماماً، والدليل على ذلك هذا الكم الوافر من الدماء المسفوحة والحرب الدائمة منذ الاستقلال في مستهل كانون الثاني (يناير) 1956م. ذلكم الاستقلال الذي وُلد مع بداية حرب أهلية استمرَّت زهاء 17 عاماً. وقد تفاقمت ثمة اختلافات سياسية واجتماعية وثقافية حتَّى أخذت طابعاً حاداً وصل إلى حد الاحتراب قبيل الاستقلال، ومما زاد الأمر خطورة تعامل السياسيين الشماليين مع قادة الجنوب باستخفاف منقطع النَّظير في اللحظة التي استخدم فيها حكام السُّودان القوة العسكريَّة في محاولة منهم لحسم القضية في ساحات الوغى.                                                                                                خلفت هذه الحرب، التي اندلعت يوم الأربعاء 18 آب (أغسطس) 1955م، شروخاً عميقة لم ترتق بعد في مجتمع أهل الجنوب. وعلى الرغم من السلام الذي تحقَّق لاحقاً واستمر عشر سنوات، إلا أنَّ الجرح لم يندمل تماماً.  حيث أنَّه عندما تستعر الحروب وتنتهي ينصرف الناس إلى إحصاء الخسائر البشرية والاقتصادية تاركين الاثار النفسية الناجمة عن هذه الحروب، وقد تستمر آثارها المدمرة اجيالاً وحقباً حسوماً، وهكذا الحال في السُّودان.
على أي حال، فقد أصاب تمرد ثلاث سريات بجنوب السُّودان الحكومة المصرية بالارتباك الشديد، وعلى الفور اقترح الرائد صلاح سالم - وزير التوجه الوطني وشؤون السودان في القيادة المصرية - على الحكومة البريطانية من خلال سفيرها بالقاهرة، السير همفري تريفيليان، استخدام قوات دولتي الحكم الثنائي المتواجدة في السودان لإخماد العصيان العسكري. كانت لدي بريطانيا ومصر حوالي 1,000 و 12,000 جندي، على التوالي، بالسُّودان.(2)  وقد صرح الرائد سالم للصحافيين قائلا: "على الرغم من أنَّ الوضع في السُّودان ينبغي التعامل معه سياسياً لايجاد الحل الدائم، غير أن الحكومة المصرية ترى أنَّ التدخل العسكري في هذه المرحلة مهم لمساعدة أهل الشمال والجنوب لحل المشكلة بينهم سلمياً.(3)  على أي حال، فقد رفضت الحكومة البريطانية الطلب المصري، كما عبَّر القادة السودانيون عن عدم رغبتهم في استخدام القوات البريطانية والمصرية لاعادة النظام على أساس أن الوضع في الجنوب ما هو الا حالة طارئة بسيطة.(4)  فلربما فكر السياسيون السُّودانيون بأنَّ أية استعانة بقوات بريطانية-مصرية قد تؤجل إعلان الاستقلال، وربما الغائه تماماً، الأمر الذي قد يفوت عليهم فرصة تقليد المناصب الدستوريَّة الرفيعة، وتقسيم السلطة بينهم.  كما أنه لم يكن رفض استخدام القوات البريطانية والمصرية حباً فى التعامل مع المشكل بدبلوماسية سياسية، ولو أنَّهم دروا أنَّ الحرب قد تستمر سبعة عشر عاماً لما تردَّدوا ثانية في الاستنجاد بالبريطانيين والمصريين.
عند قراءتنا للتأريخ بوسعنا، إذن، أن نصنِّف الحرب إلى نوعين نوع ينشب بين دولة وأخرى، ونوع ثان يستعر بين شعوب متصارعة داخل القطر الواحد، وفي الحالة الأولى تكون الحرب قاسية لأنَّها بين عدوين مختلفين تماماً وغالباً ما تكون الحرب قد اشتعلت بسبب نزاع حدودي على شريط من الأرض كما كان الحال بين ليبيا وتشاد حول قطاع أوزو، والهند وباكستنان حول كشمير وغيرهما.  أما بالنسبة للحروب الأهلية داخل الوطن الواحد فقد تسودها وحشيَّة وهمجيَّة كغيرها من الحروب، لكن الساسة الحكماء يحاولون دائماً الحد من التجاوزات في إعادة الأوضاع إلى وضع سابق بدلاً من الجزاء (Restitution and not retribution). وحين تضع الحرب أوزارها غالباً ما يعلن الحاكم العفو عن رأس التمرد لأنَّه هو الذي يصنع السَّلام في خاتمة المطاف.  وقد شهدنا في الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة حين أعفى الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن عن رئيس حكومة الولايات الجنوبيَّة - جيفرسون ديفيس - وطائفة من أعوانه الذين أعلنوا الانفصال عن حكومة واشنطن وأدخلوا البلاد في حرب استنزاف دامت أربع سنوات حسوماً، وراح ضحيتها ثلاثة أرباع مليون شخص.  وقد بدت هذه الحكمة في خطاب لنكولن الشهير بعد نهاية الحرب في العام 1865م، حيث أعلن عدم الحقد والموجدة على أحد والجود للجميع (With malice towards none and magnanimity towards all).  إنَّ العفو عند المقدرة (Magnanimity in victory) من أعظم الشمائل التي يتميَّز بها القادة العظام، وقد صفح النظام الاستعماري البريطاني عن زعيم حركة الماو ماو- جومو كنياتا - في كينيا.  غير أننا لم نجد هذا الحلم في السُّودان حتى وإن أُعطي قائد التمرُّد الأمان والعهد "إنَّ العهد كان مسؤولاً" (الإسراء 17/34). على أي حال، حين ذهب ممثل المتمردين الجنوبيين، الملازم رينالدو لوليا، إلى جوبا قادماً من توريت في 27 آب (أغسطس) 1955م لاستلام شروط الاستسلام، طلب هو الآخر أن يُعامَل المستسلمون بالعدل والقسطاس.  غير أنَّ السلطات الحكومية أعدمته بعد أن أقنعته بوضع السلاح وتسليم نفسه، فضلاً عن الاستعانة به كوسيط بينها وبين المجموعة المتمردة.  كان رئيس الوزراء السيد إسماعيل الازهري، قد أمر بتشكيل لجنة تقصي الحقائق حول أحداث التمرد بالجنوب، وأعلن وزير الداخلية - علي عبدالرحمن - عن تشكيل هذه اللجنة في 8 أيلول (سبتمبر) 1955م، ورفعت تقريرها إليه في 18 شباط (فبراير) 1956م. تكوَّنت اللجنة برئاسة السيد ت.س. قطران، وهو قاضي فلسطيني كان يعمل بالهيئة القضائية في السودان، والشيخ لوليك لادو، وهو زعيم قبيلة ليريا بجنوب السُّودان، والسيد خليفة محجوب، وهو ضابط شرطة سابق ووكيل المبعوث السامي بلندن والمدير العام لمجلس إدارة مشاريع الاستوائية. كما اشرف على اللجنة عسكريان عينهما القائد العام لقوة دفاع السودان، الفريق احمد باشا محمد، وهما: القائمقام (العقيد) محمد بك تجاني، والبمباشي (المقدم) علي حسين شريف.(5)  وقد توصلت اللجنة إلى نتيجة مفاداها أنَّ الأسباب التي أدَّت إلى نشوب الأحداث لا يمكن استيعابها ما لم نضع دائماً في الأذهان النقاط التالية:(6)
هنالك القليل الذي يجمع بين الشماليين والجنوبيين: عرقياً الشمال عربي والجنوب زنجي؛ دينياً الشمال مسلم والجنوب وثني؛ لغوياً الشمال يتكلم العربية والجنوب يتحدث أكثر من 80 لغة مختلفة، علاوة على الاختلافات الجغرافية والتأريخية والثقافية.
نسبة لاسباب تأريخية يعتبر الجنوبيون الشماليين أعداءهم التقليديين.
كانت سياسة الادارة البريطانية حتى العام 1947م تهدف إلى أن يتطور الجنوب على مسار أفريقي زنجي، بكل ما يعني هذا، وذلك باستغلال "قانون المناطق المقفولة" و"قانون تصريحات التجارة"، وقد مُنِع السُّودانيون من معرفة بعضهم بعضاً. وقد ساعد المبشرون المسيحيون، الذين كانوا يقومون بمهام التعليم، ولأهدافهم الخاصة، ألقوا بأنفسهم لصالح هذه السياسة.
لاسباب سياسية ومالية وجغرافية واقتصادية تطور الشمال سراعاً في كل المجالات المختلفة (الحكم المحلي، مشاريع الري، الصحة، التعليم العالي، والتنمية الصناعية) حينما تخلف الجنوب بعيداً إلى الوراء. هذا التباين الجلي في التنمية بين شعبين مختلفين تماماً في قطر واحد خلق - حتمياً - الاحساس في شعب مختلف، بالحقيقة أم بالخيال، بأنهم مخدوعين ومستغلين ومقهورين.
كل العوامل السابقة مجتمعة جعلت من الجنوبيين الشعور بأنهم مواطنين غير عاديين بالمقارنة مع الشماليين مما أثرت في وطنيتهم وفدائيتهم للسُّودان ككل، وبات ولاؤهم دائماً مرتبطاً بالقبيلة فقط. وقد بدأ الجنوبي العادي في الآونة الأخيرة واعياً سياسياً، لكن هذا الوعي السياسي ارتبط بالإقليم.
وقد أفرد التقرير حيزاً للحديث عن أسباب الأحداث، فأصابت اللجنة فيما ذهبت إليه وأخطات في مواقع أخرى.  تحدثت الفقرة الأولى من هذه النقاط على اعتبار أن الجنوب هو مديريات أعالي النيل، وبحر الغزال والاستوائية، والشمال هو بقية المديريات الستة (الشمالية، الشرقية، الخرطوم، الجزيرة، كردفان، ودارفور).  ولا ندري لماذا اعتبر المقررون أن النُّوبة في جبال النوبة، والفونج في تلال الانقسنا، والبجة في جبال البحر الأحمر، والنوبيين في شمال السودان، والفور في جبل مرة، وأقوام أخر هم عرب مسلمون ويتحدثون اللغة العربية؟ هذه هي شيمة سياسيي السُّودان في قصر الرؤية، والنظر إلى مشكلات القطر في أفق ضيق. وفي واقع الأمر لا يعني هذا أنه لم يكن هنالك من يُرى أهل الحل والعقد سبيل الرشاد.  فهذا إبراهيم بدري يرفع مذكرة إلى لجنة تعديل الدستور في 13 أيار (مايو) 1953م ويقول: "عندما أقول جنوب السودان لا أعني مواطني المديريات الجنوبية الثلاثة لكن أيضاً الذين هم فى جنوب الفونج يقطنون - مديرية النيل الازرق - وكذلك بعض مواطني دارفور وجبال النُّوبة في كردفان. كما ذكرنا سلفاً، هؤلاء الناس ليسوا هم بمسلمين ولا يتحدثون العربية، كما يصعب عليهم فهم بعضهم بعضاً، ولا تربطهم علاقات تقليدية أو دينية أو لغوية أو ثقافية بينهم وبين الشماليين؛ العلاقة الوحيدة هي علاقة إقليمية التي تعود إلى الاحتلال(التركي-) المصري في العام 1820م.(7)  وأضاف محمد خير البدوي، وهو أحد مؤسسي الحزب الجمهوري الإشتراكي الذي كان إبراهيم بدري له زعيماً، أنَّهم "في معرض المفاوضات بين الأحزاب السودانية ودولتي الحكم الثنائي في العام 1952م، طالبنا في الحزب الجمهوري الاشتراكي بمنح الحاكم العام البريطاني سلطات استثنائية فيما يتعلق بالجنوب خلال الحكم الذاتي، وعندما قُوبل اقتراحنا بالرفض قال إبراهيم بدري إنَّه ليس نبياً لكنه لن يستغرب وقوع فتنة في الجنوب لا تبقي ولا تذر عقب جلاء البريطانيين".(8)  وقال إنَّ مطالبتهم "بالسلطات الاستثنائية للحاكم العام البريطاني كانت تستند إلى أنَّ قضية الجنوب كانت - ولا تزال حتى اليوم - قضية عدم ثقة متبادلة بين الشماليين والجنوبيين من جراء عوامل تأريخية..."(9)
وتوالت الاحداث ولم يفق قادتنا من سدرتهم السياسية، بل أمسوا يغطون فيسرفون في الغطيط. وتعاظمت مظالم التخوم وارتفعت ارتفاعاً حاداً مثيراً للجزع، وبدأ التململ وأخذ أشكالاً مختلفة ضد التصُّب والتمييز والعنصريَّة. وقد عبر عنه الدكتور التيجاني سيسي "أنَّه منذ الاستقلال كانت النظرة في واقع الامر، نظرة مركزية، حيث أنَّ الحركة السياسية في ذلك الوقت لم تنتبه إلى أنَّ هنالك جموعاً غفيرة من أبناء الاقاليم لهم طموحاتهم للمشاركة في العمل السياسي، وفي نيل قسط من التنمية في السُّودان، ولذلك شعر أبناء الاقاليم .... بأن هنالك ظلماً وغبناً قد وقع عليهم من جانب المركز، ولذلك اتجهوا الى تكوين بعض التجمعات الاقليمية..." وقد أوضح الدكتور سيسي "أنَّ هذه التجمعات هى تجمعات مطلبية، واعتمدت على العنصر المكاني أكثر من اعتمادها على العنصر القبلي..."(10)  ولا يضيرنا شئ إن نادى بعضنا بأن لهم ثقافة خاصة ينبغى تنميتها ورعايتها، كما "أن الاعتراف بالتنوع الثقافي سواءاً كان ذلك على مستوى القارة أم القطر، ليس من شأنه أن يتعارض - بأي حال - مع مبادىء تحقيق الوحدة الافريقية أو بناء الامة أو الوحدة الأفريقية ... والاعتراف بالتنوع والتباين الثقافي، على أي حال، لا يعنى التجزؤ أو الانفصال.  كما أنَّه يجب فهم الاقتراح القائل بتشجيع وتطوير الثقافات والموروثات المحلية، والعمل على ازدهارها، على أنَّه يعني في المقام الأول تعزيز المظاهر الحيوية والخلاقة في التراث القومي."(11)  ويقودنا هذا التحليل إلى اليقظة من خديعة التنكر للخصوصيات الثقافيَّة بدعوى الوحدة الموهومة.  ويتضح التنوع الأثني في السُّودان في الاحصاء السكاني الأول الذي أُجرِِي في العام 1956م، وقد عدَّد هذا الاحصاء 65 مجموعة عرقية مقسمة إلى 597 جماعة فرعية.  فحسب الاحصاء المذكور نجد أنَّ هناك 115 لغة مختلفة.
