الدكتور عمر مصطفى شركيان



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الدكتور عمر مصطفى شركيان

حين نكتب عن هذه الفترة من تأريخ السُّودان لا نبغي إيراد تحليل سياسي واقتصادي واجتماعي كامل شامل للحقبة المايويَّة، فتلك حقبة انبرى للكتابة عنها كُُتَّاب كثر.  كلما نودُّ أن نجلوه هنا هو جوانب أربعة لها عروة وثقى بالمشكل السُّوداني.  فما هي هذه الجوانب الأربعة؟
الجانب الأول: إنَّ هذه الفترة تمثِّل نهاية نظام وبداية نظام؛ نهاية نظام نميري وبداية نظام سوار الدَّهب، وما بينهما من امتداد للمؤسسة العسكريَّة في السُّلطة.
الجانب الثَّاني: الآمال العظيمة (Great expectations) التي تعلَّق بها الشَّعب السُّوداني على نظام سوار الدَّهب، وفيم خيَّب النظام ظنَّهم؟
الجانب الثَّالث: ميلاد الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان وكيف استقبل أو تقبَّل الناس - حسب نظرة الرَّائي - بنات أفكار الحركة الوليدة.
الجانب الرَّابع: ما هي الخطوات السياسيَّة التي اتَّخذت من أجل إحلال السَّلام مكان الاحتراب في هذه الفترة؟

على أي حال، ففي أواخر آذار (مارس) 1985م تفجَّر الشارع السُّوداني غلياناً وغضباً بسبب الأوضاع المعيشيَّة التعيسة التي نجمت عن زيادة أسعار السلع الضروريُّة. فقد امتدت تظاهرات الغضب ورايات الاستهجان بسرعة صاروخية لتشمل مدن السُّودان المختلفة، في الوقت الذي كان فيه الرئيس المشير جعفر محمد نميري مسافراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج ومقابلة المسؤولين الأمريكيين للتباحث والتفاكر في قضايا ذات الاهتمام المشترك. لم تفلح محاولات نائب الرئيس ورئيس جهاز الأمن - اللواء عمر محمد الطيِّب - المتمثلة في استخدام سياسة العصا والجزرة (The carrot and the stick policy) - في كبح جماح الكتل البشرية المتعطشة للتغيير المؤسساتي. فعندما وقفت طائرة الرئيس في القاهرة، وهي في طريق العودة إلى الخرطوم، علم من نظيره المصري -  الرئيس محمد حسني مبارك - أنَّه فقد ذمام الأمور في السُّودان، وأنَّ السُّودان الآن تحت رحمة وزير دفاعه - الفريق أول عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب - الذي رُقي إلى ذلكم المنصب قبل بضع أيَّام.
وما أن زُهِقَ نميري وصفا الجو السِّياسي حتَّى خرج السَّاسة القدامى الجدد من كل حدبٍ ينسلون. لم يكن يتصوَّر أي إنسان مدرك بطبيعة السُّودان وتطبُّع السُّودانيين أن بإمكان هؤلاء القادة الديماقوقيين، الذين هم في ضياع فكري وشتات ذهني، أن يحلوا مشاكل هذا القطر الشَّاسع بين عشيَّةٍ وضحاها. ليس هذا لأنَّ هذه المشاكل - المتراكمة والمتشابكة - في غاية الصُّعوبة التي يصعب معها الحل الناجع والحسم القاطع، بل لأن الذين تقدموا بأنفسهم كممثلين شرعيين للشَّعب السُّوداني لم يُعرَف لهم برنامج انقاذي مقتدر ولا نهج علمي يذكر. كل ما عرفناه عنهم هو أنَّهم قد أنفقوا جل وقتهم في الحديث عن النظام المباد: تشخيص الدَّاء دون توصيف الدَّواء. فعليه، لم يدم غناء الحادي وشدو الشَّادي بانجازات الجماهير "الأبريلية" طويلاً. كيف لا وقد تم إيتاغ وإبتلاع الإتتفاضة في الحافرة.
جاءت الإنتفاضة الشَّعبية في آذار/نيسان (مارس/أبريل) 1985م وقد وصل الشَّعب السُّوداني نقطة الَّلاعودة.  كان العام 1984م عام ذي مسغبة، حيث وصل آلاف السُّودانيُّون الجياع إلي ضواحي أم درمان لعلَّهم يجدوا عندها الطعام والأمان. هؤلاء الفارِّين من ديارهم في إقليمي دارفور وكردفان، بسبب مجاعةٍ لا تبقي ولا تذر، قد تم توطينهم - أو إيوائهم - في معسكرات أبوزيد والمويلح بأم بدة في أم درمان. ليس غريباً أو عجيباً أن تحل المجاعة ببلدة ما، لكن الأغرب في الأمر أن تحدث هذه الكارثة الطبيعوبشريَّة في قطر شاسع كالسُّودان: دولة ذات أراضي زراعية خصبة، بها نهر يشقها طولاً من نمولي إلي حلفا وغيرهما من الهبات الربانية الكثيرة. ثم أين الثَّورة العلميَّة التي كان يتحدَّث عنها الرئيس نميري؟ إنَّ ليس بإمكاننا أن نضفي صفة العلم على أيَّة معرفة أو حركة لا تكون ذات فائدة في حياة البشر ولا تقود إلى سعادتهم. إذ أنَّ سعادة المواطن هو الهدف الأسمى، باعتبار أنَّ سعادة الإنسان هي هدف كل حكم، وغاية كل عقد اجتماعي وكل سلطة. لقد وصلت الدول، بفضل التكنولوجيا الحديثة، مراحل متطوِّرة تمكنها من التنبؤ عن كميات الأمطار وإنتشار الآفات الضارة بالزرع والضرع، فهل فات علي القائمين بأمور العباد في السُّودان ذلك؟ وهل كان يدري سيادة الرئيس أن مكمن التغريد بالتكنولوجيا يقبع في التفسير الصَّحيح للظروف الطبيعيَّة والمناخيَّة التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على دولة يحكمها هو ويسيطر على مصائر شعبها؟ أم أن الحكاية كانت كلها وهمٌ وتوهم من الحاكم - الذي تردَّى دساتير تُضِلُّ وتُرعب - بأن كل شئ سوف يكون عسلاً على لبن، كما يقول المثل الشَّعبي السُّوداني.  إنَّ أمر الحكم في السُّودان غريب، وأهل النَّهي والأمر أغرب كقول الشَّاعر العراقي محمد الجواهري:
ألا أنَّ وضع النَّهي والأمر عندنـــا        غريبٌ وأهل النَّهي والأمرِ أغـربُ
تداول هذا الحُكمَ ناسٌ لو أنَّهــــم        أرادُوهُ طيفاً في منامٍ لخُيِّبــــوا
دهمت المجاعة السُّودان عامة وأهل الغرب خاصة في وقتٍ توهَّم نميري بأنَّه يطبَّق شرع الله في الأرض. كان نميري متصوِّراً أنَّه بتطبيق الحدود، بكل ماصاحبها من تشويهٍ وتحريف، قد يضمن له مرتكزاً روحيَّاً قويَّاً في السُّودان.  كذلك تطبيق شرع اللَّه يمكِّنه أن يكون حاكماً دينياً طاعته واجبة ومقرونة بطاعة اللَّه ورسوله وأولي الأمر، كما أنَّ هذه الأحكام الحديَّة يمكن أن تستخدم في ردع وقمع خصومه السِّياسيين، وهذا ما جرى.  فقد أقبل نميري بقوانينه هذه على إعدام الأستاذ محمود محمد طه في 18 كانون الثَّاني (يناير) 1985م، ذلك الشيخ الهرم الذي لم يقل غير كلمة حق أمام حاكم جائر.  كان الأستاذ محمود محمد طه من أهل الستر والديانة وكثرة البر والصدقات، ذا عناية بالأخلاق والسلوك. صادروا أملاكه، وألحقوا بذويه الضر وشر البلية.  وقام النظام كذلك بإبادة كتب الفكر الجمهوري، وهرول عملاء النِّظام إلى جامعة الخرطوم لنزع كتب الفكر الجمهوري من مكتب الجامعة لإبادتها لولا وقوف إدارة الجامعة ضد هذا السلوك الذي يتعارض مع دور العلم.  إنَّ ظاهرة حرق الكتب وإتلاف المكتبات العامة لا يقوم بها إلا من كانوا جهلة غلاظاً فظاظاً.  فقد بدت هذه الجريمة في المغول التتار، الجهال الغلاظ، حين ألقوا بكتب مكتبات بغداد في نهري الدِّجلة والفرات، وقام النَّازيون في ألمانيا بإبادة الكتب، وكذلك فعل نظام نظام نميري مع مطبوعات الفكر الجمهوري.  الفكر يُحارَب بمقارعة الحجة بالحجة، لا بشوي الكتب.  وفي باكستان، وهي دولة منغمسة في مغالاة دينيَّة كالسُّودان،بدأ نظام الجنرال مشرَّف في صيف العام 2003م "بتطهير المكتبة الإنجليزيَّة" من المواد الفاحشة وغير الإسلاميَّة من الكتب الدراسيَّة، فضلاً عن حظر بعض منها. فقد قامت جامعة البنجاب بحصر هذه الكتب، التي ينبغي تنقيتها من المواد الدَّاعرة، ومنها: "اغتصاب القفل" (The Rape of the Lock) للمؤلف الإسكندر بوب، و"جوهرة في التَّاج" (The Jewel in the Crown) للكاتب بول سكوت، و"الشمس تشرق كذلك"(The Sun also Rises)  للمؤلف الشهير إيرنيست هيمنجواي، و"رحلات جيليفر" (Gullivers Travels) للمؤلف جونوثان سويفت.  وقد وقع في سلة المحظورات هذه كتاب "الولد المناسب" (A Suitable Boy) لأنَّ مؤلِّفه فيكرام سيث، الروائي البريطاني من أصل هندي - والهند عدو تأريخي لدود لباكستان - وكانت جريمة الكتاب، والمؤلف كذلك، هي أنَّه اشتمل - فيما اشتمل - على ملاحظات تتعارض مع "الفكر الباكستاني".  ومن الكلمات التي وُضِع تحتها خطوط حمراء لمحوها من الكتب هي: فودكا (الخمر الروسي الشهير)، والخمر، وويسكي وغيرها.
دعنا نترك أمر باكستان وندلف إلى السُّودان بين الأمس واليوم.  إنَّ ما يعتصر له الفؤاد حزناً وأسى هو مزوِّري التأريخ ومحرِّفي الحقائق.  فقد كتب الصحافي محمد طه محمد أحمد - رئيس تحرير صحيفة "الوفاق" السُّودانيَّة - في افتتاحيتها عموداً عن الدكتور عبدالله أحمد النَّعيم - الرئيس السابق لقسم القانون الجنائي بكلية القانون في جامعة الخرطوم والمقيم حالياَ في الولايات المتحدة الأمريكية - مادحاً موقفه المطالب بمعاملة انسانية كريمة لأسرى تنظيم الجهاد وحركة طالبان (تنظيم القاعدة) الذين حُبسوا في جزيرة كوبا بواسطة الجيش الأمريكي بعد هزيمة حكومة طالبان في أفغانستان. لم يبتئس الدكتور النعيم من الإسلاميين الذين نادوا مصبحين بإبادة الحزب الجمهوري - تنظيم الدكتور النعيم نفسه - بعد أن اغتالوا زعيمهم في العام 1985م وأحرقوا كتبه، بل اختار أن يصدع بكلمة حق.  فماذا كتب محمد طه محمد أحمد في غرة صحيفته السالفة الذكر؟
كتب محمد طه قائلاً: "عجزت الجماعات الإسلاميَّة من أن تفهم أن الخلق - منذ خلق الله إبليس وآدم - في حوار مستمر مع الله عز وجل ولم تتم الإبادة في مناخ الحوار.  إنَّ إبليس رفض الأمر الإلهي (السجود لآدم)، وقال أنا خير منه وقد خلقت من النار وخُلِق من الطين.  ورغم هذا العصيان لم تتم إبادة إبليس، وإنَّما نال الخلود والتحدي أمام البشر أن يتبعوا تضليل الشيطان، وإنضمَّ عليهم اتباع مصابيح الهداية وتعليم الرحمن الرحيم." ثم مضى محمد طه مستطرداً: "إنَّ فترة الهداية لا تُحدَّد بثلاثة أيام كما فعل ذلك نميري وصمت الفقهاء والمحامون والمفكرون الإسلاميون بكل مدارسهم.  صمتوا جميعاً، وحتى إذا رفض محمود محمد طه الدِّفاع عن نفسه، وقال إنَّه لا يعترف بمحكمة القاضي حسن إبراهيم المهلاوي لأنَّها غير مؤهلة فنياً أو أخلاقياً، فكان من المفترض أن يتم توفير محام له يقدم كل دفوع الفقهاء الذين قالوا إنَّ الردة ليست حداً يعاقب عليه بالإعدام في الدنيا والمقصود بحديث قتل المرتد هو المرتد المقاتل وحتى من قالوا بأنَّ الرِّدة حد قالوا إنَّ التوبة عنها تبقى في فترة مفتوحة غير محدودة فربما تأتي الهداية من الله."  وقد نُسِب إلى الإمام مالك أنَّه قال: "من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً، ويحتمل الإيمان من وجه، حُمل أمره على الإيمان."  فقد أوردت مصادر الفقه والحديث قول النبي: "تُدرأ، أو أدرأوا، الحدود بالشبهات".  ويشتمل هذا الحديث على مبدأ قضائي هام هو تفسير الشك لمصلحة المتَّهم.  إنَّ الاتهام بالخروج عن الملة يقتضي التريث إذ أنَّ المسلم الورع لا ينحو هذا المنحى خوفاً من أن ترتد عليه هذه التُّهمة، أو لم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلَّم "إذا قال أحدكم لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما."  فمن هو محمد طه محمد أحمد الذي انبرى حديثاً وغدا يحدثنا عن طيش الإسلاميين وقضاة العدالة الناجزة (Instant justice)؟ محمد طه محمد أحمد هو نفسه أحد كوادر الإسلاميين الذين كانوا يديرون أركان النقاش في جامعة الخرطوم والجزيرة وينذرون بإعدام الأستاذ محمود محمد طه ويتوعَّدون تلاميذه.  فسبحان الله مغيِّر الأحوال من حال إلى حال.
على أي حال، فقد واجه الأستاذ محمود محمد طه الموت بشجاعة نادرة - كما وصفته هيئة الإذاعة البريطانية وقتئذٍ. إنَّ سمة الشجاعة والشهامة في أمر الفكر لهي خصلة من خصال المربين في العصور الغابرة، مما أكسبهم تبجيلاً ووقاراً لدي تلاميذهم حتى كاد هؤلاء أن يكونوا رسلاً. وعلى سبيل المثال، نذكر الفيلسوف والمعلم الأغريقي سقراط حينما تعرَّض لنفس الشئ الذي تعرَّض له الأستاذ محمود محمد طه. إنَّه هو سقراط الذي قال إنَّ المرء الذي يعيش حياة هنيئة مريئة، ولم يتعرض لاختبار أوهزات عنيفة، لا يستحق البقاء.  فقد أنشد أمير الشعراء - أحمد شوقي -  ممجداً موقف سقراط البطولي في البيت التالي:
سقراط أُعطي الكأس منية        شفتي محب يشتهي التقبيلا
مهما يكن من شئ، فقد صَلُح نميري ونسُك - أو هكذا أدَّعى - حين اضطرَّته الحياة السياسيَّة إلى ادِّعاء الصلاح والنسك، فأعلن النهج الإسلامي لثورة مايو، التي ما باتت إشتراكية، في 8 أيلول (سبتمبر) 1983م، وأجهر بالقول: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ اْلْقُرَى أَمَنُواْ واْتَّقُوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ اْلسَّمَاءِ واْلأَرْضِ".  ذلك هو ظاهر الحديث لدي الرئيس نميري، لكن باطن الظن كان شيئاً مخالفاً تماماً.  حيث حسب نميري، وهو مخطئٌ في ذلك، أنَّ بإعلان هذه الأحكام الشرعية - بشكل انتقائي كما تجلَّت - قد ينساب التأييد العربي والإسلامي مدراراً في شكل دولارات وبترول أو مايُعرَف عالمياً ب (Petrodollars)، لكن تبخَّر هذا الوهم الكابوسي عندما اكتفى "الأخوة العرب" بالتأييد المعنوي، بل ذهب البعض الآخر في إنتقاد وإنتقاص تجربة نميري الَّلاإسلامية.  لذلك عندما أحسَّ نميري أنَّ الخزينة على عروشها خاوية، أعاد العمل بنظام الضرائب مع الإبقاء على الزكاة في إزدواجية عُرفت - وما زالت تعرف - بديوان الزكاة والضرائب.
يبقى السؤال لم هذا البلاء والوباء ونحن بقومٍ مؤمنين؟ إن الفساد السِّياسي ذهب بالبلاد والعباد كل مذهب.  تم بيع موارد البلاد الي أجشع وأبشع رجال المال والأعمال المحليين والعالميين.  وما قصة رجل الأعمال السُّوداني عبده ربُّه عنا ببعيدة، أما عن عدنان خاشوقجي - المليونير السعودي الذي يحظر عليه دخول المملكة العربيَّة السَّعودية - فحدِّث ولا حرج. أفسد عدد غير قليل من وزراء وعملاء مايو وأثروا ثراءاً فاحشاً كل ذلك من عرق الشَّعب السُّوداني المستضعف.  لقد دخل عدنان خاشوقجي - من خلال شركته، سيجما العالميَّة (Sigma International) - في شراكة غير مألوفة قطعاً مع الحكومة السُّودانيَّة، حيث بموجبها استطاع خاشوقجي أن يتحكَّم في موارد السُّودان البتروليَّة، والمعدنيَّة وغيرها، وتم تحويل هذه الموارد إلى شركة خاصة هي المؤسسة القوميَّة للبترول (The National Oil Company of Sudan).  لقيت محاولة خاشوقجي الأولى لتطبيق الاتِّفاق الذي بومجبه أُنشأت المؤسسة القوميَّة للبترول معارضة عارمة من وزير الماليَّة السُّوداني إبراهيم منعم منصور.  اعترض الوزير على حق المؤسسة في الانفراد بتجارة القطن، معللاً ذلك أن القطن هو سلعة الدولة الوحيدة للتصدير، وإنَّه من الخطأ بمكان أن تسمح الدولة بأن تسيطر شركة واحدة على مبيعاته.  كان رد فعل نميري على اعتراضات الوزير قاسياً جداً، حيث أنَّه أُعفي من منصبه، وكوَّن نميري المجلس القومي الاقتصادي ونصب نفسه رئيساً لهذا المجلس.  فإذا أضفنا إلى ذلك ما بدا من انتشار الفقر، وحدة التمايز بين الفقراء والأغنياء، وجدنا أنَّ الصورة العامة في هذه الفترة، تدل على فساد عام في الوضع السياسي نشأ عنه فساد في الحياة الاقتصادية، ومن ثمَّ قلق واضطراب في الحياة الاجتماعيَّة.
بيد أن الحكام العسكريين من طينة واحدة.  فنجد ما ذهب إليه معمَّر القذَّافي في التسعينيات يكرِّر ما فعله نميري قبل عشر سنوات خلت. لقد دفعت العقوبات الإقتصاديَّة المفروضة على ليبيا على حمل القذَّافي على إعلان قوانين تنفيذيَّة لأحكام الشَّريعة الإسلاميَّة وتوظيفها لأهداف سياسيَّة مرحليَّة سواء كانت لحسابات داخليَّة أوخارجيَّة. وقد بدأ بالفعل سريان القوانين السَّبعة الجديدة يوم الخميس 17 شباط (فبراير) 1994م وتتعلَّق بالقتل العمد وحدَّي السَّرقة والحرابة وحد الزِّنا وشرب الخمر وتبنِّي تقويم إسلامي جديد. أمَّا في أحكام الزَّواج فقد اشترط القانون أنَّ الرَّجل الذي يريد أن يتزوَّج من إمرأة أخرى عليه الحصول على موافقة الزَّوجة الأولى التي في عصمته على هذا الزَّواج، شرط أن تتم الموافقة أمام المحكمة. كما قرَّرت الحكومة اللِّيبيَّة منح أئمة المساجد صلاحيَّة القيام بدور المفتي في دوائر مساجدهم بعد أن أُلغيت وظيفة المفتي نهائيَّاً. لقد أصبح الدِّين يستخدم بصورة آفوية في السِّياسة، وإدخال أمور باسم أحكام الشَّريعة مما ليس فيها مطلقاً والزَّعم بأنَّه حكم شرعي مثل اشتراط موافقة الزَّوجة الأولى أمام المحكمة على زواج زوجها بأخرى فهو قيد على تعدُّد الزَّوجات لم يرد في أحكام الشَّريعة. كذلك مسألة تبنِّي تقويم شمسي إسلامي جديد يبدأ من مولد الرَّسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عام 571م ليكون هذا العام 1994م هو العام 1423 من ميلاد الرَّسول لا أصل لها.
غي أن أعظم هرطقة أقدم عليها نظام نميري في السُّودان هي ابتداع جريمة سمَّاها الشُّروع في الزِّنا وحُوكم عددٌ من السُّودانيين تحت طائلة هذا القانون التَّجريمي الجديد لهذه الجَّريمة المصطَّنعة التي لا صنو لها في الإسلام. فلم استحداث الآثام والزِّنا في الإسلام معروفة؟ قد تمَّ تعريف الزنا في الإسلام بتغييب الحشفة - أو قدرها من مقطوعها - في فرج محرم، مشتهي بالطَّبع، من غير شبهة نكاح، ولو لم يكن معه إنزال، وقول الرَّسول (ص): كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر. ثمَّ اقترن ثبوته بالشُّهود الأربعة، وهو شرط أصلي في الشريعة لكن معظم الفقهاء ذهب إلى إثقاله بشرط إضافي وهو أن يكون الشَّاهد قد رأى فعل الزنا عياناً، أي أن "يرى الميل في المكحلة" كما تعبر عنه عبارة تُنسَب إلى عمر بن الخطاب في قصة زنا المغيرة بن شعبة، دون الوقوف على الهيئة الظاهرة للجماع، أي المضاجعة.  لذلك كذلك يورد ابن سعد توجيهاً لعمر بن عبدالعزيز بعدم التعرُّض لمرتكبي الفواحش وراء البيوت.  ويذكرنا ما حدث في سودان النميري ما كان يُمارَس في جنيف بسويسرا في القرن السَّادس عشر من القرن الماضي.  فقد سرد وليام نافي في بحثه القيِّم عن جنيف الكالفينيَّة، والتي كان يبلغ تعداد سكانها آنذاك 10,000 نسمة، أنَّ كبار القوم ومجموعة من وزرائهم كانوا يجوبون المدينة بحثاً عن سلوك يوحي بأنَّ فاعله، أو فاعليه، على شفا الشروع في الزنا (Behaviour tending towards fornication).  وبما أنَّ هذا قد يشمل الرقص في حفل الزفاف أو ترديد غناء عن الاعتداد بالنَّفس - وليس بالضرورة الإشارة إلى أحد - وجد كثير من أعيان المدينة أنفسهم أمام مساءلة القانون لتقديم تبريرات عما اقترفوه.  ومما زاد الأمر سوءاُ أنَّ المواطنين كانوا يتم تشجيعهم على التجسُّس على جيرانهم والإبلاغ عن أي أمر مريب.  وقد دفع هذا التحفيز الفضوليين وشواذ الآفاق وحثالة المجتمع إلى أن يعشوشبوا بجيرانهم لا سبب ما غير أنَّهم يرغبون استجرامهم.
مهما يكن من أمر الجنيفيين في سويسرا، ففي سودان الشريعة النميريَّة ثمة ضحايا أخرى ممن تعرَّضن للحبس والجلد والتشهير، وزادت شقاوتهن - التي كانت بادية من قبل - تطبيق الشريعة الإسلاميَّة. هذه الفئة المكلومة هي بائات الخمور البلدية (المريسة والعرقي)، ومعظمهن أو جلهن من مواطني المناطق المهمشة اللائي يقمن بهذا العمل في مدن السُّودان المختلفة كوسيلة وحيدة لكسب العيش، بعدما تقطَّعت بهم السُّبل.  غير أن مطاردتهم لم تبدأ في أيلول (سبتمبر) 1983م، ولكن يعود تأريخ الحملات التعسفية ضدهم منذ حقب سحيقة.  ومن سخرية القدر - حينما يكون القدر ساخراً شديداً - أنَّه كان يتم توقيف وتجريم بائعات الخمور البلدية في السُّودان في الوقت الذي كانت فيه السلطات الحكومية تسمح لأصحاب الحانات بتسويق مشروباتهم الكحوليَّة نهاراً جهاراً وبكل أنواعها وأشكالها حتَّى قبل العام 1983م، دون التعرُّض لهم أم أن يقعوا تحت طائلة القانون.  أما حين يكون الأمر متعلِّقاً بالنُّوبة وأهل الجنوب والغرب قاطبة، فذلك أمر مختلف.  هذه هي حال النساء (الغرباويات) مع أهل الحكم في الخرطوم، في تنكر العيش وتسخط الحال، لا يجدن من يشكين إليهم بثهن ويفضين إليهم بذات الأنفس حتى أمسى وضعهن أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام.  وإنَّ كثيراً من أهل هذه المجتمعات ليجدنَّ مشقة وعنت في فهم تفسير سبب حرمانهم من شرب المريسة (الخمرة البلديَّة)، التي تعتبر في أغلب الأحيان وجبة غذائيَّة رئيسة (Staple food)، ولا سيَّما لو كانوا غير مسلمين.  وقد ذكر الوحي أنَّ في الخمر منافع للناس مع عدم التعامي على أضراره "ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، كما تدرَّج الوحي في التَّعامل معه مبتدئاً بحث المسلمين على اجتنابه "إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشَّيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون".  وللفقهاء تقييدات إضافيَّة للعقوبات.  فقد قال أبو حنيفة إنَّ السكران لا يُجلَد إلا إذا بلغ في سكره حدَّاً لا يفرِّق فيه بين السماء والأرض أو بين الرجل والمرأة.  والمعروف عن أبي حنيفة أنَّه أباح النبيذ.  وفيما استفاد الناس من هذه الرخصة، نجدها قد أثارت زوبعة بين بين أتباعه فضلاً عن خصومه.
وحسبنا أن نورد أيضاً قضيَّة الواثق صباح الخير الذي استند القاضي فيما استند على الآية الكريمة: "إنَّما جَزَاءُ الّذِينَ يُحارِبُونَ اللّهَ وَرَسُوله وَيَسْعَوْن في الأرْضِ فسَاداً أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبُوا، أو تُقَطَّع أيْدِيهمْ وأرجُلُهُمْ مِنْ خلاف، أو يُنْفَوْا منَ الأرْض. ذَلكَ لهْم خِزيٌ في الدُّنيا. ولهم في الآخِرَة عذابٌ عظيم."  فقد إختلف الفقهاء والعلماء حول هذه الآية، فمنهم من قال بأنَّها نزلت في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدموا عليه لم يكن عليه من سبيل. ومنهم من ذهب وارداً أنَّها نزلت في الحروريَّة، حيث أنَّ نفراً من عكل يبلغ عددهم ثمانيَّة قدموا على رسول اللَّه (ص) فبايعوه على الإسلام فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول اللَّه (ص) ذلك، فقال: "ألا تخرجوا مع راعينا في ابله فتصيبوا من أبوالها وألبانها". فخرجوا فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحُّوا، فقتلوا الرَّاعي النوبي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك رسول اللَّه (ص) فبعث في آثارهم فأدركوا فجئ بهم، فأمر بهم فقُطّعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثمَّ نبذوا في الشَّمس حتَّى ماتوا. وقد أخبر بعض الرُّواة انَّ الثَّمانيَّة ارتدُّوا عن الأسلام، وقتلوا الرَّاعي، واستاقوا الأبل.
ومن المغالطات، أيضاً، في شأن تفسير هذه الآية أن حكم المحاربة يكون في الأمصار وفي السُّبلان على السِّواء؛ وقال آخرون لا تكون المحاربة إلاَّ في الطُّرقات فأمَّا في الأمصار فلا، لأنَّه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطَّريق لبعده ممن يغيثه ويعينه. وقال الجُّمهور: هذه الآية منزلة على أحوال: اذا قتلوا وأخذوا المال قُتِّلوا وصُلِّبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قُتِّلوا ولم يصلَّبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قُّطِّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السَّبيل ولم يأخذوا المال نُفوا من الأرض.  ففي خضم هذه المتباينات الدِّينيَّة يأتي السُّؤال التَّالي: هل كان المتَّهم صباح الخير واقعاً في هذه المواصفات كما أوردها المفسِّرون من شركٍ ونفاق وردة واجتواء المدينة وأن تكون الجِّناية قد وقعت في السُّبلان ثمَّ القتل والتَّصليب إذا قتل الجَّاني وأخذ مال المجني عليه؟ الإجابة بالطَّبع لا. إذن، لماذا نجعل لأمَّتنا قوانيناً كهذه حيث إختلف - فيما إختلف - فقهاؤهم في تفاسيرها والعمل بها؟ وقد نجد مثلاً عقوبة النَّفي من الأرض جائزة في عصر الجَّاهليَّة حيث لم تكن هنالك دولاً بحدودها السِّياسيَّة وقوانين دوليَّة تنظِّم وتحكم ضوابط الإنتقال من قطرٍ لآخر.  أمَّا في الوقت الحاضر فلا يمكن أن نأخذ مواطناً من بلده الذي ولد وترعرع فيه لكي نقذف به في دولة أخرى دون أن ندخل في انتهاك حرمة سيادة تلكم الدَّولة.  كما أنَّ الأخيرة سوف لا تسمح لأرضها أن تكون بؤرة لتخزين مجرمي الأمم الأخرى.  ولكي يواكبوا العصر، ذهب بعض علماء الإسلام إلى القول بأنَّ المقصود بالنَّفي في الآية الكريمة السِّجن، مسترشدين لذلك ببيت شعر بعض المسجونين أنفسهم الَّذين شبَّهوا السِّجن بالنَّفي عندما أنشدوا:
خرجنا من الدُّنيا ونحن من أهلــها        فلسنا من الأموات فيها ولا الأحــــــيا
إذا جاءنا السجَّان يوماً لحاجــــة        عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدُّنيـــــــا!
إنَّ القائمين بأمور هذه الأحكام قد تشابه عليهم البَّقر، فأصبحوا يخلطون القوانين القائمة حينذاك بالجديد الذي أتى به النِّميري، فكان النَّاتج استظلام العباد.  والدَّليل على ذلك أنَّ قضاة العدالة النَّاجزة هؤلاء فرُّوا بجلدهم بعد الإنتفاضة خارج القطر، فإذا كانوا من قبل قد أنصفوا العباد، فلماذا هم من هذه العدالة النَّاجزة وجلون ثمَّ هاربون؟ ومن الذين فروا بجلدهم رهبة إلى المملكة العربيَّة السَّعوديَّة الدكتور المكاشفي طه المكاشفي الذي شغل منصب قاضي بالمحكمة العليا وكان من أهم المشاركين في تجربة تطبيق الشريعة الإسلاميَّة على أهل السُّودان.  فأصبح شعار الهيئة القضائيَّة الجديد يومئذٍ: "من أجل تأكيد الهوية الإسلاميَّة لثقافة الأمة". فهل تنبع ثقافة جميع أهل السُّودان من الإسلام؟ كلا ... هناك مسيحيون وهناك من يدينون بالديانات الأفريقيَّة (الأرواحية)، وكلهم يشتركون في وطن واحد ويحلمون بعيش كريم، ولكنهم حُرموا من هذا الحق.
وفي حقيقة الأمر، إنَّ الدارس لمسائل كثيرة في علم الأصول يرى مواضيع كثيرة ينظر إليها علماء الإسلام وجهابذة الفقه بنظرات مختلفات تماماً. ونذكر على سبيل المثال عدم جواز ولاية الضرير (الشيخ عمر عبدالرحمن) وقضية العذر بالجهل.  وقد اُستخدِمت طريقة سمل العيون لإرغام الخليفة غير المرغوب فيه على التَّنازل بواسطة العسكريين الأتراك ضد الخلفاء العباسيين بعد المتوكل، حيث يهدف السمل إلى حرمان الخليفة من أحد شروط الاستخلاف وهو سلامة الجسد حيث يصبح بعد أن يفقد عينيه أو كلتيهما في حكم المنخلع.  فهناك من العلماء من يعذرون الذي يخوض في مسألة دينية بجهل، ويعتبرونه مجتهد - ولكل مجتهد نصيب إذا أصاب، ولا عليه شئ إن أخطأ. ومنهم من يُبدِّعون (أي يتَّهمونه بالبدعة) كل مرتكب خطأ في التَّوحيد. فقضية العذر بالجهل موجودة في العقيدة من ضمن باب العقائد وتُبوَّب في عوارض الأهلية، والمسألة فيه خلاف على كل لسان، ومع كل زمان. كانت هاتين القضيتين - ضمن مسائل أخرى فقهية، وسياسية، وعسكرية - من الأسباب التي أدَّت إلى الانشقاق في "تنظيم الجهاد" إلى جماعتين في السجن تحت تهمة اغتيال الرئيس المصري - محمد أنور السَّادات - في 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981م من جهة، وعدم الوحدة بين "جماعة الجهاد" و"الجماعة الإسلاميَّة" من جهة أخرى.
على أي حال، فقد استغل نميري الدين أي استغلال لأسباب سياسيَّة يعرفها أقل النَّاس إلماماً بالسياسة، ولا يجهل فسادها ذو عقل، ولا يلتبس خطؤها على ذي لب.  فقد أورد الدكتور منصور خالد في بحثه "الفجر الكاذب... نميري وتحريف الشريعة" ثبتاً متكاملاً عن نميري وتصحيف الشريعة، ولم يترك لأي باحث بعده مجالاً كي يضيف إلى ذلك الثبت بحوث أخري.  وإذا جاز الحكم على ثبت منصور، فإنَّه غني بأحداث السُّودان والتأريخ الإسلامي، صادق في روايته، يتوخى الدقة في العرض، والعلم في التحليل والتعليل، والصدق في طلب الحقيقة، والحرص على الدقائق الجزئيَّة. وهكذا تبدو قيمة الكتاب فيما يعرضه من صور المجتمع السياسي عندئذٍ، لا فيما يعرضه من أحداث التأريخ العام. ونتيجة لهذه الأحكام وأشياء أُخر استحال التعايش بين نظام نميري وأهل الملل الأخرى من جدال ونضال بالحجة إلى اصطدام مسلح، أدرك نميري نفسه أوله وانتهى به عمر البشير إلى أقصى حدوده.
أيَّاً كان الأمر، فقد هتف الشَّعب من أعماقه عشية تهالك النظام بشعارات واضحة لا لبس فيها، وتوقَّع ممن يجدف بسدة الحكم إلي بر الأمان أن يكون كفيلاً بترجمة هذه الأحاسيس إلي واقعٍ عملي: مقاتلاً الفاقة ومجتنباً البلاد الإنزلاق نحو الطَّامة الكبرى. خرجت الجَّماهير مطالبةً بديمقراطيَّة الدَّستور، استقلاليَّة القضاء، محاكمة المفسدين وتطهير أجهزة الدَّولة المختلفة، إلغاء القوانين والأوامر الإستثنائيَّة، سن قانون جديد للإنتخابات يضمن تمثيل القوى الحديثة وتقليص النفوذ الطائفي والقبلي والدوائر المقفولة والمتوارثة وفوق ذلك كله إيجاد الحل السِّلمي للحرب التي إشتعلت للمرة الثانية في جنوب البلاد.

