الدكتور عمر مصطفى شركيان


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
د. عمر مصطفى شركيان

تعود أزمات السُّودان الحاليَّة إلى حقب سحيقة، وقد ساهم في هذه المحن النسيج الاجتماعي الذي يتكوَّن منه هذا الشَّعب الفسيفسائي حتَّى بات يشكِّل الموروث السياسي بكل تناقضاته.  فمن ذا الذي يتعمَّق في تأريخ السُّودان يجد أنَّه هاجر إليه أجناس من كل حدبٍ ينسلون، واحترفوا المهن والحرف المتعدِّدة حسبما تقتضيه الظروف الطبيعيَّة من مناخ، وماء وكلأ وصحراء وهلم جراً.  وكما حدثت هجرة من الخارج إلى الداخل، حدث نزوح داخلي أيضاً.  إذ أنَّ حركة التَّنقُّل الداخلي تنشأ من جراء العدوان الخارجي، ومن ثمَّ لا يجد الأهلون وسيلة غير النزوح الداخلي إلى أماكن آمنة، وهذا ما حدث للنُّوبة بعد العدوان على ممالكهم في السُّودان النيلي والوسطي.  بيد أنَّ بعض المؤرِّخين يشيرون إلى حركة نزوح معاكس في فترة ما.  
وقبيل غزو إسماعيل محمد علي باشا السُّودان في العام 1820م لم يكن هناك احتكاك بين النُّوبة والعالم الخارجي بعد أن تمترسوا في جبالهم واتَّخذوا منها بييوتاً وسكناً.  بيد أنَّ ثمة عراك مع القوميات المختلفة المجاورة كانت تنشأ من حين إلى آخر.  لكن، وفي الحق، لم تأخذ هذه النزاعات - قبل مجئ العدوان الخارجي الأثيم أو دخول الأديان السماوية الوافدة - منحى دينيَّاً يستدعي تكفير وتهجير الآخر فيما شجر بينهم. وهذا يعود إلى وحدة الاعتقاد الدِّيني والعرقي في المجتمعات الأفريقيَّة.  وقد احتار الغرب في طبيعة الحروب الأفريقية لما فيها - في أغلب الأحيان - من رأفة وإنسانيَّة.  وعلى الرَّغم من وصفها بالحروب القبليَّة في محاولة من البعض لصبغها بالوحشيَّة، إلاَّ أنَّ الهدف من هذه الحروب هو التغلُّب على، أو تخويف العدو، وتجنُّب قتله بقدر الإمكان.  وما ارتداء القناع وإطلاق الصراخ الداوي عندما يحمو الوطيس إلا وسيلة من وسائل ارهاب العدو ليفر بعيداً عن أرض المعركة، وبذلك يتحاشى الموت.  وفي بعض الأحايين، وحين ينهزم العدو كلياً ويمسى محصوراً، يقوم المنتصر بغض البصر وفتح ممرات آمنة، حتى يهرب العدو.  وفي أحايين أخر يركن الطرفان إلى فترة الاستجمام، حيث يأكلون الطعام، ويتسامرون، ويتبادلون النكات وهم يتفكَّهون ويتندَّرون، حتى تُقرع طبول الحرب مرة أخرى وهم بعدئذٍ يستأنفون القتال.  وفي السُّودان حدث ذلك القتال على النَّهج الأفريقي عندما إلتقى جيشي سلطان الفونج ومك (ملك) تقلي، حيث كان يستعر القتال بينهما نهاراً، وفي المساء يخلد كل فريق إلى هدنة ريثما يقبل الصباح.  غير أنَّ مك تقلي كان يرسل موائد العشاء حافلة إلى الجيش الغازي كل ليلة، لأنَّهم ضيوفه، ما داموا مقيمين داخل أرضه، وإن أبدوا العداوة والبغضاء.  ولما علم سلطان الفونج بحقيقة الأمر، انسحب من ميدان القتال، منهياً الحرب من جانب واحد، أسفاً على ما كان، وخجلاً من مقاتلة قوم على هذا الحظ العظيم من النبل؛ يصدون العدو الغازي في النَّهار، ويكرمون وفادته في اللَّيل، مثل الصندل الذي يعطر الفأس كلَّما أمعنت في تمزيقه وتهشيمه.  وقد تبنَّت الحركة الشّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان هذه الموروث الأفريقي الأصيل إضافة إلى العمل بقوانين جنيف للتعامل مع الأسرى، لذلك تحتفظ الحركة بأسرى حرب طيلة عمر نضالها الطويل.  على العكس تماماً نجد حكومات السُّودان تقوم على تعذيب وإعدام أسرى الحركة، فضلاً عن كل من يشتبه فيه أنَّه يتعاطف مع الحركة (الطابور الخامس).
هذه هي تقاليد أفريقيا في الحروب.  إذن، كيف تبدَّلت الحال وأخذت الحروب تأخذ طابعاً دموياً تقشعر منه الأبدان ويشيب عنه الولدان؟  هذا التحوُّل الجذري(Radical change) تمَّ بعد الغزو الآسيوي والأوربي إلى أفريقيا باسم الدِّين - أيَّاً ما كان - تارة وباسم الحضارة تارة أخرى. وقد نجمت، عن هذه الحروب الحديثة، إبادة جماعية وقتل للأطفال والنساء والسبي والاغتصاب والنزوح الجماعي بحثاُ عن مأمن ومسكن.  وقد شهدنا ذلك إبَّان الغزو التركي-المصري للسُّودان.  بيد أنَّ أكبر إفراز نتج عن هذه الحملات التركيَّة-المصريَّة هو تجارة الرِّق، وتفيض كتب التأريخ بحكايات مروعة عن هذه التجارة النحسة.
وقد تجلَّت هذه الفظائع بشئ من المبالغة في جبال النُّوبة، وقد استبسل أبناء النُّوبة من أجل حقوقهم الإنسانية أيما استبسال.  باستعراض موجز لتأريخ جبال النُّوبة، كغيرها من الأقاليم المهمَّشة في السُّودان، نجد أنَّه زاخرٌ بالشخوص والوقائع ذات الطابع الأُممي في المقام الأول والوطني في المقام الثاني، ذلك لأنَّ الأُمة التي لا ماضي لها هي أُمَّة بلا جذور ولا إنتماء ولا تطلُّعات نابهة نحو المستقبل. إنَّ غرام النُّوبة بالذود عن أرضهم، والإبقاء علي مكتسباتهم الحضاريَّة، والحفاظ علي هويَّتهم وصيرورتها يعود في الأصل إلي جذور أحفادهم الذين كانوا للوطن مخلصين وعن العرض ذائدين.
وفي هذا الصدد تقول الباحثة اليابانية في تأريخ السُّودان الحديث - الدكتورة يوشيكو كوريتا: "إنَّ النُّوبة كانوا يوقعون عقوبة الجَّلد على كل من يقسم بالمهدي". هذا دليلٌ على رفضهم للسياسة الجديدة التي طالما حاول المهدويُّون فرضها عليهم قسراً. وقد إعترف المهدي "بجمهوريَّة النُّوبة العسكريَّة" كواقع محتوم إلى أن  أُرسِل - في وقتٍ لاحقٍ - حمدان أبوعنجة لإخضاعهم بقوة السِّلاح، حيث إشتهرت حملات أبي عنجة بتخريب الدِّيار والإمعان في الدَّمار: إتلاف الزرع والضرع، وتقتيل النُّوبة وتذويقهم ألواناً من العذاب، واقتيادهم كأسرى حرب. تلك هي سياسة الدولة المهديَّة، التي لجأ مؤسسها - الأمام محمد أحمد المهدي - في المبتدأ إلي جبل قدير بجبال النُّوبة لإستمالة قلوب النُّوبة وحثِّهم على الانخراط في جيشه لمحاربة الحكومة التركيَّة-المصريَّة (1821- 1885م)، وإيصاله هو الآخر إلى حياض السلطة في الوقت الذي كان فيه سكان الحضر والشمال البحري - حتى تلك اللَّحظة - في شكٍ مريبٍ من إمكانيَّة نجاح المهدي في تسديد ضربة قاضية للسُّلطة يومئذٍ.
فقد انبنت سياسات أنظمة الحكم في السُّودان - كائناً ما كان - في التعامل مع النُّوبة على أساس أنهم عبيد، حيث لا ينفع معهم غير أسلوب القهر والقسوة. فنجد أنَّ العوامل التي دفعت إلى إيقاد ثورات الجِّهاديَّة - كسلا إبَّان حكم التركيَّة في آذار(مارس) 1865م، الأبيِّض 1885م والنُّهود في يوم 20 تموز (يوليو) 1891م - ترجع إلى الشُّعور السَّائد بين هؤلاء الجُّنود السوُّدانيين السُّود بأنَّ العرب ينظرون إليهم بنظرة احتقار، وإنَّ العصيان، الذي غالباً ما أخذ أشكالاً مختلفة، ما هو إلا وسيلة من وسائل "البحث عن حريَّتهم الإجتماعيَّة والتَّخلُّص من هذه النَّظرة ذات الصِّبغة العنصريَّة واللَّونيَّة. إذ أنَّ النَّظرة إليهم كعبيد ما زالت سائدة."  كان معظم هؤلاء الجهاديُّون من الرَّقيق المحررَّين أو ذوي جذور تعود إلي زمان الرِّق، فلم تشفع عنهم أسماؤهم العربيَّة، أو أسماء زعمائهم مثل بشير علي وسرور النُّور وعلي يوسف، من إضطِّهاد رفاقهم في السِّلاح.  أمَّا ثورة الجِّهاديَّة التي إشتعلت في الأبيض فقد احتمى زعماؤها بجبال النِّيمانج حيث وقعت معركة داميَّة قتل فيها محمود عبدالقادر قائد جيوش المهديَّة في 20 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1885م.  أمَّا الإحتراب الذي وقع في النُّهود بين قوات المهديَّة تحت إمرة محمود ود أحمد والثُوَّار الجِّهادويين تحت قيادة جهادوي يدعى عطرون ورتبته رأس ماية لم تقل ضراوة وشراسة عن أحداث الأبيِّض.  وقد رُوِي أنَّ كان أكثر الفرق حماسة في قتال النُّهود فرقتي البرنجيَّة والملازميَّة.