وفي هذا الاحصاء، الذي تم في العام 1956م، زعم 4 ملايين (30%) من تعداد السكان آنذاك (10,2 مليون) أنَّهم عرب.  أما 61% فقد صوتوا أنَّهم أفارقة، ومن ضمن الذين صوتوا للافريقية نجد أنَّ 3,2 مليون منهم يقيمون في المديريات الست الشمالية حيث يتركز 49% من السكان فيها.  واذا كان العامل الاثني أحد اسباب الخلاف في السُّودان، فإن عامل الدين لا يقل أهمية من ذلك."  وحسب تقديرات غير رسمية أجريت فى العام 1968م اتضح ان 66% من السكان المحليين هم من المسلمين و4% منهم من المسيحيين والبقية - أي 30% منهم - يدينون بالديانات والأنظمة الافريقية التقليدية."  إلا أنَّ هذه الارقام لا يمكن الاعتماد عليها لسببين: إنَّ هذه التقديرات تمت فى نفس العام الذي فيه كانت أحزاب الشمال تمهد لإعلان "مشروع دستور اسلامي"، فكان عليها أن تحاول إيهام العالم أنَّ غالبية السُّودانيين هم من المسلمين، فضلاً عن أنها "تقديرات غير رسمية" تمت في ظروف كان جزء كبير من الوطن يرزح تحت نير الحرب الاهلية.  ومنذ ذلك الحين اضحى شعار "الاحتكام الى شرع الله" واحداً من الأهواء التي بدأت تعتمل في أذهان وأفئدة اليمين السياسي، وبات يشكل حجر رحى في صراع فكري عنيف على الطريقة السودانية. والجدير بالذكر أن فقهاء القانون يعرِّفون الدستور بأنَّه عبارة عن وثيقة على قدر رفيع من القدسية والقانونيَّة التي تضع الهيكل السياسي والمهمات الأساسيَّة لأجهزة الدولة ووسائل عملها وتحوي الحقوق والحريات الأساسيَّة للمواطن.  وبهذا التعريف البسيط - غير المخل بالمضمون العام - نريد دستوراً سودانياً بحيث لا يُظلَم أحد فتيلاً.  وحقيقة الأمر أن شعار "الإسلام هو الحل" هو في جوهره صراع على السُّلطة، يُوظَّف فيه الإسلام كنوع من الغطاء الأيديولوجي، كما تُستخدم فيه القوة وسيلة لحسم الصراع.  فالإسلام بالنسبة للأنظمة السياسيَّة يمثل مبرِّراً يغطي افتقاد المشروعيَّة القانونيَّة (الدستوريَّة) والسياسيَّة كما شهدنا في السُّودان.
الواقع السياسي في السُّودان به من طريقة (الأهالي) كثير في الإدارة، حيث أنَّ القيم والتقاليد التي تسود لا تتماشى مع التطوُّر العلمي الذي يحيط بالعملية السياسيَّة في هذا الزمان، وبالتالي تفقد السياسة السُّودانيَّة كثيراً من المواكبة للعصر والقدرة على الحراك السياسي ضمن منظومة العمل الأممي.  وفي هذا السياق نرصد بعض المظاهر السياسية والاجتماعية التي تدل على تخلف واقعنا السياسي وتكرس الفساد والمحسوبيَّة:(12)
في دولة بها ثلاثين جامعة و5 مليون مغترب مؤهَّل في شتى ضروب العمل بالخارج، ما زالت سيطرة بيوتات محدودة على العمل السياسي مستمرة (آل المهدي وآل الميرغني)، وما زالت الكفاءة والخبرة والمؤهل العلمي ليست هي المعيار الذي تُدار به السياسة والدولة.
ظاهرة الإضافة السياسية للأسرة القابضة دينيَّاً على الأحزاب، وذلك عن طريق المصاهرة أو النسب.  فقد غدا مألوفاً أنَّ الذين تزوَّجوا من أسرة المهدي وجدوا مواقع في السياسة نتيجة لهذا "الزواج السياسي".  فنجوم السياسة في السُّودان مثل سرالختم الخليفة (رئيس وزراء حكومة أكتوبر 1964م) وشريف التهامي (وزير الطاقة والتعدين في حكومة نميري)، وفاروق البرير وكذلك الحرباء السياسي الدكتور حسن عبدالله الترابي وعلي عثمان محمد طه (نائب الرئيس عمر البشير) والدكتور غازي صلاح الدين العتباني (مستشار الرئيس عمر البشير لشؤون السَّلام) دعموا مواقفهم السياسيَّة بمصاهرتهم لآل المهدي.
فماذا كانت ردود الأفعال لتأثير الظاهرتين السابقتين في الحياة العامة في السُّودان؟  إنَّ القوى الاجتماعيَّة الأخرى التي لم تجد فرصة، مهما كدت واجتهدت، في تحقيق ذاتها ولعب دور يستوعب طاقاتها وتطلعاتها الطبيعيَّة في السُّلطة أصبحت تعبر عن نفسها في السياسة السُّودانيَّة بسبل أخرى.  دفعت هذه الأسباب - إضافة إلى عدم تكافؤ توزيع الثروة والتهميش والاستعباد الاجتماعي - إلى تكوين المنظمات أو الاتحادات السياسية المستلهمة من الحس الجهوي، وتشتمل على منهاج إقليمي الطابع، تنشد فى مخططها بناء علاقات إقليمية مع الحكومة المركزية.  هذه الكيانات التي تكوَّنت خارج الإطار السياسي التقليدي لحركة المجتمع في السُّودان، تحت شعارت جهويَّة وثقافيَّة وتنمويَّة، باتت لديها عوامل جاذبة في مواجهة الواقع السُّوداني الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، مما يسهل عليها مهمة الضغظ على الأحزاب السياسية للحصول على قسم في السُّلطة والثروة.  وتشمل هذه المنظمات: حركة تحرير جنوب السودان، إتحاد عام جبال النوبة، ثورة اللَّهيب الأحمر في دارفور (1958م)، حركة سوني في دارفور (1962م)، جبهة نهضة دارفور، ومؤتمر البجة، واتحاد أبناء دنقلا واتحاد أبناء المسيريَّة والحوازمة والرزيقات.  في تلك السنوات بدأ إنسان الريف السُّوداني يزحف نحو حقه في السُّلطة والثروة، فتجمعت هذه التنظيمات كلها - ماعدا البجة وأبناء دنقلا - في حزب وحدة غرب السُّودان بقيادة المرحوم الأستاذ معتصم التقلاوي، وكانت هذه التنظيمات تبحث عن الحقوق والمساواة، ولكن الساسة الحزبيين والطائفيين والبيوتات المستفيدة من الوضع احتوت بعضها وهمَّشت البعض الآخر مثلما همَّشت مناطقها.  وما أن  بدأ التنسيق السياسي يأخذ إطاراً عمليَّاً بين النُّوبة وأهل الجنوب - كما دعا له قادة اتحاد عام جبال النُّوبة واستجاب له الساسة الجنوبيُّون - حتى بدأ الجو السياسي تكتنفه سحب كثيفة مهيلة من المؤامرات لوضع حد لهذا التحالف الذي حتماً قد يهدد مصالح الذين نهبوا ثروات البلاد وأكثروا فيها الفساد، وكان اغتيال الزعيم وليم دينق، رئيس حزب سانو الذي هجر النضال المسلح وعاد إلى الخرطوم من أجل "السلام من الداخل" بلغة اليوم، في العام 1968م شاهداً على العصر.  قام اتحاد عام جبال النُّوبة بأول نشاط سياسي له في العام 1965م حين تقدم بالتماس للحكومة السُّودانيَّة يطلب فيه إلغاء ضريبة الدقنية (Poll tax)، وتعزيز خطى التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة.  وأيد الاتحاد، كذلك، خلق تسعة أقاليم في السودان.  وقد تضمنت الإقليمية - التي دعا إليها اتحاد عام جيال النُّوبة - منح الحكم الذاتي لكل إقليم وتكوين حكومة وطنية تكون مسؤولة عن كافة القطر."(13)  ففي نفس العام أصدر قادة الاتحاد بياناً فيه طالبوا بإعادة الاعتراف بمديرية جبال النُّوبة، وتمثيل النُّوبة في الحكومة.  كما عقد الاتحاد العزم على القيام بالخطوات الآتية:(14)
تحويل الاتحاد إلى حزب سياسي فوراً من أجل القيام بالعبء الثقيل الذي من أجله فوَّضه النَّاس.
على الحزب المنبثق من الاتحاد الاتصال بجبهة الجنوب بغرض التنسيق السياسي من أجل الوحدة وتأسيس جبهة صلبة للأسباب التَّالية:
لا فرق بين إقليم جبال النُّوبة والمديريات الجنوبيَّة الثلاثة (أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائيَّة).  كما أنَّ عادات وتقاليد وطريقة حياة الناس شبيهة في هذه المناطق، وإنَّ الفرق يكاد يكون ضئيلاً مما يصعب على الفرد تمييزه.
السمات الأثنية متشابهة، لأنَّهم ينحدرون من دم زنجي، وتبدو على مظاهرهم العامة الملامح الأفريقيَّة، كما أنهم أصحاب الأرض الحقيقيين.
إنَّ النُّوبة، مثلهم كمثل أهل الجنوب، قد تعرَّضوا للتفرقة العنصريَّة لأنَّهم أفارقة أصليين، وعليه كان من الأمر الضروري على هؤلاء المضطهدين أن يضعوا في الاعتبار أن َّ هذا السُّودان هو وطنهم، وينبغي عليهم أن يعملوا يداً واحدة من أجل وحدة القوة والكلمة.
ومهما يكن من أمر، فقد شهدنا الاسلوب الذي اتخذته حركة تحرير جنوب السودان وجناحها العسكري - الانيانيا - في تعزيز المطالبة بحقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية.  وفيما دعت جبهة نهضة دارفور إلى خلق حركة متعددة الجنسيات تقوم بتوجيه التطلعات السياسية والاقتصادية والدينية وعلى وجه الخصوص في مديرية دارفور في وجهتها الصحيحة"، غير أنَّها استخدمت الأسلوب السلمي في دعواتهم  المطلبية، حيث أنَّ الأسلوب السلمي كان هو الطابع الغالب على هذه الحركات الإقليمية باستثناء حركة تحرير جنوب السُّودان.  وسوف نرى لاحقاً بأن هذا السبات لم يدم طويلاً مهما تم "استقطاب صفوة أبناء (هذه) المناطق المهمشة بإعتبار أنَّ هذا حل للمشكلة، ويتم ذلك عبر الاستوزار والتصعيد السياسي ومنحهم المناصب."  بيد أنَّ هذه الوظائف الهامشيَّة سرعان ما تُنتَزع منهم كلما نفد غرضها، أو إن أبدى هذا المهمَّش اعتراضاً على سياسات بعينها.(15)  كان التباين الثقافي هو الذي دفع الحكومة السودانية "للتريث فى عملية التوحيد (العربي) والأخذ فى الاعتبار الظروف الاجتماعية والديمقراطية والاقتصادية خاصة وأن السودان كيان متميز من النواحى الإقليمية والسكانية."(16)  ولم يرض العقيد معمر القذافى - الذي كان متحمساً لمشروع هذه الوحدة الاندماجية الفورية بين السودان ومصر وليبيا فيما عُرِف بميثاق طرابلس - واعتبر الموقف السوداني بقيادة جعفر نميري تحفظاً وتهرباً من فكرة الوحدة.
بعد تضميد جراح النزاع الدموي في الجنوب في العام 1972م، طفق أهل المناطق المهمشة الاخرى، التي لم تنل قسطاً من الاهتمام، يعبرون عن سخطهم على الأوضاع حينئذ بصور مختلفة، وعلى سبيل المثال حركة المقدم حسن حسين عثمان في 5 أيلول (سبتمبر) 1975م،(17) وأحداث مطار جوبا في احتفالات عيد الوحدة في آذار (مارس) 1977م.  ومما زاد الوضع سوءاً علاقات الارض التي اتُّبعت في توزيع مشاريع الزراعة الآلية في هبيلا وكرتالا بجبال النُّوبة حيث وُضِعت هذه الأراضي الخصبة في أيدي تجار من خارج الإقليم دونما أية فائدة للمواطن المحلي في عيشه ودخله.  فجاءت مجاعة ضاربة في عام ذي مسغبة (1984-1985م)، ومن البديهي أن تكون الضحايا من هؤلاء الاهالي الذين تُرِكوا من غير أرض زراعية صالحة لفلاحها، وأخذوا - كغيرهم من أهل التخوم - ينتظرون العون والمدد من الخرطوم ليأتيهم فى شكل حصص دقيق أو "عيش ريجان".