ويسألونك عن الجنوب؟
إن أكبر انجاز سياسي يمكن أن يضاف إلى رصيد حكومة نميري هو وقف الحرب الأهليَّة في السُّودان.  فقد لعبت الحكومة منذ فجرها الأول دوراً ناجعاً في في حل المشكل السُّوداني بالإعتراف بالفوارق الثقافية، وتعدد الديانات واللغات، والتباين التنموي بين الشِّمال والجنوب، على الرَّغم من أن هذا الاعتراف لم يكد يمتد لكي يشمل المناطق المهمشة الأخرى، والسبب هو لأنَّهم لم يرفعوا السلاح ضد السُّلطة في الخرطوم، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. ولكي تُظهِر الحكومة حسن النوايا، اذاعت للناس بيان 9 حزيران (يونيو) العام 1969م كمسودة سياسيَّة في سبيل الحل السلمي لمشكلة الاقتتال، وتمَّ تعيين ممثِّل للجنوب في الحكومة المركزيَّة هو المرحوم جوزيف قرنق، الذي خلفه القاضي أبيل ألير. فقد قامت الحكومة بإرجاع الرُّمح المقدَّس - ليربيو - الذي صادره الحكم الثنائي في العام 1945م من قرية قوالا في مركز بور.  وكان السنان رمزاً دينيَّاً تمتله عشيرتان من دينكا بور فترة أجيال طويلة، لأنَّه رمز لأحد آلهتهم، وهو يعني عندهم الرأفة وهدوء النَّفس.  وقد تناوله الحكم الثنائي عقب مقتل الزعيم القبلي المتعلم، جوزيف ما شيك، وصدور حكم من إحدى محاكم السلاطين بمصادرته، ونقله إلى الخرطوم، حيث وُضِع في متحف السلالات البشريَّة.  فقد سلَّمته الحكومة لأهل مدينة بور في آب (أغسطس) 1971م في حفل رسمي.  وآثار هذا الرد كثيراً من اهتمام أهل بور، وأقاموا الذبائح احتفالاًً.  وما أن أُحضِر الرمح ورُكِّزت قناته في فناء مدينة بور حتى بدأ الدينكا فرحين باكين.  وكيف لا يفرحون ولا يبكون وقد أُعيد إليهم رمز من رموزهم الروحيَّة والمعنويَّة والوطنيَّة!  ومثلما لم يراع الانجليز مقدسات الدينكا، لم يأبهوا بتقاليد بعض شعوبهم في بريطانيا نفسها، فقد عانى الاسكتلانديون من عنجهيَّة الانجليز ردحاً من الزمان.  ففي نهاية العام 1296م صادر الملك إدوارد الأول حجر المصير (The Stone of Destiny) وتم نقله من قصر سكون (The Palace of Scone) في بيرث - حاضرة اسكوتلاندا يومئذٍ - إلى لندن، ومكث فيها حتى العام 1999م، حين قررت الحكومة البريطانيَّة إرجاعه إلى إدنبرة.  وما أن تحرَّك القطار الذي كان يحمل حجر المصير في موسم الهجرة إلى الشمال حتى قال الاسكتلانديون لبضعم بعضاً إنَّا نشم رائة الحجر المقدس، وكادوا لا يصدقون.  إن هذا الحجر بالنسبه لهم كمثل الحجر الأسود عند المسلمين بمكة.  إنَّه يمثل الهُويَّة، والتأريخ، والقوميَّة الاسكتلانديَّة التي كثيراً ما يفخر بها الاسكتلانديُّون.
إن جنوح نميري، الذي قاده إلي تقسيم الإقليم الجنوبي مخالفاً لما نصَّت عليه بنود اتفاقية أديس أبابا - أثيوبيا - التي وُقِّعت في آذار (مارس) 1972 م بين حكومته وحركة الأنيانيا المسلحة، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير (The last straw that breaks the camels back).  كما أنَّ المحاولة الإعتسافيَّة لنقل جنود الكتيبتين 104 و105 إلي شمال البلاد كانت مناقضة لنص وروح الإتفاق.  لقد بدأت الثقة في أهل الجنوب تتزعزع بعد اكتشاف البترول في حقول بانتيو بجنوب السُّودان مما أثار أطماع النُّخبة الشِّماليِّة الحاكمة وقتئذٍ، وتوجسوا خيفةً أن وجود البترول بهذا الكم الهائل في بقعة "غير مباركة" - على حد ظنِّهم - قد يثير المشاكل في المستقبل.  حيث أصبحت السُّلطة تشير إلي مناطق وجود هذه الحقول البترولية ببضع كيلومترات جنوب الخرطوم. ليس هذا التواري من باب الخجل، لكن كان هذا هو التجهيز، مع سبق الإصرار والترصد، لحرمان المنطقة من دخل وعائدات النفط وقتما يتم تسويقه. لا يفوتنا كذلك أن نذكر الإحتجاجات التي صاحبت البدء في عملية شق قناة جونقلى، حيث رأى مواطني المنطقة أن المستفيد الأول من هذا المشروع هو ساكني شمال الوادي (وسط وشمال السودان ومصر).  فقد بدأ الإحباط يدبُّ في نفوس أهل الجنوب عندما فشلت اللجنة الموكَّلة بتعويض المتضررين من قيام المشروع من الناحية الماليَّة، فضلاً عن المتغيرات البيئيَّة التي قد تؤثَّر على الحيوانات بالمنطقة والتي لم تُوضَع موضع الإعتبار والإكتراث.
لقد ضربنا في الأرض ولم نجد دولة مفرطة في نقض المواثيق والعهود مثل السُّودان. بعد أن حقَّق نميري هذا الانجاز العظيم عاد يهدِّه بنفسه.  فحين تملكه نشوة عارمة نابعة من شعوره بالابتهاج والقوة، قال نميري لوزرائه في جلسة خاصة أنَّه وقع اتِّفاق السلام مع الجنوبيين حتى يضعوا السلاح ومن ثَمَّ أقوم بتمزيق هذا الاتِّفاق شر ممزق. قبل أن ينقلب نميري على مواطني الجنوب ويذهب إلى أهله يتمطى كان عليه أن يتدبر أمرين: أولهما قانونية ما يعتزم القيام به (مرجعية اتفاقية أديس أبابا للعام 1972م)، وثاني الأمرين التأمل في تأريخ أهل الجنوب الذي هو شاهد عليه بحكم عمله كضابط في الجيش السُّوداني وقيادته حرباً لا هوادة فيها في الجنوب. ذينك الأمرين لهما مدلول تعليلي لأنَّه تصرف احترازي حفظاً لسلامة الأمة ودرءاً لكل خطر يمكن حدوثه إبَّان تلكم الفترة العصيبة من تأريخ الوطن السقيم.  إذا كان نميري يعلم علم اليقين تأريخ أهل الجنوب العسكري (1955م - 1972م)، فماذا يحدثنا التأريخ عن حربهم ضد الاستعمار البريطاني-المصري (1898م - 1956م)؟  إنَّ مقاومة الجنوبيين استمرت ضد الحكم البريطاني-المصري، الذي جثم على شمال البلاد بعد سقوط الدَّولة المهديَّة، ولم يستطع اخضاع أهل الجنوب إلاَّ في العام 1930م، بعد منازلات شرسة ومقاومة جبارة ما زال الجنوبيون يذكرونها بالفخر والاعتزاز، ويتغنون بأمجاد زعمائهم الذين أبلوا فيه بلاءاً حسناً، وضربوا مثلاً رائعاً للفداء، أمثال الملك "أكوي شام" - ملك الأنواك، والملك "بودوي باسينجبي" - ملك الزَّاندي، ويرونها لأبنائهم جيلاً بعد حيل.
لقد تجسَّد نضال أهل الجنوب فيما قاله ماسبا - زعيم الياو في جنوب تنزانيا إلى الغزاة الألمان في العام 1890م.  فماذا قال الزعيم الياوي؟ يحدثنا الجهبذ في التأريخ الأفريقي - باسل ديفيدسون - في تأليفه قضية الشُّعوب - أنَّ الزعيم تفوَّه قائلاً: "بحثت عن سبب تافه يجعلني أطيعك فلم أجده، وإذا كانت الصَّداقة هي ما تريد، فأنا مستعد لهذه الصَّداقة الآن ودائماً، ولكنني لم أكون أبداً من رعاياك."  إنَّ الصُّورة التاريخية التي رسمها سامبا شبيهة بالتي حدثت في جنوب السُّودان في عصور خلت.  كانت تجربة التركية والمهدية كفيلة بأن تجعل قبائل الجنوب تنظر إلى كل الدُّخلاء بالعداء المستحكم أو - في أفضل الأحوال - باللامبالاة وعدم التَّعاون.  وعقب استتباب الأمن في شمال السُّودان بعد الغزو البريطاني-المصري في العام 1898م لم تُخمَد نيران الحروب في جنوب الوادي لسنين عدداً.  تميَّز الوضع الأمني في الجنوب بالعنف النَّاتج عن نهب الأبقار واختطاف النساء والثأر.  وفي كل هذه الحالات لم تتدخَّل السلطات الاستعماريَّة لإحتواء هذا العنف ولا سيما أنَّه لم يكن يهدَّد النِّظام العام فضلاً عن أنَّه تحرُّشات قبليَّة سرعان ما يقوم حواريو القبائل المتناحرة بحلها "بالطريقة السُّودانيَّة".
وفي بعض الأحيان حاولت الحكومة استخدام قوتها العسكريَّة لفض النزاعات، التي كانت تنشأ من وقت لآخر كما سبق الأشارة إليها، مما أدي إلى تفاقم الأوضاع. ومما يجدر ذكره، الإجراءات الحكوميَّة التي أفرزت عنفاً مضاداً في منطقة شمال الاستوائيَّة. كان هجوم قبيلة البير علي دينكا بور بمثابة الإشارة التى أوعزت إلى السُّلطات إرسال قوة عسكريَّة لاحتلال مقاطعة البير والبقاء فيها ردحاً من الزَّمان ريثما يستتب الأمن. والبير هم قطاع من مجموعة قبائل تتحدَّث لغة ديدنجا التي تشمل - بالاضافة إلي البير أنفسهم - الديدنجا، اللونقاريم، المورلي، والنيكورمان في الحبشة. تطوَّرت الأحداث وأدَّت إلى قيام انتفاضة دينكا علياب في يوم 30 تشرين الأول (أكتوبر) 1919م. وقد بدأت الحوادث بهجوم قوة من الدينكا مكونة من 3 ألآف شخص مسلَّح بالرماح على مركز شرطة مينكامان، غربي النِّيل وجنوب مدينة بور. وبما أنَّ القوة المهاجمة كانت كبيرة اضطرَّ مأمور الشرطة، اليوزباشي (النقيب) عبدالعزيز صمد، أن يفر بجلده إلى بور مصحوباً بالنِّساء والأطفال. غير أنَّه خلف ثمانية من أفراد قوته - الذين داهمهم الدينكا من كل صوب - قتلى.
لم يكد يمضي وقت طويل حتى أغار رهط من قبيلة المنداري على موظفي التلغراف في منطقة مولا وقتلوا موظَّفين وثلاث نساء وعامل، واستولوا على بنادق الضحايا وأطفالهم وهربوا إلى حيث أتوا. وفي يوم 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1919م هجم دينكا علياب للمرة الثَّانية على بيت الضيافة وقتلوا أثنين من أفراد الشُّرطة. بعد اجراء تحقيق سريع لأسباب اندلاع هذه الأحداث، أفضت السلطات إلى نتيجة مفادها أن زعماء الدينكا لهم صلاحيات واسعة وبموجبها يقوم أفرادهم بتعطيل الأمن. بيد أنَّ الدينكا كان لديهم أناس يشار إليهم بالبنان، وربما ملكوا نفوذاً محدودة لا ترقى إلى سلطة فعليَّة. كما أنَّ الدينكا كثيراً ما يفرضون على أحد المبرِّزين منهم في فنون القتال قيادة غاراتهم وحروباتهم، حيث تنتهي قيادته بنهاية الغارة أو الحرب.
أعدت الحكومة عدتها للقيام بعمليات انتقاميَّة على الدينكا، وتم تعزيز قواتها بجنود من الكتيبة الاستوائيَّة، وقوة استطلاع تحت إمرة البمباشي (المقدَّم) لورانس والضابط السياسي - المفتش بيلي. وبعد عودة دورية الاستطلاع وإخطار القيادة أن دينكا علياب والمنداري وبقية مجموعات الدينكا على أهبة الاستعداد لمهاجمة مراكز الحكومة، أحدث هذا النبأ ذعراً في أوساط أفراد القوة. كما بذل محافظ منقلا، الرائد استيجاند، جهداً لإعاقة دينكا بور - شرق النيل - من أيَّة محاولة للالتحاق بركب الانتفاضة والاتحاد مع رصفائهم العلياب في غرب النيل. وبعد عمليات عسكرية كثيفة فقد فيها الجانبان كثيراً من الرجال، وصل الانجليز إلى نتيجة مفادها أن دينكا علياب قد تمرَّدوا بسبب رفع ضرائب العام 1919م من 140 ثوراً إلى 200، وتشييد الحكومة مركز مينكامان على قطعة أرض يستخدمها العلياب للرعي، وإعدام قتلة موظَّفي التليغراف. ومما سبق ذكره علينا أن نطرح السؤال التَّالي: هل كان العلياب مستاءون؟ ومم؟
كانت السُّلطات الحكوميَّة تطلب ضرائب باهظة من الدينكا دونما تقديم أيَّة خدمات لهم مقابل ذلك. وقد ذكر دينكا بور أنَّ تمرد العلياب كان بسبب علم الأخير أنَّ العام القادم سوف يُدفع جزء من الضرائب في صورة الذرة وليس الماشية كما اعتادوا عليها. وكان حرى بنا أن نذكر أن العبث من قبل السلطات المحليَّة بالعادات والتقاليد التي كان يمارسها الدينكا قد ساعد في انتشار الموجدة والكراهية ضد الدَّولة.  وقد رفض العلياب حمل أمتعة موظَّفي الدَّولة لأن ذلك يفسد عليهم تصفيف شعرهم الذي يتم بصورة معيَّنة، ومصادرة الحكومة لخروف (أو بقرة) يسمى كويكوت الذي تم تسمينه وتغذيته بلبن البقر خصيصاً لطقوسهم الخاصة.  بالإضافة إلى ذلك كذلك تجاوزات المأمور في استغلال المواطنين في عملية البناء والتشييد والمعاملات التجاريَّة دون أن يدفع لهم حقوقهم المستحقة.  وكذلك أخذ المأمور إبنة رجل من العلياب يدعى ماكواج واط من غير إذن من والدها وتعويضه فقط بارسال مساعدين اثنين له، وأخيراً إعادة الفتاة إلى والدها بعد فترة. وعوداً على بدء كيف أصبحت قضيَّة عمال التلغراف عاملاً أساسيَّاً في إلهاب نيران التمرد؟ كان مجموعة من العلياب يبحثون عن أبقار لهم تمت سرقتها بواسطة دينكا أتوت، وقتلوا خطأً موظَّفي التلغراف عندما حسبوهم أنَّهم سارقي الماشية.  وعندما علموا خطأهم سلَّموا أنفسهم إلى أعيان القرية الذين قاموا بدورهم بتسليم المتَّهمين مع بنادقهم وأبقارهم كدية. كان هذا التصرف كفيلاً بأن ينهي المشكلة تمشيَّاً مع عادات وتقاليد الدينكا، ولكن بعد إعدام القتلة احتفظت السُّلطات بأبقارهم كتعويض لأقرباء الضَّحايا. هذه هي العدالة الناجزة في نظر المأمور والسًّلطة الاستعماريَّة حينئذٍ.  ومن ثَمَّ شرع العلياب في الانتقام وذلك بقطع خطوط التليغراف، وعقدوا العزم على قتل المأمور الذي تسبَّبت أفعاله فيما بعد في إشعال هذا النزاع المسلَّح.
كان الدينكا يفضِّلون أن يسوسهم الإنجليز لا المأمور المصري أو الموظَّف الشمالي وذلك لأسباب تتعلَّق بالتباين الثَّقافي ونظرة كل طرف للأخر. فبينما يري أهل الجنوب أن المأمور المصري هيَّاب من المواطن الجنوبي ولا يستطيع القيام بالأعمال الإدارية على النحو الأمثل، نجد أنَّ الموظَّف الشمالي يمتلك من الشجاعة شيئاً، لكنه لا يحترم عادات وتقاليد مواطني الجنوب ولا يستمع إلى شكواهم. ليس هذا فحسب، فسرعان ما حاول المصري أو الشمالي أن يثري نفسه على حساب المواطنين أو الحكومة كلما كان هذا أو ذاك مستوظفاً في مكان نائ حيث لا يصله مفتشي الحكومة وهكذا يستمر في التَّجاوزات واضطهاد السكان المحليين.  ذلكم هو قبس من تأريخ الجنوب السُّوداني، عظة وعبرة لمن يتَّعظون ويعتبرون.
مهما يكن من أمر، فقد اندلعت الحرب الأهليَّة الثَّانية، كجذوة مستعرة نتيجة الطريقة التي عُولجت بها أحداث الكتيبتين 105 و104 في كل من بور وبيبور، حتى أصبحت في السِّنين القادمة شعواء لا هوادة فيها.  بما أن الأسلوب القهري والقمعي الذي أُنتهج لبسط الضبط والربط ولإعادة الكتيبتين إلي مدارهما العسكري كان بمثابة الشرارة الأولى لإشعال الفتنة، إلا أنَّ الحركة الشَّعبيَّة، التي انبثقت عن هذه الأحداث، أبانت أهدافها السياسية في بيانها الأول في 16 أيار (مايو) 1983م، وسرعان ما تسارع إليها كل مضطهد وتهافت عليها كل معارض للنظام حينئذ.  فقد طالبت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وليس قرنق كما يزعمون، بخلق مناخ ملائم لإجراء محادثات السَّلام، ولكي تتم توفير هذا المناخ المناسب، على الحكومة - أيَّاً ما كانت - اثبات حسن النيَّة، وذلك بإلغاء الأحلاف العسكريَّة الموقَّعة بين السُّودان والدول الأجنبيَّة (اتَّفاق الدِّفاع المشترك مع مصر، والبروتوكول العسكري مع ليبيا إبَّان الديمقرطية الثَّالثة)، وإلغاء قوانين أيلول (سبتمبر) 1983م، ورفع حالة الطوارئ في البلاد.
وما أن سمع أهل الشمال نبأ ميلاد الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان حتى طفقوا يتساءلون عن النبأ العظيم: ذلكم السؤال المكرور - تحرير السَّودان مِنْ مَنْ؟ وليس من مِنْ ماذا؟  ففي محاولة منا لاسترجاع التأريخ إلى الماضي نجد أنَّ محمد أحمد محجوب وصالح عبدالقادر وأحمد يوسف هاشم قد استقالوا من الجمعيَّة التشريعيَّة في الأربعينيات من القرن المنصرم، وأُطلِق عليهم يومذاك اسم الفرسان الثلاثة، ثمَّ كوَّنوا مع آخرين ما سُمِّي بهيئة تحرير السُّودان ومن بين أهدافها محاربة الطائفيَّة.  على الرَّغم من ذلك ارتد المحجوب ووقع في أحضان الطائفيَّة بانضمامه إلى حزب الأمَّة.  كما أنَّ الشَّريف حسين الهندي كان قد أصدر ورقة، كشرط عودته إلى الخرطوم وصعوده قطار المصالحة الوطنيَّة، في 21 آب (أغسطس) 1977م تضمَّنت الورقة - فيما تضمَّنت - "إلغاء قوانين أمن الدَّولة، وإلغاء اتِّفاقيَّة الدِّفاع المشترك مع مصر، إضافة إلى ضمان استقلال القضاء."  جاء اتِّفاق الدِّفاع المشترك، الذي وُقِّع بين مصر والسُّودان، نتيجة الأحداث الدَّامية في الخرطوم في 2 تموز (يوليو) 1976م، التي كانت ليبيا ضليعة فيها، فضلاً عن هذا الاتِّفاق الذي أراد به نميري أن يكون سوط عذاب ضد معارضيه الوطنيين.  وقد شهدنا أنَّه لم يعل صوت واحد - باستثناء عواء النِّظام نفسه - ضد مطالب الهندي، ولا استهجان للفظة تحرير السُّودان من الطائفيَّة كما دعا له الفرسان الثَّلاثة في الأربعينيات.  لكن حين يأتي ذلكم القول من أحد قادة السُّودان من الإقليم الجنوبي تتفتَّح أبواب السَّعير، أو كما تقول الفرنجة (All hell broke loose)، ثمَّ تنادوا مصبحين إنَّ قرنق يملي علينا شروطاً تعجيزيَّة من أجل إحلال السَّلام في السُّودان.  هذه البرمجة الجماعيَّة للعقل في الشَّمال (The collective programming of mind in the North) هي بؤرة البلاء في البلاد.  لم يأت قرنق شيئاً إدَّاً، بل كل الذي دعا إليه الدكتور قرنق هو إعادة لقراءة تأريخ السُّودان الحديث، ولا سيَّما الوجه المشرق منه إن كان لذلك كذلك بد.
كان قرنق عليماً بالمستقبل، وكان لسان حاله يقول: "سوف يتعوَّد علىَّ الناس وستأتي عصافير إلى أغصاني"، حيث أنَّ الكُتَّاب أو الساسة الحاذقين هم أولئك الذين يتجاوزون - بكتاباتهم وتسييسهم للناس - الافتراضات السياسيَّة والثقافيَّة الجارية في عصر ما إلى آفاق المستقبل.  وأفضل مثال لذلك هو فرويد حين أعلن في الثلاثينيات من القرن الماضي أنَّ سيدنا موسى عليه الصلاة والسَّلام مصري قاد اليهود إلى أرض الميعاد في فلسطين.  مهما يكن من أمر موسى وفرعون وملأه، فعندما ذهب الدكتور قرنق إلى ليبيا لتسويق فكرة السُّودان الجديد للزعيم الليبي - العقيد معمر القذَّافي - علَّق العقيد قائلاً: "عندما يزحف الجَّيش الشَّعبي صوب الخرطوم فسوف يعتبره أهل الشمال جيشاً غازياً." فماذا كان رد الدكتور قرنق؟ كان رده هو: "ليس بالطبع، ولكن حين يصل الجَّيش الشَّعبي إلى مدينة وادمدني في الجزيرة - وسط السُّودان - فسوف يكون تحت قيادة قائد يسَّمى محمد (أحمد) من أهل الشمال أنفسهم."  كان الدكتور قرنق، وهو شخصيَّة يمتاز بحاضر البديهة، ذكيَّاً وعمليَّاً في رده؛ إنَّه ذكاء تدبير الأمور لا ذكاء استغفال الناس.  فقد درجت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، منذ نشأتها، على وضع الأراضي التي تقبع تحت سيطرتها في يد أبناء المنطقة، وذلك تفعيلاً لفكرة اللامركزيَّة.  لذلك نجد القائد الرَّاحل يوسف كوة مكي (والآن القائد عبدالعزيز آدم الحلو) في منطقة جبال النُّوبة، والقائد مالك حقار في إقليم الأنقسنا، والقائد إدوارد لينو أبيي في منطقة أبيي، وكاد الرَّاحل داؤود بولاد أن يكون سكرتير الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في إقليم دارفور لولا تجييش النظام لأهل دارفور ضده تحت دعاوي العنصريَّة البغيضة من رفقاء الأمس بجامعة الخرطوم - تحديداً الدكتور الطيب محمد خير (المعروف بالطيب سيخة)، حاكم ولاية دارفور وقتذاك.  وفي الحق، فقد تحولَّت لفظة تحرير من طعام ذي غصة إلى آخر مستساغ، حيث تبنَّت الحركة المسلحة في دارفور - منذ تأسيسها - اسم "حركة تحرير دارفور" والآن تتخذ اسم "حركة تحرير السُّودان" صفة لها.
ثمة أسباب أخرى موضوعية ألهبت مشاعر أنصار الحركة الشَّعبيَّة وجعلتهم يشعرون بمرارة العيش وتشكيك انتمائهم إلي وطنهم التليد. فنخصُّ بالذِّكر القوانين "السبتمبريَّة" التي أصدرها الرئيس السابق نميري بمعاونة رجلين وإمرأة. هذه القوانين أذلَّت وأساءت إلي المسلمين وغير المسلمين علي السواء، وجعلت من العناصر الكادحة واليتامى عديمي المقربة لقمة سائغة تنفذ فيهم هذه الحدود المسماة، جوراً وظلماً، إسلامية. والدليل على ذلك أن كل الذين بترت أطرافهم إما جنوبيين مسيحيين، أو من النوبة الذين يعتنقون كريم المعتقدات الافريقية، أو الغرَّابة (مواطني غرب السُّودان) المغلوبين على أمرهم. كذلك إن اللِّجان القانونيَّة المحليَّة والأشخاص الإسلاميين الذين وفدوا - أو جُلِبوا - إلي السُّودان بعد سقوط نظام مايو لمراجعة هذه الأحكام وجدوا بها شوائب خطيرة وتجاوزات مجحفة.  إبتدع نظام نميري بدعة سياسيَّة باتت مستمرة حتى يومنا هذا: تلك هي قبض الأبرياء في شوارع العاصمة المثلَّثة والإرتماء بهم خارج الخرطوم فيما أصبحت  تُعرَف شعبياً "بالكشة"، وحكومياً بتنظيف العاصمة من المشرَّدين والنَّازحين. لم يكن هؤلاء النَّازحون، كما يتبادر إلي العقل، وافدين إلي السُّودان من دول أجنبيَّة، بل هم سودانيين دماً ولحماً وعظماً. لكن إطلاق هذه الألفاظ المسيئة اجتماعياً قصد منها احتقار شريحة كبيرة من الشَّعب السُّوداني، ألا وهم البؤساء والبسطاء الذين يحضرون إلي العاصمة - التي هي ليست ملكاً أو حكراً لإحد - من غرب وجنوب البلاد لكسب العيش وتحسين الوضع التعليمي والعلاجي والاجتماعي بعدما أهملتهم الحكومات المتعاقبة في ديارهم. إنَّ قضية التظلم الإقليمي وشعور أبناء أقاليم السُّودان وخاصة غرب السُّودان أنَّ المقاومة المسلحة أتت للجنوب باهتمام، وأنَّ الصمت على الأحوال بات لا يجدي، كانت أساس التعاون بين المقدم حسن حسين عثمان وبين الجبهة القوميَّة (تنظيم تعاون في إنشائه الرائد فاروق حمدالله مع بعض أبناء إقليم غرب السُّودان بهدف سحب البساط من حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي).  لقد نما هذا السخط الإقليمي وتفجر عنفاً فيما عُرف بحركة المقدم حسن حسين عثمان في 5 أيلول (سبنتمبر) 1975م، وحادثة مطار جوبا في آذار (مارس) 1977م.  فحين عيَّن نميري الطيب المرضي محافظاً لدارفور في العام 1980م، خرج سكان دارفور في مسيرة هادرة فيها يرفضون الطيب المرضي.  لم يكن هذا الرفض لقلة خبرات الطيب المرضي ولا لسلوك فيه غير حميد، لكن لأنَّه من خارج الإقليم وهم - من خلال ذلك الاستهجان - كانوا يرغبون في احتيار أحد أبنائهم مما له دراية بمشلات الإقليم، وكانت عيونهم ترنو وقلوبهم تهفو إلى ابن الإقليم البار أحمد إبراهيم دريج، حيث اضطرَّ نميري لاستبداله بالطيب المرضي.  غير أنَّ نميري جعل يده مغلولة إليه ولم يمد دريج بأية مساعدات من الحكومة المركزيَّة، مما اضطر دريج إلى الفرار من الولاية بعدما استفحلت المجاعة في دارفور وبدأت تفتك بأهله فتكاً مبيناً.
أعلنت الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان وجناحها العسكري، الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، بقيادة الدِّكتور/العقيد جون قرنق دي مابيور أن الحركة تطالب بتكوين سودان جديد تسوده الدِّيمقراطيَّة والعدالة والمساواة. ولكي تتحقق هذه الأهداف، ليس للحركة فقط بل لجميع السُّودانيين، دعت الحركة في جميع أدبياتها إلي مؤتمر قومي دستوري (National Constitutional Conference) يجمع كافة الأحزاب السُّودانية والنقابات المهنيَّة والشخصيات المستقلَّة لوضع دستور دائم للبلاد، تُحدَّد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، الجيش والسُّلطة، الدِّين والدَّولة، التمثيل الأقليمي في الهرم السُّلطوي وكل المرتكزات والدعامات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الحضاري.  كذلك يجب أن يناقش ذلكم المؤتمر مسألة توزيع الثَّروة القوميَّة لأنَّ الصُّورة التي ينبني عليها الإنفاق الحكومي على مواطني الخرطوم وأهالي التخوم معروفة بأنَّها قسمة ضيزى. كيف لا وأنَّ جميع مشاريع التنمية الزِّراعيَّة والإقتصاديَّة والصِّناعيَّة - أفضل سبل كسب العيش في السودان - متمحورة في الخرطوم والجزيرة، وأحدث وسائل التعليم والعلاج في هذين الإقليمين، وأسوأ الذين حكموا - وما زالوا يحكمون - السُّودان من خريجي أو مواطني هاتين البقعتين وما خفي كان أعظم.  كل هذه النداءات لتطويق الأسباب التي صنعت المشكل السُّوداني لم تجد أُذنٌ صاغية ولاقيادة واعية تملك الرغبة الأكيدة لإنقاذ الأُمة من الهاوية التي هي فيها.  إذن، تبقي شعارات الوطنية لباس فضفاض يرتديه كل سياسي سوداني مخضرم.
بيد أنَّ أبرز مسالة طفحت إلي السَّطح مع بزوغ الحركة الشَّعبيَّة وأفول نظام مايو هي موضوع الهًويَّة السُّودانيَّة: هل السُّودان قطر عربي أم أفريقي؟ أم خليط بين الأثنين بنسب متساوية أم متباينة؟ حيث لأول مرة في تأريخ السُّودان المعاصر أمسى السَّاسة يتحدَّثون عن قضايا بالغة الأهميَّة حتَّى وإن لم يتَّخذوها مأخذ الجِّد: تلك هي قضايا التُّراث السُّوداني والثَّقافات السُّودانيَّة المتعدِّدة.  ومهما يكن من الأمر، فقد وضح جليَّاً أنَّ كل فريق كان له مبتغاه وتفسيره. فمثلاً نجد أنَّ الأحزاب الطائفيَّة والإسلاميَّة - الأمة والإتحادي الديمقراطي وحديثاً الجبهة القومية الإسلاميَّة (جبهة الميثاق الإسلامي سابقاً) - دائماً ينظرون إلي الموروث الحضاري السُّوداني بأنَّه إسلامي عربي، كأنَّ السُّودان قطر يقطنه 100% عربي مسلم. ففي مثل هذه الأجواء المليئة بالتَّداعي بالعروبة والإسلام السِّياسي، أين حقوق المواطنة والجنسيَّة السُّودانيَّة لقطاع عريض من الأمَّة السُّودانيَّة؟ غير أنَّ من مفارقات الحديث الترديد دائماً، ومن نفس الفعاليات السِّياسيَّة سالفة الذِّكر، بأنَّ السُّودان بلد متعدِّد الأديان ومتنوِّع الأعراق. مالهم كيف يحكمون! هذا التجاهل، بل العداء المستفحل، أثار ثائرة العناصر غير العربيَّة وفجَّرت تذمر معتنقي الأديان غير الإسلاميَّة، لأنَّ المسألة قد وصلت حدَّاً يصبح السكوت عليه إهانة ومذلَّة.
فإذا كانت أسبانيا، إحدى الدُّول الأوربيَّة العريقة، قد فطنت واستدركت أهميَّة المطالب الجَّهويَّة التي تصبُّ في الهُويَّة الثَّقافيَّة وتسن قانون التَّطبيع اللَّغوي الذي يرمي إلى إعطاء اللُّغات الجَّهويَّة مكانتها في النِّظام التَّعليمي، فلماذا لانحظو حظو الأسبان ونقوم بالشئ نفسه في السُّودان؟ لقد صُودِق هذا القانون في العام 1983م الذي يسمح بموجبه تدريس اللُّغات المستعملة في أقاليم كاتولونيا وبلنسية وبلاد الباسك وقاليسيا. إنَّ إيلاء الإعتبار للُّغات الإقليميَّة إلى جانب اللُّغة القشتاليَّة (اللُّغة الأسبانيَّة التي تطوَّرت من اللاَّتينيَّة الدَّارجة التي كانت تعرف بالرومانثيَّة) قد تمَّ بتراضٍ وطني واسع. أمَّا إذا تمَّ الإقرار بالخصوصيَّة الجَّهويَّة في السُّودان فهذا لا يعني فقط الإعتراف بالحقوق الثَّقافيَّة، بل سوف يعمل هذا الإتجاه على كبح الجُّموح الإنفصالي وتحقيق الحريَّات الفرديَّة والجَّماعيَّة وتلاشي القَّهر اللُّغوي.  حيث أنَّ التطهير اللُّغوي هو إحدى الإفرازات الحكوميَّة التي بوَّأتها التقلُّبات المزاجيَّة للحكام في الخرطوم وأُجَّج كثيراً من جرَّاء التَّنازع بين الدَّولة المركزيَّة ومطالب الجِّهات.
إنَّ أكبر ضيم مُنِيَ بها أطراف الدولة السودانية هو الإهمال التنموي، كما أشرنا إليه في الأسطر السَّابقة.  كان هذا من أبرز المسبِّبات الذي دفع بجماهير الأقاليم المختلفة إلي الإلتفاف حول التجمُّعات الإقليميَّة التي أصدق ما تعبِّر عن احتياجات ومعاناة ساكني هذه المناطق النائية.  وعندما وصل بهم اليأس حد القنوط حملوا السِّلاح في وجه السُّلطة في الخرطوم، ريثما تنصت إليهم الحكومة في مثل هذه الأحوال: فكان ما كان. ولم أر في هذا المسلك غير قول الرَّسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم:"الثُلث، والثُلث كثير، وأنا أزعم أنَّ ثلث الثلث كثير. للمساكين حقَّهم في بيت المال. إن طلبوه طلب الرجال أخذوه، وإن جلسوا عنه جلوس النساء منعوه، فلا يرْغم اللَّه إلاّ أنوفَهم، ولا رحم من رحمهم".
أمَّا نميري، الذي توهَّم بأنَّه أتى مجدِّداً للنَّاس ما بلى من أمر الدِّين فينفي عنه تأويل الجَّاهلين وتحريف المغالين وانتحال المبطلين، ويحمل النَّاس على العودة إلى أصول الدِّين، فقد أصبح نظامه هشيماً تذروه رياح الإنتفاضة العاتيَّة التي هبَّت نتيجة تعارك عميق المرارة بين الإخفاقات النِّميريَّة والحقيقة الماثلة. وبزوال نظام الحزب الواحد، والزَّعيم الأوحد الأمجد، فجأة أصبح الجَّميع ليبراليين حتَّى العظم، وغدا الحشد الذي صفَّق بالأمس وطبَّل لأيديولوجيَّة ثورة مايو المجيدة يصفِّق اليوم دون تمهُّل أو تردُّد للمطرب اللِّيبرالي الجديد - الفريق أول عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب. قد يغيِّر النَّاس آراءهم ويستفيدوا من تجاربهم ويعيدوا مراجعة حساباتهم ويتطوَّروا بأفكارهم وفقاً لمراحل نضجهم الفكري واختلاف المعطيات من حولهم، وذلك لما فيه الخير والسعادة للمجتمع.  لكن سرعة التَّحوُّل، وقوة الإندفاع، ودوغمائيَّة الإقتناع وحدَّة الصُّراخ والهتاف التي تميَّز بها تاركى النِّظام بعدما بلى وانجلى تثير شكوكاً عميقة حول الظَّاهرة أكثر مما تثيره حول الموضوع.  إذن، إلام دعا الحكام الجُدد صبيحة إخلاع نميري؟
حسبما أوردته وسائل الإعلام المرئية والمقروءة واالمسموعة، فقد تضمن البيان الخامس - كما أعلنه الحكام الجُدد - على ما يلي:
احتواء كل الآثار المترتبة على فترة الحكم الماضي في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
اعداد ميثاق عمل سياسي وطني يقوم على مرتكزات اساسية هي الاستقلال التام، والحفاظ على الوحدة الوطنية، واستقلال القضاء وحرية النشر والتعبير وضمان الحريات الأساسية للفرد وحرية المعتقدات الدينية وديمقراطية التنظيمات السياسية والتمثيل والانتخاب.
تكريس الوحدة الوطنية ورفض نزيف الدم الناتج عن الاقتتال الدائر بين الأخوة في الجنوب، وذلك في اطار من الحوار المباشر والقائم على المساواة في الحقوق والواجبات.
انقاذ الاقتصاد الوطني المتردي بالاعتماد على النفس في المقام الأول وعلى عون الدول الشقيقة والصديقة لتجاوز مرحلة الجفاف ثم بالتخطيط العلمي وتوجيه الامكانات المتاحة لخدمة الاقتصاد.
اعادة بناء قوات الشعب المسلحة والقوات النظامية وأجهزة الأمن المختلفة وترقية أدائها وتوظيفها لخدمة الشعب وحماية مكتسباته.
اعادة الحياة إلى جنوب الوطن بفتح طرق المواصلات البرية والنهرية والارتقاء بالخدمات الأساسية بها ومساعدة سكانها.
الاشراف على مرحلة تنفيذ التحول الديمقراطي بالآتي:
الإشراف على قيام التنظيمات الديمقراطية والسياسية والتعاونيَّة.
خلق المناخ الديمقراطي المحايد لضمان إجراء انتخابات حرة.
تسليم السلطة للشعب في اطار من النظام الذي يعكس أصالة هذا الشعب وأهليته للحكم الديمقراطي.
إنَّ الرَّجلين - الفريق أول عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب والدكتور الجُّزولي دفع اللَّه - اللذين أُوكلا إليهما تدبير أمر البلاد وإنصاف العباد إلي  أجلٍ مسمى خيَّبا ظن الشَّعب السُّوداني. حسب الشَّعب أنَّ الرَّجلين ليس لديهما أي انتماء سياسي، لكن بمرور الأيَّام والأعوام تيقَّن النَّاس أنَّ للشخصين صلة وثيقة، وبالطبع وشائج عرقية، بالمسلمين القانتين: جماعة الأخوان المسلمين (الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة بعد الانتفاضة الشَّعبيَّة)، الذين هم للرِّقاب قطَّاعين، وللأرواح نزَّاعين، وللأموال جمَّاعين، واصفين خصومهم بأنَّهم متخذي سبل الضَّلالة وطرق الجهالة.  تعلَّق الرجلان - سالفي الذكر - بأستار الحكم حتى نهاية الفترة الإنتقاليَّة وقالا للجمعيَّة التأسيسيَّة، التي أتت بإنتخابات جزئيَّة، هذه بضاعتكم ُردَّت إليكم مزجاة.
فعلى الرغم من الفشل السِّياسي الذي صاحب الفترة الإنتقاليَّة تجاه عمليَّة السَّلام، إلاَّ أنَّه كان هنالك أصواتاً أخذت تنادي بعودة العقيد/الدكتور جون قرنق إلي العاصمة لا لشئ محمود الذِّكر، بل لكي يبارك ما ورثه خلفاء نميري الراشدون في الخرطوم.  ما زالت البلاد تحت طائلة قانون الطوارئ، وما برحت الإتفاقيات الثنائية بين مصر والسودان كتب المواثيق. هذه المعاهدات التي وُقِّعت في العام 1977م، كرد فعل لأحداث 2 تموز (يوليو) 1976م - كما أشرنا سلفاً، لم يستشر فيها المشير جعفر نميري الشَّعب السُّوداني.  فالمعروف أنَّ القرارات التي تمس سيادة الدَّولة دائماً تخضع لإستفتاء شعبي ليقول الشَّعب رأيه فيها.  أما إذا كان هنالك برلماناً منتخباً وفق المعايير المؤسسيَّة الصَّحيحة فيمكنه أن يمثِّل الجَّماهير في مثل هذه الظُّروف. وبما أنَّ نميري كان يدَّعي الدِّيمقراطيَّة فكان لزاماً عليه أن يسلك المسلك الدِّيمقراطي المعروف.  وما أن إشتدَّت رحى الحرب في الجُّنوب إلاَّ وعاد القوم يلومون الإستعمار وقوى أجنبيَّة مختلفة على تأجيج الفتنة قي جنوب السُّودان، ووقف عجلة التنميَّة في البلاد.  فأين دور الإستعمار والشَّيطان في هذه النَّكبة الجديدة؟ أين فعل الإستعمار في خرق اتِّفاقيَّة أديس أبابا وكل التخبُّط السِّياسي والدَّستوري والقانوني الذي بات مقترناً بحكم نميري في آخر أيَّامه؟
يتضح من هذا السرد "البانورامي" أنَّ كل ماحل بالسُّودان، ومازال يحل به، من كوارث ومهازل كان له طابع داخلي ومحلي. بيد أنَّه أمسى كثير من السُّودانيين يعتقدون اعتقاداً جازماً أنَّ السُّودان مستهدف من قبل قوى الاستكبار والاستعمار، في اشارة واضحة إلى الدول الغربيَّة والتي تتربَّع على رأسها الولايات المتحدة الأمريكيَّة.  وعن هذه الادعاءات، التي كثيراً ما تعشعش في أذهان قادة الدول العربيَّة، يرد المفكر الجزائري مالك بن نبي: "إن فينا قابلية للاستـــعمار والاستعباد، هذه القابليَّة هي سبب بلاوينا. لقد رمينا على الشَّيطان والاستعمار جميع عيوبنا، وعلَّقنا على مشاجبهم جميع ما يصيبنا." فإنَّ انتشار الفاقة يجلب منظمات الإغاثة الأجنبيَّة، وبتر أطراف الناس كوسيلة للعقوبة يثير حملات حقوق الإنسان العالمية، والفساد السياسي والاقتصادي يدفع بالدول المانحة والقارضة إلى العزوف عن المنح والقروض الاستثمارية، والحرب الأهلية واستغلال عنصري الدِّين (الإسلامي) والعرق (العربي) لإبادة القوميات الأخرى (المسيحيَّة والأفريقيَّة) تستدير عطف ودعم اخوتهم في العرق والدِّين في الدول الأفريقيَّة والغربيَّة. فإذا أرادت حكومات السُّودان أن توقف هذا التدخل الأجنبي، عليها إصلاح حال البيت من الداخل قبل التعلُّق بقميص عثمان.  فليس من رجاحة العقل، ولا من التحليل الموضوعي أن يُنسَب كل ما ما يحدث في السُّودان إلى صنيعة الاستعمار ونير الاحتلال البريطاني-المصري.  وإذا كانت هنالك ثمة أخطاء لحظة خروج المستعمر من البلاد، فهذا يعود إلى الذين فاوضوا المستعمرين على الجلاء لأنَّهم استحبوا المصالح الشخصيَّة دون التبصُّر في استجلاء أمور في غاية الأهميَّة.  فنجد أنَّ وارثي الاستعمار قد تنصَّلوا من التزامات مؤتمر جوبا الأول في العام 1947م والثَّاني في العام 1949م، وحوَّلوا أمر السُّودنة إلى غنائم وأسلاب شملوا بها الأقربين.  فبينما نرى أهل الشمال - قادة وشعباً - يستهجنون سياسة الاستعمار البريطاني-المصري في السُّودان ويتَّخذونها "شماعة" لتعليق اخفاقهم في حل مشكلة الحرب الأهليَّة في السُّودان، التي صنعوها بأيديهم ولهم وزر استمراريتها اليوم بيد "عمر" لا بيد "جون"، لم نسمع من أولئك الساسة والأكاديميين من أهل الشمال إدانة واحد لذلكم الاستعمار لأنَّه خلق قادة أحزاب الأمة والاتحادي الدِّيمقراطي، بل وسلَّمهم دولاب الحكم الذي عجزوا عن استثماره لصالح الوطن وصلاح الرعيَّة.
لقد تأكَّد، وبما لا يدع مجالاً للشك، منذ الوهلة الأُولى أنَّ حكومة ثنائي الخرطوم - الفريق أول  عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب والدكتور الجزولي دفع اللَّه -  عقدت العزم على تقطيع آخر أوصال الوحدة الوطنيَّة، وذلك بتسليحها القبائل العربيَّة لمحاربة المد الثَّوري الَّذي بات تقوده الحركة الشَّعبيَّة، والاستعانة بالمليشيات القبليَّة من النوير بقيادة عبدالله شول تحت مسمى "القوات الصَّديقة" (انيانيا 2). هذه الأسلحة وجدت طريقها إلي عناصر حاقدة أصبحت تستخدمها في تصفية الحسابات القديمة من مشاكل الرَّعي والمياه والاحتكاكات الإجتماعيَّة الأُخرى ضد القبائل الأفريقيَّة حتى التي لم يُعرَف لهم أي اتِّصال مع الحركة الشَّعبيَّة، وبالطَّبع ذهب آلاف الأبرياء ضحايا هذه السِّياسة الرَّعناء.  استمرت هذه السِّياسة معمولة بها حتى بعد ذهاب الرَّجلين ومروراً بحكومة الصَّادق المهدي (1986م - 1989م) ونظام الفريق أول عمر حسن أحمد البشير وبصورة لم يسبق لها مثيل، مما يعكس الخط الطَّبعي للعقل الشمالي تجاه أهل الجنوب والمناطق المهمَّشة مهما اختلف رأس الحكم في الخرطوم.
وخلاصة القول، فإنَّ الحركة الشَّعبيَّة كتنظيم معبرِّ عن الإرادة السياسيَّة لقوى ذات وزن في المناطق المهمشة، قد طرحت برنامجاً سياسيَّاً يحمل نظرتها بما يجب أن يكون عليه نظام الحكم في السُّودان، الهُويَّة، الدِّين والدولة، تقسيم الثروة، الديمقراطيَّة التعدديَّة... إلخ.  ذلك البرنامج لم يكد ينفذ إلى الشمال "مع وجود المجلس العسكري (الانتقالي)، الذي جاء أصلاً لإجهاض النهوض الجماهيري، الذي صاحب الانتفاضة واحتوائه وتجميده.  وكلنا يذكر الآن الدور التخريبي الذي لعبه ذلك المجلس، بتواطؤ عناصره المتعاطفة أو ذات الصلة بالجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، لتمكينها من التسلل من جديد إلى الحياة السياسيَّة، وتوفير سبل الحماية لها من غضبة الشعب والتمهيد لها في نهاية المطاف في اختراق القوات المسلَّحة والانقضاض على السُّلطة في 30 حزيران (يونيو) 1989م."  أما رئيس الوزراء، الدكتور الجزولي دفع الله، فكل ما فعله من أجل إحلال السَّلام هو إرسال خطابين إلى الدكتور جون قرنق، رئيس الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وقد غلبت على الخطاب الأول لغة الاستلطاف وإخطار الحركة بالقرارات الجاهزة التي اتخذت في الخرطوم في شأن الجنوب وبمعزل عن أصحاب الوجعة والفجيعة أنفسهم - أي أهل الجنوب.  كان الدكتور دفع الله يسترجي الدكتور قرنق أن التأريخ سوف لا يعيد نفسه، وعليه أن ينتهز فرصة الانتفاضة ويحمل أمتعته ويعود إلى الخرطوم!  وفي الحق، التأريخ يعيد نفسه ولولا ذلك لما حدثت انتفاضتين شعبيَّتين في السُّودان (أكتوبر 1964م وأبريل 1985م) ووجد الجزولي دفع الله نفسه رئيس وزراء السُّودان في العام 1985م، بل إنَّ التأريخ يعيد نفسه بلانهاية ويمكن أن يكون دمويَّاً إذا لم نحترس (History will repeat itself and bloodily if we are not careful).  إنَّ الجهد الوحيد الذي بُذِل في الفترة الانتقاليَّة في سبيل السَّلام هو إعلان كوكادام في أثيوبيا في آذار (مارس) 1986م، الذي لم تشارك فيه الحكومة، بل انشغلت بإسقاط القنابل على مدينة بور بواسطة طائرات ليبيَّة.  كل ما فعلته الحكومة هو السماح لرجال الأحزاب السياسيَّة وممثلي النقابات المهنيَّة أن تسافر وتشارك في هذا العمل، الذي أخذ طابعاً شعبيَّاً ودون سند حكومي، وإن كان قد تغيَّب بعض الأحزاب (الحزب الاتِّحادي الدِّيمقراطي والجبهة القوميَّة الإسلاميَّة)، وتنصَّل البعض الآخر من بعد مشاركتهم فيه (حزب الأمة).  وقد قال زعيم حزب الأمة - السيد الصادق المهدي - لاحقاً إنَّ وفد الحزب لم يكن مخوَّلاً له بالتوقيع على أيَّة قرارات في كوكادام.