يسرد بعض مؤرِّخي السُّودان الوقائع التَّاريخيَّة في هذا البلد على هوى النَّفس، ودون الاختيار الأمثل للمفردات، وذلك لحاجة في نفس يعقوب؛ وعندما ذكر الأستاذ المؤرِّخ عوض عبدالهادي العطا بأنَّه كان لدي حمدان أبي عنجة مفهومه "عن سكان الجِّبال بأنَّهم ذوي مفاسد ونفاق ينبغي مراقبتهم بدقَّة وخاصة عند اختلاط العربان بهم" لم يراع ما تحمله كلماته هذه من الهجاء المقذع. إنَّ هذا المفهوم المتَّسم بشئ من الكبرياء هو الذي أوغر صدر أبي عنجة ضد النُّوبة فقاتلهم، وفضَّل استرقاقهم على حريَّتهم، وهلك حرثهم ونسلهم: وإنَّ ثمة دماً يسيل أينما ولَّى أبوعنجة وجهه. إنَّ إطلاق الألفاظ النَّابية على القوم، سواء جاء ذلك من الأستاذ الكاتب أو من توهُّم أبي عنجة المحارب، دون الإشارة إلي هذه المفاسد أو أوجه النِّفاق يعطي الإنطباع بأنَّ القوم جربي والإبتعاد عنهم وعدم الإختلاط بهم وقاية علاجيَّة.  وقد قسَّم عوضنا هذا المعارضة الجَّبليَّة وقتذاك إلي ثلاثة: معارضين من غير النُّوبة وهم الجِّهاديَّة وهم ذوو بأسٍ ومراسٍ شديد ولهم كفاءة عسكريَّة عاليَّة؛ النُّوبة وقد سبق الإشارة إليهم؛ ثمَّ المجموعات العربيَّة المتغلغلة في أوساط النُّوبة.
إنَّ الأسلوب القهري العسفي في الحكم وطريقة تطبيقه على الأهالي دون مراعاة لأحوالهم الإقتصاديَّة وعاداتهم وتقاليدهم  قد دفع النُّوبة إلى الإستدراك بأنَّ جميع سلاطين الخرطوم - الأتراك منهم أوخلفاء أم درمان المهدويين - من طينة سياسيَّة واحدة؛ والأمر، في الأساس، لايعدو أن يكون تغيير في السَّادة.  فلا غرابة من ظهور حركات - حركة مزيل الضَّلال أو المحن - أو إشاعات تنادي بإزالة الفساد ورفع الظُّلم عن النَّاس.  تلك هي حالة الجِّبال في عهد المهديَّة.
الإنسان، بالطبع، مدني ولا بد له أن يعيش مع الآخرين ويتعاطى معهم شؤون الحياة اليوميَّة حتى تتحقَّق مصالحه وتنتظم أموره. وكنتيجة حتمية لذلك كذلك يظهر الخلاف والنزاع بين أفراد المجتمع، مما يستتبع بالضرورة قيام السُّلطة للفصل بين المتنازعين والحكم بين المختصمين بالقسط.  إذن، فالسُّلطة السياسيَّة ضرورة أملتها ظروف المعاش والميعاد، بل لا بد منها من أجل قيام المجتمع البشري واستمراره، ومن أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى تحقيق الازدهار الاقتصادي والنمو العمراني والتطوُّر الحضاري.  فالناس لا بد لهم من سلطة تعرِّفهم بمصالحهم الدنيويَّة وتكبح جماحهم الديني وذلك للحد من الغلو.  لكن السؤال الذي يتردد دائماً إلى الأدمغة هو كيف يمكن أن يتعايش أناس ذوي اعتقادات روحيَّة متباينة وأهداف سياسيَّة مختلفة مع بعضهم البعض وفي سلام ووئام؟  وإذا أخذنا منطقة جبال النُّوبة نموذجاً نرى أنَّ تأريخ الصراع الدموي فيها مرَّ بمراحل مختلفة تشتد وتضعف حسب أسباب الصراع وأسلوب السُّلطة المركزيَّة في الخرطوم في التعامل مع المشكل.  فقد فشل الأتراك في التوغُّل إلى جبال النُّوبة وإخضاع مملكة تقلي، على الرغم من نجاحهم في الحصول على أعداد ضخمة من العبيد النُّوبة وذلك باستعانتهم بالتجار السُّودانيين الشماليين الذين كانوا يقومون بأعباء "الغزوات" وبيع المعروضات في أسواق الأبيض، حتى كوَّنوا نفوذ سياسي لا يستهان به في المدينة وبدأوا يعزلون الولاة وينصبونهم كيفما يحلوا لهم.
أما في الحقبة البريطانية-المصريَّة (1898-1956م) فقد حاول الاستعمار فرض السُّلطة بالقوة في جميع أرجاء القطر. ونتيجة لهذه السياسة استمرَّت المواجهات الفرديَّة والقبليَّة بين النُّوبة والسلطة البريطانيَّة-المصريَّة في المنطقة آخذة في الإزدياد.  وما ظهور الشريف محمد الأمين في تقلي في العام 1903م والتأييد الشعبي الذي حُظِيت به حركته إلاَّ واحداً من عدة إنتفاضات مسلَّحة بالجبال.  لقد وجد الأمين دعماً من أهالي المنطقة والقرى المجاورة مما حدا به إلى إعتقال القاضي بمساعدة مك تقلي - آدم جيلى. إنَّ إلقاء القبض على الأمين وشنقه في ميدانٍ عام بالأبيِّض لم يطفئ نار الثَّورة التي باتت مؤجَّجة في الجبال. يقول البروفسير مارتن دالي مستطرداً: "في العام 1904م تمَّ إرسال دوريَّة عسكريَّة لتركيع النُّوبة بجبل شات وجبل الدَّاير لامتناعهم أن يعطوا الجِّزية عن يد وهم صاغرون، وكذلك لمنعهم من القيام باعتداءات على القبائل المجاورة".  أمَّا الدَّوريَّة التي قادها حاكم كردفان شخصيَّاً إلى جبل مندل فقد مُنِيت بهزيمة ساحقة، ونصر معنوي للنُّوبة. ونجد كذلك أنَّ الحملة التي أُرسِلت لإلقاء القبض على مك كِترا فضَّلت الإنسحاب وسط شائعات تُنذِر بتحالف وشيك بين قبيلتين "نوباويَّتين" أو أكثر ضد الحكومة.
أمَّا حادث تلودي في 25 أيار (مايو) 1906م فكانت في أصلها - مهما خُفِيت دوافعها الفعليَّة - مؤامرة من قبل العرب المستوطنين في المنطقة، الذين ثاروا ضد السلطات المحليَّة عندما منعتهم الأخيرة عن مزاولة الإتجار بالرقيق من أبناء النُّوبة واستعبادهم.  ففي هذه الأحداث طعن الشيخ عطيَّة صقر مأمور تلودي من خلاف حتى الموت، وكذلك لقي عددٌ من موظفي الحكومة حتفهم في هذه الوليمة القاتلة التي دُعِي إليها أعيان المدينة أُسوةً بالمأدُبة التي أقامها المك نمر - مك الجعليين - لإسماعيل باشا وإغتياله حرقاً في شندي في تشرين الأول (أكتوبر) 1822م. قامت الحكومة بحملتها العسكريَّة ضد العرب في مدينة تلودي يومي 17 - 18 حزيران (يونيو) 1906م وتمَّ تشريدهم من المنطقة.   