ثم ندلف إلى الموارد الطبيعيَّة.  بالنظر إلى خريطة السودان نجد أنَّ كل مناطق تواجد الثروة المعدنية تقع في الاقاليم ذات التهميش الاقتصادي والخدمي والتعليمي والصحي. فمثلا نجد مناجم الذهب في جبيت على تلال البحر الاحمر، حيث بدأ التعدين فيها منذ العام 1940م بواسطة شركة بريطانية خاصة، كما نجد أنَّ كل من إبراهيم المهلاوي وبعشر حاولا تعدين الذهب والحديد في بقعة تقع جنوب البحر الأحمر، وقد بدأ التنقيب عن الميكا فى غرب الشريك في الاقليم الشمالي بين عامي 1946-1960م، وفي العام 1960م تم اكتشاف الكروم في تلال الانقسنا بواسطة شركتين بريطانيتين. كما توجد معادن في مناطق مروي، وحفرة النحاس في شمال بحر الغزال، وجبل أبودرو فى كردفان، ومابان شمال أعالي النيل، والحجر الجيري فى خور ثمانية (على مسافة 75 كيلومتراً شمال بورتسودان)، الذي ينتج 12,000 طناً من الخام لصناعة الاسمنت.  وبما أنَّ كل هذه النشاطات التعدينية اقتصرت على القطاع الخاص، إلا أنَّ دور القطاع العام فيها كان يتمثل في إعداد الخرط الجيولوجية ومنح التصريح لكل من يبدىء رغبة اكيدة في عملية التعدين.(18)  وبدلاً من أن تقوم الهيئة السودانية للتعدين، التي أُنشات في العام 1975م، باستثمار هذه المعادن وتطوير المناطق التي تذخر بها، وتوفير سبل كسب العيش الشريف للمواطنين فيها، قامت السلطات المركزية بإعادة رسم الحدود وضم المناطق التي تقع في الاقليم الجنوبي إلى مديريات شمالية كما حدث في حفرة النحاس وكافياكنجي والهجليج ومابان حيث اُتبعت الاولى والثانية إلى دارفور بعد اقتطاعهما من بحر الغزال، والثالثة إلى جنوب كردفان بعدما كانت جزءاً من بحر الغزال، والرابعة إلى النيل الازرق من أعالي النيل.  ومما تجدر الاشارة إليه أن ظهور البترول في السُّودان جلب معه انتكاسة مفجعة في شعار الوحدة الوطنية، حيث بلغ المكر الخبيث "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" بأهل السلطة وقتذاك معلنين أنَّه تم اكتشاف البترول على بعد عدة كيلومترات جنوب الخرطوم"، في تحاش مقصود لذكر الجنوب.  كما استحدثوا محافظة جديدة ضمت - فيما ضمت - أجزاء من جنوب كردفان وبحر الغزال وسموها محافظة الوحدة وأصبح نميري، رئيس الجمهوريَّة، محافظاً لها، وعُرِفت آبار النفط يومئذ بأسماء شفريَّة مثل بئر الوحدة رقم 1، وبئر الوحدة رقم 2، وهلمجرا، حتى لا تظهر اسماء المناطق الحقيقية في خريطة النفط.(19)  وقد حذر الخبراء الاقتصاديون - عشية اكتشاف النفط - أنَّ مشاكل السودان سوف لا تُحَل لحظة بداية تدفُّق عائدات النفط إليه، بل قد يؤدي ذلك إلى التضخم وإهمال الجهود المطلوبة لتحديث القطاع الزراعي ووضع الهيكل المالي في الصراط المستقيم.(20)  
بقليل من الحكمة والموعظة الحسنة كان بمقدور الصفوة الحاكمة في السُّودان حل ما اعتاد الناس تسميته "بمشكلة الجنوب" قبل استفحالها، وذلك بالامتثال إلى دستور يكفل الحريات العامة والأساسية ومن ثّمَّ حوله يتراضى الناس بالحق، مع الأخذ في الاعتبار مطالب أهل الجنوب المشروعة المتثلة في قسمة السلطة والثروة عشية الاستقلال بالعدل، ومعالجة الأوضاع الأمنية التي بدت في الجنوب بالتدبر السياسي لا عصا العسكرتارية الغليظة، لكن عصبيَّة أهل الشمال، التي لم يرضوا عنها بديلاً، حالت دون ذلك.  هذه العصبيَّة، أو النزعة الأيديولوجيَّة، هي تلك التي يقول بها الخطاب المضاد بشقيه العروبي المتطرف والإسلامي المتزمِّت كذلك، والذي يرفض بالمقابل الاعتراف بأيَّة خصوصيَّة محليَّة أو شرعيَّة ثقافيَّة وأثنيَّة للمهمَّشين وبخاصة أولئك المنعزلين جغرافياً، والذين لم يتواصلوا مع باقي أرجاء البلاد ويستعربوا كغيرهم، فظلوا على تقاليدهم ولهجاتهم وعاداتهم.  إنَّ الضرر الذي يسببه هذا الطرح القومي العروبي المتطرِّف، وخصوصاً إذا مازج بين الحيثيات الإثنيَّة التي يأخذ بها وحيثيات أخرى منتزعة من الخطاب السَّلفي الديني، بالمشكل السُّوداني لعظيم.
وأياً كانت الأسباب، فقد اشتعلت الحرب الأهليَّة الأولى (1955-1972م)، ومن ثّمَّ جنح الطرفان المتحاربان للسلم لفترة عشر سنوات، ولكن سرعان ما تفجَّر الوضع حربأ للمرة الثانية في جنوب القطر في العام 1983م، وانتشرت - انتشار النار في الهشيم - لتشمل مناطق أخرى سئمت الحديث مع أهل العقد والحل في الخرطوم عن مشاكلها الإقليميَّة وتهميشها الاقتصادي والاجتماعي. وقد علمتنا التجربة كيف تستغل أحزاب الشمال دائماً قوة الجنوب العسكرية كحصان طروادة للوثوب على السُّلطة والتشبث بالحكم في الخرطوم، ومتى ما لاحت فرصة بديلة لتحقيق ذلك الحلم لفظت الجنوب، بل وحاربته.  لذلك لم نندهش حينما "أجرى اللواء عمر محمد الطيب، نائب الرئيس ومسؤول الأمن، اتصالات متعددة مع قادة الأحزاب خلال وجوده في لندن في بداية شهر آذار(مارس) 1984م، وأنَّ قادة الأحزاب أكدوا استعدادهم للوقوف ضد حركة الانفصال (في إشارة إلى الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان) في خطوات عملية وعلنية إذا ما أعلن الرئيس نميري إلغاء نظام الحزب الواحد (الاتحاد الإشتراكي السُّوداني) وإقامة مجلس يضم أبرز الشخصيات الوطنية يتولى قيادة البلاد لحين تجاوز حدة الازمات."(21)  
وخلاصة القول إنَّه في عهود الديمقراطيَّة الأولى التي أعقبت الاستقلال انخرط أبناء المناطق المهمَّشة في الأحزاب التقليديَّة (حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي) والعقائديَّة واليساريَّة (الحزب الشيوعي السُّوداني وحزب البعث العربي الإشتراكي) - وحالياً الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة - لكي ينفذوا من خلالها للتعبير عن قضايا مناطقهم الملحة، وذلك حين أفلحت السلطات الاستعماريَّة والحكومات الوطنيَّة المتعاقبة في منعهم من تكوين تجمعات (الكتلة السُّوداء مثالاً) تعبِّر عن تطلعاتهم المنشودة في التمثيل السياسي والتنمية الاقتصادية والارتقاء بالخدمات الاجتماعيَّة والصحيَّة والتعليميَّة.  وحين ابتئسوا من القوم الظالمين، أنشأوا كياناتهم الجهويَّة، ولكنهم جُوبهوا بضراوة تحت دعاوي العنصريَّة البغيضة والانفصاليَّة المرفوضة، وخاصة حين بدأ التَّنسيق السياسي يتبلور بين هذه الكيانات في الستينيات من القرن المنصرم، حيث كانت إحدى نتائج ذلكم التنسيق هي هزيمة مشروع الدستور الإسلامي في الجمعيَّة التأسيسيَّة، واستهجان العنف المفرط الذي استخدمته الحكومة في الحرب الأهليَّة في جنوب البلاد، والمطالبه بالحل السياسيي لمسببات الاقتتال، وليشمل الحل المناطق التي لم ترفع السلاح بعد.  وفي كل هذه المطالب السياسيَّة لم نر فيها من العنصريَّة ولا الانفصاليَّة في شئ.  ففي طيلة سنوات العهد المايوي (1969-1985م) وجد المهمَّشون أنفسهم في براثن الدكتاتوريَّة "النميريَّة"، وبدأ التنسيق يتم بين بعض من هذه الفئات كما تم بين النُّوبة وأهل الجنوب.  على أي حال، انتظم النُّوبة وأهل الأنقسنا مع اخوتهم في جنوب السُّودان في الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان وعقدوا العزم على استخدام أسلوب جديد في النضال، ذلكم النهج هو الكفاح المسلَّح وهكذا انتقل النضال السياسي - بعدما استحال الجدال بالكلام المباح في الخرطوم - إلى العمل المسلَّح في أحراش الجنوب.  كان هذا هو الحال الذي وجد فيه الرئيس نميري نظامه في اللحظات الأخيرة وهو يتهاوى في طريقه إلى الفناء.
هوامش وإحالات
(1) في أيار (مايو) 2000م صدر الكتاب الأسود: اختلال ميزان السلطة والثروة في السُّودان، الحزء الأول، ويحوي الكتاب على أمثلة حية من اختلال توزيع الثروة القوميَّة والسلطات الدستوريَّة والتنفيذيَّة والقضائيَّة، وكيف أنَّ استحواذ هذه السلطات واكتناز الثروة الوطنية تسيطر عليهما ثلاثة من القبائل السُّودانيَّة هي: الجعليين والشايقيَّة والدناقلة.  وفي آب (أغسطس) 2003م صدر الجزء الثاني منه واشتمل على أمثلة أخرى من هذا الاختلال.

(2) Manchester Guardian, Saturday, August 20, 1955.
(3) Manchester Guardian, Monday, August 22, 1955.
(4) Manchester Guardian, Tuesday, August 23, 1955.
(5) The Times, Tuesday, August 30, 1955.
(6) Southern Sudan Disturbances, August 1955, Report of the Commission of Inquiry.
(7) Khalid, M, The Government They Deserve: The Role of the Elite in Sudan’s Political Evolution, London, 1990.
(8) صحيفة "الحياة"، 18/8/1996م، العدد 12228.
(9) نفس المصدر السَّابق.
(10) صحيفة "الخرطوم"، 28/11/1993م.
(11) البروفسير محمد عمر بشير، مداخلات في قضيَّة الهويَّة: التَّنوع الثقافي، الإقليميَّة، والوحدة القوميَّة، صحيفة "الإتحادي الدوليَّة"، 19/7/1994م.
(12) صحيفة "الشارع السياسي": 5/9/2000م، العدد 1086.
(13) البروفسير محمد عمر بشير، مداخلات في قضيَّة الهويَّة: التَّنوع الثقافي، الإقليميَّة، والوحدة القوميَّة، صحيفة "الإتحادي الدوليَّة"، 19/7/1994م.
(14) Deng, D D A, The Politics of Two Sudans: The South and the North (1821-1969), Uppsala, 1994.
 (15) مجلة "الزمان الجديد": فبراير 2000م، العدد الرَّابع.  حين انشطر الحزب الاتحادي الدِّيمقراطي وظهرت مذكرة الثمانية الصادرة في القاهرة في كانون الأول (ديسمبر) 1999م، والتي حملت اسم "حركة الإصلاح والتجديد المؤسسيَّة"، انتقى السيد محمد عثمان الميرغني - زعيم الحزب - منهم الدكتور فاروق أحمد آدم، دون قياديين آخرين وقَّعوا معه، وتم فصله من الحزب وتجميد عضويته من داخل التجمع الوطني الديمقراطي المعارض.  وقد أثار هذا الأسلوب الانتقائي حفيظة أوساط الفعاليات السُّودانيَّة الأخرى، وخاصة أن الدكتور فاروق أحمد آدم شخصية وطنيَّة ذات سجل نظيف، وقد قدم للحزب الاتحادي الدِّيمقراطي منشقَّاً عن الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، التي كان أحد ناشطيها ونائباً في البرلمان السُّوداني في عهد حكومة الصادق المهدي (1986-1989م)، وذلك بعد أن رفضت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة مبادرة السَّلام السُّودانية التي وُقِّعت بين السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور جون قرنق في أديس أبابا في 16 تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1988م.
(16) مجلة "اليمامة"، 23/10/1981م، العدد 672.
(17) مجلة "الزمان الجديد"، شباط (فبراير) 2000م، العدد الرابع، وصحيفة "الشارع السياسي"، 5/9/2000م، العدد 1086.  إنَّ من ضمن الملاحقات الجنائيَّة التي بدأت تلاحق الرئيس الأسبق جعفر نميري فور عودته إلى الخرطوم في 23 أيار (مايو) 1999م بعد 14 عاماً قضاها في منفاه الاختياري بالعاصمة المصريَّة - القاهرة - بلاغ مرفوع من أسرة المرحوم حسن حسين عثمان، قائد الانقلاب العسكري في العام 1975م.  غير أنَّ هيئة الاتهام، التي شكلها التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطيَّة التي يرأسها المحامي مصطفى عبدالقادر، قد اصطدمت بالقرارالصادر من رئيس الجمهوريَّة عمر البشير بموجب المادة211 من قانون الاجراءات الجنائيَّة للعام 1991م والذي منح نميري حق العفو فيما عدا جرائم الحدود، كما أنَّ مسألة التقادم المسقط للدعوى الجنائيَّة حسب نص المادة 38 من قانون الاجراءات الجنائيَّة حالت دون القصاص. وقد تم إعدام كل من الآتية اسماءهم في هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة: المقدم حسن حسين عثمان، الرائد حامد فتح الله، النقيب محمد محمود التوم، ملازم أول حماد الأحيمر، ملازم (طيار) عبدالرحمن شامبي نواي، ملازم أول (طيار) القاسم محمد هارون، مساعد علي مندل أغبش، رقيب (إدارة) إسماعيل كوسة النور، رقيب (إدارة) بابكر عزالدين حران، رقيب (إدارة) محمد سورين كمال، رقيب أول مقدم إدريس، الرقيب مجذوب النميري، الرقيب محمد آدم، الرقيب محمد شايب، الرقيب رضوان بابكر، العريف الشفيع عجبنا، وكيل عريف الجزولي كمندان، وكيل عريف محمد إبراهيم، وكيل عريف فضل الله الدود، العريف أحمد المبارك أحمد، الجندي عثمان رحومة، والسيد عباس برشم.