الدكتور عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج


د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مقدِّمة في المسألة الدِّينيَّة

عرف الإنسان الأديان منذ عهود سحيقة، وذلك بعد التامُّل في سنن الكون ومسار الحياة وتقييم الظواهر الميتافيزيقيَّة التي يجد فيها المرء نفسه منبهماً، كالمرض والخوف والجوع ونقص في الثمرات والأنفس.  إذ تطوَّر التفكير والتدبُّر في هذه الظواهر المجرَّدة والمظاهر الحياتيَّة في تفلسف العلماء الاجتماعيين وإثارة أسئلة عن سر وجود الكون وما عليه، ومهمة الإنسان والأنعام.  فقد ذهب البعض قولاً - عملاً بالآية الكريمة: "وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون" (الذاريات 51/56).  هذا ما يقوله الإسلام؛ وللمسيحيَّة واليهوديَّة مغزى وجود الإنسان على البسيطة لا يختلف كثيراً عن الإسلام.  فالهندوسيَّة أو الهندوكيَّة، التي هي ديانة الهند الرئيسة والتي ترجع أصولها إلى العام 2000 ق.م.، تتكوَّن في الأساس من عدة ديانات في دين واحد؛ ومن أشهر معتنقي الهندوسيَّة المهاتما غاندي، الأب الرُّوحي لاستقلال الهند العام 1947م، حيث اعتمد في حملته ضد البريطانيين مذهب عدم استخدام العنف وعدم العدوان على الدول الأخرى وضرورة حب السَّلام.  هذا لا يعني أنَّ كل معتنقي هذه الديانة من محبي السَّلام، حيث أُغتيل المهاتما بواسطة متزمِّت هندوسي، وقد شهدنا كيف استغلَّ السياسيُّون الهندوكيُّون المشاعر الدِّينيَّة لإلهاب العواطف وممارسة العنف الدموي.  أمَّا الديانة البوذيَّة، ومؤسسها سيدهارثا الذي ولد العام 560 ق.م. من أسرة هندوكيَّة في شمال الهند، فقد بنت فلسفتها الروحيَّة على أنَّ كل شئ زائل ومتغير، فالسعادة لا تدوم والمخلوق الوسيم قد يصبح ذا خلق دميم، والقوي قد يمسي ضعيفاً، والإنسان يصير كهلاً ويمرض ويموت وتلكم هي دورة الحياة.  لذلك نجد أنَّ بوذا - أي الشخص المستنير - قد بدأ يعلِّم النَّاس مذهبه الذي يحض على نكران الذات، وهجران الملذات، وتحرير النَّفس اللوَّامة من أشياء العصر، والاكتفاء بالقليل اليسير، وقول الحق وابتناء النزاهة والأمانة.  وقد تبوذن - أي اعتنق البوذيَّة - من سكان سريلانكا، الصين، تيبيت، اليابان، بورما وتايلاند كثير، وابتغوا "سبيل بوذا" بما فيه من ملل ونحل.  والكونفوشيوسيَّة (تعاليم كونفوشيوس الأخلاقيَّة) هي أقدم ديانة في الصين، وتعود جذورها إلى 400 ق.م.، وهي عبارة عن تعاليم الرجل الحكيم - كونفوشيوس - الذي ولد العام 551 ق.م.  فقد حث كونفوشيوس الأطفال على توقير الوالدين، وأمر النَّاس على طاعة الحكام، وهكذا يحترم العالم السماء، وبذا يقوم الوالدان برعاية الأطفال، والحكام بالإهتمام بالرعيَّة والسماء بتدبير شؤون العالم.  وكان "سبيل السماء" مبنيَّاً على خمسة أركان هي: ضبط النَّفس، بسط العدالة، الإحترام العائلي، تقدير الآخرين، اللياقة والأدب.  وحين جاء ماو تسي تونج والحزب الشُّيوعي إلى السُّلطة في الصين اعتبروا الكونفوشيوسيَّة موضة قديمة وتجارة عديمة الفائدة.  بالرَّغم من ذلك أثَّرت التَّعاليم الكونفوشيوسيَّة في سكان الصين وتايوان وهونج كونج وسنغافورا.  كما لاتقل أهمية الديانة الطوطميَّة عند الأروميين (Aborigines) في أستراليا في حياة سكان هذه القارة الأصليين، وأديان الهنود الحمر في أمريكا الشماليَّة، ولهم أرباب متفرقة مثل الشَّمس والقمر والسماء والأرض والرَّعد، التي تعتبر في نظرهم آلهة.(1)  وتقول الدِّيانة الزرادشتيَّة - وهي ديانة فارسيَّة قديمة منسوبة إلى النبي الفارسي زرادشت أو تعاليمه - بوجود إلهين، واحد يمثِّل الخير والآخر يمثِّل الشَّر، وإنَّ الصراع بينهما لا ينقطع.
فالأديان - سواء علينا سماويَّة أم دنيويَّة - تحث على قيم إنسانيَّة في بعض أحوالها، وتحض على اتِّخاذ مواقف قد تتنافى مع العقل السِّليم في أحوال أخرى، لذلك نجد أنَّ الأديان في مجملها تخاطب النفوس والعواطف، ولا تقبل الجدال اللاَّجب إلاَّ في إطار محدود، إذ نجدها في تصادم أفقي مع الذين أُوتُوا بسطة في العلم.  وعند إضافة الدِّين - أي دين - في النِّزاع السياسي، نكون قد أتينا شيئاً إدَّاً.  وإذا عرَّفنا السياسة بأنَّها النشاطات المقترنة بحكم بلد أو منطقة، وخصوصاً السجالات أو الصراعات التي تنشأ بين الأفراد أو الأحزاب التي تمسك بزمام السُّلطة أو تسعى وراءها، فلا نجد ضرورة في حشر المسألة الدِّينيَّة في هذا النِّزاع الدنيوي العقيم الذي يدور محوره بين النَّاس في الأرض، وليس بين الآلهة في السماء ولا بين الآلهة والناس بين السماء والأرض.  وقد رأينا كيف انقلب القادة السياسيُّون في أفغانستان - بعد جلاء السوفيت - على بعضهم يتقاتلون باسم الدِّين الإسلامي، وكيف يتم ذبح النساء والأطفال - كما تُذبَح الشياه - في الجزائر باسم الإسلام، وتفجير المدنيين العزل وترويعهم في مصر والمملكة العربيَّة السَّعوديَّة وتونس والمغرب واليمن وإندونسيا والفلبين وجنوب تايلاند وغيرها من أقطار العالم باسم الإسلام؛ وكذلك عمل الإسلامويُّون بفتاويهم على إغواء الخلق وتضليلهم.  فعلى سبيل المثال لا الحصر، أفرزت أعمال عنف طائفيَّة في أيرلندا الشماليَّة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين وفي الهند بين الهندوسيين والمسلمين ونيجيريا بين المسيحيين والمسلمين مذابح دمويَّة منها تقشعر الأبدان ويشيب الولدان.  على أي حال، يلجأ السياسيُّون إلى استخدام الدِّين لأنَّه وسيلة ناجعة لاعتبار كل من تجرَّأ على معارضتهم من معارضي طرائق الله، وكان هذا ما جرى في السُّودان في الحقبة "المايويَّة" وعهد "الإنقاذ" الحالي.