مهما يكن من أمر، فقد ظهرت ثورات شتى في جبال النُّوبة للتعبير عن رفض أهالي النُّوبة السيطرة والقيود الاستعماريَّة ودفع الضرائب الخاصة التي كانت تُفرض على قبائل النُّوبة (ضريبة الدقنيَّة - Poll Tax)؛ تلك الضريبة التي كان يدفعها الشخص عن نفسه اعتبرها النُّوبة مذلِّة ومهينة لكرامة الإنسان النوباوي.  ومن جانب آخر، كانت الذاكرة الشعبيَّة تختزن من المواقف السلبيَّة والتجارب المريرة ذات الصلة بتجارة الرق كثير إبَّان الحكم التركي-المصري؛ الشئ الذي غرس الشك - لأنَّ الشك مصدر اليقين لا غير - في نفوس النُّوبة وعزَّز المقاومة الشَّعبيَّة لأي شكل من أشكال التسلُّط الأجنبي.  فكانت هناك أكثر من أثنتين وعشرين ثورة مسلحة ضد الوجود البريطاني-المصري في المنطقة من أجل تحرير الإرادة الوطنيَّة من الاستغلال الأجنبي، وقد صمت عنها - بضمير مستريح - سجل التأريخ الوطني في السُّودان وتقاعس أي تقاعس.  ومن أبرز هذه الثَّورات حركة الفكي على الميراوي ضد سلطات الحكم الثنائي في العام 1915م، الذي استخدم أسلوب الكر والفر في منازلة السُّلطات، حتى تم تسليم نفسه بعد اتفاق تمَّ بينه وبين النظام.  ثار الفكي علي ود ود المي المعروف بالفكي علي الميراوي - نسبة إلي قبيلة ميري - على النظام في العام 1915م، وقد عاونه في ذلك الشيخ محمد الفقير الجابوري - ناظر المسيرية أولاد سالم - الذي كان يلعب دور تاجر البندقيَّة، حيث استطاع الفكي علي أن يشتري منه بعض الأسلحة الناريَّة. وقف المسيريَّة الزُرُق في صف النُّوبة، وعندما علم العرب - حلفاء الحكومة في أيَّة عمليَّة عسكريَّة ضد النُّوبة - أنَّ المسيريَّة في خندقٍ واحدٍ مع الفكي علي رفضوا التَّعاون مع السلطة هذه المرَّة لئلا تتعرَّض حياة إخوانهم المسيريَّة للخطر. قرَّر الفكي علي السَّفر إلي الخرطوم لوضع مشكلته أمام الحاكم العام، لكن أُعتُرِض سبيله، وقُبِض عليه في كردفان، وتمَّ إرجاعه إلي مدينة تلودي - عاصمة الجبال وقتذاك - وحُكِم عليه بالإعدام. فعلى الرغم من الحراسة المشدَّدة عليه بينما هو في الطَّريق إلى مدينة كادقلي لتنفيذ حكم الإعدام فيها، استطاع الفكي علي أن يهرب في ليلةٍ ليلاء في شهر آب (أغسطس) 1915م.  وبمساعدة شابو الإعرابي تمكَّن في العودة إلى جبال ميري وواصل النِّضال.
ومهما يكن من أمر الفكي علي، فقد لعبت الظروف المحليَّة والعالميَّة دوراً فعَّالاً في صالحه. كما ساهمت جغرافية وتأريخ جبال النُّوبة في انجاح ثورته.  نذكر منها - على سبيل المثال لا الحصر - طبيعة الجبال الصَّعبة بما فيها من الأمطار الغزيرة والبعوض، وانشغال الحكومة بالتجهيز لمحاربة السلطان علي دينار - سلطان الفور - الذي أعلن ثورته هو الآخر، واستمرار الحرب العالميَّة الأولى (1914- 1918م). فشلت محاولة محافظ الجبال الأولى عندما بعث الشيخ محمد شعيب - أحد تجار تلودي - كوسيطٍ بينه وبين الفكي علي لحل النِّزاع سلميَّاً. وتحت اصرار المحافظ على منح الفكي علي أحد الخيارين لا ثالث لهما وصلت المفاوضات إلي طريقٍ مسدودٍ.  كان يرى المحافظ أنَّ الفكي علي عليه فقط اختيار الكيفيَّة التي سوف يتمُّ بها إعدامه: شنقاً أم رمياً بالرصاص؟ حيث كان يعتقد العرب والنُّوبة حينئذٍ أنَّ القتل شنقاً وصمة عار في جبين المقتول.  ففي تشرين الأول (أكتوبر) 1915م تدخَّل الحاكم العام، وطلب من محافظ الجبال تقديم تنازلات يقوم الفكي علي بموجبها تسليم نفسه. وبالفعل نجحت وساطة الشيخ شعيب هذه الكرَّة وسلَّم الفكي علي نفسه وأُرسِل إلى الخرطوم حيث تمَّ الحكم عليه بالإعدام بواسطة محكمة مدنيَّة، لكن عُدِّل الحكم بواسطة الحاكم العام إلى السجن المؤبَّد مع المعاملة الخاصة.  عندما عاد الفكي علي إلي مدينة كادقلي في العام 1926م تقريباً أُعتُبِر شخصاً خطيراً على الأمن وصدرت تعليمات بنقله إلى مدينة الدَّلنج، التي عاش فيها كمعتقل سياسي حتَّى وافته المنيَّة في العام 1936م، بعد21 عاماً من معارضة النِّظام وعن عمرٍ ناهز السبعين سنة.
كذلك قامت في جبال النُّوبة ثورة لم تقل ضراوة وعنفاً من حركة الفكي علي الميراوي. ذلكم هو عصيان السلطان عجبنا بن أروجا بن سبأ، السلطان الثالث عشر لمنطقة الأما "النيمانج"، بالقرب من مدينة الدَّلنج، والتي تبعد 98 ميلاً جنوبي مدينة الأبيِّض.  ومثلما أطلقت مهيرة بنت عبود في منطقة الجعليين في شمال السُّودان زغرودة مجلجلة ألهبت بها حماس الرِّجال واستثارت في نفوسهم الحمية والإقدام للقتال والتصدِّي للغزو التركي-المصري الغاشم، ناضلت ونافحت مندي ابنة السلطان عجبنا أي النضال، وتركت بصمات واضحة في حياة النَّاس في جبال النُّوبة، وقد تم تخليد ذكرها بمارش عسكري ما زال تعزفه فرقة سلاح الموسيقى بالجيش السُّوداني.  أما والده، السلطان عجبنا، فقد أبلى بلاء حسناً والعدو في أمره احتار.  إذ انتهت أحداث الدَّورية رقم 32 باعتقال السُّلطان عجبنا وكلكون في 28 شباط (فبراير) 1918م وإعدامهما.  وقد قال عنه محمود دليل أنَّه "جاهد المستعمرين جهاداً كبيراً، ووجدوا فيه غلظة حتَّى أنَّهم استأسدوا عليه بقوات من سواري شندي وبعض الوحدات المتمركزة في الخرطوم والخرطوم بحري وخور شمبات، وأُسِر وجئ به لإعدامه شنقاً في ساحة بالسوق.  وبينما كان السُّلطان عجبنا يساق إلى الموت والنَّاس ينظرون قال لهم قولته الشَّهيرة: "أي واحد ما شاف السُّلطان عجبنا يجي يشوفه اللَّيلة ويشوف الرجال تموت كيف!"  ووصفه  الدكتور حامد البشير إبراهيم أنَّه كان "قائداً نوبيَّاً جسوراً، فعندما حكم عليه بالإعدام في العام 1919م سأله الحاكم العسكري ماهي آخر أمنية لك قبل الموت؟  فردَّ قائلاًً: لماذا تقتلني بحبل ككلب مسعور.  أنا رجل ولذلك يجب أن تقتلني بالرصاص."  رحم اللَّه السُّلطان عجبنا وصحبه من أجلنا ارتادوا المنون.  إمعاناً في سياسة "فرق تسد"، فقد استغلَّت سلطات الحكم الثنائي العرب الحوازمة وسمَّوهم "الأصدقاء أو النبلاء" في حملتها على السُّلطان عجبنا ومساعده - الكجور كلكون.  واقتصر دور الحوازمة على اعتراض سبيل النُّوبة، ومنعهم من الهروب من الحصار المطبق عليهم، واعتقالهم بقوة السِّلاح.  إلاَّ أنَّ الحوازمة أظهروا قساوة لم يسبق لها مثيل.  فلم يراعوا عامل الجنس أو العمر، ولم يوقِّر بعضهم بعضاً وخاصة عندما يصبح الأمر متعلِّقاً بالغنائم؛ كانوا غلاظاً فظاظاً.  وقد رُوِي أنَّ أحداً بقر بطن أخيه وأرداه قتيلاً في شجار على جلد ماعز اُستخرج من كهف هجره النُّوبة.
تعتبر حركة السلطان عجبنا أخطر حركة مسلَّحة واجهت الحكومة البريطانيَّة في الجبال. حيث أنَّ القوة العسكريَّة والإمداد الحربي اللذان أُعُدا لغزو المنطقة تعكس جسارة الرَّجل وتماسك أتباعه، مما اضطرَّت السلطات إلى تجنُّب المواجهة المباشرة والإذعان إلى سياسة الحصار. أوفدت الحكومة قوة ضاربة قوامها ثلاث سريَّات بقيادة الرائد فانديلو والرائد جراهام والرائد ورثنجتون ويلمير إلى جبال النيمانج.  إنتهى نضال السلطان عجبنا باعتقاله وكذلك كَلَوكَون - أحد أقطاب المقاومة - في يوم 27 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1917م بواسطة العرب الحوازمة الموالين للحكومة الاستعمارية وقتذاك وسدنة كل نظامٍ حاكم بعد الاستقلال.  بإعدام الزعيمين، استسلم الكثير من أهالي النيمانج كنتيجة حتمية بعد قتل قادتهم، واختار البعض الآخر الموت عطشاً - بعدما منعتهم الحكومة من ايراد الماء - لتحاشي إهانة الاستسلام.