(18) SUDANOW, March 1988.
(19) أنظر أبيل الير، جنوب السودان: التمادي فى نقض المواثيق والعهود، ترجمة بشير محمد سعيد، لندن 1992م. كذلك أنظر منصور خالد، ألسُّودان: أهوال الحرب وطموحات السَّلام، قصة بلدين، لندن، 2003م.
(20) Events, November 3, 1978.
(21) مجلة "اليمامة"، 9/5/1984م، العدد 802.





التَّجربة الديمقراطيَّة الثَّالثة (1986-1989م): دروس وعبر
د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>
بعد زوال نظام المشير جعفر محمد نميري في نيسان (أبريل) 1985م أمسى الواقع السياسي في السُّودان في أمر مريج.  فقد ترك الكابوس، الذي بلى وانجلى في خاتمة المطاف، مسالباً كثيرة في جميع مناحي الحياة العامة في البلاد. وهكذا تنادى الشَّعب السُّوداني وتصايح الجماهير بكنس "آثار مايو" - أحد شعارات الانتفاضة "الأبريليَّة" - وكانوا في ذلك النداء وكذلك التصايح يعنون، فيما يعنون، قوانين الشريعة "النميريَّة".  تلكم القوانين التي استهجنها العالم وقال لها السُّودانيون أُفٍ، إلاَّ الذين أسرفوا على أنفسهم وكانوا لها ناصرين.  وقد نعتها السيد الصادق المهدي بأنَّها لا تساوي الحبر الذي كُتِب بها، ومن ثَمَّ دفع ثمن الاستهزاء، بحزمة هذه القوانين المشوهَّة البغيضة، سجناً مع آخرين.  إذ سنرى ماذا فعل الصَّادق  بهذه القوانين بعدما قال فيها ما قاله مالك في الخمر.
كذلك خلف رحيل النظام "المايوي" اقتصاداً منهاراً، فقد تدهور الاقتصاد السُّوداني نتيجة الفساد الذي توغَّل في مؤسسات الدَّولة، والحرب الأهليَّة التي تفجَّرت في جنوب الوادي، والفاقة التي ضربت أرجاء البلاد حتى بدأ السُّودانيون المسغِبون سيرهم نحو العاصمة القوميَّة ليتم توطينهم في معسكرات النازحين في ضواحي مدينة أم درمان.  بيد أنَّ من قرأ عن المصالحة الوطنيَّة بين نظام مايو والجبهة الوطنيَّة المعارضة، التي مثَّلها الصَّادق المهدي في لقاء بورتسودان العام 1977م، سوف لا يخالطه أدنى ريب أنَّ الصَّادق المهدي - بعد المحاضرات التي لقَّنها لنميري عن الاقتصاد - قد يفشل هو الآخر في إنزال هذه النظريات الاقتصاديَّة إلى أرض الواقع تنزيلاً.  ففيم تركَّزت النظريات "المهدويَّة" في الاقتصاد؟ وما هي الحلول التي طرحها صاحب هذه النظريات - أي الصَّادق المهدي؟  تحدَّث الصَّادق المهدي عن العجز في ميزان المدفوعات وأسهب في الحديث ولا يكاد يبين أمراً، كما أنَّه تكلَّم عن "تنشيط دبلوماسيَّة الشَّعب عن طريق العلاقات بين الهيئات الثقافيَّة والشَّعبيَّة والأدبيَّة والفنيَّة بين البلدان"، ورأى الصَّادق أن التدهور الاقتصادي في السُّودان يمر عبر ثلاث مراحل هي مرحلة إيقاف التدهور، ومرحلة تحقيق التوازن، ومرحلة الانطلاق بلا عوائق في برامج التنمية، وسمى هذه التنمية بالتنمية المتواثبة العادلة إقليمياً وفئويَّاً (إشتراكية المؤمنين).(22)  وبما أنَّنا لم نسمع بالتنمية المتواثبة أو غير المتواثبة - فضلاً عن أنَّها عادلة إقليمياً وفئويَّاً - رأينا أنَّ في هذه المزاعم "المهدويَّة" من طلاسم كثير، وفي حوجة إلى فك رموزها حتى يسهل على الشخص العادي الفهم قبل الحكم.  فهل ما كان يصبو إليه الصَّادق المهدي اقتصاداً إسلاميَّاً أم إشتراكيَّاً أم كان بين ذلك قواماً؟  فقد ذكر الدكتور حسن مكي محمد أحمد - أحد عرَّاب النظام الإسلاموي الذي أطاح بحكومة الصَّادق المهدي في حزيران (يونيو) 1989م - "أنَّ أكبر منغصات التمدُّن الإسلامي تكمن في الفشل في تنمية الدين".  واستطرد الدكتور مكي قائلاً: "إنَّ تخلُّف الثقافة الدينيَّة عن الإحاطة بقضايا العصر يُنغِص على السلم بهجته بالحياة واستقباله لها، ولا سيما في المسألة الاقتصاديَّة حيث تقبل القروض الربوية للدولة وتحرم في المعاملات الفردية ولكن من الناحية العمليَّة نجد أنَّ المعاملات المصرفيَّة المعتمدة تكون تكلفتها أكبر على الأفراد والفقراء من الصيغ المصرفية الربوية المعروفة! إذاً، أين الخلل؟ في عدم كفاءة نظامنا المصرفي أم في الارتجال والتخبُّط أم اعتماد قراءات خاطئة لمفهوم الربا؟ - علماً بأنَّه لا توجد دراسات وبحوث إسلاميَّة مهتمة ولا يوجد كرسي للاقتصاد الإسلامي يستحق أن يسمى اقتصاداً إسلاميَّاً في أية جامعة سودانيَّة أو عالميَّة فكيف يمكن أن ينمو فكر اقتصادي إسلامي دون بحث أو دراسة؟  ولعلَّ آخر ما في جدول أعمال المصارف الإسلاميَّة دعم حركة البحث العلمي في هذه المجالات - فموظو المصارف في حيرة من أمرهم! هل هم في خدمة اقتصاد إسلامي أم مجرد كُتَّاب ربا؟"(23)  إذا كان هذا هو رأي أحد العارفين بمسائل الدِّين والدولة فيما تسمى بالاقتصاد الإسلامي فماذا عسانا نحن فاعلين غير الصمت، وقديماً قالوا لا يُفتى ومالك في المدينة.
وثالثة الأثافي، التي أمست من تركة النظام "المايوي" المباد، هي الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان وما لبثت حيناً من الدهر حتى بدأت تنتشر في بقية أجزاء القطر انتشار النهار في الهشيم.  فقد تعامل الصَّادق مع الحرب الأهليَّة في السُّودان منطلقاً من عدة جوانب: فنجد أنَّ الصَّادق قد نظر إلى المشكل السُّوداني نظرة عنصريَّة كغيره من قادة الشمال، وتتجلى هذه النظرة في رد الصَّادق على أحد أعضاء حكومته من حزب المؤتمر الأفريقي السُّوداني (Sudan African Congress -SAC) حين سأل الأخير السيد الصَّادق المهدي - رئيس الوزراء - عن هل لدي حكومته نوايا صادقة في اتخاذ خطوات عمليَّة لإحلال السَّلام في ربوع السُّودان؟  فماذا كان رد رئيس الوزراء - السيد الصَّادق المهدي - للوزير السائل؟  رد الصَّادق أنَّ الأمر متعلق بقرنق إذا لم يوقف الحرب فإنَّ أهله (الجنوبيين) هم الذين يموتون من استمرارها.  فقد أزعج هذا الرد غير الحصيف، الذي لا ينبغي أن يصدر من قائد يُفترَض أن يكون حاكماً لعموم أهل السُّودان لا يفرق بينهم، الوزير السائل وغضب غضبة كبرى أدَّت إلى تقديم استقالته من حكومة الصَّادق في شباط (فبراير) العام 1987م.(24)  وعلى صعيد آخر، لم يعتمد الصَّادق على أية أسس علميَّة في تفسير المشكل السُّوداني، بل ابتنى على ما نسميه التفسير الموروث (التراث الموجود)، أي تفسير القدامى القائل بأنَّ للمشكل جذور ضاربة في العهد الاستعماري الأجنبي دون أن ينظروا إلى التقادم الزمني والمياه الكثيرة التي جرت تحت الجسر (Much water has flowed under the bridge). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ تعاطي مسألة الاقتتال السُّوداني-السُّوداني على الجدل الأيديولوجي وليس على الفكر النقدي قد أضر بالمشكل أي الضرر، كالقول مثلاً إنَّ هذا الفريق يستحق العقاب ونحن فيما نفعل ندافع عن حقوقنا، وكأنَّ هؤلاء الأغيار ليسوا بمواطنين سودانيين وليست لهم حقوق مهدورة يدافعون عنها.  لذلك نجد أنَّ سبب الفشل في معالجة النزاع السُّوداني نابع من تعامل الحكام "الخرطوميين" معه على أساس أنَّه ارتباك للنظام القائم الذي ينبغي حمايته بحد السيف دون مراعاة أنَّ الأطراف المتشاجرة لا تشارك بعضها بعضاً القيم الأساسيَّة التي تنبني عليها شرعيَّة النظام السياسي والاجتماعي المزعومة.  إنَّ مفهوم النزاع - على المستويين النظري والابتدائي - قد أربك علماء الإجتماع والأجناس ردحاً من الزمان.  فقد تحدَّث قلوكمان عن دور النزاع في المجتمعات البدائيَّة، كما أخرج داهريندورف للناس بحثاً عن النزاع الطبقي في المجتمعات الصناعيَّة وهو يراجع عمل ماركس الذي أوجد علاقة بين مفهوم الطبقة والنزاع. وفي السُّودان امتثل هذا النزاع بين الصفوة المتحكِّمة والرعية المقهورة، حتى استوبل الدهماء من السُّودانيين واستوخموا، فكان وبالاً وخيماً على حياتهم العامة، وفي ذلك تستوي العهود العسكرية والدِّمقراطيَّة.
كانت الدِّيمقراطيَّة الثالثة في السَّودان أملاً عظيماً؛ كيف لم تكن وقد جاءت بعد حكم دكتاتوري بغيض، وكان الظن بالناس أن يأتي الساسة بممارسات رشيدة ومنهج سليم لكيما لا يطل العسكر علينا بدكتاتوريَّة عسكريَّة مرة أخرى.  ولسد الثغرة التي تقود إلى الإنقلابات العسكريَّة - كما ظنوا وزعموا - اجتمع نفر منهم (18 مندوباً يمثِّلون أحزاباً سياسيَّة وتجمع نقابي وقوات مسلَّحة) في يوم 17 تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1985م ووقَّعوا على وثيقة من تسع نقاط سموها "ميثاق الدِّفاع عن الدِّيمقراطيَّة" (ملحق).  بادئ ذي بدء، نستطيع أن نقول إنَّ حراسة الدِّيمقراطيَّة والتعددية الحزبيَّة لا تأتي عن طريق - ولا تدوم بواسطة - التوقيع على مواثيق وعهود، بل من خلال الإيمان القاطع بهذ المواثيق والعهود والتفاني في سبيلها.  لذلك - ولأسباب أخرى - إنَّا لنظن أنَّ الذين صاغوا ووقَّعوا على هذه الوثيقة لمخبولون أو ليس فيهم رجل رشيد.  فلم يسألوا أنفسهم ولم يكلِّفوا أدمغتهم عناء التفكير والتدبير في آليات عملية (Practical mechanisms) لإيقاف الاعتداء على الدِّيمقراطيَّة لحظة وقوعه، بل اكتفوا بإطلاق ما يسمى الإضراب السياسي والعصيان المدني، ولا نرى فرقاً بينهما، وكلاهما سلاح بلا ذخيرة حربيَّة وسيف من عُشَر ونمر من ورق إذ لا يمكن أن يكون مفعوله أجدى من كثير السِّلاح وأفتك من وفير العتاد في غياب العوامل الأخرى.  إذاً، ما هي العوامل المساعدة الأخرى؟  ليس بالضرورة أن نجاح العصيان المدني في تشرين الأول (أكتوبر) 1964م وآذار/نيسان (مارس/أبريل) 1985م  كفيل بأداء نفس الغرض لحظة الإعتداء على الديمقراطية منذ الوهلة الأولى.  ففي الحالتين المذكورتين تضافرت عوامل عدة أدَّت - في نهاية المطاف - إلى التغيير المنشود وهي: استفحال الفساد السياسي، واشتداد ويلات الحرب الأهليَّة، وانتهاكات حقوق الإنسان، والضغوط الخارجيَّة (سياسية واقتصاديَّة ودبلوماسيَّة)، والحجر المحجور على الحريات العامة من تكميم الأفواه وانعدام حريَّة التعبير والتجمع وغيرها، وأخيراً التفاف الجيش إلى نداء الجماهير ومطالب الأحزاب السياسيَّة والنقابات المهنيَّة من أجل التغيير الذي أمسى واجباً وطنيَّاً.