دور المسيحيَّة في التَّعليم والصحَّة في جبال النُّوبة

إنَّ تأريخ المسيحيَّة في السُّودان لقديم؛ ففي البدء كان اعتناق وزير في بلاط الملكة كنداكا في مملكة مروي في شمال السُّودان العام 37م، ويحدِّثنا الكتاب المقدَّس عن اللقاء الشهير بين أحد حواريي المسيح، وهو فيليب، مع المخصي الأثيوبي كأول أفريقي يتنصَّر.  كان هذا بمثابة ظهور "المجتمع الكنسي الأول" في السُّودان، إذ لم يعتبر هذا التنصير الملكي انتشاراً جغرافيَّاً للمسيحيَّة فحسب، بل توغلها في المجال السياسي كذلك، لما كان لهؤلاء الملوك النُّوبيين من نفوذ سياسي في المنطقة.  وبحلول العام 325م كان هناك قساً في فايل على الشلال الأول في نهر النِّيل (مصر حاليَّاً)، وقد وصل انتشار المسيحيَّة أوجها العام 450م حين أصبحت أعظم ديانة في السُّودان وتبنَّتها ممالك النُّوبة القديمة وهي نوباتيا والمغرة وعلوة، وقد شهد هذا العهد تكوين "المجتمع الكنسي الثاني".  وهكذا نجد أنَّ المسيحيَّة كانت راكزة في مصر وممالك النُّوبة وشمال أفريقيا، التي كانت تقبع تحت نير الاحتلال الروماني، وذلك لمدة الثلاثة قرون الأولى من ظهورها وقبل أن تتنصَّر دول أوربا الغربيَّة.  ففي السُّودان نجد أنَّ الكنيسة النُّوبيَّة استطاعت أن تسود لمدة تسعة قرون حسوماً منذ منتصف القرن السَّادس حتى منتصف القرن الخامس عشر أمام التوغُّل الإسلامي المستمر والضغوط العربيَّة من الدول المجاورة، مثل مصر في الشمال وشبه الجزيرة العربيَّة عبر البحر الأحمر من الشرق.  بيد أنَّه في القرن الرابع عشر الميلادي بدأ النفوذ الكنسي ينحسر في الممالك السُّودانيَّة القديمة أمام تيار الإسلام، وقد شكَّل العام 1323م بداية المشكل بين المسيحيَّة والإسلام الذي مازال حولها يصطرع السُّودانيُّون اليوم.  أما "المجتمع الكنسي الثَّالث" في السُّودان فقد بدا مع بداية السباق الأوربي الاستعماري نحو أفريقيا في القرن التَّاسع عشر، وفي هذه الفترة قدم الأب دانيال كمبوني إلى السُّودان، حيث عمل في مجالات التَّربية والتَّعليم، وذهب إلى كردفان وشيَّد إرساليَّة كاثوليكيَّة في الدَّلنج، وكان ذلك إبَّان العهد التركي-المصري في السُّودان (1821-1885م).(2)  
في الحق، كانت مطالب النُّوبة الاجتماعيَّة متواضعة جداً بكل المقاييس والمكاييل، وهي مطالب خدميَّة مشروعة ينبغي على أهل الحكم المبادرة في تنفيذها قبل أن يهب الشعب مطالبين بها.  فما هي هذه المطالب الخدميَّة التي بها طفق النُّوبة يتساءلون؟  ففي جلسة الجمعيَّة التشريعيَّة في غرة نيسان (أبريل) 1950م طالب النائب "نواي محمد رحال" بالإسراع ببدء العمل في حفر الآبار الإرتوازيَّة في منطقة كادقلي، وفي جلسة الجمعيَّة في يوم 3 نيسان (أبريل) طالب "الأمين علي عيسى" بإنشاء كباري على "الخيران" الكبيرة الواقعة على طريق الدَّلنج-كادقلي، حتى لا تتعطَّل حركة النقل والمواصلات في فصل الأمطار، ووعد وزير الأشغال بالتَّنفيذ.  إذ أنَّ الوعد شئ، والتَّنفيذ شئ آخر، وإنَّ أهل السُّلطة في الخرطوم للوعود لمخالفون.  وفي جلسة البرلمان السُّوداني الأول - جلسة 21 شباط (فبراير) 1955م - تساءل العضو البرلماني "كمبجو كومي" عن دائرة "وسط الجبال" هل يشمل البرنامج التَّعليمي الجديد زيادة عدد المدارس في منطقة جبال النُّوبة؟  وفي نفس الجلسة طالب العضو "حماد أبو سدر" عن منطقة "الجبال الشمالية-شرق" بضرورة تحسين الغذاء والأسرة بداخليات المدارس الأوليَّة في منطقة جبال النُّوبة، وتساءل العضو "محيي الدين الحاج محمد" عن هل ينوي وزير الصحة فتح شفخانة جديدة في منطقة كلوقي، والليري، وأم هشيم في منطقة جبال النُّوبة؟  وطالب عضو البرلمان "إدريس الزيبق" عن منطقة "تقلي شمال" وزير المواصلات بتركيب "كابينة" تليفونات في منطقة العباسيَّة، فرد الوزير بأنَّه يأمل إنجاز ذلك خلال العام 1955م.  وتساءل العضو "كمبجو كومي" - كذلك في نفس الجلسة - عن الخطوات التي سيتم اتِّخاذها لإيجاد مجالات العمل لأبناء النُّوبة الذين أتموا تعليمهم في المستوى الثَّانوي، فرد رئيس الوزراء بأنَّ من كانوا في الشهادة الثانويَّة 1953/1954م ثلاثة، لم ينجحوا في الامتحان ومع ذلك تمَّ تعيينهم؛ أولهم عمل ككاتب بالأشغال، والثاني كمدرس بالإرساليَّة الكاثوليكيَّة الوسطى في "كاتشا"، والثالث التحق بالكليَّة الحربيَّة، وفي العام الدراسي 1954/1955م اجتاز امتحان الشهادة الثانويَّة واحد فقط، حيث كان أول نوباوي يلتحق بكلية الخرطوم الجامعيَّة، وفي العام 1958م تخرَّج أول أثنان من أبناء النُّوبة من جامعة الخرطوم (كلية الخرطوم الجامعيَّة سابقاً) وهما موسى سالم سليم (كلية الآداب)، وعبدالسَّلام فضل الله (كلية الاقتصاد).  ففي جلسة 14 آذار (مارس) 1955م، سأل العضو "يعقوب رحال" وزير الثروة الحيوانيَّة عن إمكانيَّة تخزين أدوية للأبقار في كادقلي والدَّلنج وتلودي لصعوبة توصيلها خلال موسم الأمطار في الخريف.(3)  هذه هي طلبات أهل النُّوبة في توفير المياه الصالحة للشرب، وتشييد الطرق والكباري، وتحسين النقل والمواصلات، وتأهيل المدارس، ونشر التَّعليم، وتوفير فرص العمل المتساوية؛ وقد تقدَّموا بها إلى أهل الحكم الوطني بشئ من التشوُّف (التطلُّع مع رغبة، وفي نسخة "تشوُّق" بالقاف)، وإنَّ ما تمَّ تنفيذها لا يفوق عدد أصابع اليد؛ كما كان مؤتمر الخريجين العام يقوم بإنشاء مدارس في أم درمان وبعض مدن شمال السُّودان، التي أمست تحمل اسم المؤتمر، لم يتم بذل ذلكم المجهود في جبال النُّوبة، وكل ما جاهر به زعماء المؤتمر هو التَّعريب، والأسلمة ووقف تدريس المسيحيَّة في المدارس وإلغاء "قانون المناطق المقفولة" دون القيام بتدابير ملموسة بها يحس مواطنو تلك "المناطق المقفولة" بالمساواة والعدل والرفاهيَّة أسوة بالأغيار في الخرطوم والجزيرة.  بالرَّغم من ذلك، خرج علينا بعض علية القوم في شمال السُّودان بكتابات فيها يستنكفون على النُّوبة مطالبهم الاجتماعيَّة والسياسيَّة، ويجادلون بأنَّ مزاعم التَّهميش ما هي إلاَّ دعاوي باطلة.  فمن هم هؤلاء الصفوة؟  وماذا كتبوه وأذاعوه على النَّاس جهاراً؟
كتب الدِّكتور الباقر أحمد عبدالله في صحيفة "الخرطوم" وتحت عنوان "جبال النُّوبة .. وادِّعاءات التَّهميش"، كتب مدَّعياً "أنَّه وبعد خروج الاستعمار لم تكن في منطقة جبال النُّوبة مدرسة ابتدائيَّة واحدة للبنين أو البنات .. وإنَّ الحكم الوطني أعطى تلك المنطقة اهتماماً ورعاية خاصة ليقوم بتشييد عشرات المدارس بالإضافة إلى مدرسة كادقلي العليا بداخليتها .. وأخرى للبنات الأمر الذي مكَّن أبناء النُّوبة من الدُّخول بالمئات إلى جامعة الخرطوم ليتجاوز عدد حملة الدِّكتوراة المائة."(4)  
وإنَّنا إذ نجد أنفسنا مجبرين للرَّد على هذه المعلومة الخاطئة، التي نأمل أن تكون زلقة لسان، وفي ردِّنا هذا ليس دفاعاً عن الاستعمار، ولكن "مواجهة بالوقائع والأرقام" كما ذكر الدِّكتور في غرة كلمة التَّحرير. يؤرِّخ أحمد عثمان محمد إبراهيم في بحثه عن "أزمة الحكم البريطاني في جبال النُّوبة" فيقول: "اضطرَّت الحكومة (البريطانيَّة-المصريَّة) أن تفتح مدارس في المدن الكبيرة.(5)  وفي العام 1921-1922م قرَّرت بناء كتاتيب في تلودي واللِّيري والدَّلنج وكادقلي ورشاد.  تأخَّرت مدرسة تلودي حتَّى العام 1923م، وذلك عندما آلت إدارتها إلى إرسالية السُّودان المتَّحدة (Sudan United Mission)."(6)  وفي العام 1928م، وبينما كان ماثيو - سكرتير التَّعليم والصَّحة آنذاك - طائفاً في الجِّبال اتَّخذ قراراً بإغلاق مدرسة اللِّيري بحجة أنَّها غير مؤدِّية للغرض الذي من أجله شُيِّدت. ونسبة للحاجة الماسَّة في تدريب قطاع من أبناء النُّوبة للقيام بالأعباء االديوانية الدنيا في مكاتب الحكومة الإقليميَّة والمحاكم المحليَّة، تمَّ انشاء "مدرسة كتبة المكوك" في هيبان العام 1931-1932م التي ما لبثت أن انتقلت إلى دلاَّمي العام 1933م. وتأسست مدرسة أوليَّة في سلاَّرا - التي تقع جنوب مدينة الدَّلنج - العام 1938م وكذلك مدرسة البنات في سلاَّرا العام 1945م، ومدرسة كاتشا العام 1942م. وفي حقيقة الأمر، فإنَّ مدرسة سلاَّرا كانت داخليَّة، حيث يدرس فيها التَّلاميذ لمدة عامين ريثما يتم التحاقهم بمدرسة حكوميَّة مجاورة. وبحلول العام 1942م كانت هناك أربع مدارس حكوميَّة بالجبال: في كل من عبري وكاودا وسلاَّرا وكاتشا.  كانت المدارس، التي ترعاها إرسالية السُّودان المتَّحدة مختلطة - أي تقبل البنين والبنات على السواء.  غير أنَّ تلك التي أنشأتها جمعيَّة التَّبشير الكنسي (Church Missionary Society) فلم تكن لديها مدارس منفصلة للبنات، ولم تسمح باستيعاب البنات في هذه المدارس التي كانت مقصورة على البنين فقط.  وقد هدفت جمعيَّة التَّبشير الكنسي إلى الاحتفاظ بما هو جميل في الثقافة النوباويَّة والعمل على بناء كنيسة محليَّة لتدريس اللاهوت ومبادئ القراءة والكتابة وتوفير الخدمات الصحيَّة.  إذ أنَّ المبشِّرين لم يكونوا معلِّمين لتلقين المسيحيَّة فحسب، بل كانوا أيضاً منظِّمين لأعمال الإغاثة الإنسانيَّة.  عليه نجد أنَّ النُّوبة، الذين عرفوا المسلمين كغزاة لصيد الرقيق، وحاولوا مقاومة النفوذ الإسلامي والطَّائفي في المنطقة، طفقوا يقتربون رويداً رويداً إلى أعضاء الإرساليَّة المسيحيَّة الذين كانوا يبشِّرون بمذهب الحب وتضحية الذَّات.(7)  ومثلما اضطهد - وما زال يضطهد - الإسلام عادات وتقاليد النُّوبة، كان سلوك إرساليَّة السُّودان المتحدة تجاه معتقدات النُّوبة وأخلاقياتهم عكس ما كانت تنشده الحكومة.  ففي العام 1934م استطرد دوقلاس نيوبولد - حاكم كردفان يومئذٍ - أنَّ البعثة لا تبذل أي جهد لتعليم الصبية خارج القرى، وإنَّها لا تتعاطف مع الموروثات النوباويَّة، وترى في الكجرة سحرة كفرة وفي أسوأ الحالات تصفهم بأعداء مكرة.  وإذا جاز لنا أن نرد مثالاً واحداً فهو أنَّه في مستهل العام 1938م شجبت الإرساليَّة المريسة (الخمر البلدي) كرمز من رموز احتفالات المشركين، وقرَّرت في مؤتمرها أنَّه سوف لا يُعمَّد أي نوباوي يتنصَّر ما لم يمتنع عن شرب المريسة ويهجرها هجراً مليَّاً.  وفي مركز هيبان ذهب المبشِّرون خطوة أخرى حين بدأوا يخاطبون الصِّغار عندما رأوا أنَّ الكِّبار باتوا لدعوتهم لا يستجيبون، وأدَّى القرار الكهنوتي هذا إلى عصيان الكِّبار ضد المحاكم وبدأ الصِّغار لا يحترمون الوالدين.(8)  
كانت الدعوة إلى المسيحية بجبال النُّوبة قائمة منذ بداية القرن العشرين حيث تم انشاء مركز في هيبان العام 1920م وبالمناطق الجنوبيَّة المتاخمة لجبال النُّوبة. وبحضور السيدة بيكورث للمنطقة العام 1954م كان هناك ما يراوح الأربعين ممن كانوا يعملون في مجال الخدمة المسيحيَّة في جبال النُّوبة. وكانت مناطق تمركز العمل المسيحي آنذاك هي: عبري، نيكاما، هيبان، شواي، كاودا، مورو وتبانيا. أما عن المؤسسات الدينية، فكانت هناك مدرسة الكتاب المقدس بشواي، فقد تم إغلاقها بقرار من حكومة الفريق إبراهيم عبود العام 1962م بعد طرد المبشرين الأجانب من المنطقة.(9)  كانت تقام كورسات تدريبية للكتاب المقدس في مناطق مثل كدبر وهيبان، ثم مدرسة ثانوية تدار من قبل جمعيَّة التَّبشير الكنسي بمنطقة كاتشا كما ذكرنا سلفاً. ولعب المك كباتجو - مك هيبان في الخمسينيات من القرن العشرين - دوراً أساساً في تسهيل عمل إرسالية السُّودان المتحدة، لكونه مسيحياً وعضواً في البرلمان السُّوداني آنذاك. ومن العوامل الأخرى التي ساعدت على انتشار المسيحيَّة في الجبال مقدرة المبشرين الأجانب ولا سيما السيدة بيكورث من تعلُّم اللغات المحلية المختلفة وكتابتها وترجمة الكتاب المقدس عن طريق التسجيلات (Bible Recordings)، والتراتيل الروحية المحلية، ثم تدريسها من خلال مدارس الكتاب المقدس إلى الأهالي المحليين. وثمة عامل آخر هو طبيعة المهن التي امتهنها المبشرون، إذ ساهمت هذه المهن في إرساء العمل المسيحي وفي عكس القيم الروحية والانسانيَّة، مثل تعليم الفتيات بعض الحرف اليدوية كالحياكة والنساجة والتدبير المنزلي، والعمل في التمريض وعلاج داء الجزام الكثير الانتشار في ذلك الوقت، ومكافحة الأمراض المستوطنة الأخري كالبلهارسيا والملاريا. وهنا يبرز دور الإرساليات التبشيريَّة في الارتقاء بالخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية، وتنمية اللغات والثقافات المحلية. وبالطبع، فالعمل التبشيري عن الخلاص والمحبة المسيحية لم يكن بمعزل عن هذه الخدمات وعن سلوك المبشرين أنفسهم.  مثالاً لذلك اختبار السيِّدة كويجي (Kwichi)، والتي يمكن من خلالها فهم الكيفية التي يتم بها إحياء ونقل رسالة المسيح للأجيال القادمة حسب مشيئة المسيح.(10)  فتراتيل الكنيسة الكاثوليكية والأسقفية على السواء تستلهم كلها أغاني وأهازيج "الأسبار" التقليدية وتستخدم أدوات الإيقاع التي يعرفها أهل جبال النُّوبة.
ومن جانب آخر، كانت هناك بعض الصعوبات التي واجهت العمل التبشيري في الجبال. وقد تمثَّلت في تردد الأهالي في قبول الدعوة الجديدة ومغزاها، ولكن بدأ السكان المحليون "واحداً تلو الآخر بتصديق ما كانوا يسمعونه والايمان به وبالمسيح كمخلص شخصي لهم". كما واجه المؤمون الجدد مشقة وعنت، من ضرب، وتكسير أطرافهم، والسخرية بهم.  وطردت الحكومة فريق تسجيلات الإنجيل العام 1962م، وارتد بعض الأهالي عن إيمانهم الجديد، واتباع بعضهم للطرق القديمة، ومحاولة البعض الآخر خلط الكجور - مثلاً - بالدين المسيحي. كانت الكنيسة في منطقة النيمانج هي أضعف الكنائس، ويعود ذلك إلى الصعوبات التي تمثَّلت في تركيبة القبيلة ذاتها، فمثلاً كان النيمانج يعتقدون حينذاك أن ما قد يسميه غيرهم خيانة هي - في واقع الأمر - ضرب من البطولة والفروسيَّة. ومن ثَمَّ فإنَّ إلقاء "البقايا" في الكنيسة واستخدامها كمرحاض بات أمراً يقوم به النيمانج ضمن أشياء أخرى باستمرار. وفي أحد أعياد القيامة تجمهر الناس - الذين أبدوا سكوناً مستريباً في بادئ الأمر - لمشاهدة الصور المتحركة، وما أن عُرضت عليهم صورة المسيح على الصليب حتى أجهر القوم بالضحك. وحينما سُئلوا عما يضحكهم، ردوا بأنَّ للمسيح لحية مثيرة للضحك! فاتَّخذوه هزوَّاً. وقد استدرك المبشرون أنَّ المخرج الوحيد من هذه المعضلة هو تدريب قس من المنطقة بحيث يتفهَّم أوضاعهم ويستطيع ممالاتهم.(11) وهنا تجدر الإشارة إلى "أنَّ الكثير من شباب النُّوبة يعزف في صباه عن الكنيسة لأنَّها تستهجن بعض "أسبارهم" خاصة سبر الفتوة والذي يتمثَّل في العراك والمصارعة، وهو عراك قد يؤدي إلى الموت ولهذا نهت عنه الكنيسة. ويحسب هؤلاء الفتيان أنَّ رجولتهم لا تكتمل ما لم يؤدوا هذا السبر ويتبعوه برقصتهم المعروفة الكمبالا وهم يتغنون."(12)  
كان عهد ما قبل العام 1962م أكثر العهود نمواً في العقيدة المسيحية بالسُّودان، ولا سيَّما بجبال النُّوبة. وتميَّز التعايش الديني في جبال النُّوبة بالتسامح والمحبة. ولتجدنَّ السكان في تلاحم شعبي في (أسبار الحصاد وطرد الأرواح الشريرة) لغير معتنقي المسيحية أو الإسلام، وكذلك في المناسبات الإسلاميَّة (أعياد الفطر المبارك والأضحى)، والمسيحية (أعياد ميلاد المسيح والقيامة والمعمودية). وفي هذه الاحتفالات يمتزج كل أفراد المجتمع ببعضهم بعضاً بغض النظر عن عمره، أو جنسه، أو عقيدته، وينهمك الكل في الرقصات المحلية والمصارعة وفي شتى سبل المعيشة دون أن يكون الدِّين عائقاً في ذلك، بل وحتى التزاوج لا يراعى فيه مسألة العقيدة بكثير من الأهمية كما هو الحال في مناطق أخرى من السُّودان. وفي كثير من الأحيان يُتوَّج هذا التسامح الديني باعتناق الكثير من أفراد العائلة الواحدة لمعتقدات مختلفة في أنٍ واحد. فإن كانت منطقة جبال النُّوبة لا تصلح لتمثيل السُّودان كنموذج للتَّسامح الديني، فأي مكان بالسُّودان يمكن أن يصلح لذلك؟(13)  
هذه هي بعض الحقائق وقد أوردناها لإزالة التشويش أو التشويه، ونرجو ألاَّ يستغلها البعض زلفى أو استنطاقاً لشئ سئ. أما الحديث عن تجاوز عدد حملة الدِّكتوارة من أبناء النُّوبة المائة فهو فرية بلقاء. هؤلاء هم المستعمرون. ثم خلف من بعدهم خلوف، وتتابعت من بعدهم سنين، دونما أية تنمية حقيقيَّة تزيل تراكمات الضيم عن أبناء الأقليم. حتَّى الآبار التي كان يتبرض ماؤها تبرضاً فلا يكفي اليوم لاستسقاء الإنسان والحيوان وقد غيض ماؤها، ولولا طلمبات ضخ المياه التي أحضرها اليونسيف في الثمانينيات من القرن المنصرم لمات النُّوبة من العطش. وأغلب المدارس التي شُيِّدت في عهد الحكم الوطني تم بناءها بالمواد المحليَّة، ومن جهد المواطنين أنفسهم دون مساعدة من السَّلطات الحكوميَّة إلاَّ في نطاق ضيِّق. أمَّا في الجانب الصناعي والتنموي، فإنَّ مصنع النَّسيج في مدينة كادقلي الذي ذكره الدكتور في مقاله فإنَّنا نسأل السؤال الطبعي التالي: ماهي إدارته؟ وما هو العائد منه على أبناء المنطقة؟(14)  ولماذا يتم تخصيص بعض الوزارات الهامشية مثل المواصلات (محمود حسيب)، والسياحة والفنادق (أمين بشير فلين وعبدالرسول كجور) للنُّوبة وعدم السماح لهم بالتمثيل في وزارات السِّيادة مثل الدِّفاع، والخارجية، والداخلية وغيرها؟
مهما يكن من مزاعم الزعيمِين، فالكنيسة السُّودانيَّة من المؤسسات الاجتماعيَّة التي تقع عليها أعباء متزايدة في أداء رسالتها الإنسانيَّة بصورة سلميَّة وبدون حساسيَّة وأحقاد.  وهناك من القساوسة النُّوبة الذين أفنوا أعمارهم في خدمة أهليهم سواء كان ذلك في في جبال النُّوبة أو الخرطوم أو بورتسودان في البحر الأحمر، ونذكر منهم الأب فيليب عبَّاس غبُّوش، بطرس تية شوكاي، صمويل جنقول، مبارك خميس كوركيل، بيتر البرش، وبطرس كوة كوري.(15)  غير أن الغلاة من رجال الدِّين االإسلامي لم يرضوا عنهم، وقد علمنا وشهدنا كيف مكروا بهم مكراً كُبَّاراً، وأوقعوا بالبعض منهم إفكاً وبهتاناً.  وقد علمنا - كذلك - أن المصلين المسيحيين يتعرَّضون للقذف بالحجارة في بعض الأحياء السكنيَّة في أم درمان (أم بدة مثالاً) من صبية مغمورين تحرشهم جهات مهووسة دينيَّاً، كما أنَّ سطات معتمديَّة الخرطوم لا تسمح للمسيحيين بالتصاريح لتشييد كنائس، وحتى القليلة الموجدوة يتم تحطيمها تحت دعاوي الخطة الإسكانيَّة، وقد عمدت السلطات في بعض الأحايين لتعيد خارطتها التخطيطيَّة عدة مرات حتَّى يتأكَّدوا أنَّ الشارع يمر بالكنيسة لكي يجدون العذر لهدمها.