دفاعاً عن موروثهم التقليدي، نجد أنَّ سكان قبيلة جُلُد تمادوا في توقيع العقوبة البدنيَّة على أُناسٍ يسمُّونهم "منزِّلي المطر" (Rainmakers)، أو الذين يؤمنون بأنَّ لديهم المقدرة على إنزال الغيث. وعندما منعتهم السلطات البريطانيَّة عن ممارسة هذه العادة، التي اُعتبرت جريمة بفعل القانون الجنائي، ثارت ثائرة القوم ووقفوا وقفة رجل واحد ضد هذا التدخُّل، الذي أعتبروه سافراً في شؤونهم الاجتماعيَّة والثقافيَّة.  فأوَّل ما قاموا به هو اغتيال مك القبيلة، الذي صنَّفوه عميلاً سلطوياً من قبل النظام، ومن ثَمَّ شمَّروا سواعدهم لمنازلة الحكومة.  وفي تضامن منقطع النَّظير، برزت قبيلة تِيمِين كساعد أيمن لمؤازرة مواطني جُلُد.  لكن جبروت الحكومة وتفوقها في السلاح والعتاد أوقع هزيمة ساحقة بساكني المنطقتين، وذلك في يوم 7 آذار (مارس) 1926م.  كذلك نجد أنَّ النِّزاع الذي نشب في جبال تُلُشِي في العام 1939م، بعدما سبقته تحرُّشات متقطِّعة بين مواطني تُلُشِي والحكومة، كان ينذر بحدوث صدام وشيك بين الفريقين.  لم تغب تحرُّكات الحكومة العدوانيَّة على أحد بتُلُشِي، وفي يوم 16 كانون الثَّاني (يناير) 1945م سجَّل التأريخ تدمير آخر منزل بجبال تُلُشِي.
هكذا استمر العصيان والغليان في ظل الاستعمار البريطاني-المصري، فلم تهدأ الأحوال فيها حتى في نهاية الحرب العالميَّة الثَّانيَّة، أي العام 1945م.  ومن ثَمَّ فضَّل الحكام الاستعماريون "الحكم اللامركزي" (Indirect rule) في الجِّبال لأنَّ ذلك من أقلَّ أنواع الحكم إنفاقاً على المنطقة، لكنَّهم سرعان ما تبنوا سياسة غير تلك.  فماذا فعلوا؟  لقد اقدمت السلطات الاستعماريَّة على:
إلغاء مديريَّة جبال النُّوبة تنكيلاً بالنُّوبة بسبب الانتفاضات العديدة التي أشعلوها ناراً ضد السلطات يومئذ، وضم مناطق جبال النُّوبة إلى مديريَّة كردفان.  فهذه واحدة من المشاكل التأريخيَّة التي شكلت لدي الطبقة المثقفة من أبناء النُّوبة في الستينيات مطلباً سياسيَّاً.
افتقار المنطقة إلى التنمية والطرق والتعليم والصحة، وكل هذه الأسباب خلقت نوعاً من التخلف الاجتماعي مقارنة مع بعض المناطق الأخرى.
عدم وجود فرص كافية لأبناء جبال النُّوبة في المؤسسات الدستوريَّة.  
كان هذا هو الحال في جبال النُّوبة أيام الاستعمار البريطاني-المصري من جانب الأمن والسلطة العسكرية دون احصاء أو استقصاء الجوانب الاقتصادية والتعليميَّة، لأنَّ هذه الأخيرة لم تنل مجهوداً كبيراً ولم يخطر لهم على بال أمر إيلاء هذه المسائل إهتمام إلاَّ في حالات ضعيفة مما تخدم أغراضهم الاستعماريَّة في بسط الأمن والإدارة وجباية الضرائب.
ومهما كان من شأن هذا كله، فقد استطاع الاستعمار البريطاني-المصري فرض "العقد الاجتماعي" بقوة السِّلاح الناري والحنكة السياسيَّة.  وقد تمثَّل هذا "العقد الاجتماعي" - كما عرَّفه هوبيز ولوك وروسو - بأنَّه العقد الذي يجعل الأفراد يوافقوا على التخلي عن بعض سلطاتهم الخاصة إلى الحكومة المركزيَّة لتقوم هي بمهام حفظ النظام ورعاية الصالح العام.  غير أن هذا العقد الاجتماعي قد مزِّق شر ممزق في جزء من هذا الوطن العريض.  حدث هذا عشيَّة الاستقلال أي الاستقلال الذي ولد ميتاً وملطخاً بدماء المواطنين السُّودانيين في جنوب الوادي.  وحال السُّودان عشيَّة الاستقلال كمثل الهند والعنف الطائفي الذي صاحب ذلك الاستقلال من الإمبراطوريَّة البريطانيَّة في آب (أغسطس) 1947م وانشطار شبه القارة الهنديَّة إلى الهند وباكستان.  وقد وصف الشاعر الباكستاني فائز أحمد فائز (1911-1984م) هذا الاستقلال في قصيدته "فجر الحريَّة" (The Morning Freedom):
هذا الضوء الملطَّخ ... هذا الفجرالذي أُكِل ليله
لم يكن هذا هو الفجر الذي كنا نبتغيه
ثمًّ يمضي في قصيدته ناشداً:
لم يأت بعد زمن تحرير القلب والعقل
استمر في رحلتك الشَّاقة
استمر...  مازال الهدف بعيداً جداً
هذا هو حال أهل الجنوب مع تفجر العنف الدموي الذي صاحب الاستقلال، وتحذيرات أولي الألباب لأولي الأمر بأن اليوم هو سبيل أهل الجنوب وغداً أمر أهل النُّوبة والفونج والبجة ودارفور، فلم يزدهم نذير أولئك وهؤلاء إلاَّ مكراً واستكباراً.  فبرحيل المستعمر لم يتبدَّل شئ يوحي بتحقيق مصلحة الأمة، فقد كانت - وما زالت - السُّلطة السياسيَّة في السُّودان لا تعني شيئاً عند العامة في التخوم النائيَّة سوى فرض عوامل السيادة بالقوة والرسوخ، بل استخدام القهر والغلبة في رد طلبات سياسيَّة في حق الشعوب.  استمر عهد "العقد الاجتماعي" هذا - رغم هشاشته - حتى خلال حكومات ما بعد الاستقلال، ولكن بانحدار شديد نحو الهاوية، وذلك حين توثب الطغام على الهوام، وتحاربت الأراء المتناقضة، وتفرَّقت الارادات المتناقضة، حتى اتسع الخرق على الراقع إن كان هناك راقع في قطر اسمه السُّودان.  ففي يوم 13 آب (أغسطس) 1958 م دعا نواب قبائل البجة في الجمعيَّة التأسيسَّة رئيس الوزراء عبدالله خليل ووزرائه إلى بورتسودان في اجتماع مهيب يضم شيوخهم وممثليهم البرلمانيين وشخصيات قيادية وسلموهم طلباً يشتمل على إثنتي عشر مطلباً.  وكان إحدى المطالب هي أن يتم تشكيل حكومة في السُّودان يكون للبجة فيها الحق في تسيير شؤونهم المحليَّة على الطريقة التي يختارونها. وبعد عودة الوزراء إلى الخرطوم وجدوا مطلباً مثيلاً في انتظارهم في الخرطوم.  جاء هذا الأخير من وفود قبائل مديريتي دارفور وكردفان الذين اجتمعوا في مدينة الأبيض، وقد وقَّع على هذه العريضة ممثلي هذه المناطق في الجمعيَّة التأسيسيَّة.  إلاَّ أن هذه المذكرات لم تجد أذناً صاغية.  ففي أواسط الستينيات من القرن الماضي حدث تململ بمنطة هيبان وعبري بجبال النُّوبة، وسط أبناء النُّوبة تحديداً، وحدث عنف وهجوم استهدف مؤسسات الدولة هناك، وأُضرمت حرائق، وعُقِدت محاكمات وصُدِرت أحكام قاسية ضد عديدين.  كادت أن تحدث أحداث مماثلة في مدينة الدلنج عندما تحرك أهالي النيمانج صوب المدينة للتعبير عن الظلم الكظيم سنيناً عدداً.  وبعد مفاوضات مضنية انقشعت العاصفة التي كادت أن تؤدِّي إلى إراقة دماء.  كان النُّوبة يطالبون بإزالة ضريبة الدقنيَّة وضريبة الهوى.  والأولى تعني فرض فدية سنوية على الشخص يدفعها عن نفسه، وهذه الضريبة مفروضة منذ عهد الاستعمار، وكنا نتوقَّع من أول حكومة وطنيَّة إلغائها بإعتبارها ضريبة استعمارية تميِّز بين المواطنين في القطر الواحد، لأنها مقصورة على أهالي غرب السُّودان دون غيرهم من أهل السُّودان قاطبة، وحين لم يتم إلغائها سبب الغبن في نفوس أبناء النُّوبة.  ولذلك كذلك يذهب الحديث عن "بدل رقيق"، وهو علاوة شهرية كانت تدفع لموظَّفي الخدمة المدنيَّة حتى لغتها حكومة مايو في السبعينيات من القرن الماضي.  وجلنا يعلم من هم المقصودين بالرقيق في هذه العلاوة التي فرضها نظام الاستعمار لتعويض رجال الخدمة المدنيَّة عن الأعمال التي كان يقوم بها "خدم المنازل"، الذين هم في الغالب المشاع من أبناء النُّوبة.  وفي بعض الحالات الناَّدرة جداً - كما شهدنا، وقبل اشتعال الحرب الأهليَّة في جبال النُّوبة - حاول نظام نميري إيجاد تمثيل سياسي للنُّوبة في حكومته، فلم يلق وجود نوباوي واحد في الحكومة المركزيَّة رضا بعض أحزاب الشمال، حيث أمسى تعيين السيد محمود حسيب في وزارة حكومة جعفر نميري في أوائل عهد النظام مثار احتجاج من بعض أحزاب الشمال، التي ما برحت تنادي بانصاف القوميات المختلة حتى ظننا أنهم يعنوا مايقولون.