مهما يكن من أمر الوثيقة والموقِّعين عليها، فلم يستفد هؤلاء الساسة الموقِّعون من تجارب تأريخهم المعاصر أو تجارب الأمم التي حولهم.  فقد وقَّع قادة الأنيانيا في آذار (مارس) 1972م على اتفاق أديس أبابا للسَّلام مع حكومة جعفر نميري ولم يضعوا في نصب أعينهم ماذا هم فاعلون إن أخرق نميري - أو أي من قادة الشمال في الحزب الحاكم أو المتحكِّم - هذا الاتفاق المبرم الذي أنهى حرباً سودانيَّة-سودانيَّة استمرَّت حيناً من الدَّهر؟  كما أنَّ الأريتريين وقعوا في نفس الإثم المبين إذ مُنِحوا الترتيبات الفيديرالية لتكون أساس الحكم في إقليمهم ولم يسألوا أنفسهم كيف يمكنهم أن يحموا هذه الترتيبات إذا انتكس الإمبراطور هيلاسلاسي أو خليفته ونقض العهد أو الميثاق؟  ففي كلتا الحالتين - حالة الجنوبيين السُّودانيين والإريتريين في أثيوبيا - لم تكن لهما قوة عسكريَّة لحماية مكتسباتهما، ورأينا أنَّ الاكتفاء بشهادة شهود عيان من دول أجنبيَّة أو منظمات دوليَّة، التي قد لا تأتي لإحقاق الحق وتبطيل نقض المواثيق والعهود، لا يغني من الأمر شيئاً.  وهذا ما جرى في السُّودان حيث عاد أهل الجنوب وحملوا السلاح ودخلوا الأحراش في العام 1983م، واشتعلت الحرب الأهليَّة في أريتريا، بعد أن ضم الإمبراطور هيلاسلاسي إقليم أريتريا في العام 1962م إلى أثيوبيا العظمى، واستمرت الحرب الأهليَّة الأثيوبيَّة لمدة 30 عاماً حتى استقلال أريتريا في العام 1993م.  فحين قال الرَّئيس المصري الرَّاحل جمال عبدالناصر ما أُخِذ بالقوة لا يُسترَد إلاَّ بالقوة لم يكن في القول شططاً ولا تزيُّداً؛ ولم يكن مبالغاً أو متكلِّفاً إذ أضاف في القول إنَّ الحق الذي لا تسنده قوة حقٌ ضائع؛ إنَّما هو الحقيقة بعينها. وعوداً إلى الوثيقة - وثيقة الدفاع عن الدِّيمقراطيَّة - فنجدها قد افتقرت من القوة الإلزاميَّة، لذلك كذلك لم توقع عليها قوى سياسيَّة أخرى كالجبهة القوميَّة الإسلاميَّة والحزب القومي السُّوداني وغيرهما.  وقد تنبَّهت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة باكراً، وزادت من قناعتها في عدم جدوى النظام الدِّيمقراطي باعتباره لا يناسب طموحاتها وتطلعاتها المؤامراتيَّة، وبدأت تفكر عملياً ومليَّاً فيما أضمرته زمناً، وعمدت إلى استراتيجيَّة عمليَّة متمثلة في احتواء وإغواء المؤسسة العسكريةَّ والخدمة المدنيَّة بالمال والأعمال، وتفريغ الوثيقة من شحنتها الكهربائيَّة وكسر أنيابها.  فزرعت الجبهة خلايا لها في المؤسسة العسكريَّة(25) والقوات النظاميَّة الأخرى، وتوغَّلت في النقابات حتى بسطت سيطرتها عليها، وحشرت رجالها في القضاء والجامعات وجميع مسالك الحياة العامة في البلاد، وباتوا ينتظرون ساعة الصفر للإنقضاض على الدِّيمقراطيَّة.
ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ كتابتنا لتجربة الديمقراطية الثالثة في السودان ليست من باب تبخيس الناس أشياءهم بقدر ما هي محاولة منا لتقييم مسالبها ومن ثَمَّ الانكباب على تقويتها وتلافي منابت الخطل والزلل فيها عند استعادة الحياة البرلمانية، هذا إذا كنا نبغي لهذه الحياة البرلمانية الديمومة في السُّودان.  على أية حال، فبعد أن تهاوى نظام المشير جعفر نميري وانتخاب السيد الصادق المهدي في انتخابات شبه عامة في العام 1986م(26) استبشر السودانيون خيراً بان سليل المهدى جدير بأن ينهض بالبلاد إلى ما يصبو إليه العباد.  كان أمل القوم في الصادق (أمل الأمة) عظيماً، وخاصة في شعارات الصحوة الإسلاميَّة التي رفعها في الحملة الانتخابية.  لكن ماذا حدث؟ وما هي الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها حكومته؟  كان الهدف من تبني الصَّادق هذا الشعار الرنَّان هو الكسب الدعائي الذي لا يعكس فلسفة وأسلوب عمل يسعى إلى الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجيَّة التي كان السُّودان يواجهها يومئذٍ، كما أنَّه كان يفتقر رؤية متكاملة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.  لذلك فشل الصَّادق وحزبه - حزب الأمة القومي الجديد من دون جديد جدي - في أن يبتني من القيم الأخرى التي نرى أنها دافعة لعملية التنمية مثل المواطنة كأساس للمساواة التَّامة في الحقوق والواجبات، وتحديد الهوية السُّودانيَّة، وضمان احترام حقوق الإنسان، وتعزيز مسيرة الديمقراطية ومستقبل التعددية الحزبيَّة في السُّودان من خلال تفعيل الحريات العامة وتأكيد مبادئ الشفافيَّة والمساءلة في العمل العام، وتعزيز دور المجتمع المدني كشريك في التنمية، وتطوير الإصلاح السياسي.  بيد أنَّ ما يتأسَّى له الفؤاد ويعتصر ألماً هو الافراط المتعمد والرغبة الجانحة لهتك الأعراض وإهدار حقوق الإنسان تحت دعاوي الحفاظ على الوحدة الوطنيَّة وبسط الأمن.
إنَّ أصل مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام يختلف عن المفهوم الغربي؛ فمرجعيَّة حقوق الإنسان في الإسلام هي الألوهيَّة (Divinity)، ولذلك نجد المسلمين يؤمنون أنَّ الإنسان خُلِق هلوعاً بواسطة قوة إلهيَّة واقعة وراء نطاق الخبرة البشريَّة (ولكن ليس وراء نطاق المعرفة)، كما يشاركهم في هذا الفهم أهل الكتاب من النصاري واليهود.  وقد امتاز هذا الإله الفائق أنَّه لا يفضِّل بين إنسان على آخر إلا بالتقوى والسلوك القويم.  فالحقوق في الإسلام، إذاً، صاحبها في الدنيا معروف وهو الإله الكائن فوق الوجود المادي ثم المجتمع وأخيراً الفرد.  وأكَّد الفقهاء أنَّ غاية الشريعة الإسلاميَّة أن تحفظ على الناس خمسة أمور سُمِّيت بالضرورات الخمس، وهي حفظ العقل والنفس والنسل والدين والمال.  كما قرَّروا أنَّ صلاح أمر الدين موقوف ومترتب على صلاح أمر الدنيا، وقال الإمام الغزالي: "إنَّ نظام الدين لا يحصل إلاَّ بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصَّل إليهما إلاَّ بصحة البدن وبقية الحياة وسلامة تلك الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن فلا ينتظم الدين إلاَّ بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضروريَّة".(27)  فعلى الرغم من كثرة التأليفات الإسلاميَّة في ضمان حرية الفكر والإعتقاد وحرية الضمير والعدل والقسط والقسطاس وحفظ وتوفير أسباب الحياة للإنسان والكرامة والتكريم والخلق والخلائق وعن المساواة في الخلقة، إلاَّ أنَّ الإسلاميين في عصور الدولة الإسلاميَّة المختلفة فرضوا التَّعذيب لأغراض سياسيَّة.  فقد أظهر زياد بن أبيه - والي الكوفة والبصرة (اللتين يتألَّف منهما إقليم العراق آنذاك) من قبل معاوية بن أبي سفيان بن حرب - مواهب إرهابيَّة نادرة في صدر الإسلام، مستفيداً من عقدة النسب حيث يُحكى أنه ابن غير شرعي، وصار قدوة لمن بعده من الولاة والحكام المسلمين.  استمرت التَّعذيب لأجل الإرهاب بعد استراحة قصيرة في خلافة عمر بن عبدالعزيز، لتأخذ مدى جديداً على يد هشام بن عبدالملك في الشام وولاته على الأقاليم. وطبق هشام بنفسه طريقة القتل بقطع الأيدي والأرجل في بعض الحالات المشددة ومنها إعدام غيلان بن مسلم بتهمة القول بالقدر.  وبنفس التهم أعدم خالد القسري عامله على العراق، الجعد بن درهم، وقد نُفِّذ الإعدام ذبحاً.  وكان لغيلان نفسه موقف سياسي ضمن المعارضة الإسلاميَّة للحكم الأموي، وقد انضم إلى عكر بن عبدالعزيز فعيَّنه لبيع الأموال المصادرة من الأمويين.  وكان غيلان ينادي عليها متشفياًً: تعالوا إلى متاع الظَلَمة! تعالوا إلى متاع الخونة! واختفى بعد وفاة عمر إلى أن قُبِض عليه في خلافة هشام واُعدِم.  ولدينا رواية في الطبري تفيد أنَّ الإحراق استخدم في خلافة هشام لإعدام داعية من غلاة الشيعة هو المغيرة بن سعيد العجلي، مع العلم بكثرة الأحاديث التي تقول إنَّ الله وحده لا شريك له هو الذي يخول له التعذيب بالنار.  واستمرَّ التعذيب لأغراض أخرى في الدولة العباسيَّة، وانتشرت المثلة في العراق والأندلس أيام ملوك الطوائف، ومن المبرزين فيها المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية الذي أقام في قصره حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة، وكان المعتمد شاعراً.(28)  هذا قبس من فيض تأريخ الإسلام المعاصر، وتفيض كتب التأريخ الإسلامي بالعجيب الغريب. فهل هذا ما يدعونا إليه الإسلامويون في السُّودان بالأمس واليوم؟
وعلى صعيد آخر، فإنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صُدِر في كانون الأول (ديسمبر) 1948م، وهو كسائر قرارات المنظمة الدوليَّة ليس له قوة إلزاميَّة، ولهذا تُنتهَك حقوق الإنسان بل يُغتال هذا الإنسان - ما أضعفه - في كثير من الدول، على الرغم من الإلزام الأخلاقي على كل الدول الموقعة عليه مما ينبغي العمل به والانصياع له.  بيد أنَّ زعماء الدول الإسلاميَّة غالباً ما يرفضون الإذعان له بحجة أنَّه أداة للاستعمار الثقافي بواسطة الدول الغربيَّة.  على أية حال، لا يمكننا إغفال إسهام حركة حقوق الإنسان العالمية في الارتقاء بكرامة الإنسان وقيمة الحضارة الإنسانيَّة، وذلك في المجالات الآتية:
لقد وهب هذا التقليد الفرد حقوقاً أساسيَّة مثل حريَّة التعبير، والتجمع، وحق المحاكمة العادلة.
لقد استقوى موقف المواطنين العاديين ضد تجاوزات السلطة.
زاد مساحة ومشاركة الفرد في اتخاذ القرارات العامة.
أجبر الدولة، والسلطة بصفة عامة، أن تكون عرضة للمساءلة القانونيَّة.
مخطىء من ظن أن الديمقراطية في السودان بيضاء من غير سوء. فعلى الرغم من إطلاق الحريات العامة المتمثلة في حق التعبير والنشر والتجمع والإضراب، إلا أن حكومة الصادق المهدى الديمقراطية أمرت بمضايقة واعتقال الذين شاركوا في في ورشة عمل أمبو (4-7 شباط (فبراير) 1989م) بإثيوبيا عقب عودتهم.  فقد تعرَّضوا للتفتيش في مطار الخرطوم، واعتقلتهم السلطات الحكوميَّة بأمر من وزير الداخلية، السيد مبارك الفاضل المهدي، الذي هرول إلى الجمعيَّة التأسيسية بأمر مستعجل - هكذا زعم - لمناقشة أمر هؤلاء الذين شاركوا في في ورشة عمل أكاديمي مع "المتمرِّدين".(29)  وعند اشتداد النقاش رد أحد النواب الجنوبيين - مجادلاً بالحق - أنَّه شخصيَّاً لا يعرف الدكتور قرنق، وإذا كان اللقاء به جريمة يعاقب عليها القانون فإنَّ السيد الصَّادق المهدي، رئيس الوزراء، أول من يطاله هذا القانون لأنَّه إلتقى بقرنق في أديس أبابا لمدة تسع ساعات بدون استراحة أو إحراز تقدم (Without a break or a breakthrough).