هل أتاك حديث الإسلام في جبال النُّوبة؟

ثم ندلف إلى إلإسلام وكيف تعامل دعاتها مع النُّوبة.  إنَّ أول المناطق التي تأثَّرت بالإسلام في جبال النُّوبة هي منطقة تقلي في شمال-شرق الإقليم - كما أسلفنا في صفحات خلت - وعلى يد محمد الجعلي العام 1530م، ومحمد تاج الدِّين البغدادي الشهير بالبهاري (1520-1600م)، والذي أدخل تركة القادريَّة في السُّودان، وكذلك حسن ود حسونة بن الحاج موسى، الذي توفى العام 1664م.  كما كان للتجار الجلاَّبة والجنود العائدين إلى مناطقهم والقبائل العربيَّة في وسط كردفان دور فعيل في نشر الإسلام وسط النُّوبة عند الجبال الستة (الدَّلنج والكدرو)، ومن تلكم القبائل: الركابيَّة والبديريَّة والدواليب والغديات في الفترة بين 1755-1768م؛ وقد انتشرت الأخيرة جنوب مدينة الأبيِّض.(16)  بيد أنَّ هذا الانتشار كان محدوداً جداً، وفي بعض الأحايين لا يتعدَّى تعداد المعتنقين أفراداً، حيث استطاع أهالي الدَّلنج الاحتفاظ بطقوسهم غير الإسلاميَّة وعادات الكجور والتصديق في قدراته الروحيَّة.  وكان الإداريُّون يذكرون أنَّ الشرطة من أبناء النُّوبة حين يعودون إلى مناطقهم يخلعون الزي الرَّسمي، وهم بين أهليهم وعلى أزيائهم القوميَّة (أي عراة) يمشون.  كما كان يري النُّوبة أنَّ الإسلام في شمال السُّودان قد خلق وضعاً متميِّزاً في امتيازات المسلمين، حيث ظهرت آثاره في الخدمة الحكوميَّة والتجارة والتجنيد في الجِّيش كما أنَّ تبنِّي اللغة العربيَّة كوسيلة للتعليم وكلغة رسميَّة ساعدت على نشر الإسلام.
أخذ التبشير الإسلامي في جبال النُّوبة قبل دخول الأتراك-المصريين إلى السُّودان منحى الغارات التي شملت - فيما شملت - "غزوات الاسترقاق". كان على رأس هذه الغارات بدوي أبوصفية، الذي استوطن الجميعاب بالقرب من مدينة الأبيض. وقد عمل أبوصفية على ترغيب الدين الإسلامي لملوك تقلي لا حباً لهم في الإسلام، بل كعامل مساعد في درء احتمالات الاسترقاق لرعاياهم، الذين كانوا يدركون أنَّ الإسلام يحول دون استرقاق المسلمين. غير أن سكان بعض القبائل في الجبال وقعوا فريسة هجمات أبوصفية، الذي رفض الاستكانة في دياره كما فعل نظيره الشيخ اسماعيل عبدالله - صاحب الطريقة الإسماعيلية - في مدينة الأبيض. ويروي القرويون أنَّه في أواخر العام 1820م كان يتنقَّل أبوصفية بين الجبال وفي معيته مائة من أتباعه مدججين بالسلاح، وكان إن رفض الجباليون الدخول في دين الله أفواجاً، يجهز عليهم ... يقتل كبارهم ويسترق شبابهم ويسبي فتياتهم كيفما شاء.(17)  ومن نتائج غزواته أيضاً، كان أبوصفيَّة (توفى العام 1848م)، الذي هو من البديريَّة، يذهب إلى الجِّبال ويختطف أطفال النُّوبة - إضافة إلى الرقيق - ويحضر بهم إلى الأبيِّض لتعليمهم أصول الديِّن الإسلامي والحديث النبوي، ومن ثمَّ إرسالهم إلى قراهم لنشر الدَّعوة المحمديَّة.  حتى فقهاء التصوف، مثل تاج الدين البهاري، فلم تخل أعمالهم من التجارة والاسترقاق ... ذوي مطامع كانوا وبغاة الدنيا.  ومثلما استعان ملوك مملكة تقلي بالإسلام لدرء مخاطر الاسترقاق، كذلك اعتنق ملوك السلطنة السوداء (أو الزرقاء، نسبة لعقدة اللون الأسود عند بعض السُّودانيين) الإسلام ليقوا أنفسهم وأهليهم من ويلات الحرب والعبودية، وإهانة دفع الجزية عن يد وهم صاغرون. ففي أيام عمارة دنقس قدمت جيوش السلطان سليم إلى سواكن ومصوع فامتلكتهما وأرادت الزحف على سنار. فأرسل عمارة إلى السلطان سليم يذكر له أنَّ أهل بلاده عرب مسلمون فلا داعي لحربهم وامتلاكهم. فإن كان غزوهم لغرض مادي فأكثرهم عرب بادية هاجروا إلى هذه البلاد في طلب الرزق، ولا شئ عندهم . فاقتنع السلطان وأقلع عن غزو سنار.(18)  بيد أنَّ هذه الهدنة لم تدم طويلاً؛ وما أن بدأت السلطنة في الاضمحلال والاشتغال بالفتن الداخليَّة حتى أجهز الأتراك-المصريُّون عليها العام 1821م بقيادة إسماعيل باشا.
وعوداً إلى جبال النُّوبة، حيث شهدت المنطقة قبيل الاستقلال نشاطاً محموماً من قبل أهل الشمال لأسلمة النُّوبة.  فقد جاء الشيخ محمد الأمين القرشي الحلاوي، لعلَّه يمت نسباً إلى الشيخ القرشي ود الزين أستاذ الإمام محمد أحمد المهدي، من قرية أبوفروع من أعمال معتمديَّة الحصاحيصا شمالاً إلى جبال النُّوبة، وشيَّد خلاوي لتعليم تلاوة القرآن في كل من النتل وبعض مناطق النيمانج (الأما) المختلفة.  وفي صيف العام 1951م قدم الشيخ القرشي إلى قرية كُرمتي بمنطقة النيمانج - حوالي سبعة أميال غرب مدينة الدَّلنج - وهو يحمل تصريحاً بالدَّعوة إلى الإسلام والتَّبشير به، ونزل ضيفاً على المك سلام دارفور - مك كُرمتي - والذي رحَّب بالشيخ أيما ترحيب، حيث أجاره وأمنه في نفسه وأسرته التي جاءت معه. طلب الشيخ من المك أن يسمح له بإقامة خلوة لتحفيظ القرآن وتدريس علوم الدِّين الإسلامي، فلم يكتف المك بالموافقة فقط بل أسرع في استنفار أهل القرية لبناء الخلوة من المواد المحليَّة - القش والطين - ومساكن وملحقات للشيخ وأسرته، ثم كلَّف كل شيخ قرية أن يحضر ما لا يقل عن خمسة أطفال ممن فقدوا فرصة القبول في المدرسة الأوليَّة لضيق الفرص، وبالطبع فاق عدد الأطفال إمكانيات الخلوة.  إذ بدأ الصغار في الخلاوي - مما نالوا من علوم القرآن الكريم وحفظهم لكثير من السُّور والأحاديث - أن يؤثِّروا في إخوتهم في مدرسة سلاَّرا الأوليَّة ويختاروا الإسلام بدل المسيحيَّة.(19)  
ركَّزت الحكومات - المدنيَّة والعسكريَّة على حد سواء - على سياسات الأسلمة والتَّعريب في محاولة دؤوبة لإذابة ثقافة شعب النُّوبة، وابتعثت بعضاً من أبناء النُّوبة إلى معاهد القرآن الكريم في الخرطوم والأزهر بالقاهرة لتلقي علوم أصول الدَّين وقواعد اللُّغة العربيَّة وعودتهم للعمل وسط مجتمعاتهم الرِّيفيَّة لتغيير ملامحها حسبما يحلو لهؤلاء الحكام "الخرطوميين". وبما أنَّه كان هناك تواجداً ضئيلاً لبعض الطُّرق الصُّوفية بالجِّبال، غير أنَّ شدَّة الحملات التَّبشيريَّة المنظَّمة بدأت تنمو في السَّبعينيات من القرن العشرين بظهور جماعة أنصار السنَّة المحمديَّة الذين اتَّبعوا هذه الطَّريقة في الخرطوم. على الرَّغم من قلة عددهم، فقد أحدث الظهور المفاجئ لهذ الجماعة في المنطقة صداماً بين أهل القرى المحافظين وهؤلاء الحواريين الجُدد. إنَّ جل المشاريع الخيريَّة التي أقيمت في جنوب كردفان بأموال ومساعدات خليجيَّة ذهبت لبناء المساجد دونما التَّركيز علي المشاريع االتَّنموية والخدمات الصحية والتَّعليمية. فقد تبرَّعت السيِّدة فاطمة العلي خالد من الكويت بمبلغ 49,734 دولاراً لتشييد مسجد مدينة كادقلي والروضة، وتبرَّع السيِّد خالد إبراهيم خالد من الكويت بتكلفة بناء مسجد معهد التَّربية بالدَّلنج وتبلغ قيمتها 22,000 دولاراً، كما تعهد الشَّيخ خالد المرزوق من الكويت بتكاليف تشييد مركز إسلامي في أم دورين وقيمتها 255,000 دولاراً، وتبرَّع فاعل خير من دولة قطر بمبلغ 12,500 دولاراً لبناء مسجد في قرية تروجي، وتبرع الشيخ محمد بن شيبان - رحمه اللَّه - من دولة الأمارات بمبلغ 100,000 دولاراً لبناء مسجد أبوسنون في جنوب كردفان، وتبرعت لجنة مسلمي أفريقيا ومقرها في الكويت بمبلغ 12,500 دولاراً لبناء مسجد قرية دمبا،  وتبرع الشَّيخ حسن آل ثاني من دولة قطر بتكلفة تشييد مسجد قرية الكيلك وقيمتها 13,700 دولاراً. أمَّا في المجالات الخدمية فقد تبرعت كل من السيِّدة غنيمة المرزوق من الكويت بمبلغ 40,000 دولار لحفر بئر في كادقلي، وسارة المرزوق من الكويت بمبلغ 35,000 دولار لحفر بئر بمنطقة هيبان، كما تبرع الشَّيخ سيف الغرير من دولة الأمارات بمبلغ 39,000 دولار لصيانة مدارس كادقلي.(20) وقد أثرى بعض المسؤولين في الخرطوم من حصص النُّوبة للأسلمة ثراءاً فاحشاً.  بعد كل هذا، يأتي فقهاء القرن العشرين من جهلة العوام وأدعياء الأمة في مدينة الأبيِّض ليفتوا أنَّ النُّوبة كفرة مارقين وعنصريين مرتدين ينبغي مقاتلتهم، ويجرِّدوا الجيوش ويجهزوا العتاد لمجاهدتهم واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، حتَّى دفعوهم وأجبروهم على طلب النجدة والحماية ضد هؤلاء وأولئك من المجتمع الدَّولي بتوقيع أتِّفاقية وقف إطلاق النار في جبال النوبَّة في سويسرا في كانون الثاني (يناير) 2002م.  على أي حال، فإنَّ هذا الاهتمام المجيد بالمساجد خليق بتخريج أئمة جوامع الذين بدورهم - كذلك - يخرِّجون أئمة جوامع، وهكذا تستمر هذه الدائرة المغلقة.  ما نبغيه في جبال النُّوبة هو مهندسين، زراعيين، بيطريين، اقتصاديين، أطباء، وتربويين لكي يقوموا بتحسين الطرق والكباري، ورفع الإنتاج الزراعي والحيواني، وتحسين الخدمات الصحيَّة والتعليميَّة وهلمجراً.
إنَّ مفهوم نشر العقيدة - سواء علينا مسيحيَّة أم إسلاميَّة - على مستو أممي يتم عن طريق التَّبليغ، وقد اتَّخذ الأوربيُّون المسيحيُّون في سبيل ذلك التَّبشير الكنسي (Christian Missionary)، فكان الدعاة المسيحيُّون مصادر معلومات استخباراتيَّة للغزاة المستعمرين.  أما الدعاة المسلمون اليوم فإنَّهم يستخدمون نفس أساليب المسيحيين من قبل وإن ادَّعوا أنَّ سبيلهم في إبلاغ الدَّعوة المحمديَّة هو الدَّعوة (Invitation).  ولا نحسب أنَّ أحداً من الدول الأفريقيَّة قد توجَّه بدعوة - مكتوبة أو شفاهة - إلى الأقطار الإسلاميَّة لابتعاث مبشِّرين إسلاميين، كل الذي نعرفه أن المسلمين والإسلامويين يعملون على إحلال مكان الغرب المسيحي في أفريقيا ودول جنوب-شرق آسيا، حيث أنَّ هذا الشعور من جانب المبشِّرين الإسلامويين يكتنفه ازدراء بمعتقدات الأغيار وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم العريقة.  كما حين يتعرض النَّاس لكوارث إنسانيَّة نجد أنَّ الغرب المسيحي و"دول الاستكبار" هم الذين يستنفرون إمكاناتهم الشعبيَّة والحكوميَّة لإغاثة المستغيثين في الدول المعنيَّة، ولا نجد صدقات المسلمين وزكاواتهم، وقد علمنا في دروس التربيَّة الإسلاميَّة منذ الصغر أنَّ في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم.


جذور الحرب الأهليَّة في جبال النُّوبة

كتب صحافي في مجلَّة "أفريقيا" في الثَّمانينيات من القرن العشرين أنَّ أهل الجنوب استطاعوا أن يقنعوا النُّوبة بأنَّ قناة جونقلي سوف تسحب المياه الجوفيَّة من تحت جبال النُّوبة ومن ثَمَّ تصبح مناطقهم جرداء قاحلة. وبناءاً على هذا التَّفسير انخرط أبناء النُّوبة في الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان. ولكن بعض العبارات والشهادات التي احتواها النَّص الصحافي بدت تزيُّداً على السياق ومبالغة لا يقتضيها مقاله. وكلها تجاوزات تسئ إلى الحقيقة، وتبسيط مخل بالمشكل السُّوداني بأثره، ولا شئ يسيئ إلى الحقيقة مثل المبالغة حين تجمح عن حدودها المنطقية، أو كما تقول الفرنجة (Too good to be true) وترجمتها إلى العربيَّة: "جميل جداً إلى درجة أنَّه لا يمكن أن يكون حقيقيَّاً". فمهما ادَّعى الصَّحافي من أمر القوم، لم يكن هذا هو السَّبب الفعلي الذي جعل النُّوبة يسعون لافتكاك حريَّتهم باللُّغة التي لاتفهم السُّلطة غيرها ألا وهي لغة قوة السِّلاح. إذن، ما الذي دفع النُّوبة إلى النضال المسلَّح، ورفع علم السُّودان الجديد خفاقاً يرفرف فوق جبالهم؟
في أواخر الثلاثينيات من القرن العشرين تشكَّل كيان وطني في الخرطوم ليمثِّل قطاعاً عريضاً من الشَّعب السُّوداني، ويعكس طموحات وأحلام السَّواد الأعظم منهم. فوسوس الحزبان الطَّائفيَّان في نفوس المستعمرين بأنَّ هذا  التَّنظيم ما هو إلاَّ تجمع عنصري ينبغي اقتلاعه من جذوره وتجفيف منابعه، وامتثل المستعمرون لكيد الطَّائفتين ورفضوا تسجيل ذلك الكيان كحزب سياسي.(21) فما أن خلا لهم الجو حتَّى انفرد بعض أحزاب الشَّمال بالمجلس الاستشاري لشمال السُّودان العام 1943م، والجمعيَّة التَّشريعيَّة العام 1948م، و شاركوا في لجنة تعديل الدَّستور العام 1951م، ثمَّ سافر وفودهم إلى القاهرة العام 1953م لتفاوض سلطتي الحكم الثنائي عن استقلال السُّودان. ولم يحتو ذلك الوفد على ممثِّلين من أهل الجنوب أو النُّوبة. ثمَّ جاءت مرحلة السَّودنة التي على ضوئها تمت سودنة 600 وظيفة كان نصيب أهل الجنوب منها 6 وظائف - أي ما يعادل 1% فقط - أكبرها وظيفة مأمور، ولم يرد اسم النُّوبة في كل هذا العبث. هذا ما كان من أمر النُّوبة "في مطلع الخمسينيات ... سنوات المتغيِّرات والاندفاع، سنوات البحث عن الهوية الوطنية والاستقلال الذي لم يكن يعني سوى العلم والنشيد والحصول على مقعد في الأمم المتحدة...".(22)
وبعد الاستقلال شرع أبناء النُّوبة يناجون الحكام في الخرطوم للارتقاء بالخدمات الصحيَّة والتَّعليمية والتَّنموية في الجِّبال. وقد حاول بعضهم - يأساً - حل مشكلات المنطقة خلال ولوجهم في أحزاب الشَّمال من أجل العمل من الدَّاخل، وكبح جماح الدَّولة السُّودانيَّة، غير أنَّ الفشل كان حليفهم. وشارك أفراد منهم في حركة تحرير جنوب السُّودان بقيادة اللِّواء (معاش) جوزيف لاقو، وأُحططنا علماً أنَّ جنود الحكومة كانت تقصف مناطق هيبان في خلال سنوات الحرب الأهليَّة الأولى. إلاَّ أنَّ اشتراك النُّوبة كأفراد في حركة الأنيانيا الأولى لم تعد لهم بحقوق سياسيَّة أسوة بأندادهم من أهل الجنوب.  تُرى كيف تفاعلت الحكومات المتعاقبة مع قضايا المنطقة المصيريَّة بعد النداءات المتكرِّرة؟  بعد اندلاع ثورة 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1964م انصهر النُّوبة في اتحاد عام جبال النُّوبة تحت قيادة الأب فيليب عبَّاس غبوش الذي كدح كدحاً شديداً من أجل إنصاف النُّوبة الذين اُستضعفوا في الأرض. وحينما قامت الإنتفاضة الشَّعبيَّة في 6 نيسان (أبريل) 1985م انتظم النُّوبة في اتحاد عام جبال النُّوبة والحزب القومي السُّوداني. وقد حاول التَّنظيمان - عبر الطُّرق الدِّيمقراطية والدَّستوريَّة - تذكير الحكومة بأنَّ الاضطِّهاد السِّياسي والدِّيني والاجتماعي بلغ عنان السَّماء. وليس بوسعنا في هذه العجالة أن نستعرض كل الأمثلة للقهر اليومي الذي يتعرَّض له النُّوبة سواء في الجِّبال أو في مدن السُّودان المختلفة. وقد زاد الأمر سوءاً السِّياسات التي اتَّبعتها السُّلطة الانتقاليَّة (1985-1986م). وقد شهدنا ماذا فعل بنا العسكر الانتقاليُّون، وسار على نهجهم السيِّد الصَّادق المهدي (1986-1989م)، حتَّى انتهى بنا الأمر إلى التَّقتيل الجَّماعي اليومي، والتَّعذيب الوحشي، وتدمير البيوت والكنائس والمساجد، والتَّشريد المتواصل، والمعاناة اليوميَّة في عهد حكومة الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة التي تمسَّحت بأعتاب الإسلام.
 ومما لا ريب فيه أنَّ منطقة جبال النُّوبة شهدت، على مر التأريخ، نزاعاً مسلَّحاً بين النًّوبة والبقَّارة. وقد استغلت السُّلطات المركزيَّة والحكومات المحليَّة - استعمارية كانت أم وطنيَّة - هذه الرَّواسب لأغراضها السِّياسيَّة. فعكفت الحكومة الإقليميَّة في كردفان في السَّبعينيات من القرن الماضي على تأجيج الفتن القبليَّة وإثارة شعوب المنطقة. أنشأت الحكومة - وقتئذٍ - مليشيات المراحيل ودرَّبتها وسلَّحتها لتغير على النُّوبة والدينكا حتَّى تطردهم من ديارهم، وتسلبهم من ممتلكاتهم.  وعوداً على بدء، فقد قام وفد من البقَّارة - مستغلين عربة حكوميَّة - بجولة سريَّة حول المنطقة لتأليب عشائر العرب ضد النُّوبة.  شمل الطَّواف الحوازمة في شمال الدَّلنج، وحليفي في شمال رشاد وبعض بيوتات البقَّارة حول مدينة كادقلي.  عقب هذا الطَّواف بدأت مرحلة الغارات القبليَّة المدعومة من قبل الدَّولة على قرى ومزارع النُّوبة والدَّينكا.  هكذ بدأ انفراط عقد الأمن. فإذا كان هذا التحرك الحكومي هو النذير لحرب قادمة في جبال النُّوبة، فماذا عن بعض العوامل التي أصابت النُّوبة في مقتل.  وكيف تصرَّف حكَّام ديار السُّودان في أراضي النُّوبة؟ وما هو السَّبيل الذي ينبغي اتخاذه لإنصاف المزارع في الجِّبال؟
ظهرت الزراعة التجاريَّة المطريَّة أو الزراعة الآليَّة، وبالتحديد العام 1947م، وكانت العلاقة الإنتاجيَّة في البداية أقرب إلى الشراكة بين الحكومة والمزارعين.  ولم يحقِّق مشروع الزراعة الآليَّة النجاح المتوقع حتى العام 1953م وهي بداية فتح المجال للقطاع الخاص.  ووُزِّعت منطقة المشروع في شكل حيازات بلغت ال1,000 فدان في المتوسط، بعقد إيجار محدَّد لمدة تصل أحياناً إلى ثمان سنوات.  ولم يستفد السكان والمزارعون المحلِّيُّون من حيازة المشاريع بسبب عدم امتلاكهم لرأس المال لتسيير العمل.  فقد حدَّدت شروط معيَّنة لتوزيع المشاريع هي:
أن يكون المتقدِّم سودانيَّاً.
أن يكون لديه أو يستطيع أن يمتلك المعدات الزراعيَّة الكافية التي تؤهله لزراعة 1,500 فدان هي مساحة المشروع.
أن تكون له خبرة زراعيَّة كافية وله المقدرة الإداريَّة لإدارة المشروع.
وقد كانت نتيجة هذه الشروط أن تمكَّن عدد كبير من التجار والموظَّفين القدامى في الخدمة المدنيَّة والعسكريَّة من حيازة المشاريع، مما اضطرَّ بعض السكان إلى الهجرة من المنطقة.  وحين أنشئ البنك الزراعي ساعد الفئة الثريَّة أكثر لقدرتها على تلبية شروط التسهيلات والقروض وأي وجود ضمانات يمكن أن تقدِّمها.  وبدأت البيروقراطيَّة السُّودانيَّة بعد الاستقلال في تأسيس علاقة مع البورجوازيَّة الوطنيَّة، بسبب سيطرة الأولى على جهاز الدولة وبالتَّالي تقديم خدمات إداريَّة.  على سبيل المثال، إصدار الرخص وتقسيم حيازات المشروعات الزراعيَّة وغيرها من المعاملات الرسميَّة.(23)  
عملت الإدارة البريطانيَّة على إدخال زراعة القطن في منطقة جبال النُّوبة كمحصول نقدي لتنمية الأقليم اقتصاديَّاً. بيد أنَّ الشركات البريطانيَّة كانت تحتكر تسويقه، وقد استمرت هذه الحالة حتى بعد الاستقلال وحلَّ التجار الشَّماليون محل الشركات الأجنبيَّة، ودعمت الحكومة المركزيَّة والسُّلطات المحليَّة هذه السِّياسة. فقام البنك الدَّولي بتمويل مشاريع الزِّراعة الآليَّة في جنوب كردفان، والنِّيل الأبيض، وأعالي النِّيل منذ العام 1968م. وبحلول العام 1975م أصبح البنك الدَّولي يقدِّم نصف القروض لدعم القطاع الخاص في مشاريع الزِّراعة الآليَّة المطريَّة. اشتملت الخطط الحكوميَّة توسيع رقعة الزراعة الآليَّة غرباً مستخدمة قروض دول النَّفط المتوفِّرة بسهولة لدي الصَّفوة ورجال المال والأعمال المقيمين في الحضر. وكان أمراً طبعياً ألاَّ يستفيد أهل النُّوبة من هذه القسمة الضِّيزى، وانتهى بهم المطاف أن يصبحوا عمال أجرة وسخرة في أنٍ واحد. أما المشاريع الزراعيَّة في المنطقة - مشروع هبيلا على سبيل المثال - فإن مستثمريها تجار أوفدوا إلى المنطقة من شمال كردفان والجزيرة وحتَّى الخرطوم. فلنرى ماذا يفعل هؤلاء التجَّار بالعمال النُّوبة في هذه المشاريع في ظل حكومة الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة؟ يقوم أبناء النُّوبة بجميع مراحل الزِّراعة من غرس وحرث وحصاد، ثم يأتي يوم صرف أجورهم، ومن ثَمَ يطلق التجار شائعة مفادها أن "المتمردين متواجدين بالمشروع". وعندما يأتي الجيش يطلق النَّار على كل نوباوي، إلاَّ من هرب ونجا وفي هذه الحالة يضيع أجره. تلكم هي صورة مصغَّرة لما يجري في المؤسسات الزِّراعيَّة في جنوب كردفان في الوقت الذي أخذت مظالم أصحاب النَّزعة العنصريَّة تتوالى على كواهل جميع من عارضوا هذه السياسة.
لم يكد يمضي وقت طويل حتَّى بات انتشار الزِّراعة الآليَّة في الجِّبال يجلب الفساد والاضطهاد للنُّوبة، ولم يحقِّق أمناً غذائيَّاً لهم في بادئ الأمر وآخره. وقد تعرَّض النُّوبة في بعض المناطق لتحرُّشات التجَّار الأثرياء، وأجبرهم المسؤولون الحكوميُّون على ترك أراضيهم لهؤلاء التجَّار الجلاَّبة. نتيجة هذا التوسُّع الزِّراعي هب أبناء النُّوبة دفاعاً عن أرض جدودهم، ودخل بعضهم السُّجون. نذكر على سبيل المثال المك حسين كربوس الأحيمر - مك منطقة سبت في مقاطعة دلاَّمي - الذي سُجِن لمدة 65 يوماً حينما اعترض على استيلاء السُّلطات على أراضي أهله عنوة واقتداراً، ولم تفلح محاولات مؤسَّسة جبال النُّوبة الزِّراعيَّة بالدَّلنج والحكومة المحليَّة لارتشائه بقطعة أرض في مشروع جديد. وقد يكون للوسط الذي نشأ فيه المك حسين أثر كبير في تكوين شخصيته النضاليَّة، فجاء شامخ الرأس كجبال دلامي، صلباً في مبادئه، شجاعاً كان في ابتغائها وجريئاً في مواطن الحق على الحكام. وفي العام 1981م انتشرت مشاريع الزِّراعة الآليَّة حول قرية فايو في مقاطعة دلاَّمي أيضاً وشدَّدت هذه المشاريع الخناق على القرية وصُودِرت كل الأراضي الزِّراعيَّة والرَّعوية التَّابعة لها. وفي كثيرٍ من الأحيان كان العرب الرُّعاة يسوقون قطعان جمالهم وأغنامهم ومواشيهم في مزارع النُّوبة ويتجنَّبون مشاريع الزِّراعة الآليَّة. لم يكن هذا تجاوزاً قانونيَّاً فحسب، بل أفرز هذا العدوان ظاهرة الرَّعي الجَّائر، فكان سبباً من أسباب الاحتكاك والعراك بين العرب والنُّوبة. هؤلاء هم النُّوبة وقد رأوا أرضهم - التي لبثوا فيها أحقاباً - تُغتَصب. فتحوَّلت الحرب من معارك ضد التجار الغاصبين والرعاة إلى السلطة المتواطئة. هذا ما كان من أمر النُّوبة وأرض جدودهم ... فكما أحبوا العيش فيها أحبوا الموت بمثواها. هناك طرق متعددِّة لمساعدة النُّوبة في إعمار أراضيهم وفق خطة علميَّة سياسيَّة. وتعتمد هذه الخطة، وهي طويلة المدى، على الإكتفاء الذَّاتي، ويقتصر دور الدَّولة فيها - كما قال إيَّان مكي وهو خبير زراعي عمل في منطقة جبال النُّوبة في الأربعينيات من القرن المنصرم - على الآتي(24):
حفر الآبار وتوفير مدخلات الزِّراعة، والخدمات الصحيَّة، والتَّعليميَّة وغيرها.
توفير قروض ميسَّرة وقروض طويلة المدى لشراء الحبوب الزِّراعيَّة، والمعدات، والماشية.
على الفلاَّحين أن يديروا شؤونهم الخاصَّة، وأن ينتخبوا قياداتهم.
يكون دور السُّلطة تقديم النُّصح لضمان رفع معدَّل الإنتاج.
فإنَّنا نرى أنَّ هذا هو الخيار الاستراتيجي الذي ينبغي أن ندفع باتِّجاهه ونبلور امكاناتنا الزِّراعيَّة صوبه، لتجاوز الحال إلى المؤمل والواقع إلى الطَّموح.  إنَّ من أبجديات التنمية الاقتصاديَّة في أي مكان هو توفير التنمية الاجتماعيَّة لساكني الدِّيار؛ فإنشاء مشروع زراعي في منطقة ما ينبغي أن تصحبه مراكز صحيَّة وخدمات بيطريَّة ومدارس للصغار والكبار معاُ وطرق معبدة لتسهيل عملية النَّقل والتسويق للمحاصيل المنتجة، والاكتفاء الذَّاتي من الغلال المنتج لسد الفاقة.  كان هذا ما توقَّعه النُّوبة لدي تشييد مشاريع الزراعة الآلية في هبيلا وكرتالا وحول لقاوة، ولكن حدث العكس تماماً حيث تمَّ نهب خيرات المنطقة مما تخرجها الأرض من صمغ وقطن قصير التيلة وذرة وحبوب زيتيَّة وفواكه وثروة حيوانيَّة إلى خارج الإقليم؛ وكان هذا سر "القصر المشيد" في الخرطوم و"البئر المعطَّلة" في الجبال.  أفبعد هذا الحديث لا يؤمنون!
مهما يكن من أمر، فإنَّ العنصريَّة العربيَّة والاستعمار البريطاني-المصري (1898-1956م) قد وضعا منطقة جبال النُّوبة في مناطق مغلقة صعبت عليهم التحرُّك من حال البؤس الإجتماعي إلى حال يمكنهم من الاستفادة المتناسقة من إمكاناتهم الإنسانيَّة والاقتصاديَّة.  وعاش النُّوبة في هذا الوضع حتى ظهور مشاريع الزراعة الآليَّة، التي غالباً ما كانت ملكاً للجلاَّبة الوافدين وممولة من قبل البنك الدَّولي، حيث ألقت بهم - مع توسُّعها - إلى مهاوي الطَّرد والتهجير الواسع.  كانت منطقة جنوب كردفان في عهد نظام "مايو" محلاً لحركة التنمية الاقتصاديَّة الانتاجيَّة والخدميَّة والإداريَّة على ما فيها من تشوهات هي نتاج نضالات قوى ثورة 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1964م من القوى الوطنيَّة الدِّيمقراطيَّة والشيوعيَّة والجهويَّة من أجل حقوق القوميات والمناطق السُّودانيَّة المظلومة (المهمَّشة بلغة العصر).  هذا الظلم هو الذي دفع الأستاذ يوسف كوة مكي بعد تخرجه من جامعة الخرطوم وهو يشرح لطلابه في مدارس كردفان العليا أنَّ ضعضعة الأقوام والأجناس هي سمة من سمات نظم إمتلاك بعض الأفراد لوسائل الإنتاج وعمل المجتمعات، وأنَّ النظام المرتبط بهذه الأوضاع يقوم على القمع ولا يمكن إسقاطه إلاَّ بالحرب الشَّعبيَّة التي تستطيع أن تقتلع جذور الاستغلال وتجفِّف منابع الاستبداد.  بعد اشتداد الطغيان ووصول المقاومة المدنيَّة درجات عالية لم تجد معها في تغيير الأوضاع، كان منطقيِّاً أن تنشأ وتتطوَّر مقاومة ذات طابع عسكري وترتقي تدريجيَّاً إلى مصاف حركة تحرير شعبيَّة تطهِّر الأرض من أرجاس احتكار السُّلطة والثروة وامتلاك وسائل الإنتاج والاستغلال والتَّهميش المرتبط بها.  على أي، فقد أكَّد القائد يوسف كوة مكي أنَّ مشكل السُّودان لا يكمن في التخلُّف بل يكمن في عدم الثَّورة على الأوضاع التي تنتج هذا التخلُّف، وتتمثَّل في أطروحات القوي القديمة والأساليب التقليديَّة.(25)  
في واقع الأمر، إنَّ التنوع الثقافي والعرقي في السُّودان حقيقة لا تقبل الإنكار والمغالطة.  وأنَّ لامركزيَّة الحكم هي الصيغة المثلى لتحقيق الرباط المركزي مع إرضاء الطموح الإقليمي ومثل هذه الإقليميَّة ليست ضرورة سياسيَّة اقتضاها الوضع المميز لإقليم معين بل هي أيضاً ضرورة إداريَّة لحكم كل إقليم يحس أهله بأنَّهم يمثلون كماً هامشيَّاً في المجتمع، فالظلامات الإقليميَّة ستظل معنا تدفع القوى المتضررة منها لاستغلال كل ما تملك من وسائل ضغط سياسي في كل موقع تحتل حتى داخل المؤسسات ذات الحساسيَّة، بما في ذلك الجَّيش، ولن يفيد كثيراَ في حساب التحليل السياسي أن نسمي ذلك بمؤامرات العنصريين وإن أفاد مثل هذا الحديث في مجال الإثارة والتعبئة ضده.(26)  وقد انخرط بعض من هؤلاء الموصوفين بالعنصريين - جوراً - بالحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.  ومن ناحية ثانية، فهناك مفاهيم أساسيَّة تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أي مجتمع منظَّم.  وعلى رأس هذه المفاهيم أنَّه مقابل كل مسؤوليَّة يمارسها الحاكم هناك حق نظير ومعلوم للمحكوم.  فإذا أدَّى المواطن ما عليه من العمل والخراج(27) على الأرض والأتاوة وضرائب الماشية والحيوانات الأخرى التي يملكها يتوقَّع الخدمات العلاجيَّة والبيطريَّة والماء الصالح للشرب متاعاً له ولأنعامه، وإذا جاء زوجته المخاض يتوقع هرولة القابلة إليها، وإذا هبَّ للسفر توقَّع وجود وسائل النقل بأجرة معقولة والطرق المرصوفة، وكذلك يتوقَّع التَّعليم المجاني لأبنائه الذين هم وقود المستقبل.  وإذا لم يجد المواطن هذا أو ذاك كان هذا هو التدهور الاجتماعي الذي ظللنا نناجي أهل الحكم بترميمه دون أن نجد أذنأً صاغية.  كما أنَّ من الدول ما ذهبت أكثر من ذلك من أجل إسعاد مواطنيها في دول الرفاهة، وذلكم بتوفير الأمن الاجتماعي (Social security) للذين لا يجدون العمل، هذا ما كان يُعرف في السُّودان عشيَّة جلاء الاستعمار ببند العطالة (Job-seekers allowance).  والعدلة من الولاة يعرفون هذا، ويوفِّرون الأمن والعمران وضرورات العيش الكريم.  ومن بين هؤلاء أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز، الذي كان يذكِّر عماله دوماً بقوله: "إنَّ من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاَّ قليلاً".