ولعل أبخس ردود الأفعال، التي شهدناها، حين يهب أهل المناطق المهمَّشة مطالبين بحقوقهم المسلوبة فيُوصفون - من قبل أهل السُّلطة في الخرطوم - بالانفصاليين والعنصريين.  فليس صحيحاً أنَّ اتِّحاد عام جبال النُّوبة - في وقتٍ مضى أو حاليَّاً - ابتغى سبيلاً لطرد العرب من السُّودان كما يُشاع إفكاً وبهتاناً.  فقد صُدر أحد الكتب في التسعينيات من القرن الماضي، حيث يشير فيه المؤلفان أنَّ "(الأب) فيليب عبَّاس غبُّوش (كان) مؤمناً إيماناً قاطعاً أنَّ العرب يجب أن يذهبوا ... وبالتَّالي شرع في مخطَّط لاحتلال الخرطوم، وربُّما الاستيلاء على الحكم".  عند الإمعان والتفكير في عبارة "احتلال الخرطوم" قد يترك انطباعاً أنَّ المؤلِّفين يتحدَّثان عن "حملة كتشنر" لا عن الأب فيليب غبُّوش وغيره من النُّوبة الذين كانوا يومئذٍ في الخرطوم قبل انقضاض الانقلابيين المايويين على السُّلطة، حتى ولو فرضنا أنَّهم كانوا خارج العاصمة فلا يصح وصفهم بهذا الأسلوب الذي دائماً يُستخدَم للعدوان الخارجي الغشيم.  ومهما يكن من أمر، فإنَّ مشاركة النُّوبة المحدودة في حركة تحرير جنوب السُّودان (حركة الأنيانيا الأولى) لم تجلب لأهل جبال النُّوبة حقوق سياسيَّة وخدمات اجتماعيّة أساسيَّة.  وقد كشف المؤلِّفان عن هذا الوجود النُّوباوي في صفوف حركة اللِّواء جوزيف لاقو حينما أوردا أنَّه "عند إبرام اتِّفاقيَّة أديس أبابا كان لدي (الأب) فيليب غبُّوش أربعة من أبناء النُّوبة يعملون تحت لواء قوات التَّمرُّد بقيادة اللِّواء جوزيف لاقو، وكان أشهرهم المدعو عبدالمسيح الفضل ترنال".  غير أنَّ الكاتبين العسكريين لم يكونا في جانب الحقيقة عندما ادَّعا أنَّ تنظيم غبُّوش خطَّط في أحداث مطار جوبا في شباط (فبراير) 1977م لفصل الجنوب وضمَّه ليوغندا.  وقد استفسرنا مراراً كيف يُعقل أن يقتطع أبناء النُّوبة جزءاً من القطر بعيداً عن منطقتهم التقليديَّة لكيما يهبوه لدولةٍ أخرى؟ إنَّ هذا لأمرٍ مريج.  ولم نندهش حينما أدركنا أنَّ المؤلِّفين ما زالا يستخدمان التَّحليل الاستخباراتي الذي هو سمة كل نظام في الخرطوم للتَّشهير بأبناء النُّوبة واعتبارهم "أناس غير وطنيين"، وإلاَّ ماذا يعني هذا الإفك المبين؟
عند بزوغ فجر الاستقلال في السُّودان في كانون الثَّاني (يناير) 1956م، كما أسلفنا قولاً، لم ينل إقليم جبال النُّوبة نصيباً مفروضاً من الخدمات التَّنموية والتَّعليميَّة والصَّحيَّة وغيرها كما حدث - وما زال يحدث - في الخرطوم والجَّزيرة. وإذا كانت الحكومات المتعاقبة تدَّعي أنَّ جنوب السُّودان أُهمِل تنمويَّاً لإنعدام الأمن فيه طيلة سنوات الحرب الأهليَّة الأُولى (1955- 1972م)، فبم يبرِّر هؤلاء الحكام المتعاقبون تهميش منطقة جبال النُّوبة التي كانت آمنة حتى وقت قريب؟ استمرَّ الظُّلم يلتهم أكباد النَّوبة طيلة فترة الأنظمة التي سمَّت نفسها وطنيَّة - مدنيَّة كانت أم عسكريَّة - حتَّى جاء نظام الرئيس السَّابق جعفر محمَّد نميري في العام 1969م، وقد وصلت الأُمور حدَّاً يستحيل معها الصَّمت. فمثلاً حينما أُنشأت مشاريع الزراعة الآلية في هبيلا وكرتالا جئ بملاك الأراضي من شمال كرفان والخرطوم والجَّزيرة لإحتكارها، واستخدام النُّوبة كأيدي عاملة رخيصة فقط، بل صُودرت أراضيهم لصالح المشاريع، ممَّا أدَّى إلى تململ سكان المنطقة المحليِّين. وعندما فتكت المجاعة بالمواطنين في العام 1984م كان كل المحصول قد تمَّ تصديره إلى خارج الإقليم أو خارج السُّودان، بدلاً من تحقيق الإكتفاء الذَّاتي، وأخيراً استغاث النُّوبة بعيش الأمريكان، الذي بات يعرف في الأدب الشَّعبي السُّوداني بعيش ريجان - نسبة للرئيس الأمريكي السَّابق رونالد ريجان. وبعد انهيار نظام نميري نشب النِّزاع المسلَّح في المنطقة كنتيجة حتميَّة للظلم المتوارث، والنَّظرة الإستعلائيَّة لدي الشِّمال الحاكم.  هذا هو حال النُّوبة الذين هم فيهم يمترون، وقد بلغ بهم الأمر مبلغاً بات مستحيلاً كظم الغيظ وكتم الحزن واستبقاء الدموع، لأنَّ الذي بهم قد تفاقم واعتلى ونما وزاد وأورثهم المرض، كقول الشاعر:
حتام نكتم حزننا حـــتاما    وعلام نستبقي الدموع علاما
إنَّ الذي بي قد تفاقم واعتلى    ونما وزاد وأورث الإسـقاما
ففي منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أخذ النُّوبة الأمور بيدهم وخاصة حينما تيقَّنوا أن "العقد الاجتماعي" الذي في يد السلطة المركزيَّة أُسئ استخدامها وانفرط عقد الأمن.  وكذلك انفك "العقد الاجتماعي" الذي كان يربط بين القبائل العربيَّة المستوطنة في المنطقة منذ القرن السَّابع عشر وقبائل النُّوبة التي استضافت وأكرمت مثوى جاحفل الوافدين إلى هذا الإقليم.  وفي أعقاب الانتفاضة الشعبيَّة تنادى أحزاب الشمال الإسلاموعربيَّة مصبحين بتمليش (تكوين وتسليح) القبائل العربيَّة في المنطقة حتى برزت أسماء مثل: الجنيد، على حمدان كير، الهادي بشرى وغيرهم على رأس "قوات المراحيل" - أي قوات العرب السيارة.  وعندما اشتدت الهجمات والأعمال العدائيَّة ضد النُّوبة، فضَّلوا أن يذهبوا للحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان يستنجدون بها لعلهم يأتوا منها بنار لرد العدوان. ومهما كان من شأن هذا كله، فقد استطاع المسلمون القانتون زرع عناصر لهم في الحكومة الإنتقاليَّة التي رأسها الفريق عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب (1985- 1986م)، وباتت هذه العناصر تنادي - وبصوتٍ مجلجل - بتسليح القبائل العربيَّة. بهذه الفعلة أجهروا بمحاربة الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في المنطقة بقيادة يوسف كوة مكي، وأسرُّوا الإبادة العرقيَّة للنُّوبة.  في هذا الجو المشحون بالظلم السياسي تنادت تنظيمات جهوية مع حرارة الانتفاضة الشعبيَّة، وكوَّنت "تضامن قوى الريف السُّوداني"، وحين أحست أحزاب الشمال أنَّ هذا العمل قد يهدد نفوذهم التقليدية أخذت تعمل على هدمه بالعمل الخفي، وكان لهم ما أرادوا حتى بات التضامن هشيماً تذروه الرياح ولا يكاد يقف على أمره شيئاً.