أما في مناطق النزاع المسلَّح - أو التماس - فقد اقترفت حكومة الصَّادق المهدي جرائماً تعادل في مقدارها وبشاعتها ما اعتادت أن تمارسه الحكومات العسكرية في السُّودان، خاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بسياسة الحريات في الجنوب وجبال النوبة. وعلى سبيل المثال - لا الحصر - نجد أن صحيفة بريطانيَّة(30) قد نشرت أنباءاً عن اغتصاب إناث من قبيلة الدينكا في بحر الغزال، ونهب ممتلكات بعض مواطنيهم، وتعرضهم لأفظع أنواع التعذيب، والقتل الجماعي للمدنيين، كإستراتيجية سياسيَّة تستخدمها الحكومة ضد الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشعبى لتحرير السُّودان. وقد امتدت آثار التدمير إلى النُّوبة في جنوب كردفان ومناطق الفونج في جنوب النيل الأزرق وبعض القبائل الأفريقية في دارفور.  كما أوردت مجلة تعني بشؤون أفريقيا أن اللواء أبو قرون، القائد العسكري لمنطقة بحرالغزال آنذاك، قد أجبر أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 6-10 أعوام على قتل ذويهم طعناً بالحراب، وجلس ينظر بإعجاب إلى ماهم بأهليهم يفعلون.(31)  وفى قرينتي في مدينة واو أمر نفس القائد بوضع 62 مواطناً فى مخزن فارغ، وقتلوا بغاز أول أكسيد الكربون من عربة مدرعة بعد توصيلها بأنبوب الى هذه الحجرة. فماذا فعلت حكومة السيد الصادق المهدى بهؤلاء الجناة فى حق أولئك الضحايا؟ لم نسمع بتكوين لجنة للتحقيق في هذه التجاوزات اللانسانية كأضعف الايمان، حتى يشعر سكان الريف السُّوداني بأن السلطة فى الخرطوم التى ما فتئت تذكر الناس بأنها "حكومة وحدة وطنية" صادقة في مسعاها.  إنَّ هؤلاء الذين لا يميِّزون بين النزعة الإنسانيَّة والوحشة الحيوانيَّة (Human reason and animal savagery) هم أولئك الذين ينتمون إلى الفئات التي قال عنها الدكتور فرانسيس دينج في محاضرة له بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم إنَّ أكثر القبائل شراسة في حربها ضد الجنوب هي التي تمازجت مع الجنوبيين في مناطق التماس كمحاولة للتبرؤ من الدماء الأفريقيَّة لأنَّهم يعانون عقدة التأريخ والجغرافيا.  كان هذا ما شهدناه في "مذبحة الضعين والرق في السُّودان" في آذار (مارس) 1987م،(32) حيث صاحبت عمليات الاسترقاق أحداث الضعيين الأليمة، وكتب عنها الأساتذة الأجلاء عشاري محمود وسليمان بلدو.  بالطبع والطبيعة، لم يعجب هذا التقرير أهل السلطة في البلاد، فبدلاً من تعقُّب الجناة والقسط فى الميزان، تم اعتقال الدكتور عشاري محمود، والتحقيق معه، لأنَّه - كما صرَّح السيد الصَّادق المهدي لوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئيَّة - أساء إلى الدولة. أيهما أكبر إساءة وساء سبيلاً: استعباد الإنسان لأخيه لأنَّه ليس من بني جلدته، أم الكشف عن هذا الاستعباد والمطالبة بإحقاق الحق وبسط العدل؟ ما لهم كيف يحكمون!  ولعل أعظم وصمة عار لحقت بحكومة الصادق المهدي هي صمتها المطبق على ممارسة الاسترقاق فى مناطق الاحتكاك في بحر الغزال.  فقد صرح السيد ألدو أجو دينج - وزير النقل والواصلات في حكومة الصادق المهدي يومذاك - أن أطفالاً قد اختفوا، أو اُختطفوا، في منطقة بحر الغزال، مسقط رأس الوزير.  بيد أن حديث الوزير لم يُؤخَذ مأخذ الجد.
إنَّ عقدة الهُويَّة والانتماء مشكلة كبرى في السُّودان مثلما في مناطق أُخر في العالم. فقد رافق الانفصام في الهُويَّة الكاتب الأكاديمي الفلسطيني الأمريكي الذائع الصوت إدوارد سعيد من المراهقة حتى بقية حياته.  إذ بعد أن سمته والدته إدوارد تيمناً بولي عهد بريطانيا الذي أُعجبت بشخصيته، والواضح أنَّها لم تعرف شخصية عربيَّة تثير إعجابها إلى هذا الحد وتعتبرها قدوة ممكنة لوليدها، غادرت عائلة سعيد القدس في العام 1947م إلى القاهرة، حيث درس في كلية خاصة بريطانيَّة النظام، كانت تحظر استعمال العربيَّة في البيت، إلاَّ عند مخاطبة الخدم.  فمن ذا الذي لا يدري من هم الخدم الذين أشار إليهم البريطانيون والمستخدِمون العرب إشارة نحسة.  إنَّهم أولئك الذين وصفهم الشاعر أحمد مطر بأسياد الغابة في الماضي وحراس الأبواب بعد أن تقطَّعت جذورهم وتفرَّقت بهم السُّبل كما يتضح في الأبيات التالية:
كنا أسياداً في الماضي
قطعونا من جذورنا
قيَّدونا بالحديد
ثُمَّ أوقفونا خدماً على عتباتهم
هذا حظَّنا من التمدُّن
ليس في الدُّنيا من يفهم حرقة العبيد مثل الأبواب!
ولا نحسب أنَّ أحداً لا يعلم منابع هؤلاء العبيد الأرقاء.  فقد "اصطادوهم" زرافات من تخوم السُّودان في العهد التركي-المصري (1821-1885م)؛ فمنهم من جئ بهم من ممالك دارفور (الداجو والفور والزغاوة والفرتيت)، ومنهم من جُلِبوا من كردفان (مملكتي المسبعات وتقلي)، وطائفة منهم اُستجلِبت من جنوب النيل الأزرق (مناطق الفونج والأنقسنا)، وطائفة أخرى من جنوب السُّودان (الدينكا والنوير والشلك والبونقو والباري والكاكوا).  فلا اندهاش، إذاً، إن انتظم هؤلاء وأولئك في الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في الثمانينيات من القرن الماضي لانتزاع حقوقهم عنوة واقتداراً بعد أن استعصى عليهم الأمر والمجادلة بالتي هي أحسن، فلا تثريب عليهم وليس عليهم منا استهجان.
إضافة إلى تجاوزات حقوق الانسان فى مناطق الحرب، فقد اتصفت الديمقراطية الثالثة بنواقص شتى وفي عدة مناحى، منها الصرف البذخى الذى تم في شكل "تعويضات مالية ضخمة منحها الصَّادق المهدي لأهله (آل المهدي) بلغت في جملتها خمسة وثلاثين مليوناً من الدولارات، في وقت كان أغلب السودانيين يشكون مر الشكوى من ندرة السلع التموينية بل أنَّ تلاميذ المدارس لم يتمكَّنوا من توفير الأدوات المدرسية لبداية العام الدراسي الجديد."  ولا نحسب أنَّ النِّظام "المايوي" قد ألحق ضرراً بآل المهدي وحدهم لا شريك لهم، فقد تضرَّر أُناس كثر، ونخص بالذكر هؤلاء الأنصار من غرب السُّودان الذين زالوا (هاجروا) إلى الحبشة ومن ثَمَّ إلى ليبيا ليعودوا مع العميد محمد نور سعد للاستيلاء على السُّلطة في الخرطوم لصالح الجبهة الوطنية - التي كان الصَّادق المهدي لها رئيساً - لبضع أيام في تموز (يوليو) 1976م، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من انتظر وما بدَّلوا تبديلاً.  وبعد الانتفاضة "الأبريليَّة"، في العام 1985م، لم يُنظر في أمرهم ولا في سبيل تعويضهم، فكانت والدة العميد الراحل محمد نور سعد تتردَّد على مكاتب القيادة العامة في الخرطوم وهي تسعى سعياً حثيثاً للحصول على معاش إبنها الذي أعدمه نميري مع الذين معه بعد فشل المحاولة العسكريَّة.  فما بالهم وبال الآخرين الذي جذَّ نميري رؤوسهم في غير بر!  أليس لهم أقارب يستحقون التعويضات؟
ثم ندلف إلى مناوارت الصَّادق السياسيَّة مع حلفائه السياسيين من الحزب الاتحادي الدِّيمقراطي لنرى ماذا هو بهم فاعل.  فليس بخاف على أحد رفض الصَّادق المهدي ترشيح الدكتور أحمد السيد حمد (اتحادي ديمقراطي) لتولي المقعد الخامس في مجلس رأس الدولة" خلفاً للعضو الإتحادي المستقيل، السيد محمد الحسن عبدالله يسن، بحجة أنه قد تعاون مع جعفر نميري.  لكن والحق يقال فقد انضم الدكتور حمد إلى (حكومة) جعفر نميري بعد المصالحة الوطنية التي تزعمها الصَّادق المهدى نفسه، بل شارك هو شخصياً في وضع ميثاقها في مدينة بورتسودان في العام 1977م وإن يكن قد خرج منها ولعنها بعد ذلك ".(33)  ذلكم هو الصَّادق المهدي الذي زعم أنَّه استقال من وظيفته بوزارة الماليَّة - قسم التخطيط - في العام 1958م كموقف سياسي احتجاجاً على انقلاب الفريق إبراهيم عبود، لأنَّه التحق بوزارة الماليَّة ليخدم في حكومة شرعيَّة.(34)  فمن أين جاءت حكومة المشير جعفر نميري الإنقلابيَّة بالشرعيَّة حتى يخدم الصَّادق المهدي في أعلى أجهزتها التشريعيَّة (الإتحاد الإشتراكي السُّوداني) لا الخدمة المدنية كموظف صغير (Apprentice or novice) في وزارة المالية - قسم التخطيط؟  وإذا كان الأمر متعلقاً بسدنة نظام مايو فلماذا جاء الصادق المهدي بصهره الدكتور حسن الترابي إلى الحكومة وأصبح نائباً لرئيس الوزراء، ووزيراً للخارجيَّة، ووزيراً للعدل، مع علم الجميع أنَّ الترابي كان غارقاً فى نظام نميري حتى قبيل الانتفاضة حيث تقلَّد فيه عدة مناصب.  ليس هذا فحسب، بل أن الترابي كان قد فشل في الحصول على مقعد نيابي في الدائرة 27 (الصحافة) - منافساً للسيد حسن شبو، ممثل الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي -  لدخول الجمعية التأسيسية في الانتخابات التي جرت في العام 1986م، مما يعني أنَّه ملفوظ من قبل الشَّعب السُّوداني.
غير أن اكبر خزلان مُني به الشعب السوداني كان هو الزمن الذي أضاعه السيد رئيس الوزراء، الصادق المهدي، في الكلام والخطب المنبرية حتى تخصَّص نفر من السُّودانيين في احصاء الخطب التي ألقاها السيد الصَّادق المهدي في المناسبات العامة والخاصة.  إذ أضحى، من بعد هذا الزمن الضائع، الوعد الحق فجراً كاذباً.  ويقودنا هذا إلى وصف الشاعر أبو آمنة حامد الفكر السياسي للصَّادق المهدي "بأنه حذلقات رفيعة المضامين تحتاج إلى تفسير ....(وإنَّه) أكاديميات شكسبيرية منتقاة لزعيم أكاديمى فاخر لا يفتأ عن تذكيرنا دائماً بأنَّه مثقَّف".(35)  فمثل الصَّادق المهدي كمثل عالم يريد أن يتفيهق ويظهر كثرة ما وعى من العلم، وفي أولئك الناس يقول الشاعر أبو نواس:
فقل لمن يدِّعي في العلم فلسفة         حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
ولا نكون قد حدنا عن الصواب إن قلنا إنَّ أكبر فشل لحكومة الصَّادق المهدي تمظهر فى عدم تحقيقه للسلام ووقف نزيف الدم فى الحرب الأهلية.  فبدلاً من أن يشرع الصَّادق في اتخاذ خطوات عملية إزاء المبادرة السلمية المطروحة (كوكادام 26 آذار (مارس) 1986م) التى أجمع عليها معظم القوى المحبة للسَّلام بما فيها حزبه، بدأ الصادق فى مناورات جديدة مقترحاً ميثاق السُّودان. فما هو الجديد الذي أتى به ميثاق السُّودان؟  ميثاق السُّودان - حسب تعريف أولى الأمر - عبارة عن ورقة تصور تحاول تحديد الخطوط العامة لحقوق المواطنة وواجباتها وتتضمن تصورات محددة بشأن القضايا التي تثيرها حركة قرنق وبصفة خاصة الدين والسياسة، الهوية والقومية، المشاركة السياسية، واقتسام السلطة.  ودعت ورقة الميثاق إلى العودة للعمل بأحكام اتفاقية أديس أبابا للعام 1972م التي تمنح الجنوب حكماً ذاتياً حتى ايجاد صيغة نهائية فى المؤتمر الدستورى، كما حددت الورقة معالجات معينة لقضايا إزالة آثار الحرب، وتأهيل المؤسسات الانتاجية والخدماتية والبنيات الاساسية في الجنوب، واستيعاب العناصر التي زعزعها القتال، وأكد ميثاق السودان على التزام موقعيه بالعمل السلمى كأساس لحل المشكلات القومية، والالتزام بالقرار الدِّيمقراطي وإدانة العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسيَّة.(36)
بادىء ذى بدء، إنَّ الحديث عن الحكم الذاتي حديث ذو شجون، وتعميماً للفائدة دعنا نلج فى مدخل توضيحي لماهية الحكم الذاتي.  كلمة الحكم الذاتي "أتونوميا" (Autonomy) أصلها يوناني، ومعناها حكم سياسي لمجموعة من البشر في مجتمع مدني واحد تسن قوانينه دون أي تدخل من عناصر خارجية.  أما تعريف المصطلح اليوم فهو علاقة معينة لجهة سياسية أو اجتماعية أكثر شمولية واتساعاً، على أنَّ المجموعات الدينية والعرقية والمجموعات الثقافية والاقتصادية تحافظ على استقلالية معينة عن السلطة المركزية للحكومة.  وهناك فرق بين حكم ذاتي اقليمي يمنح لمجموعة من الناس يعيشون على أرض معينة، وبين حكم ذاتي شخصي يمنح لأصحاب معتقدات معينة غير متركزين في أقليم معين لبلد ما، ولكنهم موزعون على كل مساحة البلد ومختلفون مع باقي السكان.(37)  وبناءاً على هذا الفرق الجلي قد نضطر - غير باغين - بالمطالبة بحكم ذاتي شخصي لمجموعات النُّوبة والجنوبيين الذين يعيشون في مناطق منعزلة (فيما يُعرف إساءة بالسكن العشوائي) في العاصمة المثلثة، وذلك لحمايتهم من المخاطر والمجازر التي يتعرَّضون إليها في حياتهم اليوميَّة، كما حدث في بورتسودان (أحداث النُّوبة والبني عامر في شباط (فبراير) 1986م) والضعين (مذبحة الدينكا على أيدى الرزيقات في آذار (مارس) 1987م) وغيرها في المدن المختلفة، إضافة إلى أبشع ضروب الاضطهاد والمطاردة والترحيل القسرى (الكشة)، والسخرية واللمز والهمس والتنابز بالألقاب، "يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب إنَّ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" (الحجرات 49/11)، وكما تقول الفرنجة: "إضافة الإساءة إلى الأذى (To add insult to injury).  ومن أكثر الأشياء غرابة أن يدعو الميثاق إلى العودة إلى العمل باتفاقية أديس أبابا للعام 1972م، التي تجاوزها الزمن وفقدت مفعولها بسبب عوامل التعرية والعبث بها وفقدان الثقة في أسلوب الشمال في التعامل مع العهود والمواثيق السُّودانيَّة. بيد أنَّ الذي يزيد الأمر غرابة في دعوة ميثاق السُّودان هو ما خبرناه عن رأي أحزاب الجبهة الوطنية (الأمة والاتحادي الديمقراطي والأخوان المسلمين) عن اتفاق أديس أبابا منذ الوهلة الأولى من توقيعه. كانت لديهم آراء واعتراضات حيال الاتفاقية فى المصالحة الوطنية في العام 1977م بين الرئيس حينذاك جعفر نميري والصادق المهدي الذي تزعم بدوره جوقة المعارضة السياسية والعسكرية. وكانت اعتراضاتهم، كما فصلها عبدالسلام الأمين، تتلخص في الآتي:(38)  
قيام ثلاثة أقاليم بدلاً من إقليم واحد.