خلاصة

لا مرية أنَّ الحرب الأهليَّة في جبال النُّوبة قد نشأت نتيجة لتراكم الظلم التأريخي في المجالات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة على النطاق المحلي والقومي، وسرعان ما أضاف أهل الحكم في الخرطوم العامل الدِّيني حتى باتت الحرب جهاديَّة كما سنرى في صفحات أخرى من هذا البحث، وهكذا اُستبيحت دماء الأبرياء تحت دعاوي محاربة المرتدِّين ومزاعم إعلاء راية الله.  كما لعبت سياسة مصادرة أراضي النُّوبة الزراعيَّة، والمشاكل التي كانت تنشأ بين المزارعين والعرب بسبب إطلاق الأخير للبهائم في مزارع النُّوبة بقصد إتلافها.  إذ أنَّ أي حل سلمي لمشكل الحرب في السُّودان عليه أن يعالج قضية الأرض.
فقد رزئت جبال النُّوبة بكوارث متلاحقة يأخذ بعضها برقاب بعض: رزئت بكارثة الاستعباد والرِّق ... والاستعباد همجية متوحشة، حرفتها مسخ آدمية الإنسان وإلغاء كرامته ... ورزئت بالحكومات التي أفسدت ولم تصلح، وخرَّبت ولم تعمِّر، وأذلَّت ولم تعز... ورزئت بالمجاعات المهلكة والأوبئة الماحقة ... ثم رزئت بالتهميش الاقتصادي الذي أجبر النُّوبة على ترك الحجر (في الجبال) والهجرة إلى البحر (في الجزيرة والخرطوم وبورتسودان) بحثاً عن سبل كسب العيش في السُّودان. وهكذا لم تكن عملية ترديد شعارات الاستهجان تغني وتسمن من جوع، لأنَّ أي شعار أو إعلان موقف لا يشكل بحد ذاته سياجاً لدرء الكارثة أو محوها أيَّاً كان نوعها. وبالتَّالي، نجد أنَّ النُّوبة بدأوا يتأمَّلون خيارين لا ثالث لهم في قول وليام شكسبير: "أَحُسن النبل أن نقاسي من سياط القدر الغاضب فنستكين؟ أم نحمل السِّلاح ضد بحر من المتاعب فنهزمها؟ هذه هي قضية الشعوب". فاختاروا حمل السلاح وغداً سوف ينتصرون ... أليس الصبح بقريب؟


هوامش وإحالات

(1) Charlesworth, M and Ingpen, R, Religious World, Melbourne, 1985.
(2) Kirwan, L P, A Contemporary Account of the Conversion of the Sudan to Christianity, Vol 20, Part II, 1937; Garcereri, S, The Nuba Mountains, in Toniolo, E and Hill, R (editors), The Opening of the Nile Basin, London, 1974; Vantini, G, Christianity in Sudan: The First Continuous Narrative of the Life of Christianity in the Sudan from the Beginning to the 20th Century, Bologna, 1981; and Mazzolari, C, The Church in Sudan: Journeying Towards Justice and Peace, Nairobi, 2003.
(3) الدكتور زكي البحيري، الحركة الديمقراطيَّة في السُّودان (1943-1985م)، القاهرة، 1996م.
(4) صحيفة "الخرطوم": 24/1/1994م.
(5) Ibrahim, A O M, The Dilemma of the British Rule in the Nuba Mountains (1898 - 1947), Khartoum University Press, 1985.
(6) يقول الدكتور أحمد العلي (جنوب السُّودان: حقيقة المشكلة ونشأتها، مجلة "السنة"، العدد 23، ذو الحجة 1412ه) إنَّ البعثة السُّودانية المتحدة قد شُكِّلت في العام 1904م، وقسَّم الجنوب إلى أقسام متعددة بين إرساليات مختلفة وأُنشأت مدارس وكنائس.
(7) Glesthorpe, A H, Introducing the Diocese of the Sudan, London, 1946.
(8) Nasr, A A, British Policy Towards Islam in the Nuba Mountains (1920-1940), Sudan Notes and Records, Vol 52, 1971.
(9) صُدر قانون يحظر عمل التبشير المسيحي في السُّودان في آيار (مايو) 1962م وتم تعديله في تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام، وذلك عقب اتهام حكومة الفريق إبراهيم عبود المبشِّرين المسيحيين الأجانب بالعمل على إذكاء نيران التمرد في جنوب السُّودان. فقامت السلطات بطردهم وتقييد عمل الكنائس، ووضع العراقيل أمام المسيحيين واضطهادهم في أحايين كثيرة.
Ahmed, H M M, Sudan: The Christian Design, London, 1989.
(10) Pickworth, M, It came to Pass, Maryborough, Australia, 1992.
(11) Spartalis, P J, To the Nile and Beyond: the Work of the Sudan United Mission, Netley, Australia, 1981.
(12) الدكتور منصور خالد، الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة، 1986م.
(13) يقول محدثي - عوض خميس ورن: "أنَّهم هُددوا وأُمروا بالتوقف عن الحملة الانتخابية في المجالس المحلية بمنطقة ريفي دلامي العام 1979-1980م، وذلك لأنَّهم وقفوا مع المرشح المسيحي - الأب جوناثان حمَّاد - ضد النُّور كبسور أبوصليب". لم ينصاع أنصار جوناثان لهذا التهديد والوعيد، وفي نهاية المطاف فاز النُّور كبسور أبوصليب، إذ نال 50% من الأصوات. وخلال العام 1988-1989م جنَّدت منظَّمة الدَّعوة الإسلاميَّة مجموعة من الشباب في كدبر، ومن ضمن الأعمال التي كانت تقوم بها هذه المجموعة الطواف حول كنيسة كدبر أثناء صلوات يوم الأحد مكبِّرين وهم يدقُّون "النَّوبة" (الطَّبل)، تمَّ توبيخ هذه المجموعة من قبل الآباء (المسيحيين والمسلمين) فتوقف هذا التهريج.
(14) صحيفة "الخرطوم": 10/3/1994م.
(15) Kayanga, S E and Wheeler, A C, “But God is not Defeated”: Celebrating the Centenary of the Episcopal Church of the Sudan (1899-1999), Nairobi, 1999.
(16) Stevenson, R C, Some Aspects of the Spread of Islam in the Nuba Mountains, Sudan Notes and Records, Vol 44, 1963.
(17) Ewald, J J, Soldiers, Traders and Slaves: State Formation and Economic Transformation in Greater Nile Valley (1700-1885), London, 1990.
(18) الدكتور عبدالعزيز أمين عبدالمجيد، التربية في السُّودان، الجزء الأول، القاهرة، 1949م. سواكن أصلها شواخن. وهي تتكوَّن من شوا. خن. أما شوا فهو اسم لمقاطعة في الحبشة. وأما خن فكلمة فرعونيَّة معناها مخزن. ولما كان سكان تلك المنطقة ينطقون الخاء كافاً صارت الكلمة شواكن، ثم حُرِّفت إلى سواكن، أي مخزن أو مرفأ شوا.
(19) أنظر سراج الدين عبدالغفار عمر: تأريخ الصراع في جبال النُّوبا: الفترة 1984-1996م، الخرطوم، 1996م؛ صحيفة "الصحافة": 7/11/2003م، العدد 3757.
(20) مجلة "اليمامة": 17/10/1990م - العدد 1126.
(21) تأسست "الكتلة السوداء" بقيادة الدكتور محمد آدم أدهم العام 1938م، وقد وجدت الكتلة معارضة شديدة من "الأحرار السود" في مدينة ودمدني لتنسيق الكتلة مع حزب الأمة في بعض الدوائر في انتخابات الجمعية التشريعية. ويقول يحي محمد عبدالوهاب في كتابه شخصيات من السُّودان: أسرار وراء الرِّجال، الصادر في الخرطوم في تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1952م، إنَّ أدهم أسس الكتلة السوداء ثم أصبح سكرتيرها ... وحوَّلها بعد ذلك إلى ما سمي بحزب الشَّعب الجمهوري الإشتراكي، ثمَّ أصبح سكرتيره وانتخب بمساعدة حزب الأمة والأنصار عضواً في الجمعية التَّشريعيَّة وأصدر صحيفة شهريَّة تسمى أفريقيا، ما لبثت أن اختفت. أنظر الدكتورة يوشيكو كوريتا (ترجمة مجدي النَّعيم)، علي عبداللطيف وثورة 1924م: بحث في مصادر الثَّورة السُّودانيَّة، مركز الدراسات السُّودانيَّة، القاهرة، 1997م.
Sikainga, A A, Slaves into Workers:  Emancipation and Labour in Colonial Sudan, University of Texas Press, Austin, 1996.
(22) طلحة جبريل، على الدرب مع الطيب صالح، القاهرة، 1997م.
(23) الدكتور حيدر إبراهيم علي، المجتمع المدني والتحوُّل الدِّيمقراطي في السُّودان، القاهرة، 1996م.
Segal, R, Islam’s Black Slaves: A History of Africa’s other Black Diaspora, London, 2002.
في المادة السَّابعة من قانون الأراضي الموريتاني استطاعت السُّلطات الحاكمة وهي من البيضان أن تسن تشريعات بها تحرِّم الأفارقة من الحقوق العرفيَّة في امتلاك الأرض.  ففي المادة التَّاسعة يتم تعريف الأرض الميَّتة بأنَّها أرض الدولة وهي الأرض التي لم يتم إصلاحها أو تمَّ إصلاحها من قبل لكن لم يُترك أثر على ذلك، كالأرض البور.  ففي إقليم ترارزا في موريتانيا نجد أنَّ الأرض يمتلكها 56 شخص، وتتراوح مساحة الأرض المملوكة لكل فرد بين 100-600 هيكتاراً، ومن هذا العدد نجد أنَّ خمسة منهم من المغاربة وواحد فقط من الأفارقة، والبقية من البيضان.  إنَّ الجور في توزيع الأراضي في موريتانيا بين البيضان والأفارقة (السود) شبيه بما يحدث في السُّودان؛ ولعلَّ هذه القسمة الضيزي تذكِّرنا بالإحصاء الأخير الذي قام به أبناء إقليم الفونج لمالكي المشاريع الزراعيَّة في جنوب النيل الأزرق، فوجدوا أنَّ جميع ملاك الأراضي الزراعيَّة الخصبة من خارج الإقليم، أي من شمال ووسط السُّودان (الخرطوم والجزيرة)، ما عدا شخص واحد منهم وهو من بحر الغزال في جنوب السُّودان.  وقد علمنا أنَّ أحد الأمراء السَّعوديين كان يمتلك مشروع زراعي في المنطقة، وكذلك أسامة بن لادن.
(24) من محاضرة ألقاها إيان مكي في كلية الدراسات الشرقيَّة والأفريقيَّة بجامعة لندن في مؤتمر قامت به منظَّمة "تضامن أبناء النُّوبة بالخارج" في 20 نيسان (أبريل) 1996م.
(25) من خطاب المنصور جعفر في لندن، المملكة المتحدة، في يوم 12 آيار (مايو) 2001م احتفاءاً بوفاة القائد يوسف كوة مكي، بعد مرور 40 يوماً من وفاته.
(26) الدكتور منصور خالد، لا خير فينا إن لم نقلها، قسم التأليف والنَّشر، جامعة الخرطوم، من مقالات نُشرِت في صحيفتي "الصحافة" و"الأيام" في الفترة بين 1978-1980م.
(27) ما تخرجه الأرض من غلة، كما تعني الأتاوة على أموال النَّاس.





عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
د. عمر مصطفى شركيان

تعود أزمات السُّودان الحاليَّة إلى حقب سحيقة، وقد ساهم في هذه المحن النسيج الاجتماعي الذي يتكوَّن منه هذا الشَّعب الفسيفسائي حتَّى بات يشكِّل الموروث السياسي بكل تناقضاته.  فمن ذا الذي يتعمَّق في تأريخ السُّودان يجد أنَّه هاجر إليه أجناس من كل حدبٍ ينسلون، واحترفوا المهن والحرف المتعدِّدة حسبما تقتضيه الظروف الطبيعيَّة من مناخ، وماء وكلأ وصحراء وهلم جراً.  وكما حدثت هجرة من الخارج إلى الداخل، حدث نزوح داخلي أيضاً.  إذ أنَّ حركة التَّنقُّل الداخلي تنشأ من جراء العدوان الخارجي، ومن ثمَّ لا يجد الأهلون وسيلة غير النزوح الداخلي إلى أماكن آمنة، وهذا ما حدث للنُّوبة بعد العدوان على ممالكهم في السُّودان النيلي والوسطي.  بيد أنَّ بعض المؤرِّخين يشيرون إلى حركة نزوح معاكس في فترة ما.  
وقبيل غزو إسماعيل محمد علي باشا السُّودان في العام 1820م لم يكن هناك احتكاك بين النُّوبة والعالم الخارجي بعد أن تمترسوا في جبالهم واتَّخذوا منها بييوتاً وسكناً.  بيد أنَّ ثمة عراك مع القوميات المختلفة المجاورة كانت تنشأ من حين إلى آخر.  لكن، وفي الحق، لم تأخذ هذه النزاعات - قبل مجئ العدوان الخارجي الأثيم أو دخول الأديان السماوية الوافدة - منحى دينيَّاً يستدعي تكفير وتهجير الآخر فيما شجر بينهم. وهذا يعود إلى وحدة الاعتقاد الدِّيني والعرقي في المجتمعات الأفريقيَّة.  وقد احتار الغرب في طبيعة الحروب الأفريقية لما فيها - في أغلب الأحيان - من رأفة وإنسانيَّة.  وعلى الرَّغم من وصفها بالحروب القبليَّة في محاولة من البعض لصبغها بالوحشيَّة، إلاَّ أنَّ الهدف من هذه الحروب هو التغلُّب على، أو تخويف العدو، وتجنُّب قتله بقدر الإمكان.  وما ارتداء القناع وإطلاق الصراخ الداوي عندما يحمو الوطيس إلا وسيلة من وسائل ارهاب العدو ليفر بعيداً عن أرض المعركة، وبذلك يتحاشى الموت.  وفي بعض الأحايين، وحين ينهزم العدو كلياً ويمسى محصوراً، يقوم المنتصر بغض البصر وفتح ممرات آمنة، حتى يهرب العدو.  وفي أحايين أخر يركن الطرفان إلى فترة الاستجمام، حيث يأكلون الطعام، ويتسامرون، ويتبادلون النكات وهم يتفكَّهون ويتندَّرون، حتى تُقرع طبول الحرب مرة أخرى وهم بعدئذٍ يستأنفون القتال.  وفي السُّودان حدث ذلك القتال على النَّهج الأفريقي عندما إلتقى جيشي سلطان الفونج ومك (ملك) تقلي، حيث كان يستعر القتال بينهما نهاراً، وفي المساء يخلد كل فريق إلى هدنة ريثما يقبل الصباح.  غير أنَّ مك تقلي كان يرسل موائد العشاء حافلة إلى الجيش الغازي كل ليلة، لأنَّهم ضيوفه، ما داموا مقيمين داخل أرضه، وإن أبدوا العداوة والبغضاء.  ولما علم سلطان الفونج بحقيقة الأمر، انسحب من ميدان القتال، منهياً الحرب من جانب واحد، أسفاً على ما كان، وخجلاً من مقاتلة قوم على هذا الحظ العظيم من النبل؛ يصدون العدو الغازي في النَّهار، ويكرمون وفادته في اللَّيل، مثل الصندل الذي يعطر الفأس كلَّما أمعنت في تمزيقه وتهشيمه.  وقد تبنَّت الحركة الشّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان هذه الموروث الأفريقي الأصيل إضافة إلى العمل بقوانين جنيف للتعامل مع الأسرى، لذلك تحتفظ الحركة بأسرى حرب طيلة عمر نضالها الطويل.  على العكس تماماً نجد حكومات السُّودان تقوم على تعذيب وإعدام أسرى الحركة، فضلاً عن كل من يشتبه فيه أنَّه يتعاطف مع الحركة (الطابور الخامس).
هذه هي تقاليد أفريقيا في الحروب.  إذن، كيف تبدَّلت الحال وأخذت الحروب تأخذ طابعاً دموياً تقشعر منه الأبدان ويشيب عنه الولدان؟  هذا التحوُّل الجذري(Radical change) تمَّ بعد الغزو الآسيوي والأوربي إلى أفريقيا باسم الدِّين - أيَّاً ما كان - تارة وباسم الحضارة تارة أخرى. وقد نجمت، عن هذه الحروب الحديثة، إبادة جماعية وقتل للأطفال والنساء والسبي والاغتصاب والنزوح الجماعي بحثاُ عن مأمن ومسكن.  وقد شهدنا ذلك إبَّان الغزو التركي-المصري للسُّودان.  بيد أنَّ أكبر إفراز نتج عن هذه الحملات التركيَّة-المصريَّة هو تجارة الرِّق، وتفيض كتب التأريخ بحكايات مروعة عن هذه التجارة النحسة.
وقد تجلَّت هذه الفظائع بشئ من المبالغة في جبال النُّوبة، وقد استبسل أبناء النُّوبة من أجل حقوقهم الإنسانية أيما استبسال.  باستعراض موجز لتأريخ جبال النُّوبة، كغيرها من الأقاليم المهمَّشة في السُّودان، نجد أنَّه زاخرٌ بالشخوص والوقائع ذات الطابع الأُممي في المقام الأول والوطني في المقام الثاني، ذلك لأنَّ الأُمة التي لا ماضي لها هي أُمَّة بلا جذور ولا إنتماء ولا تطلُّعات نابهة نحو المستقبل. إنَّ غرام النُّوبة بالذود عن أرضهم، والإبقاء علي مكتسباتهم الحضاريَّة، والحفاظ علي هويَّتهم وصيرورتها يعود في الأصل إلي جذور أحفادهم الذين كانوا للوطن مخلصين وعن العرض ذائدين.
وفي هذا الصدد تقول الباحثة اليابانية في تأريخ السُّودان الحديث - الدكتورة يوشيكو كوريتا: "إنَّ النُّوبة كانوا يوقعون عقوبة الجَّلد على كل من يقسم بالمهدي". هذا دليلٌ على رفضهم للسياسة الجديدة التي طالما حاول المهدويُّون فرضها عليهم قسراً. وقد إعترف المهدي "بجمهوريَّة النُّوبة العسكريَّة" كواقع محتوم إلى أن  أُرسِل - في وقتٍ لاحقٍ - حمدان أبوعنجة لإخضاعهم بقوة السِّلاح، حيث إشتهرت حملات أبي عنجة بتخريب الدِّيار والإمعان في الدَّمار: إتلاف الزرع والضرع، وتقتيل النُّوبة وتذويقهم ألواناً من العذاب، واقتيادهم كأسرى حرب. تلك هي سياسة الدولة المهديَّة، التي لجأ مؤسسها - الأمام محمد أحمد المهدي - في المبتدأ إلي جبل قدير بجبال النُّوبة لإستمالة قلوب النُّوبة وحثِّهم على الانخراط في جيشه لمحاربة الحكومة التركيَّة-المصريَّة (1821- 1885م)، وإيصاله هو الآخر إلى حياض السلطة في الوقت الذي كان فيه سكان الحضر والشمال البحري - حتى تلك اللَّحظة - في شكٍ مريبٍ من إمكانيَّة نجاح المهدي في تسديد ضربة قاضية للسُّلطة يومئذٍ.
فقد انبنت سياسات أنظمة الحكم في السُّودان - كائناً ما كان - في التعامل مع النُّوبة على أساس أنهم عبيد، حيث لا ينفع معهم غير أسلوب القهر والقسوة. فنجد أنَّ العوامل التي دفعت إلى إيقاد ثورات الجِّهاديَّة - كسلا إبَّان حكم التركيَّة في آذار(مارس) 1865م، الأبيِّض 1885م والنُّهود في يوم 20 تموز (يوليو) 1891م - ترجع إلى الشُّعور السَّائد بين هؤلاء الجُّنود السوُّدانيين السُّود بأنَّ العرب ينظرون إليهم بنظرة احتقار، وإنَّ العصيان، الذي غالباً ما أخذ أشكالاً مختلفة، ما هو إلا وسيلة من وسائل "البحث عن حريَّتهم الإجتماعيَّة والتَّخلُّص من هذه النَّظرة ذات الصِّبغة العنصريَّة واللَّونيَّة. إذ أنَّ النَّظرة إليهم كعبيد ما زالت سائدة."  كان معظم هؤلاء الجهاديُّون من الرَّقيق المحررَّين أو ذوي جذور تعود إلي زمان الرِّق، فلم تشفع عنهم أسماؤهم العربيَّة، أو أسماء زعمائهم مثل بشير علي وسرور النُّور وعلي يوسف، من إضطِّهاد رفاقهم في السِّلاح.  أمَّا ثورة الجِّهاديَّة التي إشتعلت في الأبيض فقد احتمى زعماؤها بجبال النِّيمانج حيث وقعت معركة داميَّة قتل فيها محمود عبدالقادر قائد جيوش المهديَّة في 20 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1885م.  أمَّا الإحتراب الذي وقع في النُّهود بين قوات المهديَّة تحت إمرة محمود ود أحمد والثُوَّار الجِّهادويين تحت قيادة جهادوي يدعى عطرون ورتبته رأس ماية لم تقل ضراوة وشراسة عن أحداث الأبيِّض.  وقد رُوِي أنَّ كان أكثر الفرق حماسة في قتال النُّهود فرقتي البرنجيَّة والملازميَّة.
يسرد بعض مؤرِّخي السُّودان الوقائع التَّاريخيَّة في هذا البلد على هوى النَّفس، ودون الاختيار الأمثل للمفردات، وذلك لحاجة في نفس يعقوب؛ وعندما ذكر الأستاذ المؤرِّخ عوض عبدالهادي العطا بأنَّه كان لدي حمدان أبي عنجة مفهومه "عن سكان الجِّبال بأنَّهم ذوي مفاسد ونفاق ينبغي مراقبتهم بدقَّة وخاصة عند اختلاط العربان بهم" لم يراع ما تحمله كلماته هذه من الهجاء المقذع. إنَّ هذا المفهوم المتَّسم بشئ من الكبرياء هو الذي أوغر صدر أبي عنجة ضد النُّوبة فقاتلهم، وفضَّل استرقاقهم على حريَّتهم، وهلك حرثهم ونسلهم: وإنَّ ثمة دماً يسيل أينما ولَّى أبوعنجة وجهه. إنَّ إطلاق الألفاظ النَّابية على القوم، سواء جاء ذلك من الأستاذ الكاتب أو من توهُّم أبي عنجة المحارب، دون الإشارة إلي هذه المفاسد أو أوجه النِّفاق يعطي الإنطباع بأنَّ القوم جربي والإبتعاد عنهم وعدم الإختلاط بهم وقاية علاجيَّة.  وقد قسَّم عوضنا هذا المعارضة الجَّبليَّة وقتذاك إلي ثلاثة: معارضين من غير النُّوبة وهم الجِّهاديَّة وهم ذوو بأسٍ ومراسٍ شديد ولهم كفاءة عسكريَّة عاليَّة؛ النُّوبة وقد سبق الإشارة إليهم؛ ثمَّ المجموعات العربيَّة المتغلغلة في أوساط النُّوبة.
إنَّ الأسلوب القهري العسفي في الحكم وطريقة تطبيقه على الأهالي دون مراعاة لأحوالهم الإقتصاديَّة وعاداتهم وتقاليدهم  قد دفع النُّوبة إلى الإستدراك بأنَّ جميع سلاطين الخرطوم - الأتراك منهم أوخلفاء أم درمان المهدويين - من طينة سياسيَّة واحدة؛ والأمر، في الأساس، لايعدو أن يكون تغيير في السَّادة.  فلا غرابة من ظهور حركات - حركة مزيل الضَّلال أو المحن - أو إشاعات تنادي بإزالة الفساد ورفع الظُّلم عن النَّاس.  تلك هي حالة الجِّبال في عهد المهديَّة.
الإنسان، بالطبع، مدني ولا بد له أن يعيش مع الآخرين ويتعاطى معهم شؤون الحياة اليوميَّة حتى تتحقَّق مصالحه وتنتظم أموره. وكنتيجة حتمية لذلك كذلك يظهر الخلاف والنزاع بين أفراد المجتمع، مما يستتبع بالضرورة قيام السُّلطة للفصل بين المتنازعين والحكم بين المختصمين بالقسط.  إذن، فالسُّلطة السياسيَّة ضرورة أملتها ظروف المعاش والميعاد، بل لا بد منها من أجل قيام المجتمع البشري واستمراره، ومن أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي والنمو العمراني والتطوُّر الحضاري.  فالناس لا بد لهم من سلطة تعرِّفهم بمصالحهم الدنيويَّة وتكبح جماحهم الديني وذلك للحد من الغلو.  لكن السؤال الذي يتردد دائماً إلى الأدمغة هو كيف يمكن أن يتعايش أناس ذوي اعتقادات روحيَّة متباينة وأهداف سياسيَّة مختلفة مع بعضهم البعض وفي سلام ووئام؟  وإذا أخذنا منطقة جبال النُّوبة نموذجاً نرى أنَّ تأريخ الصراع الدموي فيها مرَّ بمراحل مختلفة تشتد وتضعف حسب أسباب الصراع وأسلوب السُّلطة المركزيَّة في الخرطوم في التعامل مع المشكل.  فقد فشل الأتراك في التوغُّل إلى جبال النُّوبة وإخضاع مملكة تقلي، على الرغم من نجاحهم في الحصول على أعداد ضخمة من العبيد النُّوبة وذلك باستعانتهم بالتجار السُّودانيين الشماليين الذين كانوا يقومون بأعباء "الغزوات" وبيع المعروضات في أسواق الأبيض، حتى كوَّنوا نفوذ سياسي لا يستهان به في المدينة وبدأوا يعزلون الولاة وينصبونهم كيفما يحلوا لهم.
أما في الحقبة البريطانية-المصريَّة (1898-1956م) فقد حاول الاستعمار فرض السُّلطة بالقوة في جميع أرجاء القطر. ونتيجة لهذه السياسة استمرَّت المواجهات الفرديَّة والقبليَّة بين النُّوبة والسلطة البريطانيَّة-المصريَّة في المنطقة آخذة في الإزدياد.  وما ظهور الشريف محمد الأمين في تقلي في العام 1903م والتأييد الشعبي الذي حُظِيت به حركته إلاَّ واحداً من عدة إنتفاضات مسلَّحة بالجبال.  لقد وجد الأمين دعماً من أهالي المنطقة والقرى المجاورة مما حدا به إلى إعتقال القاضي بمساعدة مك تقلي - آدم جيلى. إنَّ إلقاء القبض على الأمين وشنقه في ميدانٍ عام بالأبيِّض لم يطفئ نار الثَّورة التي باتت مؤجَّجة في الجبال. يقول البروفسير مارتن دالي مستطرداً: "في العام 1904م تمَّ إرسال دوريَّة عسكريَّة لتركيع النُّوبة بجبل شات وجبل الدَّاير لامتناعهم أن يعطوا الجِّزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك لمنعهم من القيام باعتداءات على القبائل المجاورة".  أمَّا الدَّوريَّة التي قادها حاكم كردفان شخصيَّاً إلى جبل مندل فقد مُنِيت بهزيمة ساحقة، ونصر معنوي للنُّوبة. ونجد كذلك أنَّ الحملة التي أُرسِلت لإلقاء القبض على مك كِترا فضَّلت الإنسحاب وسط شائعات تُنذِر بتحالف وشيك بين قبيلتين "نوباويَّتين" أو أكثر ضد الحكومة.
أمَّا حادث تلودي في 25 أيار (مايو) 1906م فكانت في أصلها - مهما خُفِيت دوافعها الفعليَّة - مؤامرة من قبل العرب المستوطنين في المنطقة، الذين ثاروا ضد السلطات المحليَّة عندما منعتهم الأخيرة عن مزاولة الإتجار بالرقيق من أبناء النُّوبة واستعبادهم.  ففي هذه الأحداث طعن الشيخ عطيَّة صقر مأمور تلودي من خلاف حتى الموت، وكذلك لقي عددٌ من موظفي الحكومة حتفهم في هذه الوليمة القاتلة التي دُعِي إليها أعيان المدينة أُسوةً بالمأدُبة التي أقامها المك نمر - مك الجعليين - لإسماعيل باشا وإغتياله حرقاً في شندي في تشرين الأول (أكتوبر) 1822م. قامت الحكومة بحملتها العسكريَّة ضد العرب في مدينة تلودي يومي 17 - 18 حزيران (يونيو) 1906م وتمَّ تشريدهم من المنطقة.   
مهما يكن من أمر، فقد ظهرت ثورات شتى في جبال النُّوبة للتعبير عن رفض أهالي النُّوبة السيطرة والقيود الاستعماريَّة ودفع الضرائب الخاصة التي كانت تُفرض على قبائل النُّوبة (ضريبة الدقنيَّة - Poll Tax)؛ تلك الضريبة التي كان يدفعها الشخص عن نفسه اعتبرها النُّوبة مذلِّة ومهينة لكرامة الإنسان النوباوي.  ومن جانب آخر، كانت الذاكرة الشعبيَّة تختزن من المواقف السلبيَّة والتجارب المريرة ذات الصلة بتجارة الرق كثير إبَّان الحكم التركي-المصري؛ الشئ الذي غرس الشك - لأنَّ الشك مصدر اليقين لا غير - في نفوس النُّوبة وعزَّز المقاومة الشَّعبيَّة لأي شكل من أشكال التسلُّط الأجنبي.  فكانت هناك أكثر من أثنتين وعشرين ثورة مسلحة ضد الوجود البريطاني-المصري في المنطقة من أجل تحرير الإرادة الوطنيَّة من الاستغلال الأجنبي، وقد صمت عنها - بضمير مستريح - سجل التأريخ الوطني في السُّودان وتقاعس أي تقاعس.  ومن أبرز هذه الثَّورات حركة الفكي على الميراوي ضد سلطات الحكم الثنائي في العام 1915م، الذي استخدم أسلوب الكر والفر في منازلة السُّلطات، حتى تم تسليم نفسه بعد اتفاق تمَّ بينه وبين النظام.  ثار الفكي علي ود ود المي المعروف بالفكي علي الميراوي - نسبة إلي قبيلة ميري - على النظام في العام 1915م، وقد عاونه في ذلك الشيخ محمد الفقير الجابوري - ناظر المسيرية أولاد سالم - الذي كان يلعب دور تاجر البندقيَّة، حيث استطاع الفكي علي أن يشتري منه بعض الأسلحة الناريَّة. وقف المسيريَّة الزُرُق في صف النُّوبة، وعندما علم العرب - حلفاء الحكومة في أيَّة عمليَّة عسكريَّة ضد النُّوبة - أنَّ المسيريَّة في خندقٍ واحدٍ مع الفكي علي رفضوا التَّعاون مع السلطة هذه المرَّة لئلا تتعرَّض حياة إخوانهم المسيريَّة للخطر. قرَّر الفكي علي السَّفر إلي الخرطوم لوضع مشكلته أمام الحاكم العام، لكن أُعتُرِض سبيله، وقُبِض عليه في كردفان، وتمَّ إرجاعه إلي مدينة تلودي - عاصمة الجبال وقتذاك - وحُكِم عليه بالإعدام. فعلى الرغم من الحراسة المشدَّدة عليه بينما هو في الطَّريق إلى مدينة كادقلي لتنفيذ حكم الإعدام فيها، استطاع الفكي علي أن يهرب في ليلةٍ ليلاء في شهر آب (أغسطس) 1915م.  وبمساعدة شابو الإعرابي تمكَّن في العودة إلى جبال ميري وواصل النِّضال.
ومهما يكن من أمر الفكي علي، فقد لعبت الظروف المحليَّة والعالميَّة دوراً فعَّالاً في صالحه. كما ساهمت جغرافية وتأريخ جبال النُّوبة في انجاح ثورته.  نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر - طبيعة الجبال الصَّعبة بما فيها من الأمطار الغزيرة والبعوض، وانشغال الحكومة بالتجهيز لمحاربة السلطان علي دينار - سلطان الفور - الذي أعلن ثورته هو الآخر، واستمرار الحرب العالميَّة الأولى (1914- 1918م). فشلت محاولة محافظ الجبال الأولى عندما بعث الشيخ محمد شعيب - أحد تجار تلودي - كوسيطٍ بينه وبين الفكي علي لحل النِّزاع سلميَّاً. وتحت اصرار المحافظ على منح الفكي علي أحد الخيارين لا ثالث لهما وصلت المفاوضات إلي طريقٍ مسدودٍ.  كان يرى المحافظ أنَّ الفكي علي عليه فقط اختيار الكيفيَّة التي سوف يتمُّ بها إعدامه: شنقاً أم رمياً بالرصاص؟ حيث كان يعتقد العرب والنُّوبة حينئذٍ أنَّ القتل شنقاً وصمة عار في جبين المقتول.  ففي تشرين الأول (أكتوبر) 1915م تدخَّل الحاكم العام، وطلب من محافظ الجبال تقديم تنازلات يقوم الفكي علي بموجبها تسليم نفسه. وبالفعل نجحت وساطة الشيخ شعيب هذه الكرَّة وسلَّم الفكي علي نفسه وأُرسِل إلى الخرطوم حيث تمَّ الحكم عليه بالإعدام بواسطة محكمة مدنيَّة، لكن عُدِّل الحكم بواسطة الحاكم العام إلى السجن المؤبَّد مع المعاملة الخاصة.  عندما عاد الفكي علي إلي مدينة كادقلي في العام 1926م تقريباً أُعتُبِر شخصاً خطيراً على الأمن وصدرت تعليمات بنقله إلى مدينة الدَّلنج، التي عاش فيها كمعتقل سياسي حتَّى وافته المنيَّة في العام 1936م، بعد21 عاماً من معارضة النِّظام وعن عمرٍ ناهز السبعين سنة.
كذلك قامت في جبال النُّوبة ثورة لم تقل ضراوة وعنفاً من حركة الفكي علي الميراوي. ذلكم هو عصيان السلطان عجبنا بن أروجا بن سبأ، السلطان الثالث عشر لمنطقة الأما "النيمانج"، بالقرب من مدينة الدَّلنج، والتي تبعد 98 ميلاً جنوبي مدينة الأبيِّض.  ومثلما أطلقت مهيرة بنت عبود في منطقة الجعليين في شمال السُّودان زغرودة مجلجلة ألهبت بها حماس الرِّجال واستثارت في نفوسهم الحمية والإقدام للقتال والتصدِّي للغزو التركي-المصري الغاشم، ناضلت ونافحت مندي ابنة السلطان عجبنا أي النضال، وتركت بصمات واضحة في حياة النَّاس في جبال النُّوبة، وقد تم تخليد ذكرها بمارش عسكري ما زال تعزفه فرقة سلاح الموسيقى بالجيش السُّوداني.  أما والده، السلطان عجبنا، فقد أبلى بلاء حسناً والعدو في أمره احتار.  إذ انتهت أحداث الدَّورية رقم 32 باعتقال السُّلطان عجبنا وكلكون في 28 شباط (فبراير) 1918م وإعدامهما.  وقد قال عنه محمود دليل أنَّه "جاهد المستعمرين جهاداً كبيراً، ووجدوا فيه غلظة حتَّى أنَّهم استأسدوا عليه بقوات من سواري شندي وبعض الوحدات المتمركزة في الخرطوم والخرطوم بحري وخور شمبات، وأُسِر وجئ به لإعدامه شنقاً في ساحة بالسوق.  وبينما كان السُّلطان عجبنا يساق إلى الموت والنَّاس ينظرون قال لهم قولته الشَّهيرة: "أي واحد ما شاف السُّلطان عجبنا يجي يشوفه اللَّيلة ويشوف الرجال تموت كيف!"  ووصفه  الدكتور حامد البشير إبراهيم أنَّه كان "قائداً نوبيَّاً جسوراً، فعندما حكم عليه بالإعدام في العام 1919م سأله الحاكم العسكري ماهي آخر أمنية لك قبل الموت؟  فردَّ قائلاًً: لماذا تقتلني بحبل ككلب مسعور.  أنا رجل ولذلك يجب أن تقتلني بالرصاص."  رحم اللَّه السُّلطان عجبنا وصحبه من أجلنا ارتادوا المنون.  إمعاناً في سياسة "فرق تسد"، فقد استغلَّت سلطات الحكم الثنائي العرب الحوازمة وسمَّوهم "الأصدقاء أو النبلاء" في حملتها على السُّلطان عجبنا ومساعده - الكجور كلكون.  واقتصر دور الحوازمة على اعتراض سبيل النُّوبة، ومنعهم من الهروب من الحصار المطبق عليهم، واعتقالهم بقوة السِّلاح.  إلاَّ أنَّ الحوازمة أظهروا قساوة لم يسبق لها مثيل.  فلم يراعوا عامل الجنس أو العمر، ولم يوقِّر بعضهم بعضاً وخاصة عندما يصبح الأمر متعلِّقاً بالغنائم؛ كانوا غلاظاً فظاظاً.  وقد رُوِي أنَّ أحداً بقر بطن أخيه وأرداه قتيلاً في شجار على جلد ماعز اُستخرج من كهف هجره النُّوبة.
تعتبر حركة السلطان عجبنا أخطر حركة مسلَّحة واجهت الحكومة البريطانيَّة في الجبال. حيث أنَّ القوة العسكريَّة والإمداد الحربي اللذان أُعُدا لغزو المنطقة تعكس جسارة الرَّجل وتماسك أتباعه، مما اضطرَّت السلطات إلى تجنُّب المواجهة المباشرة والإذعان إلى سياسة الحصار. أوفدت الحكومة قوة ضاربة قوامها ثلاث سريَّات بقيادة الرائد فانديلو والرائد جراهام والرائد ورثنجتون ويلمير إلى جبال النيمانج.  إنتهى نضال السلطان عجبنا باعتقاله وكذلك كَلَوكَون - أحد أقطاب المقاومة - في يوم 27 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1917م بواسطة العرب الحوازمة الموالين للحكومة الاستعمارية وقتذاك وسدنة كل نظامٍ حاكم بعد الاستقلال.  بإعدام الزعيمين، استسلم الكثير من أهالي النيمانج كنتيجة حتمية بعد قتل قادتهم، واختار البعض الآخر الموت عطشاً - بعدما منعتهم الحكومة من ايراد الماء - لتحاشي إهانة الاستسلام.
دفاعاً عن موروثهم التقليدي، نجد أنَّ سكان قبيلة جُلُد تمادوا في توقيع العقوبة البدنيَّة على أُناسٍ يسمُّونهم "منزِّلي المطر" (Rainmakers)، أو الذين يؤمنون بأنَّ لديهم المقدرة على إنزال الغيث. وعندما منعتهم السلطات البريطانيَّة عن ممارسة هذه العادة، التي اُعتبرت جريمة بفعل القانون الجنائي، ثارت ثائرة القوم ووقفوا وقفة رجل واحد ضد هذا التدخُّل، الذي أعتبروه سافراً في شؤونهم الاجتماعيَّة والثقافيَّة.  فأوَّل ما قاموا به هو اغتيال مك القبيلة، الذي صنَّفوه عميلاً سلطوياً من قبل النظام، ومن ثَمَّ شمَّروا سواعدهم لمنازلة الحكومة.  وفي تضامن منقطع النَّظير، برزت قبيلة تِيمِين كساعد أيمن لمؤازرة مواطني جُلُد.  لكن جبروت الحكومة وتفوقها في السلاح والعتاد أوقع هزيمة ساحقة بساكني المنطقتين، وذلك في يوم 7 آذار (مارس) 1926م.  كذلك نجد أنَّ النِّزاع الذي نشب في جبال تُلُشِي في العام 1939م، بعدما سبقته تحرُّشات متقطِّعة بين مواطني تُلُشِي والحكومة، كان ينذر بحدوث صدام وشيك بين الفريقين.  لم تغب تحرُّكات الحكومة العدوانيَّة على أحد بتُلُشِي، وفي يوم 16 كانون الثَّاني (يناير) 1945م سجَّل التأريخ تدمير آخر منزل بجبال تُلُشِي.
هكذا استمر العصيان والغليان في ظل الاستعمار البريطاني-المصري، فلم تهدأ الأحوال فيها حتى في نهاية الحرب العالميَّة الثَّانيَّة، أي العام 1945م.  ومن ثَمَّ فضَّل الحكام الاستعماريون "الحكم اللامركزي" (Indirect rule) في الجِّبال لأنَّ ذلك من أقلَّ أنواع الحكم إنفاقاً على المنطقة، لكنَّهم سرعان ما تبنوا سياسة غير تلك.  فماذا فعلوا؟  لقد اقدمت السلطات الاستعماريَّة على:
إلغاء مديريَّة جبال النُّوبة تنكيلاً بالنُّوبة بسبب الانتفاضات العديدة التي أشعلوها ناراً ضد السلطات يومئذ، وضم مناطق جبال النُّوبة إلى مديريَّة كردفان.  فهذه واحدة من المشاكل التأريخيَّة التي شكلت لدي الطبقة المثقفة من أبناء النُّوبة في الستينيات مطلباً سياسيَّاً.
افتقار المنطقة إلى التنمية والطرق والتعليم والصحة، وكل هذه الأسباب خلقت نوعاً من التخلف الاجتماعي مقارنة مع بعض المناطق الأخرى.
عدم وجود فرص كافية لأبناء جبال النُّوبة في المؤسسات الدستوريَّة.  
كان هذا هو الحال في جبال النُّوبة أيام الاستعمار البريطاني-المصري من جانب الأمن والسلطة العسكرية دون احصاء أو استقصاء الجوانب الاقتصادية والتعليميَّة، لأنَّ هذه الأخيرة لم تنل مجهوداً كبيراً ولم يخطر لهم على بال أمر إيلاء هذه المسائل إهتمام إلاَّ في حالات ضعيفة مما تخدم أغراضهم الاستعماريَّة في بسط الأمن والإدارة وجباية الضرائب.
ومهما كان من شأن هذا كله، فقد استطاع الاستعمار البريطاني-المصري فرض "العقد الاجتماعي" بقوة السِّلاح الناري والحنكة السياسيَّة.  وقد تمثَّل هذا "العقد الاجتماعي" - كما عرَّفه هوبيز ولوك وروسو - بأنَّه العقد الذي يجعل الأفراد يوافقوا على التخلي عن بعض سلطاتهم الخاصة إلى الحكومة المركزيَّة لتقوم هي بمهام حفظ النظام ورعاية الصالح العام.  غير أن هذا العقد الاجتماعي قد مزِّق شر ممزق في جزء من هذا الوطن العريض.  حدث هذا عشيَّة الاستقلال أي الاستقلال الذي ولد ميتاً وملطخاً بدماء المواطنين السُّودانيين في جنوب الوادي.  وحال السُّودان عشيَّة الاستقلال كمثل الهند والعنف الطائفي الذي صاحب ذلك الاستقلال من الإمبراطوريَّة البريطانيَّة في آب (أغسطس) 1947م وانشطار شبه القارة الهنديَّة إلى الهند وباكستان.  وقد وصف الشاعر الباكستاني فائز أحمد فائز (1911-1984م) هذا الاستقلال في قصيدته "فجر الحريَّة" (The Morning Freedom):
هذا الضوء الملطَّخ ... هذا الفجرالذي أُكِل ليله
لم يكن هذا هو الفجر الذي كنا نبتغيه
ثمًّ يمضي في قصيدته ناشداً:
لم يأت بعد زمن تحرير القلب والعقل
استمر في رحلتك الشَّاقة
استمر...  مازال الهدف بعيداً جداً
هذا هو حال أهل الجنوب مع تفجر العنف الدموي الذي صاحب الاستقلال، وتحذيرات أولي الألباب لأولي الأمر بأن اليوم هو سبيل أهل الجنوب وغداً أمر أهل النُّوبة والفونج والبجة ودارفور، فلم يزدهم نذير أولئك وهؤلاء إلاَّ مكراً واستكباراً.  فبرحيل المستعمر لم يتبدَّل شئ يوحي بتحقيق مصلحة الأمة، فقد كانت - وما زالت - السُّلطة السياسيَّة في السُّودان لا تعني شيئاً عند العامة في التخوم النائيَّة سوى فرض عوامل السيادة بالقوة والرسوخ، بل استخدام القهر والغلبة في رد طلبات سياسيَّة في حق الشعوب.  استمر عهد "العقد الاجتماعي" هذا - رغم هشاشته - حتى خلال حكومات ما بعد الاستقلال، ولكن بانحدار شديد نحو الهاوية، وذلك حين توثب الطغام على الهوام، وتحاربت الأراء المتناقضة، وتفرَّقت الارادات المتناقضة، حتى اتسع الخرق على الراقع إن كان هناك راقع في قطر اسمه السُّودان.  ففي يوم 13 آب (أغسطس) 1958 م دعا نواب قبائل البجة في الجمعيَّة التأسيسَّة رئيس الوزراء عبدالله خليل ووزرائه إلى بورتسودان في اجتماع مهيب يضم شيوخهم وممثليهم البرلمانيين وشخصيات قيادية وسلموهم طلباً يشتمل على إثنتي عشر مطلباً.  وكان إحدى المطالب هي أن يتم تشكيل حكومة في السُّودان يكون للبجة فيها الحق في تسيير شؤونهم المحليَّة على الطريقة التي يختارونها. وبعد عودة الوزراء إلى الخرطوم وجدوا مطلباً مثيلاً في انتظارهم في الخرطوم.  جاء هذا الأخير من وفود قبائل مديريتي دارفور وكردفان الذين اجتمعوا في مدينة الأبيض، وقد وقَّع على هذه العريضة ممثلي هذه المناطق في الجمعيَّة التأسيسيَّة.  إلاَّ أن هذه المذكرات لم تجد أذناً صاغية.  ففي أواسط الستينيات من القرن الماضي حدث تململ بمنطة هيبان وعبري بجبال النُّوبة، وسط أبناء النُّوبة تحديداً، وحدث عنف وهجوم استهدف مؤسسات الدولة هناك، وأُضرمت حرائق، وعُقِدت محاكمات وصُدِرت أحكام قاسية ضد عديدين.  كادت أن تحدث أحداث مماثلة في مدينة الدلنج عندما تحرك أهالي النيمانج صوب المدينة للتعبير عن الظلم الكظيم سنيناً عدداً.  وبعد مفاوضات مضنية انقشعت العاصفة التي كادت أن تؤدِّي إلى إراقة دماء.  كان النُّوبة يطالبون بإزالة ضريبة الدقنيَّة وضريبة الهوى.  والأولى تعني فرض فدية سنوية على الشخص يدفعها عن نفسه، وهذه الضريبة مفروضة منذ عهد الاستعمار، وكنا نتوقَّع من أول حكومة وطنيَّة إلغائها بإعتبارها ضريبة استعمارية تميِّز بين المواطنين في القطر الواحد، لأنها مقصورة على أهالي غرب السُّودان دون غيرهم من أهل السُّودان قاطبة، وحين لم يتم إلغائها سبب الغبن في نفوس أبناء النُّوبة.  ولذلك كذلك يذهب الحديث عن "بدل رقيق"، وهو علاوة شهرية كانت تدفع لموظَّفي الخدمة المدنيَّة حتى لغتها حكومة مايو في السبعينيات من القرن الماضي.  وجلنا يعلم من هم المقصودين بالرقيق في هذه العلاوة التي فرضها نظام الاستعمار لتعويض رجال الخدمة المدنيَّة عن الأعمال التي كان يقوم بها "خدم المنازل"، الذين هم في الغالب المشاع من أبناء النُّوبة.  وفي بعض الحالات الناَّدرة جداً - كما شهدنا، وقبل اشتعال الحرب الأهليَّة في جبال النُّوبة - حاول نظام نميري إيجاد تمثيل سياسي للنُّوبة في حكومته، فلم يلق وجود نوباوي واحد في الحكومة المركزيَّة رضا بعض أحزاب الشمال، حيث أمسى تعيين السيد محمود حسيب في وزارة حكومة جعفر نميري في أوائل عهد النظام مثار احتجاج من بعض أحزاب الشمال، التي ما برحت تنادي بانصاف القوميات المختلة حتى ظننا أنهم يعنوا مايقولون.