بيد أنَّ فوز السيِّد الصَّادق المهدي بتولِّي منصب رئاسة مجلس الوزراء في انتخابات جزئيَّة في العام 1986م لم يكن يعني هذا كثيراً بالنِّسبة للمنطقة. إنَّ الذي يتماهى - سياسياً واجتماعيَّاً ودينيَّاً - بين النخبة التي باتت تحكم السُّودان منذ الاستقلال لكثير.  وهنا تجدر الإشارة إلى مليشيات نظام الإنقاذ، التي أمست تعيث في الأرض فساداً - من تقتيل الأبرياء ونهب الفقراء - فهي نفس قوات الدِّفاع الشعبي، التي سعى السيِّد الصَّادق المهدي - بكل ما أُوتي من قوة وسلطة - لجعلها قوات رسميَّة وصبغها بلون حكومي.  لقد تم هذا العبث الأثيم بأرواح الناس تحت دعاوي الحفاظ على الوحدة الوطنيَّة، غير أنَّ المهددات الأساسيَّة للوحدة الوطنيَّة هي الاستعلاء العرقي والهيمنة الجهويَّة والظلم الاجتماعي والقسمة الضيزى للسلطة والموارد وسيادة ثقافة أحاديَّة على ثقافات أخر، وعدم التوازن في الحقوق والواجبات.  كذلك نجد أنَّ حملات تفريغ العاصمة المعروفة لدي الشارع السُّوداني "بالكشَّة" إلاَّ إضافة أُخرى سيئة للأسلوب العنصري الذي إعتاد أن يتعامل به أهل الحكم في الخرطوم مع مواطني التخوم، تلكم الحملات قد بدأت منذ نظام نميري ومازالت مستمرَّة إلى يومنا هذا.  لذلك لم يكن يتوقَّع الشَّعب السُّوداني أن يأتي حفيد المهدي بشئٍ جديد.  فبدلاً من شروع السيِّد الصَّادق المهدي في مواجهة قضايا البلاد الملحَّة والمحوريَّة وإنصاف العباد وتطبيق الحكم العادل الخالي من الخطل، ركَّز على تدعيم خصائله المعروفة باتِّقان التَّواري والبراعة في لوي عنق الحقيقة بما يتوافق مع نوازعه الطائفيَّة وافكاره السياسيَّة.  فكان الزلل والشطط مجهود عهده.  إنَّ الديمقراطيَّة هي أفضل صيغة عرفها الإنسان لتداول السلطة سلمياً، وتقوم على التفويض، ولا تستقيم لأحد إلا بمقدار إيمانه بها، وتحكمه للعقل، وتعلمه من أخطائه مما يفضي لتراكم الخبرة البشريَّة، ولا يعيبها قصور الناس في تطبيقها.  فإنَّ تقويم تجربة الديمقراطيَّة العرجاء - السُّودان مثلاً - لا يتأتى إلاَّ بالمزيد من الديمقراطيَّة ولنا في تجارب أوربا عبرة لأولي الألباب.
على أي حال، تشعَّبت مشاكل السُّودان واختلفت باختلاف الأزمنة والمسبِّبات، وكان أبرز مشكلتين في هذا القطر المتعدِّد الأديان والأعراق، هما الإسلام السِّياسي والقهر الثَّقافي.  فمسألة تديين السياسة - أو تسييس الدين كما شئت - أخذت طريقها في السياسة السُّودانيَّة في الستينيات من القرن الماضي.  فقد كان حل الحزب الشيوعي السُّوداني في جلسة طارئة عقدتها الجمعيَّة التأسيسية في 11 تشرين الثاني (توفمبر) 1965م هو أحد إفرازات هذه المسألة.  عقدت الجمعية التأسيسية جلستها وهي محاصرة بحوالي مائة ألف مواطن جاءوا من مختلف أنحاء السُّودان - أو قل جئ بهم - هو ضربة مميتة للديمقراطيَّة.  والنائب الوحيد من الحزبين الكبيرين الذي أعلن أنَّه ضد حل الحزب الشيوعي هو حسن بابكر الحاج نائب دائرة مروي الشماليَّة (الحزب الوطني الإتحادي).  ومن الطبيعي أن النواب الشيوعيين كانوا ضد حل حزبهم، ومع أنَّ أحمد إبراهيم دريج التزم بما قرره حزبه وصوت مع حل الحزب الشيوعي إلا أنَّه صرح فيما بعد بأن الفكر ينبغي أن يحارب بالفكر.  وقديماً علم النُّوبة أنَّ إقحام الدين في السياسة سوف يضر بالعلاقات الاجتماعيَّة التي تنبني عليها مجتمعات النُّوبة، فضلاً عن حرمانهم من تقليد مناصب قياديَّة في الدولة.  ومن ثَمَّ أدى نضال الأحزاب الأفريقيَّة في الجمعيَّة التأسيسية إلى سقوط الدستور الإسلامي في اللجنة القوميَّة للدستور الدائم للسُّودان في العام 1967م.  فقد "جاء في مذكرة اللجنة الفنيَّة نبذة حول الدستور الإسلامي أن يكون رأس الدولة مسلماً"  مما دفع العضو البرلماني السيِّد موسى المبارك أن يسأل: هل لغير المسلمين الحق في الاشتراك لانتخاب هذا الرئيس؟ وسأل السيد فيليب عباس غبوش، هل "من الممكن للرجل غير المسلم أن يكون في نفس المستوى فيُختار ليكون رئيساً للدولة؟"  فقد حاول الدكتور حسن الترابي أن يراوغ مما اضطر رئيس الجلسة أن يطلب من السيد فيليب عباس ليعيد السؤال، بغية أن يتلقى عليه إجابة محدودة.  وعندما لم يجد الترابي مخرج صدق أجاب بلا.  وحينئذ بدأت المعارضة التي انتهت بهزيمة اقتراح الدستور الإسلامي الكامل.
فقد ذهب قادة الأحزاب وغلاة الطوائف الدينية (الإسلاميَّة) منذئذ في سبيل المطالبة بالدستور الإسلامي أي مذهب، وكانت حجتهم في أمر ذلك أنَّ "أغلبيَّة شعب السُّودان مسلمين".  وهم من أجل ذلك يزعمون أنَّهم يردُّون أمر الشعب إلى الشعب في ظاهر الأمر، فإذا كان الاختلاف - ولا بد أن يكون الاختلاف - أنفذوا أمر الكثرة وأهدروا أمر القلة، وأتاحوا بذلك كذلك للأكثرين أن يستذلوا الأقلين أو أن يحكموهم على غير ما يريدون.  كما أنَّ الالتزام بسياسة الأغلبيَّة الآلية كمنهج لوضع الدساتير وصوغ القوانين لن يكون، بحال، هو السبيل الأمثل لبناء وطن، لأنَّه يضع الأقليَّة دوماً تحت رحمة الأغلبيَّة.  فقد أنذرنا الدكتور جون قرنق من خطورة استخدام منطق الأغلبيَّة في إثبات الأشياء لأنَّه منطق حمال أوجه.  فماذا عسانا أن نفعل إذا طالب أغلبيَّة سكان السُّودان الأفارقة بطرد العرب من السُّودان!  وماذا نحن فاعلون إذا طالبت النساء، وهن أغلبيَّة في السُّودان، أن يكون لهن رأي في تسيير أمور الدولة وتصريف أعبائها!  كما أنَّ الكثرة في العلم لا تغني من الأمر شيئاً!  فقد كانت كثرة العلماء تنكر كروية الأرض وحركتها، وظهر بعد ذلك أنَّ الكثرة كانت مخطئة، وكانت كثرة العلماء ترى كل ما أثبت العلم الحديث أنَّه غير صحيح، فالكثرة في العلم لا تغني شيئاً.  وإذن فليس من سبيل إلى أن نقبل قول الكثرة، وإنَّما السبيل أن نوازن بينه وبين ما تزعم القلة.  ومن هذه الموازنة وصلنا إلى نتيجة مفادها أنَّ سبيل التحكيم هو الحقوق المدنيَّة التي ينبغي أن تتوفر لكل فرد بغض الطرف عن معتقده، أو لونه أو عرقه، أو الإقليم الذي أتى منه.  إنَّ عبارة "الأقلِّيات" التي يستخدمها الساسة السُّودانيُّون مسيئة وساءت سبيلاً.  الأقلِّيات العرقيَّة عادة تطلق على مجتمعات شعبويَّة نزحت من بلاد أخرى واستقرَّت في البلد المعني.  فهل الأقلِّيات التي يتحدَّث عنها سادة الحكم في الخرطوم وأهل الأحزاب السياسيَّة من وافدي السُّودان من دول مجاورة؟ أي، بعبارة إخرى، هل النُّوبة والجنوبيون غرباء على هذا الوطن؟  وماهو المقدار الكمِّي الذي يحدِّد نظريَّة إطلاق صفة الأقليَّة العرقيَّة على قطاع عريض من السكَّان؟  وهل هذه الصِّفة تقتصر على التَّواجد المكاني فقط؟ علماً بأنَّ عدداً كبيراً من هؤلاء القوم  يقطنون العاصمة وبعض كبرى مدن الشِّمال مما يجعلهم يكوِّنون نصف أو أكثر من نصف السكَّان فيها.  ثُمَّ أين هي الإحصاءات التي تجعل معظم سكان السُّودان أقليَّة وأقلَّ سكَّانه أغلبيَّة؟