دستور إسلامي بدلاً من دستور علماني.
الاعتراض على الترتيبات الأمنية التي تمَّ الاتفاق عليها.
أن يكون تعيين رئيس الإقليم الجنوبي حقاً لرئيس الحكومة المركزيَّة، حيث كانت ترمي الاتفاقيَّة لتقوية مركز الإقليم اقتصادياً.
بهذه الشروط، التى استهدفت المرتكزات الجوهرية التى بنيت عليها الاتفاقية، استطاعت أحزاب الجبهة الوطنية تحطيم الاتفاقية بيد نميرى لا بيد قرنق. تلك هي حال الاتفاقية التي نحروها قادة الشمال وتنادوا مصبحين بالعودة إليها.  ثم نتساءل فى عجب: كيف يستطيع الصادق المهدى - الذي أخفق في إزالة آثار مايو - أن يمحو آثار الحرب من دون العمل على وقفها في المقام الأول؟ لا ريب أن التعمير وإعادة التوطين لا يمكن أن تقوم بهما أية حكومة - كائنة ما كانت - قبل أن تضع الحرب أوزارها، وتُخرَج من الأرض ما فيها من الألغام المدفونة حتى يأمن الناس وتسهل الزراعة وتشييد الطرق والكباري والمدارس والمراكز الصحيَّة. فأي حديث عن التعمير وإعادة التوطين من دون االوصول إلى سلام عادل ودائم خبط عشواء من قبل المتفوهين به.                                                                                           
ثم نقفز إلى دارفور لنذكِّر الناس بما كان يدورهناك من اقتتال وتخريب الممتلكات دون أدنى اعتبار من السلطة المركزية. كانت دارفور تعيش في حالة حرب مع قبائلها المختلفة، وأخذ الصراع يتخذ اشكالاً متباينة، تارة باسم النهب المسلح، وثانية باسم الحرب بين "العرب والزرقة"، فى اشارة إلى العناصر العربية ضد العناصر ذات الأصول الأفريقية في المنطقة، وثالثة تدخلاً أجنبياً، ورابعة تخلفاً تنمويَّاُ، وخامسة مزيجاً من كل ما ذُكر.  واستمرت هذه الحالة منذ منتصف السبعينيات وظلَّت القوى السياسيَّة تتعامل معها بروح التراخي وعدم المبالاة، وتارة أخرى بمنظور المصالح الحزبيَّة الضيِّقة مما دفع المشكل أن يكبر وينمو ورجال الأحزاب في غفلة من أمرهم.  على أية حال، عقدت الجمعيَّة التأسيسيَّة جلسة خاصة (رقم 54) في 13 كانون الأول (ديسمبر) 1988م لمناقشة المخاطر الأمنيَّة التي تواجه إقليم دارفور.  وفي تلك الجلسة قدَّم السيد الصَّادق المهدي بياناً عن الوضع الأمني في دارفور ملخِّصاً ذلك في الأتي:(39)
النهب المسلَّح؛ ويشمل النهب المسلَّح الحدودي، والنهب المسلَّح الداخلي، والنَّهب المسلَّح على الطرق الرئيسيَّة والأسواق، والنهب المسلح التشادي (عصابات وافدة وأخرى محليَّة).
تفاقم الوضع الاقتصادي في الإقليم من جراء الجفاف والتصحر.
التدخل الأجنبي.
النزاعات القبليَّة.
ولا نظن أنَّ السُّودانيين يومئذٍ كانوا لا يعرفون أسباب وطبيعة النزاع الدموي في دارفور ليأتي الصَّادق ويصنِّف هذه الأسباب على طريقته الكلاسيكيَّّة (His classical style)، بل كل الذي كانوا يودون حدوثه هو إيقاف الحرب، وبسط الأمن، وتصفية الوجود الأجنبي (الليبي-التشادي) في المنطقة، وتوفير الخدمات الأساسيَّة، وتحسين مستوى المعيشة، وإيقاف التدهور المؤسساتي.  ومما أزعج حلفاء الصَّادق المهدي في الدول الغربيَّة السماح للمتمرِّدين التشاديين - المدعومين من قبل نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا - لشن هجمات على الحكومة التشاديَّة منطلقين من غرب السُّودان، وبالمقابل يقوم العقيد القذَّافي بمساعدة حكومة الصَّادق المهدي في حربها ضد الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.  ومن هنا برز دور البروتوكول اللِّيبي-السُّوداني، الذي كان الرائد يونس - عضو القيادة التأريخيَّة -  له مهندساً من الجانب اللِّيبي.  أيَّاً كانت الأسباب فإنَّ أولى الحزب اهتماماً بدارفور كان ينبغي أن يكون حزب الأمة - حزب الصَّادق المهدي - لما له من علائق تأريخية تعود إلى قيام الثورة المهديَّة في السُّودان (1881-1898م)، وبداية إحياء المهدية الجديدة (Neo-Mahdism) المتمثلة في حزب الأمة، حيث يعتبر الحزب دارفور منطقة نفوذ سياسي وكادر بشري.(40)  ومهما يكن من أمر حزب الأمة ودارفور، فقد اجتمع أعيان القبائل المتناحرة فيما بينهم لإصلاح ذات البين من أجل التعايش السلمي ونبذ العنف. غير أن نتائج هذا الاجتماع أحكمت حلقاتها في عهد حكومة الفريق عمر حسن أحمد البشير، الذي اعتبر هذا العمل باكورة انجازات نظام الانقاذ، وبات يتباهى به.  تلك هي الأحداث المأساوية التي راح ضحيتها آلاف من المواطنين الأبرياء.  والأدهي والأمر أن يتناول الصَّادق المهدي هذه الأحداث تناولاً عابراً حينما كان يتحدث عن اختلافه مع "بعض العناصر من أعضاء (الحزب) الاتحادي الديمقراطي التي سبق أن أعفيت من الحكومة".  وقد ذهب الصادق باخعاً نفسه عليهم حسرات، حيث قال: "وبلغ الأمر بالتيار المعارض أن نظم مسيرة موكب للاحتجاج على بعض الأوضاع في إقليم دارفور...."(41)
وفي خلاصة الجدال، نستطيع أن نقول إنَّ الصَّادق المهدي قد كون ثلاث حكومات طيلة الفترة الديمقراطيَّة الثالثة التي امتدت ثلاث سنوات، وهذه الحكومات هي: حكومة الوحدة الوطنيَّة (1986-1987م)، وكان قوامها حزب الأمة والاتحادي الدِّيمقراطي وبعض أحزاب الجنوب، بينما بقي الحزب الشُّيوعي السُّوداني والجبهة القوميَّة الإسلاميَّة والحزب القومي السُّوداني في المعارضة.  وقد تميِّزت هذه الحكومة بالتوتر الذي أثاره رفض الصَّادق المهدي ترشيح الدكتور أحمد السيد حمد خلفاً لعضو مجلس السيادة المستقيل، السيد محمد الحسن عبدالله يسن، وقضايا الفساد التي أشار إليها - واُثارها - الوزير الإتحادي المستقيل، محمد يوسف أبوحريرة.  أما الحكومة الثانية فقد جاءت تحت مسمى حكومة الوفاق الوطني (1987-1988)، وشاركت فيها كل الأحزاب السياسيَّة عدا الحزب الشُّيوعي السُّوداني الذي جلس في المعارضة، وكان أبرز معالم هذه الحكومة رفض اتفاقية السلام السُّودانية (قرنق-ميرغني) الموقَّعة في أديس أبابا في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988م، فكان من الطبعى أن تنهار هذه الحكومة لتخلفها حكومة الجبهة الوطنيَّة المتحدة (آذار (مارس) 1989 - حزيران (يونيو) 1989م)، التي جاءت بموجب الميثاق الذي جاء نتيجة مذكرة الجَّيش للحكومة في 20 شباط (فبراير) 1989م. وهكذا نجد أن هذه الحكومة ضمَّت كل القوى السياسيَّة بأجنحتها المختلفة والاتحادات النقابيّةَ الست.  ففي كل هذ الحكومات - مهما تبدِّلت المسميات - كان العامل المشترك هو السيد الصَّادق المهدي، والفشل الذي صحاحب الأداء التَّنفيذي والتشريعي والقضائي.  فأين تركَّز الفشل الأدائي في الحكومة التي كان الصَّادق المهدي رئيساً لوزرائها؟
فشلت حكومة الصَّادق المهدي في إخراج البلاد من عنق الزجاجة سياسيَّاً واقتصاديَّاً، وأخفق الصادق شخصيَّاً في حل الخلافات بين حزبي الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي حول وضع مجلس رأس الدولة، وجهاز الأمن القومي الجديد، ومستقبل الحكومة، وحول بعض توجهات السياسة الخارجيَّة ولا سيَّما العلاقات السُّودانيَّة-المصريَّة.  فبينما كان يرى المصريون ضرورة العمل باتفاقية الدفاع المشترك، كان يرى الصَّادق المهدي على أن تقوم العلاقات السُّودانيَّة-المصريَّة على أسس جديدة حدَّدها "ميثاق الإخاء" ليكون بديلاً "لاتفاقات التكامل"، لكن ميثاق الإخاء هذا لم يحرز شيئاً مذكوراً. كذلك شهد البلاد تأزُّم القضية الاقتصاديَّة وارتفاع تكاليف المعيشة على كاهل المواطن السُّوداني العادي، وتردِّي الوضع الأمني حتى في العاصمة القوميَّة.(42)  إزاء هذا الإخفاق السياسي، علَّقت صحيفة بريطانية عشية انقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير "أنَّه ليس هناك أحد آسف أن يرى السيد الصَّادق المهدي مطروداً من السُّلطة.  فكما تمتَّع الصَّادق بالسُّلطة كثيراً، إلاَّ أنَّه لم يستطع استخدامها في شطب قوانين الشريعة.  فقد عجز الصَّادق في اتخاذ القرار سواء فيما يختص بالاستثمار الاقتصادي، أو التعامل مع الحرب الأهلية في السُّودان أو نظافة شوارع الخرطوم.  لم يفلح الصَّادق في انجاز شئ."(43)  فلا نظن أنَّ قائداً يمتلك هذا الوهن السياسي ينبغي أن يحكم السُّودان.  وحين ترك الصَّادق السُّلطة - أو أُجبِر على تركها - بلغت ديون السُّودان الخارجيَّة 12 بليون دولار، فكان السُّودان تقريباً أكبر دولة في العالم مثقلة بالديون.(44)  وكما شمتت صحف بريطانيا العظمى على حكومة الصَّادق المترهلة المخلوعة، لم ترفق بها صحف الولايات المتحدة الأمريكيَّة.  فقد علَّقت صحيفة النيويورك تايمز (New York Times): "أنَّ السُّودان قطر واسع جداً، فربما احتاج إلى تقليمه إلى حجم صغير".  ومضت الصحيفة في وصف حكومة الصَّادق المهدي "بأنَّها حكومة ضعيفة تعاني من الفوضى وتدَّعي أنَّها تمسك بزمام الأمور في منطقة مساحتها تساوي ضعف مساحة ألسكا، ويقطنها 25 مليون شخص، ويتحدَّثون 115 لغة، وبها 42 حزب سياسي."  ومن غير الخوض والولوج فى تفاصيل أخرى، هذه هي لمحات من عيوب الممارسة الديمقراطية فى عهدها الثالث.  ومن المهم بمكان أن نشير هنا إلى خلاصة الكاتب السعودى محمد صلاح الدين، حيث أفصح قائلا: "فللصادق المهدي كزعيم سياسي ورئيس وزراء سجل سياسي عمره أكثر من ثلاثين عاماً لخصته هيئة الإذاعة البريطانية فى كلمتين: الفشل والفساد."(45)
فالصادق المهدي قد لا يكون من الذين يحبون المال حباً جماً، لذلك أراد الصَّادق أن يعمل رئيساً للوزراء دون أجر، مما أثار ثائرة منتقديه الذين قالوا يومئذٍ نريد رئيس وزراء له راتب حتَّى نتمكن من محاسبته إذ هو أخطأ، ولا نبتغي حاكم متطوِّع.  بيد أنَّ الصَّادق المهدي يعشق الجاه والسلطان ويسعى إليهما سعياً حثيثاً منذ وقت باكر ووقتما يفتقدهما، وهذا وجه آخر من أوجه الصَّادق المتعدِّدة.  فقد ظفر الصَّادق بهاتين الحسنيين مرتين، لكن معترك الحياة السياسيَّة في السُّودان وتناقضات الصَّادق نفسه حالتا دون الاحتفاظ بسرابيلهما، فضعف الطالب والمطلوب.  غير أنَّ اجتماع خصلتي الإعراض عن المال وطلب السلطان - وهما نقيضان متنافران- في شخصية الصَّادق قد جعله يغض البصر عن الفساد الذي تصايح به وزيره المستقيل - القاضي محمد يوسف أبو حريرة. فقد سكت الصَّادق عن تهم غليظة في الفساد الحكومي ضد أحد حُوارييه (بضم الحاء).(46)  فالتستُّر على الخطيئة كمرتكبها، وقديماً قالوا الساكت عن الحق شيطان أخرس.