ولعل أبخس ردود الأفعال، التي شهدناها، حين يهب أهل المناطق المهمَّشة مطالبين بحقوقهم المسلوبة فيُوصفون - من قبل أهل السُّلطة في الخرطوم - بالانفصاليين والعنصريين.  فليس صحيحاً أنَّ اتِّحاد عام جبال النُّوبة - في وقتٍ مضى أو حاليَّاً - ابتغى سبيلاً لطرد العرب من السُّودان كما يُشاع إفكاً وبهتاناً.  فقد صُدر أحد الكتب في التسعينيات من القرن الماضي، حيث يشير فيه المؤلفان أنَّ "(الأب) فيليب عبَّاس غبُّوش (كان) مؤمناً إيماناً قاطعاً أنَّ العرب يجب أن يذهبوا ... وبالتَّالي شرع في مخطَّط لاحتلال الخرطوم، وربُّما الاستيلاء على الحكم".  عند الإمعان والتفكير في عبارة "احتلال الخرطوم" قد يترك انطباعاً أنَّ المؤلِّفين يتحدَّثان عن "حملة كتشنر" لا عن الأب فيليب غبُّوش وغيره من النُّوبة الذين كانوا يومئذٍ في الخرطوم قبل انقضاض الانقلابيين المايويين على السُّلطة، حتى ولو فرضنا أنَّهم كانوا خارج العاصمة فلا يصح وصفهم بهذا الأسلوب الذي دائماً يُستخدَم للعدوان الخارجي الغشيم.  ومهما يكن من أمر، فإنَّ مشاركة النُّوبة المحدودة في حركة تحرير جنوب السُّودان (حركة الأنيانيا الأولى) لم تجلب لأهل جبال النُّوبة حقوق سياسيَّة وخدمات اجتماعيّة أساسيَّة.  وقد كشف المؤلِّفان عن هذا الوجود النُّوباوي في صفوف حركة اللِّواء جوزيف لاقو حينما أوردا أنَّه "عند إبرام اتِّفاقيَّة أديس أبابا كان لدي (الأب) فيليب غبُّوش أربعة من أبناء النُّوبة يعملون تحت لواء قوات التَّمرُّد بقيادة اللِّواء جوزيف لاقو، وكان أشهرهم المدعو عبدالمسيح الفضل ترنال".  غير أنَّ الكاتبين العسكريين لم يكونا في جانب الحقيقة عندما ادَّعا أنَّ تنظيم غبُّوش خطَّط في أحداث مطار جوبا في شباط (فبراير) 1977م لفصل الجنوب وضمَّه ليوغندا.  وقد استفسرنا مراراً كيف يُعقل أن يقتطع أبناء النُّوبة جزءاً من القطر بعيداً عن منطقتهم التقليديَّة لكيما يهبوه لدولةٍ أخرى؟ إنَّ هذا لأمرٍ مريج.  ولم نندهش حينما أدركنا أنَّ المؤلِّفين ما زالا يستخدمان التَّحليل الاستخباراتي الذي هو سمة كل نظام في الخرطوم للتَّشهير بأبناء النُّوبة واعتبارهم "أناس غير وطنيين"، وإلاَّ ماذا يعني هذا الإفك المبين؟
عند بزوغ فجر الاستقلال في السُّودان في كانون الثَّاني (يناير) 1956م، كما أسلفنا قولاً، لم ينل إقليم جبال النُّوبة نصيباً مفروضاً من الخدمات التَّنموية والتَّعليميَّة والصَّحيَّة وغيرها كما حدث - وما زال يحدث - في الخرطوم والجَّزيرة. وإذا كانت الحكومات المتعاقبة تدَّعي أنَّ جنوب السُّودان أُهمِل تنمويَّاً لإنعدام الأمن فيه طيلة سنوات الحرب الأهليَّة الأُولى (1955- 1972م)، فبم يبرِّر هؤلاء الحكام المتعاقبون تهميش منطقة جبال النُّوبة التي كانت آمنة حتى وقت قريب؟ استمرَّ الظُّلم يلتهم أكباد النَّوبة طيلة فترة الأنظمة التي سمَّت نفسها وطنيَّة - مدنيَّة كانت أم عسكريَّة - حتَّى جاء نظام الرئيس السَّابق جعفر محمَّد نميري في العام 1969م، وقد وصلت الأُمور حدَّاً يستحيل معها الصَّمت. فمثلاً حينما أُنشأت مشاريع الزراعة الآلية في هبيلا وكرتالا جئ بملاك الأراضي من شمال كرفان والخرطوم والجَّزيرة لإحتكارها، واستخدام النُّوبة كأيدي عاملة رخيصة فقط، بل صُودرت أراضيهم لصالح المشاريع، ممَّا أدَّى إلى تململ سكان المنطقة المحليِّين. وعندما فتكت المجاعة بالمواطنين في العام 1984م كان كل المحصول قد تمَّ تصديره إلى خارج الإقليم أو خارج السُّودان، بدلاً من تحقيق الإكتفاء الذَّاتي، وأخيراً استغاث النُّوبة بعيش الأمريكان، الذي بات يعرف في الأدب الشَّعبي السُّوداني بعيش ريجان - نسبة للرئيس الأمريكي السَّابق رونالد ريجان. وبعد انهيار نظام نميري نشب النِّزاع المسلَّح في المنطقة كنتيجة حتميَّة للظلم المتوارث، والنَّظرة الإستعلائيَّة لدي الشِّمال الحاكم.  هذا هو حال النُّوبة الذين هم فيهم يمترون، وقد بلغ بهم الأمر مبلغاً بات مستحيلاً كظم الغيظ وكتم الحزن واستبقاء الدموع، لأنَّ الذي بهم قد تفاقم واعتلى ونما وزاد وأورثهم المرض، كقول الشاعر:
حتام نكتم حزننا حـــتاما    وعلام نستبقي الدموع علاما
إنَّ الذي بي قد تفاقم واعتلى    ونما وزاد وأورث الإسـقاما
ففي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أخذ النُّوبة الأمور بيدهم وخاصة حينما تيقَّنوا أن "العقد الاجتماعي" الذي في يد السلطة المركزيَّة أُسئ استخدامها وانفرط عقد الأمن.  وكذلك انفك "العقد الاجتماعي" الذي كان يربط بين القبائل العربيَّة المستوطنة في المنطقة منذ القرن السَّابع عشر وقبائل النُّوبة التي استضافت وأكرمت مثوى جاحفل الوافدين إلى هذا الإقليم.  وفي أعقاب الانتفاضة الشعبيَّة تنادى أحزاب الشمال الإسلاموعربيَّة مصبحين بتمليش (تكوين وتسليح) القبائل العربيَّة في المنطقة حتى برزت أسماء مثل: الجنيد، على حمدان كير، الهادي بشرى وغيرهم على رأس "قوات المراحيل" - أي قوات العرب السيارة.  وعندما اشتدت الهجمات والأعمال العدائيَّة ضد النُّوبة، فضَّلوا أن يذهبوا للحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان يستنجدون بها لعلهم يأتوا منها بنار لرد العدوان. ومهما كان من شأن هذا كله، فقد استطاع المسلمون القانتون زرع عناصر لهم في الحكومة الإنتقاليَّة التي رأسها الفريق عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب (1985- 1986م)، وباتت هذه العناصر تنادي - وبصوتٍ مجلجل - بتسليح القبائل العربيَّة. بهذه الفعلة أجهروا بمحاربة الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في المنطقة بقيادة يوسف كوة مكي، وأسرُّوا الإبادة العرقيَّة للنُّوبة.  في هذا الجو المشحون بالظلم السياسي تنادت تنظيمات جهوية مع حرارة الانتفاضة الشعبيَّة، وكوَّنت "تضامن قوى الريف السُّوداني"، وحين أحست أحزاب الشمال أنَّ هذا العمل قد يهدد نفوذهم التقليدية أخذت تعمل على هدمه بالعمل الخفي، وكان لهم ما أرادوا حتى بات التضامن هشيماً تذروه الرياح ولا يكاد يقف على أمره شيئاً.
بيد أنَّ فوز السيِّد الصَّادق المهدي بتولِّي منصب رئاسة مجلس الوزراء في انتخابات جزئيَّة في العام 1986م لم يكن يعني هذا كثيراً بالنِّسبة للمنطقة. إنَّ الذي يتماهى - سياسياً واجتماعيَّاً ودينيَّاً - بين النخبة التي باتت تحكم السُّودان منذ الاستقلال لكثير.  وهنا تجدر الإشارة إلى مليشيات نظام الإنقاذ، التي أمست تعيث في الأرض فساداً - من تقتيل الأبرياء ونهب الفقراء - فهي نفس قوات الدِّفاع الشعبي، التي سعى السيِّد الصَّادق المهدي - بكل ما أُوتي من قوة وسلطة - لجعلها قوات رسميَّة وصبغها بلون حكومي.  لقد تم هذا العبث الأثيم بأرواح الناس تحت دعاوي الحفاظ على الوحدة الوطنيَّة، غير أنَّ المهددات الأساسيَّة للوحدة الوطنيَّة هي الاستعلاء العرقي والهيمنة الجهويَّة والظلم الاجتماعي والقسمة الضيزى للسلطة والموارد وسيادة ثقافة أحاديَّة على ثقافات أخر، وعدم التوازن في الحقوق والواجبات.  كذلك نجد أنَّ حملات تفريغ العاصمة المعروفة لدي الشارع السُّوداني "بالكشَّة" إلاَّ إضافة أُخرى سيئة للأسلوب العنصري الذي إعتاد أن يتعامل به أهل الحكم في الخرطوم مع مواطني التخوم، تلكم الحملات قد بدأت منذ نظام نميري ومازالت مستمرَّة إلى يومنا هذا.  لذلك لم يكن يتوقَّع الشَّعب السُّوداني أن يأتي حفيد المهدي بشئٍ جديد.  فبدلاً من شروع السيِّد الصَّادق المهدي في مواجهة قضايا البلاد الملحَّة والمحوريَّة وإنصاف العباد وتطبيق الحكم العادل الخالي من الخطل، ركَّز على تدعيم خصائله المعروفة باتِّقان التَّواري والبراعة في لوي عنق الحقيقة بما يتوافق مع نوازعه الطائفيَّة وافكاره السياسيَّة.  فكان الزلل والشطط مجهود عهده.  إنَّ الديمقراطيَّة هي أفضل صيغة عرفها الإنسان لتداول السلطة سلمياً، وتقوم على التفويض، ولا تستقيم لأحد إلا بمقدار إيمانه بها، وتحكمه للعقل، وتعلمه من أخطائه مما يفضي لتراكم الخبرة البشريَّة، ولا يعيبها قصور الناس في تطبيقها.  فإنَّ تقويم تجربة الديمقراطيَّة العرجاء - السُّودان مثلاً - لا يتأتى إلاَّ بالمزيد من الديمقراطيَّة ولنا في تجارب أوربا عبرة لأولي الألباب.
على أي حال، تشعَّبت مشاكل السُّودان واختلفت باختلاف الأزمنة والمسبِّبات، وكان أبرز مشكلتين في هذا القطر المتعدِّد الأديان والأعراق، هما الإسلام السِّياسي والقهر الثَّقافي.  فمسألة تديين السياسة - أو تسييس الدين كما شئت - أخذت طريقها في السياسة السُّودانيَّة في الستينيات من القرن الماضي.  فقد كان حل الحزب الشيوعي السُّوداني في جلسة طارئة عقدتها الجمعيَّة التأسيسية في 11 تشرين الثاني (توفمبر) 1965م هو أحد إفرازات هذه المسألة.  عقدت الجمعية التأسيسية جلستها وهي محاصرة بحوالي مائة ألف مواطن جاءوا من مختلف أنحاء السُّودان - أو قل جئ بهم - هو ضربة مميتة للديمقراطيَّة.  والنائب الوحيد من الحزبين الكبيرين الذي أعلن أنَّه ضد حل الحزب الشيوعي هو حسن بابكر الحاج نائب دائرة مروي الشماليَّة (الحزب الوطني الإتحادي).  ومن الطبيعي أن النواب الشيوعيين كانوا ضد حل حزبهم، ومع أنَّ أحمد إبراهيم دريج التزم بما قرره حزبه وصوت مع حل الحزب الشيوعي إلا أنَّه صرح فيما بعد بأن الفكر ينبغي أن يحارب بالفكر.  وقديماً علم النُّوبة أنَّ إقحام الدين في السياسة سوف يضر بالعلاقات الاجتماعيَّة التي تنبني عليها مجتمعات النُّوبة، فضلاً عن حرمانهم من تقليد مناصب قياديَّة في الدولة.  ومن ثَمَّ أدى نضال الأحزاب الأفريقيَّة في الجمعيَّة التأسيسية إلى سقوط الدستور الإسلامي في اللجنة القوميَّة للدستور الدائم للسُّودان في العام 1967م.  فقد "جاء في مذكرة اللجنة الفنيَّة نبذة حول الدستور الإسلامي أن يكون رأس الدولة مسلماً"  مما دفع العضو البرلماني السيِّد موسى المبارك أن يسأل: هل لغير المسلمين الحق في الاشتراك لانتخاب هذا الرئيس؟ وسأل السيد فيليب عباس غبوش، هل "من الممكن للرجل غير المسلم أن يكون في نفس المستوى فيُختار ليكون رئيساً للدولة؟"  فقد حاول الدكتور حسن الترابي أن يراوغ مما اضطر رئيس الجلسة أن يطلب من السيد فيليب عباس ليعيد السؤال، بغية أن يتلقى عليه إجابة محدودة.  وعندما لم يجد الترابي مخرج صدق أجاب بلا.  وحينئذ بدأت المعارضة التي انتهت بهزيمة اقتراح الدستور الإسلامي الكامل.
فقد ذهب قادة الأحزاب وغلاة الطوائف الدينية (الإسلاميَّة) منذئذ في سبيل المطالبة بالدستور الإسلامي أي مذهب، وكانت حجتهم في أمر ذلك أنَّ "أغلبيَّة شعب السُّودان مسلمين".  وهم من أجل ذلك يزعمون أنَّهم يردُّون أمر الشعب إلى الشعب في ظاهر الأمر، فإذا كان الاختلاف - ولا بد أن يكون الاختلاف - أنفذوا أمر الكثرة وأهدروا أمر القلة، وأتاحوا بذلك كذلك للأكثرين أن يستذلوا الأقلين أو أن يحكموهم على غير ما يريدون.  كما أنَّ الالتزام بسياسة الأغلبيَّة الآلية كمنهج لوضع الدساتير وصوغ القوانين لن يكون، بحال، هو السبيل الأمثل لبناء وطن، لأنَّه يضع الأقليَّة دوماً تحت رحمة الأغلبيَّة.  فقد أنذرنا الدكتور جون قرنق من خطورة استخدام منطق الأغلبيَّة في إثبات الأشياء لأنَّه منطق حمال أوجه.  فماذا عسانا أن نفعل إذا طالب أغلبيَّة سكان السُّودان الأفارقة بطرد العرب من السُّودان!  وماذا نحن فاعلون إذا طالبت النساء، وهن أغلبيَّة في السُّودان، أن يكون لهن رأي في تسيير أمور الدولة وتصريف أعبائها!  كما أنَّ الكثرة في العلم لا تغني من الأمر شيئاً!  فقد كانت كثرة العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها، وظهر بعد ذلك أنَّ الكثرة كانت مخطئة، وكانت كثرة العلماء ترى كل ما أثبت العلم الحديث أنَّه غير صحيح، فالكثرة في العلم لا تغني شيئاً.  وإذن فليس من سبيل إلى أن نقبل قول الكثرة، وإنَّما السبيل أن نوازن بينه وبين ما تزعم القلة.  ومن هذه الموازنة وصلنا إلى نتيجة مفادها أنَّ سبيل التحكيم هو الحقوق المدنيَّة التي ينبغي أن تتوفر لكل فرد بغض الطرف عن معتقده، أو لونه أو عرقه، أو الإقليم الذي أتى منه.  إنَّ عبارة "الأقلِّيات" التي يستخدمها الساسة السُّودانيُّون مسيئة وساءت سبيلاً.  الأقلِّيات العرقيَّة عادة تطلق على مجتمعات شعبويَّة نزحت من بلاد أخرى واستقرَّت في البلد المعني.  فهل الأقلِّيات التي يتحدَّث عنها سادة الحكم في الخرطوم وأهل الأحزاب السياسيَّة من وافدي السُّودان من دول مجاورة؟ أي، بعبارة إخرى، هل النُّوبة والجنوبيون غرباء على هذا الوطن؟  وماهو المقدار الكمِّي الذي يحدِّد نظريَّة إطلاق صفة الأقليَّة العرقيَّة على قطاع عريض من السكَّان؟  وهل هذه الصِّفة تقتصر على التَّواجد المكاني فقط؟ علماً بأنَّ عدداً كبيراً من هؤلاء القوم  يقطنون العاصمة وبعض كبرى مدن الشِّمال مما يجعلهم يكوِّنون نصف أو أكثر من نصف السكَّان فيها.  ثُمَّ أين هي الإحصاءات التي تجعل معظم سكان السُّودان أقليَّة وأقلَّ سكَّانه أغلبيَّة؟
هكذا ظلَّت الأحوال في الجبال - أي لم تُحق المحقوقيَّة للنُّوبة - حتى جاءت "حكومة الانقاذ" في حزيران (يونيو) العام 1989م. لقد رفعت الحكومة شعار الرُّجوع إلى الينابيع والإعتماد على النَّفس، فلم تفلح في إيجاد حلول جذريَّة لمشاكل السُّودان المستعصية في المجال الإقتصادي ومجال الفكر السياسي والإجتماعي. فكانت المحصَّلة النِّهائيَّة تفشي الأوبئة، وانتشار الجريمة، وتوسيع رقعة الحرب الأهليَّة، وفرض حصار سياسي واقتصادي على السُّودان.  لقد بدأ كثيرٌ من الشَّعب السُّوداني يتساءل عن نوعيَّة إسلام هؤلاء الحكام، والشعارات التي ردَّدتها الجماهير في تظاهرات سابقة في الخرطوم - المجوس ولا الأخوان (المسلمين)، والأمريكان ولا الأخوان - تعكس درجة الإحباط والقنوط التي بلغها الشَّعب من جراء تخبُّط النِّظام.  لقد تضرَّرت شريحة من الشعب السُّوداني في شمال البلاد، لكن ليس بالكيفيَّة والكميَّة التي تمَّت بهما إبادة قبائل وجماعات بشريَّة بمنطقة جبال النُّوبة.  أمَّا المعيار الذي يتَّخذه النِّظام للتَّخلُّص من خصومه الشماليين فهو مبني على معيار سياسي، بيد أنَّ التَّصفيات الجسديَّة بجبال النُّوبة تتمُّ على أسس عنصريَّة وسياسيَّة ودينيَّة وثقافيَّة.  لم يفتأ زعماء الجبهة القوميَّة الأسلاميَّة من وصف النُّوبة بالخوارج تارة والمارقين تارة أُخرى حتى صدرت فتوى من مؤتمر العلماء وأئمة المساجد ومشايخ الطرق الصُّوفيَّة بقاعة اللَّجنة الشعبيَّة بمدينة الأبيض بتاريخ 27 نيسان (أبريل) 1993م، وموقِّعاً عليها ستة من العلماء تبيح سفك دماء النُّوبة ومصادرة ممتلكاتهم كأنفال.  تلك الفتوى ما هي إلآَّ تبريراً سياسيَّاً وعنصريَّة روحيَّة (Spiritual racism) لما تقوم به المليشيات الحكوميَّة ضد هؤلاء القوم البسطاء: يذبِّحون أطفالهم ويهتكون أعراضهم ويسومونهم سوء العذاب.  هذا التطهير العرقي (Ethnic cleansing) والثقافي هو محاولة من حكومة البشير لإخراس  الصَّرخة "النُّوباويَّة" التي باتت تنادي بمسائل عديدة وعلى مستوى عظيم من الأهميَّة: كالمشاركة في السلطة المركزيَّة والإقليميَّة، الفصل بين الفعل السِّياسي والإعتقاد الدِّيني، تضييق الفجوة بين تخلُّف التخوم وتنمية المركز، التَّعليم والصَّحة، والاعتراف بالثقافات واللُّغات المحليَّة وتنميتها.  إذن لِمَ تُقدِم السلطات على تهجير وتشريد آلاف من المواطنين البؤساء ومانقموا منهم إلاَّ العدل والمساواة؟  إنَّ أكثر المسائل انزعاجاً في الأديان المنظَّمة (Organised religions) - أي دين - هو إيمان معتنقيها أنَّ كل ما يقدمون عليه كنتيجة تفسيرهم لتعليمات هذه الأديان فهو صحيح خلقياً.  ومن هذا المنطلق تم، وما زال يتم، تبرير مذابح عديدة وفظائع لا إنسانيَّة باسم الحرب المقدسة خلال عصور التأريخ المختلفة وما زال يستمر لتدمير أرواح الناس حول العالم اليوم.  فكل جماعة دينيَّة تسول لهم أنفسهم أنَّهم يحملون مفاتيح الحل والعقد لكل مشاكل السُّودان فإنَّهم جهلاء أغبياء، وبالحرص على جهلهم وغبائهم ينتحرون.
على أي حال، فقد ظلَّ النُّوبة على مر الدُّهور والحقب يستصرخون صنَّاع القرار في الخرطوم، ويلتمسون منهم العدالة الإجتماعيَّة، والإرتقاء بهم إلى أفضل سبل كسب العيش في السُّودان، حتَّى تحوَّل هذا الاستصراخ وذلكم الالتماس إلى عصيان مسلَّح فباؤوا بغضب سلطوي.  وبدلاً من أن ينال النُّوبة قسطاً مما طلبوه، وجدوا شطط أهل الحكم في الخرطوم.  فمنذ فترة غير طويلة - قبل التوقيع على اتفاق جبال لوقف إطلاق النَّار في كانون الثاني (يناير) 2002م - فر مواطني المنطقة إلى الكهوف واختلطوا مع دوابي (أفاعي) الكراكير لإتِّقاء شر جنود البَّشير؛ فقد أصبحت حياتهم شبيهة بإنسان العصر الحجري.  الظُّلم في الجِّبال موغلٌ في القدم واللَّهث وراء العدالة أقدم؛ وما الثَّورات المسلَّحة والعمليَّات العسكريَّة، القديمة والحديثة فيها، إلاَّ شواهد على هذا الضَّيم.  لكن مما يتأسى له الفؤاد ما بلغه الوضع في جبال النُّوبة في بداية التسعينيات حين أمست الأرض صرح بالمذلة، شعب يموت وعالم لا ينطق، والجوع ينحت في الصغار والحزن في جفونهم لا يرفق كما تعبر هذه الأبيات للشاعر علي إبراهيم سروجي:
الأرض صرح بالمـذلَّة تفلق                شعبٌ يموت وعالم لا ينطق
الجوع ينحت في الصِّغار ويرتقي            والحزن بين جفونهم لا يرفق
وبراءة الأطفال في كهف الأسى                تلهو وما تدري متى تستمزق
في كوة الآمال طال وقوفهم                فمتى على أوجاعـهم تترفَّق
في شرعنا التنديد خير وسيلة                والشَّجب فوق شفاهنا يتعملق
لم يكن وضع الجنوب أحسن حالاً من جبال النُّوبة في أمر انتهاكات حقوق الإنسان. فحين دخلت قوات الحكومة السُّودانيَّة مدينة كبويتا بمساعدة من قبيلة التبوسا، سعت حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة بين أفراد تلك القبيلة بالأسلمة، فبدأت بإجراء عمليات الختان التي تمت في حق عدد كبير من الرجال، الشيوخ منهم والشباب، الأمر الذي اعتبرته القبيلة إساءة بالغة لها وعلى ثقافاتها وعرضها وتقاليدها.  كما أنَّ فرص الحياة الزوجيَّة، لما تمَّت في حقهم من عملية الختان، أصبحت معدومة تماماً، حسب عادات القبيلة.  وإنَّنا نتساءل ما لهؤلاء القوم مهتمون لهذه الدرجة بالأعضاء التناسليَّة للناس؟ هل رأس الإسلام الختان؟  فبدلاً من أن يقوم أهل النظام بتأهيل المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق والخدمات الأساسية والمرافق العامة والمشاريع التموينية والتنموية وتأهيل الزراعة، شرع أعوان النظام بالانشغال بهوامش الأمور.  مهما يكن من الأمر، فقد قادت هذه الممارسة اللانسانيَّة إلى انفضاض قبيلة التبوسا عن مساندة القوات الحكوميَّة، وحكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وكان لخروج الأب كينجا جورج، زعيم قبيلة التبوسا ووزير العمل بحكومة الخرطوم، وانضمامه بعد استقالته المسببة إلى الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، إضافة وبعداً جديداً، ودعا قبيلة التبوسا للانسحاب من مدينة كبويتا وإعلان انضمامها إلى الحركة الشعبيَّة.
إنَّ الانتهاكات الهمجيَّة الشنيعة التي اقترفها نظام الإنقاذ في جبال النُّوبة وضد النُّوبة لا نظير لها عند أي نظام حكم وطني حكم السَّودان، مهما بلغت فظاظته، ومهما كانت جهالته، ومهما بلغ استخفافه بالرحمة والحياء، في أي عصر من عصور الأرض.  فعلى الرَّغم مما بلغه النظام في التخوم والخرطوم من إعدامات دون محاكمات والطرد من الخدمة العسكريَّة والمدنيَّة للألاف من المواطنين فقط لأنَّهم من غير حزب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وحظر الأحزاب السياسيَّة والنقابات المهنيَّة، والاعتقالات الاعتسافيَّة دون تهم، والتعذيب الذي بلغ حالة القتل وكذلك الإعاقة الجسديَّة الدائمة، نجد لفيفاً من الكُتَّاب الإسلاميين يكتبون دفاعاً عن هذا النظام أو يلوذون بالصمت عن الجرائم التي يقترفها.  ونذكر في الكتاب الأستاذ فهمي هويدي الذي يستميت دفاعاً عن حق الإسلاميين في الديمقراطية في طاجكستان، والجزائر والبوسنة والهرسك، ويتجاهل عن ذبحها واغتصابها في السُّودان لأنَّ المستفيد من الأمر هنا هم الإسلاميون.  إنَّ هويدي من الذين يكتالون على الناس بمكيالين، وإذا كالهم أو وزنوهم يخسرون.  إنَّ من المعلوم أنَّ لكل مسألة وجهين على الأقل، إن لم يكن لها أكثر من ذلك، وما دام أن هناك طرفين للمسألة - على الأقل - فلكل طرف وجهته التي هو موليها، وبعرض لكلا الوجهتين يقرب صاحب الشأن - هويدي في هذه الحالة - من الموضوعيَّة، وبالتَّالي يكون قريباً من الأمانة، هذا إذا كان عازماً على الإسهام في حل مشكلة أمست متغلغلة في المجتمع السُّوداني.  وبما أنَّ الإسلام قد أصبح سوط عذاب عنصري لغير العرب، حتَّى لو كانوا مسلمين قانتين؛ ومن هذا المنطلق يصبح الإحتكام إليه أو إلى ما يسمَّى بشرع اللَّه كالمستجير من الرَّمضاء بالنَّار، ولاتفلح أو تقنع أيَّة أنماط جديدة من الأمر شيئاً كما يزعم البعض أن هناك "محاولة لإرساء فهم جديد ومستنير للإسلام والشَّريعة، يفي بمتطلَّبات العصر، ونزوع أهل السُّودان، مثل غيرهم، نحو العدل والسِّلم والاستقرار، ولا يغمط غير المسلمين حقوقهم".  إنَّ العدل أساس الملك، فمن ضيَّع العدل ضيَّع الملك طال الزَّمن أم قصر، فذلك وعدٌ غير مكذوب.  لذلك كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يطلب منه مالاً يعينه على بناء سور حول عاصمة الولاية، فأجابه عمر: "وماذا تنفع الأسوار؟ حصِّنها بالعدل، ونقِّ طريقها من الظُّلم".  فأيِّم واللَّه، أين منه من يحكمون السُّودان اليوم وعلى رأسهم عمر بن البشير.  هذا ونعزو قدرة البشير على الصمود في الحكم إلى جهاز استخبارات قوي وتغيُّرات إقليميَّة في منطقة القرن الأفريقي، وليس إلى رؤية سياسيَّة وحصافة وحنكة.  فالمستبد لا سياسة له غير القمع والاعتماد على الأجهزة الأمنيَّة كملاذ أخير وأول للحكم والتحكُّم برقاب الناس، والذكي من هؤلاء وأولئك يحتاط للأمر بالطريقة المعروفة القائمة على مراقبة تململ الناس قبل أن يثوروا ويتمرَّدوا.
ثم ندلف إلى مسألة الثقافة في السُّودان.  إذن، ما الذي يجعل من لفظة الثَّقافة في السُّودان عبارة تثير كثيراً من المعارك السِّياسيَّة والطَّبقيَّة؟ وكذلك لماذا - عند ذكر الكلمة إيَّاها - تُثار العواطف وتُشمَّر السَّواعد ويلين الدُّماغ بحيث يصبح بعض القوم صرعى بالغباء العاطفي فضلاً عن الذكاء الموضوعي؟ إنَّ العربان في السُّودان الذين يريدون العروبة من باب الوجاهة السِّياسيَّة أو لأسباب هلاميَّة يحسبون أنَّ مكوِّنات الثَّقافة تنحصر في شيئين فقط هما الدِّين واللُّغة.  فإذا فرضنا جدلاً بأنَّ ذينك العضوين هما عيني الثَّقافة، فهل كل السُّودانيين عرب ثمَّ مسلمين من قبل ومن بعد؟ بالطَّبع لا.  لقد ذهب إيليوت، أحد مفكِّري علم الإجتماع الوعاظ، مقسِّماً الثَّقافة إلى ثلاثة أوجه: ثقافة الفرد، ثقافة الطَّبقة وثقافة جميع أنماط حياة النَّاس.  وفي هذه الأخيرة يستخدم علماء الأجناس (Anthropologists) عبارة الثَّقافة لتتضمَّن كل عادات وتقاليد القبيلة من العبادة إلى الأنكحة، طقوسها في الملاطفة والمؤانسة الجنسيَّة، عاداتها في التبوُّل والتبرُّز، محظوراتها، سلوكها في المأكل والمشرب، لغتها، ذوقها الفنِّي، ما يسر أفرادها وما يغضبهم - أي أفراحهم وأتراحهم - وغيرها؛ ومع ذلك لا يمكن فرض الثَّقافة - فرض عين كان أم فرض كفاية - من خارج القبيلة أو المجتمع.  لا يضير أحدٌ ولا يضار السُّودان إذا إتَّخذ بعض النَّاس ثقافتهم العربيَّة هذه على أساس أفراد أو حتَّى طبقة فئويَّة؛ أمَّا تثقيف القطر بكامل ترابه وشعبه بثقافةٍ لا يرتضيها جميع أفرادها فهذا ظلمٌ يجب اجتثاثه "والعز عند إباة الضَّيم معبود".  وإن كان من الخير لنا أن نعيش دونما فجيعة فعلينا أن نفتق أنفسنا من ظاهرة الاستعراب هذه التي أصبحت تلازم ثلَّةً من السُّودانيين - القدماء والمحدثين - حتَّى عجزوا عن التَّمييز بين ما هو حقيقي سوداني وما هو عربي وهمي.
إنَّ مكمن الخطورة من هذا التَّعالي الثَّقافي يتجسَّد في أمرين كلاهما مر: ففي الرِّيف القاصي يحمل الحقد صحابه إلى تقتيل وإبادة غيرهم بسبب الفارق الثَّقافي والعرقي؛ وفي العاصمة يفتعل ساكني بيوت الزُّجاج المشاكل ضد هؤلاء البؤساء والبسطاء وحجزهم في المعازل (Townships)- أماكن السَّكن التي هي بمثابة الحظائر البشريَّة - وإنَّ من المعازل في جنوب إفريقيا لأحسن حالاً نسبيَّاً لإحتوائها على بعض المرافق العامَّة من مستشفيات ومدارس وموارد مياه الشُّرب.  أمَّا في السُّودان  فتلجأ السُّلطات إلى توطين ضحايا "الكشَّة" في مخيَّمات في صحاري أم درمان وجبل أولياء.  ماهي العدالة الاجتماعيَّة التي تناطح بها أجهزة الإعلام أرباب السماوات والأرض، وفي نفس الوقت يتم تصنيف سكان الدَّولة بين الأقوام الكرام والهوام العوام؟ لماذا يجتهد المسؤولون في إبقاء بعض السكَّان في فقرٍ مدقع بينما يمتلئ البعض الآخر شحماً ولحماً؟  لقد أُهملت كل النِّداءات السلميَّة لأخذ هذه الاعتبارات الثَّقافيَّة والعرقيَّة والدِّينيَّة موضع الاهتمام؛ وعلى النَّقيض تمَّ التَّركيز على الحاكميَّة العربيَّة (Arabistocracy) فحدثت الفتنة التى مازالت مستمرَّة حتى هذه اللَّحظة والآن لا يعون الدَّرس إلاَّ بعد فوات الأوان.
مما سبق يتَّضح  أهميَّة إهتمامنا  بالموروث الحضاري لأنَّه إحياءٌ للتراث وربطٌ للماضى بالحاضر والمستقبل عبر بانوراما فكريَّة تراثيَّة تروي التَّاريخ وترصد ملامح التَّطوُّر والتَّغيير.  لذلك كان لزاماً علينا استخدام كلمة الموروث (Heritage) لما تعنيه من المعاني الوطنيَّة وحتَّى القوميَّة وتبعث من جديد محاميد الماضي.  وقد صدق من قال: "إنَّنا ننظر إلى الماضى لكي نستعد للمستقبل". وحين يردِّد أبناء النُّوبة نداءهم أنَّ ثقافتهم وتراثهم في خطر داهم، نجدهم قد توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريقة التجارب القديمة والحديثة.  وعليه، قد حدَّد محمود موسى تاور الملامح والأطر الفلسفية لحركة الثقافة في جبال النُّوبة على النحو التَّالي: الأرتباط الثقافي، الارتباط اللغوي، الارتباط الاجتماعي، الارتباط بالأرض، الارتباط التأريخي، وظاهرة التسامح الديني.  أمَّا القوميَّة التي يدعو لها النَّظام الحالي، الفعَّال لما يريد، فهي القوميَّة الاختلافيَّة لا المساواتيَّة.  فالقوميَّة الأولى، التي تعزف عليها الحكومة عزفاً دؤوباً، تقوم على العاطفة أكثر من العقل. فالأمَّة في تصورهم لا يوحِّدها سوى كراهيتها للآخر ومن هنا تأتي حروب "التَّطهير العرقي" (Ethnic cleansing) وهلك الحرث والنَّسل في جبال النُّوبة وجنوب السُّودان؛ أمَّا القوميَّة المساواتيَّة فمطالبها تنصبُّ في الحقُّ في المشاركة في صنع القرار وفي تقاسم ثمار البلاد.  فلقد ضاعف الاستبداد العسكري من الإحتراب الأهلي، ومن ذينك الحرمان الشديد والاضطهاد المريب انحدرت القوميَّة في الأقاليم إلى نزعة أثنيَّة (Ethnic tendency) محضة وذلك للإبقاء على النَّوع ودرء مخاطر الإنقراض. وما بات النِّظام رافضاً للإعتراف لها بصفة الشركاء حتَّى استنهض أجهزته الأمنيَّة - والإعلاميَّة أيضاً - في قمع هذه الأثنيَّات الإقليميَّة (Regional ethnicities) ووأدها لصالح الأقليَّة الحاكمة ورافضاً للحوار مع عناصرها المقوِّمة.
ومن نافلة القول نستطيع أن نخلص إلى أنَّ العقد الاجتماعي الذي مر به شعب النُّوبة في السُّودان يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل: فالمرحلة الأولى تشمل حقب ما قبل الاستقلال في العام 1956م، والمرحلة الثانية هي تلكم التي تسمى عهد الحكومات الوطنيَّة حتى نهاية نظام الرئيس جعفر نميري في العام 1985م، ثم المرحلة الأخيرة وهي التي تبدأ منذ الانتفاضة الشعبيَّة التي أطاحت بحكومة نميري في العام 1985م حتى تأريخ هذا اليوم.  وتتصف المرحلة الأولى- بما فيها فترة المهدية (1881-1898م) - بالحروب والاستغلال وتجارة الرق وانفراط عقد الأمن، كما أنَّ المرحلة الثانية فهي التي كدَّ فيها أبناء النُّوبة كداً سلميَّاً في مناجاة أهل الحكم في الخرطوم في المطالبة بتطوير منطقة جبال النُّوبة وتوفير الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وتنمية وغيرها دون جدوى.  أما المرحلة الأخيرة - حسب تصنيفنا - فقد أخذ النُّوبة الأمور بيدهم بعدما يئسوا من طرق كل السُّبل السلميَّة وحين أيقنوا أنَّ الأمر أمسى مرتبطاً بقضية البقاء أو الفناء، ولا يكاد تغني المساومة من بعدئذٍ شيئاً.  وفي الحق، لقي النُّوبة من أجل مطالبتهم بهذه االحقوق الأساسية مشقة شاقة وعسر عسير.  وفي هذا البحث تحدَّثنا عن عاملين من عوامل الصراع في السُّودان هما الإسلام السياسي والثقافة، وخلصنا إلى القول أنَّ الطبقة الحاكمة في السُّودان اتخذوا الإسلام وسيلة لا غاية، وسيلة إلى استهواء الناس واستغلالهم، وما نحتاج فيما نقول أن نقيم على ذلك دليلاً، فقد شهدنا من الأمر شره وافرازاته بما في ذلك الحرب الأهليَّة التي راح ضحيتها أناس كُثر.  أما القضية الثانية فهي مسألة الثقافة الأحادية (العربيَّة) التي أصبحت تُفرض على غير العرب من سكان هذا الوطن بقوة الإعلام والسلاح والتعليم، مما طفق الآخرون يعيدون النظر في مسائل كثيرة كنظام الحكم، وتقسيم الثروة، والمناهج التربوية، واللغات القوميَّة والهوية السُّودانيَّة وغيرها.  وسوف تظل هذه المسائل محاور أسئلة صعبة حتى يجلس السُّودانيُّون مع بعضهم بعضاً في "مؤتمر قومي دستوري" ويتفقون على صيغة مثلى بها يرتضون العيش في قطر واحد بالتي هي أحسن.