هكذا ظلَّت الأحوال في الجبال - أي لم تُحق المحقوقيَّة للنُّوبة - حتى جاءت "حكومة الانقاذ" في حزيران (يونيو) العام 1989م. لقد رفعت الحكومة شعار الرُّجوع إلى الينابيع والإعتماد على النَّفس، فلم تفلح في إيجاد حلول جذريَّة لمشاكل السُّودان المستعصية في المجال الإقتصادي ومجال الفكر السياسي والإجتماعي. فكانت المحصَّلة النِّهائيَّة تفشي الأوبئة، وانتشار الجريمة، وتوسيع رقعة الحرب الأهليَّة، وفرض حصار سياسي واقتصادي على السُّودان.  لقد بدأ كثيرٌ من الشَّعب السُّوداني يتساءل عن نوعيَّة إسلام هؤلاء الحكام، والشعارات التي ردَّدتها الجماهير في تظاهرات سابقة في الخرطوم - المجوس ولا الأخوان (المسلمين)، والأمريكان ولا الأخوان - تعكس درجة الإحباط والقنوط التي بلغها الشَّعب من جراء تخبُّط النِّظام.  لقد تضرَّرت شريحة من الشعب السُّوداني في شمال البلاد، لكن ليس بالكيفيَّة والكميَّة التي تمَّت بهما إبادة قبائل وجماعات بشريَّة بمنطقة جبال النُّوبة.  أمَّا المعيار الذي يتَّخذه النِّظام للتَّخلُّص من خصومه الشماليين فهو مبني على معيار سياسي، بيد أنَّ التَّصفيات الجسديَّة بجبال النُّوبة تتمُّ على أسس عنصريَّة وسياسيَّة ودينيَّة وثقافيَّة.  لم يفتأ زعماء الجبهة القوميَّة الأسلاميَّة من وصف النُّوبة بالخوارج تارة والمارقين تارة أُخرى حتى صدرت فتوى من مؤتمر العلماء وأئمة المساجد ومشايخ الطرق الصُّوفيَّة بقاعة اللَّجنة الشعبيَّة بمدينة الأبيض بتاريخ 27 نيسان (أبريل) 1993م، وموقِّعاً عليها ستة من العلماء تبيح سفك دماء النُّوبة ومصادرة ممتلكاتهم كأنفال.  تلك الفتوى ما هي إلآَّ تبريراً سياسيَّاً وعنصريَّة روحيَّة (Spiritual racism) لما تقوم به المليشيات الحكوميَّة ضد هؤلاء القوم البسطاء: يذبِّحون أطفالهم ويهتكون أعراضهم ويسومونهم سوء العذاب.  هذا التطهير العرقي (Ethnic cleansing) والثقافي هو محاولة من حكومة البشير لإخراس  الصَّرخة "النُّوباويَّة" التي باتت تنادي بمسائل عديدة وعلى مستوى عظيم من الأهميَّة: كالمشاركة في السلطة المركزيَّة والإقليميَّة، الفصل بين الفعل السِّياسي والإعتقاد الدِّيني، تضييق الفجوة بين تخلُّف التخوم وتنمية المركز، التَّعليم والصَّحة، والاعتراف بالثقافات واللُّغات المحليَّة وتنميتها.  إذن لِمَ تُقدِم السلطات على تهجير وتشريد آلاف من المواطنين البؤساء ومانقموا منهم إلاَّ العدل والمساواة؟  إنَّ أكثر المسائل انزعاجاً في الأديان المنظَّمة (Organised religions) - أي دين - هو إيمان معتنقيها أنَّ كل ما يقدمون عليه كنتيجة تفسيرهم لتعليمات هذه الأديان فهو صحيح خلقياً.  ومن هذا المنطلق تم، وما زال يتم، تبرير مذابح عديدة وفظائع لا إنسانيَّة باسم الحرب المقدسة خلال عصور التأريخ المختلفة وما زال يستمر لتدمير أرواح الناس حول العالم اليوم.  فكل جماعة دينيَّة تسول لهم أنفسهم أنَّهم يحملون مفاتيح الحل والعقد لكل مشاكل السُّودان فإنَّهم جهلاء أغبياء، وبالحرص على جهلهم وغبائهم ينتحرون.
على أي حال، فقد ظلَّ النُّوبة على مر الدُّهور والحقب يستصرخون صنَّاع القرار في الخرطوم، ويلتمسون منهم العدالة الإجتماعيَّة، والإرتقاء بهم إلى أفضل سبل كسب العيش في السُّودان، حتَّى تحوَّل هذا الاستصراخ وذلكم الالتماس إلى عصيان مسلَّح فباؤوا بغضب سلطوي.  وبدلاً من أن ينال النُّوبة قسطاً مما طلبوه، وجدوا شطط أهل الحكم في الخرطوم.  فمنذ فترة غير طويلة - قبل التوقيع على اتفاق جبال لوقف إطلاق النَّار في كانون الثاني (يناير) 2002م - فر مواطني المنطقة إلى الكهوف واختلطوا مع دوابي (أفاعي) الكراكير لإتِّقاء شر جنود البَّشير؛ فقد أصبحت حياتهم شبيهة بإنسان العصر الحجري.  الظُّلم في الجِّبال موغلٌ في القدم واللَّهث وراء العدالة أقدم؛ وما الثَّورات المسلَّحة والعمليَّات العسكريَّة، القديمة والحديثة فيها، إلاَّ شواهد على هذا الضَّيم.  لكن مما يتأسى له الفؤاد ما بلغه الوضع في جبال النُّوبة في بداية التسعينيات حين أمست الأرض صرح بالمذلة، شعب يموت وعالم لا ينطق، والجوع ينحت في الصغار والحزن في جفونهم لا يرفق كما تعبر هذه الأبيات للشاعر علي إبراهيم سروجي:
الأرض صرح بالمـذلَّة تفلق                شعبٌ يموت وعالم لا ينطق
الجوع ينحت في الصِّغار ويرتقي            والحزن بين جفونهم لا يرفق
وبراءة الأطفال في كهف الأسى                تلهو وما تدري متى تستمزق
في كوة الآمال طال وقوفهم                فمتى على أوجاعـهم تترفَّق
في شرعنا التنديد خير وسيلة                والشَّجب فوق شفاهنا يتعملق
لم يكن وضع الجنوب أحسن حالاً من جبال النُّوبة في أمر انتهاكات حقوق الإنسان. فحين دخلت قوات الحكومة السُّودانيَّة مدينة كبويتا بمساعدة من قبيلة التبوسا، سعت حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة بين أفراد تلك القبيلة بالأسلمة، فبدأت بإجراء عمليات الختان التي تمت في حق عدد كبير من الرجال، الشيوخ منهم والشباب، الأمر الذي اعتبرته القبيلة إساءة بالغة لها وعلى ثقافاتها وعرضها وتقاليدها.  كما أنَّ فرص الحياة الزوجيَّة، لما تمَّت في حقهم من عملية الختان، أصبحت معدومة تماماً، حسب عادات القبيلة.  وإنَّنا نتساءل ما لهؤلاء القوم مهتمون لهذه الدرجة بالأعضاء التناسليَّة للناس؟ هل رأس الإسلام الختان؟  فبدلاً من أن يقوم أهل النظام بتأهيل المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق والخدمات الأساسية والمرافق العامة والمشاريع التموينية والتنموية وتأهيل الزراعة، شرع أعوان النظام بالانشغال بهوامش الأمور.  مهما يكن من الأمر، فقد قادت هذه الممارسة اللانسانيَّة إلى انفضاض قبيلة التبوسا عن مساندة القوات الحكوميَّة، وحكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وكان لخروج الأب كينجا جورج، زعيم قبيلة التبوسا ووزير العمل بحكومة الخرطوم، وانضمامه بعد استقالته المسببة إلى الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، إضافة وبعداً جديداً، ودعا قبيلة التبوسا للانسحاب من مدينة كبويتا وإعلان انضمامها إلى الحركة الشعبيَّة.