ملحق
بسم الله الرحمن الرحيم
ميثاق الدِّفاع عن الديمقراطيَّة
استلهاماً لإرادة الشَّعب في نضاله المستميت من أجل إرساء دعائم الدِّيمقراطيَّة منذ استقلالنا الوطني (في العام) 1956م، وعبر ملاحم بطولاته لانتزاع حرياته العامة وحقوقه الدِّيمقراطيَّة وتأميناً للمكاسب التي حقَّقتها نضالاته وتضحياته في ثورة تشرين الأول (أكتوبر) المجيدة انتهاءاً بثورة 26 آذار (مارس) 1985م وحرصاً على انتهاج الخيار الدِّيمقراطي كطريقة لحل كافة مشاكل البلاد ومستقبلها وصوناً للمبادئ التي جسَّدها الميثاق الوطني لثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1964م، وكذا ميثاق ثورة آذار (مارس) لتظل هادية لمسيرة تطورنا الوطني وتأميناً لإرادة شعبنا في إرساء قواعد الحريَّة والدِّيمقراطيَّة القائمة على التعدديَّة باعتبارها أداة السيادة الشعبيَّة والسبيل الأمثل والوحيد لصيانة وكرامة الإنسان السُّوداني وحقوقه الدِّيمقراطيَّة الأساسيَّة.
وصوناً للدِّيمقراطيَّة من أي اعتداء أو تغول وحتى لا تتكرر مأساة وأد الديمقراطيَّة، واقتناعاً منا بأنَّ الطريق للمجتمع الحر هو نتاج الفرد الحر المتمتع بالحقوق الأساسيَّة والحريات الدِّيمقراطيَّة.  بهذا نعلن التزامنا المطلق بما هو آت:
أولاً: إنَّ الدِّيمقراطيَّة القائمة على تعدد الأحزاب والسيادة الشعبيَّة واستقلال القضاء وسيادة حكم القانون وحقوق الإنسان هو النهج الوحيد الذي نرتضيه أساساً للحكم وهي النظام الذي يحقق كرامة الإنسان ويحفظ حقوقه في المشاركة والحرية والعدل والحقوق التي كفلها له الله ولا يجوز لأحد، كائناً من كان، أن يسلبه إياها.
ثانياً: نرفض رفضاً مطلقاً أي توجه أو موقف يهدف إلى إقامة دكتاتوريَّة عسكريَّة أو مدنيَّة أو يهدف لإجهاض النظام الدِّيمقراطي مهما كانت المبرِّرات.
ثالثاً: إنَّ القوات المسلحة مؤسسة قوميَّة لها شرف الدفاع وحماية وحدة التراب السُّوداني وحماية النظام الدِّيمقراطي وفق القرار السياسي ولا يجوز لأي جهة سياسيَّة أو نقابيَّة أو شعبيَّة أو طائفيَّة أن تنشئ أو تؤيِّد داخلها مراكز قوة أو نفوذ. كما لا يجوز للقوات المسلحة أن تنحاز لأي جهة سياسيَّة أو نقابيَّة أو شعبيَّة أو طائفيَّة.  ولا يجوز لها أن تتصدى للقضايا السياسيَّة كمؤسسة إلا عبر الجهاز التنفيذي الأعلى في الدولة، وهي ملك للشَّعب السُّوداني.
رابعاً: نتعهَّد ونلتزم باتخاذ التدابير اللاَّزمة العاجلة لمقاومة ومقاتلة أي اعتداء على النِّظام الدِّيمقراطي من أي مصدر كان.
خامساً: إنَّ سبيلنا لمقاومة ومقاتلة الاعتداء على النظام الدِّمقراطي هو الإضراب السياسي والعصيان المدني ويتعهَّد كل منا بتنفيذ الإضراب السياسي والعصيان المدني فور الإعتداء على النظام الدِّيمقراطي ويكون الإضراب السياسي والعصيان المدني والمقاطعة معلناً تلقائيَّاً بمجرد إجهاض النظام الدِّيمقراطي.
القوات المسلحة السُّودانيَّة بكل فروعها النظامية هي درع الشَّعب في الدفاع عن والأمن ويلزمها تكوينها بالدفاع عن الخيار الدِّيمقراطي الذي اختاره شعبها، لذلك تلتزم بعدم الامتثال لأي أوامر لا تصدر لها من سلطة شرعيَّة منتخبة.
سادساً: يتعهَّد شعبنا على أن يضع في قائمة أعدائه أية دولة أجنبيَّة تعترف أو تؤيد أو تدعم أي نظام دكتاتوري في بلادنا.
سابعاً: يعلن شعبنا بعدم التزامه مسبقاً بأي ديون أو قروض أومعونات تقدِّمها أية دولة أو مؤسسة مالية لأي نظام دكتاتوري يتسلط على البلاد.
ثامناً: يعلن الشَّعب السُّوداني عدم التزامه بأية معاهدة من أي نوع كان مع النظام الدكتاتوري وتعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً، ولا تترتب عليها أية آثار قانونيَّة.
تاسعاً: نتعهد بأن يتحول التجمع الوطني لإنقاذ البلاد إلى جبهة مقاومة شعبيَّة فور أي اعتداء على الدِّيمقراطيَّة ليقود معركة استعادة الدِّيمقراطيَّة.
والمجد لكفاح الشَّعب السُّوداني
ولخيار الدِّيمقراطيَّة
وعاشت وحدة قوى التجمع الدِّيمقراطي
والموقِّعون على الميثاق:
الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي؛
الحزب الإشتراكي الإسلامي؛
حزب الأمة؛
حزب البعث العربي الإشتراكي؛
حزب البعث العربي الإشتراكي - منظَّمة السُّودان؛
تجمع السياسيين الجنوبيين؛
التجمع النقابي؛
حزب سانو؛
الحزب الشُّيوعي السُّوداني؛
الحزب العربي الإشتراكي الناصري؛
حزب العمال والمزارعيين؛
اللجان الثوريَّة؛
منظَّمة العمل الإشتراكي؛
المؤتمر السُّوداني الأفريقي؛
الحزب الوطني الإتحادي؛
اتحاد عام جبال النُّوبة؛
الإتحاد النسائي السُّوداني؛
اللِّواء أ. ح. إبراهيم يوسف عن القوات المسلحة.
الخرطوم
الأحد 4 ربيع الأول 1406 ه
الموافق 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1985م
هوامش وإحالات
(22) صحيفة "الرأي العام"، 18/8/1998م، العدد 367.
(23) صحيفة "الرأي العام"، 8/6/2003م، العدد 2087.
(24) إنَّ الوزير المعني هو الدكتور وولتر كونيجوك، الذي أفضى للكاتب بهذا الحديث في مدينة بيرمنجهام البريطانيَّة في العام 1997م.
(25) Thomas, G, Sudan: Death of a Dream, London, 1990.
في حديثه للمؤلف جراهام توماس، أفضى الدكتور حسن عبدالله الترابي أنَّ الأخوان المسلمون بدأوا يكتسبون نفوذ في عدة مجالات حتى أنهم استطاعوا إنشاء 14 خلية داخل المؤسسة العسكريَّة.
(26) اللجنة القوميَّة للانتخابات، تقرير عن انتخابات الجمعيَّة التأسيسيَّة لعام 1986م - الملف رقم   أ/57/أ/1؛ فتحي الضو محمد، محنة النخبة السُّودانيَّة، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1993م. ل  أخذ حوالي 5,978,000 نتخب في التوجه إلى صناديق الإقتراع للإدلاء بأصواتهم في الفترة من 1/4/1986 إلى 14/4/1986م، وأعلنت النتائج في 16/4/1986م، وقد أُجريت في 260 دائرة وأُجِّلت في 37 دائرة بالإقليم الجنوبي لعدم أمكانية تسجيل ستة آلاف ناخب على الأقل في كل دائرة، وهو الحد الأدنى الذي اعتبرته اللجنة القوميَّة النصاب القانوني ويرجع انعدام أو قلة تسجيل الناخبين إلى توتر وعدم استقرار الأحوال الأمنيَّة في جهات عديدة من الإقليم الجنوبي تحديداً أعالي النيل وبحر الغزال. وهناك دائرتان تأجَّلت فيهما الانتخابات بسبب وفاة أحد المرشحين في كل وهما دائرة "وماقوي لو" وهي الدائرة رقم 9 بمديريَّة شرق الاستوائيَّة ودائرة "واو الغربيَّة" رقم 247 بمديرية غرب بحر الغزال.
(27) مجلة "العربي"، نوفمبر 1993م، العدد 420.
(28) هادي العلوي، من تأريخ التَّعذيب في الإسلام، بيروت، 1987م.
(29) Ahmed, A M and Sorbo, G M, Management of the Crisis in the Sudan, Bergen, 1989.
عقدت ورشة عمل أمبو تحت عنوان (Ambo Workshop on Sudan: Problems and Prospects)، وأصدرت توصيات في بيانها الختامي في المسائل الآتية: الوضع السياسي الماصر، والثورة الوطنيَّة الديمقراطيَّة، ومشاكل التكوين القومي، وشكل السلطة والاقتصاد والمجتمع.
(30) Financial Times, May 1988.
(31) New African, July 1988, No 250.
(32) عشاري محمود وسليمان بلدو، مذبحة الضِّعين والرِّق في السَّودان، الخرطوم، 1987م.
Verney, P, Slavery in Sudan, Sudan Update, London, 1997.
(33) مجلة "الحوادث"، 18/9/1987م.  من الأسماء التي تقدم بها الصَّادق المهدي الدكتور الجزولي دفع الله، ومحمد يوسف مضوي، وميرغني النصري باعتبارهم مستقلين حسب زعم الصَّادق وإن كان لنا شك مريب في زعم الصَّادق.  وفي سؤال عمن تولوا مواقع قياديَّة رفيعة في النظام "المايوي" (الفريق عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدهب وزير دفاع نميري ورئيس المجلس العسكري الانتقالي بعد مايو) قال عنهم الصَّادق المهدي: "الحسنات يذهبن السيئات"، وكأنَّ ليس للدكتور حمد حسنات لكي يذهبن سيئاته إذا كانت الخدمة في حكومة نميري من الإثم البواح، وللصَّادق حق منح صكوك الغفران لمن ارتضى له.
(34) مجلة "الرجل"، يناير 2001م، العدد 99.
(35) صحيفة "ظلال"، الجمعة، 7/6/1996م، العدد 14.
(36) مجلة "اليمامة"، 3/2/1988م، العدد 991.
(37) مجلة "المجتمع"، 23/7/1996م، العدد 1209.
(38) صحيفة "الخرطوم"، الأثنين، 24/7/1995م، العدد 943.
(39) صحيفة "الخرطوم"، 25/8/2003م، العدد 3400.
(40) أوفد السيِّد عبدالرحمن المهدي الشيخين مهدي هارون ويعقوب أحمد الهواري العام 1909م إلى غرب السُّودان لإبلاغ الأنصار بإقامته في الجزيرة أبا، حيث وفدت جماعات كثيرة مهَّد لها وسائل العمل في الزراعة ... وأنشأ من أجلها التكايا، وهي محلاَّت ومساكن لإيواء وإطعام الضعفاء الذين لا كفيل لهم لتقديم الزاد والمأوى، وكان قد أوكل أمر الإشراف على هذه التكايا للشيخين محمد يعقوب ومحمد ود السلطان من تاما (صحيفة "الرأي العام"، 29/7/2000م، العدد 1056).
(41) الديمقراطيَّة في السُّودان: عائدة وراجحة، مركز أبحاث ودراسات حزب الأمة، 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1990م.
(42) في العام 1988م أُغتيل الزعيم الشيعي مهدي الحكيم في بهو فندق الهيلتون في الخرطوم الذي جاء إلى السُّودان لحضور المؤتمر العام للجبهة القوميَّة الإسلاميَّة.  لكن التناقض بشأن كيفية مجئ "الحكيم" للسُّودان بات يثير تساؤلات محيرة.  فبينما أصدرت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة بياناً نفت فيه أن تكون قد دعت "الحكيم" لحضور مؤتمرها العام، أعلن الدكتور عبدالوهاب الحكيم، ابن أخت القتيل ومشاهد الجريمة الذي رافق خاله للخرطوم، أنَّه سافر مع خاله للعاصمة السُّودانيَّة بموجب دعوة رسميَّة من ممثل الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في لندن لحضور المؤتمر، وأنَّ تأشيرات الدخول في جوازيهما تؤكِّد ذلك.
(43) The Daily Telegraph, July 1, 1989; War in Sudan: An Analysis of Conflict, Peace in Sudan Group, London, June 1990.
(44) The Times, July 1, 1989.
(45) مجلة "المجتمع"، 25/2/1997م، العدد 1239.
(46) فالحُوار إلى جانب طلب العلم بفيد الملازمة، كملازمة الناقة أو العجل للأم لكي تمتص اللبن من الضرع، وكما يأخذ المبتدئ في العلم من المعلِّم أو الشيخ.  ومن هنا كان حُوار الشيخ وحُواريو عيسى عليه السَّلام... ولعلَّ الحِوار (بكسر الحاء) قد تطوَّر من ذلك لكثرة الأسئلة والأجوبة بين الطرفين.  وحُوار الصَّادق المهدي المعني في المقال هو السيد مبارك الفاضل المهدي.