إنَّ الانتهاكات الهمجيَّة الشنيعة التي اقترفها نظام الإنقاذ في جبال النُّوبة وضد النُّوبة لا نظير لها عند أي نظام حكم وطني حكم السَّودان، مهما بلغت فظاظته، ومهما كانت جهالته، ومهما بلغ استخفافه بالرحمة والحياء، في أي عصر من عصور الأرض.  فعلى الرَّغم مما بلغه النظام في التخوم والخرطوم من إعدامات دون محاكمات والطرد من الخدمة العسكريَّة والمدنيَّة للألاف من المواطنين فقط لأنَّهم من غير حزب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وحظر الأحزاب السياسيَّة والنقابات المهنيَّة، والاعتقالات الاعتسافيَّة دون تهم، والتعذيب الذي بلغ حالة القتل وكذلك الإعاقة الجسديَّة الدائمة، نجد لفيفاً من الكُتَّاب الإسلاميين يكتبون دفاعاً عن هذا النظام أو يلوذون بالصمت عن الجرائم التي يقترفها.  ونذكر في الكتاب الأستاذ فهمي هويدي الذي يستميت دفاعاً عن حق الإسلاميين في الديمقراطية في طاجكستان، والجزائر والبوسنة والهرسك، ويتجاهل عن ذبحها واغتصابها في السُّودان لأنَّ المستفيد من الأمر هنا هم الإسلاميون.  إنَّ هويدي من الذين يكتالون على الناس بمكيالين، وإذا كالهم أو وزنوهم يخسرون.  إنَّ من المعلوم أنَّ لكل مسألة وجهين على الأقل، إن لم يكن لها أكثر من ذلك، وما دام أن هناك طرفين للمسألة - على الأقل - فلكل طرف وجهته التي هو موليها، وبعرض لكلا الوجهتين يقرب صاحب الشأن - هويدي في هذه الحالة - من الموضوعيَّة، وبالتَّالي يكون قريباً من الأمانة، هذا إذا كان عازماً على الإسهام في حل مشكلة أمست متغلغلة في المجتمع السُّوداني.  وبما أنَّ الإسلام قد أصبح سوط عذاب عنصري لغير العرب، حتَّى لو كانوا مسلمين قانتين؛ ومن هذا المنطلق يصبح الإحتكام إليه أو إلى ما يسمَّى بشرع اللَّه كالمستجير من الرَّمضاء بالنَّار، ولاتفلح أو تقنع أيَّة أنماط جديدة من الأمر شيئاً كما يزعم البعض أن هناك "محاولة لإرساء فهم جديد ومستنير للإسلام والشَّريعة، يفي بمتطلَّبات العصر، ونزوع أهل السُّودان، مثل غيرهم، نحو العدل والسِّلم والاستقرار، ولا يغمط غير المسلمين حقوقهم".  إنَّ العدل أساس الملك، فمن ضيَّع العدل ضيَّع الملك طال الزَّمن أم قصر، فذلك وعدٌ غير مكذوب.  لذلك كتب أحد الولاة إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يطلب منه مالاً يعينه على بناء سور حول عاصمة الولاية، فأجابه عمر: "وماذا تنفع الأسوار؟ حصِّنها بالعدل، ونقِّ طريقها من الظُّلم".  فأيِّم واللَّه، أين منه من يحكمون السُّودان اليوم وعلى رأسهم عمر بن البشير.  هذا ونعزو قدرة البشير على الصمود في الحكم إلى جهاز استخبارات قوي وتغيُّرات إقليميَّة في منطقة القرن الأفريقي، وليس إلى رؤية سياسيَّة وحصافة وحنكة.  فالمستبد لا سياسة له غير القمع والاعتماد على الأجهزة الأمنيَّة كملاذ أخير وأول للحكم والتحكُّم برقاب الناس، والذكي من هؤلاء وأولئك يحتاط للأمر بالطريقة المعروفة القائمة على مراقبة تململ الناس قبل أن يثوروا ويتمرَّدوا.
ثم ندلف إلى مسألة الثقافة في السُّودان.  إذن، ما الذي يجعل من لفظة الثَّقافة في السُّودان عبارة تثير كثيراً من المعارك السِّياسيَّة والطَّبقيَّة؟ وكذلك لماذا - عند ذكر الكلمة إيَّاها - تُثار العواطف وتُشمَّر السَّواعد ويلين الدُّماغ بحيث يصبح بعض القوم صرعى بالغباء العاطفي فضلاً عن الذكاء الموضوعي؟ إنَّ العربان في السُّودان الذين يريدون العروبة من باب الوجاهة السِّياسيَّة أو لأسباب هلاميَّة يحسبون أنَّ مكوِّنات الثَّقافة تنحصر في شيئين فقط هما الدِّين واللُّغة.  فإذا فرضنا جدلاً بأنَّ ذينك العضوين هما عيني الثَّقافة، فهل كل السُّودانيين عرب ثمَّ مسلمين من قبل ومن بعد؟ بالطَّبع لا.  لقد ذهب إيليوت، أحد مفكِّري علم الإجتماع الوعاظ، مقسِّماً الثَّقافة إلى ثلاثة أوجه: ثقافة الفرد، ثقافة الطَّبقة وثقافة جميع أنماط حياة النَّاس.  وفي هذه الأخيرة يستخدم علماء الأجناس (Anthropologists) عبارة الثَّقافة لتتضمَّن كل عادات وتقاليد القبيلة من العبادة إلى الأنكحة، طقوسها في الملاطفة والمؤانسة الجنسيَّة، عاداتها في التبوُّل والتبرُّز، محظوراتها، سلوكها في المأكل والمشرب، لغتها، ذوقها الفنِّي، ما يسر أفرادها وما يغضبهم - أي أفراحهم وأتراحهم - وغيرها؛ ومع ذلك لا يمكن فرض الثَّقافة - فرض عين كان أم فرض كفاية - من خارج القبيلة أو المجتمع.  لا يضير أحدٌ ولا يضار السُّودان إذا إتَّخذ بعض النَّاس ثقافتهم العربيَّة هذه على أساس أفراد أو حتَّى طبقة فئويَّة؛ أمَّا تثقيف القطر بكامل ترابه وشعبه بثقافةٍ لا يرتضيها جميع أفرادها فهذا ظلمٌ يجب اجتثاثه "والعز عند إباة الضَّيم معبود".  وإن كان من الخير لنا أن نعيش دونما فجيعة فعلينا أن نفتق أنفسنا من ظاهرة الاستعراب هذه التي أصبحت تلازم ثلَّةً من السُّودانيين - القدماء والمحدثين - حتَّى عجزوا عن التَّمييز بين ما هو حقيقي سوداني وما هو عربي وهمي.
إنَّ مكمن الخطورة من هذا التَّعالي الثَّقافي يتجسَّد في أمرين كلاهما مر: ففي الرِّيف القاصي يحمل الحقد صحابه إلى تقتيل وإبادة غيرهم بسبب الفارق الثَّقافي والعرقي؛ وفي العاصمة يفتعل ساكني بيوت الزُّجاج المشاكل ضد هؤلاء البؤساء والبسطاء وحجزهم في المعازل (Townships)- أماكن السَّكن التي هي بمثابة الحظائر البشريَّة - وإنَّ من المعازل في جنوب إفريقيا لأحسن حالاً نسبيَّاً لإحتوائها على بعض المرافق العامَّة من مستشفيات ومدارس وموارد مياه الشُّرب.  أمَّا في السُّودان  فتلجأ السُّلطات إلى توطين ضحايا "الكشَّة" في مخيَّمات في صحاري أم درمان وجبل أولياء.  ماهي العدالة الاجتماعيَّة التي تناطح بها أجهزة الإعلام أرباب السماوات والأرض، وفي نفس الوقت يتم تصنيف سكان الدَّولة بين الأقوام الكرام والهوام العوام؟ لماذا يجتهد المسؤولون في إبقاء بعض السكَّان في فقرٍ مدقع بينما يمتلئ البعض الآخر شحماً ولحماً؟  لقد أُهملت كل النِّداءات السلميَّة لأخذ هذه الاعتبارات الثَّقافيَّة والعرقيَّة والدِّينيَّة موضع الاهتمام؛ وعلى النَّقيض تمَّ التَّركيز على الحاكميَّة العربيَّة (Arabistocracy) فحدثت الفتنة التى مازالت مستمرَّة حتى هذه اللَّحظة والآن لا يعون الدَّرس إلاَّ بعد فوات الأوان.
مما سبق يتَّضح  أهميَّة إهتمامنا  بالموروث الحضاري لأنَّه إحياءٌ للتراث وربطٌ للماضى بالحاضر والمستقبل عبر بانوراما فكريَّة تراثيَّة تروي التَّاريخ وترصد ملامح التَّطوُّر والتَّغيير.  لذلك كان لزاماً علينا استخدام كلمة الموروث (Heritage) لما تعنيه من المعاني الوطنيَّة وحتَّى القوميَّة وتبعث من جديد محاميد الماضي.  وقد صدق من قال: "إنَّنا ننظر إلى الماضى لكي نستعد للمستقبل". وحين يردِّد أبناء النُّوبة نداءهم أنَّ ثقافتهم وتراثهم في خطر داهم، نجدهم قد توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريقة التجارب القديمة والحديثة.  وعليه، قد حدَّد محمود موسى تاور الملامح والأطر الفلسفية لحركة الثقافة في جبال النُّوبة على النحو التَّالي: الأرتباط الثقافي، الارتباط اللغوي، الارتباط الاجتماعي، الارتباط بالأرض، الارتباط التأريخي، وظاهرة التسامح الديني.  أمَّا القوميَّة التي يدعو لها النَّظام الحالي، الفعَّال لما يريد، فهي القوميَّة الاختلافيَّة لا المساواتيَّة.  فالقوميَّة الأولى، التي تعزف عليها الحكومة عزفاً دؤوباً، تقوم على العاطفة أكثر من العقل. فالأمَّة في تصورهم لا يوحِّدها سوى كراهيتها للآخر ومن هنا تأتي حروب "التَّطهير العرقي" (Ethnic cleansing) وهلك الحرث والنَّسل في جبال النُّوبة وجنوب السُّودان؛ أمَّا القوميَّة المساواتيَّة فمطالبها تنصبُّ في الحقُّ في المشاركة في صنع القرار وفي تقاسم ثمار البلاد.  فلقد ضاعف الاستبداد العسكري من الإحتراب الأهلي، ومن ذينك الحرمان الشديد والاضطهاد المريب انحدرت القوميَّة في الأقاليم إلى نزعة أثنيَّة (Ethnic tendency) محضة وذلك للإبقاء على النَّوع ودرء مخاطر الإنقراض. وما بات النِّظام رافضاً للإعتراف لها بصفة الشركاء حتَّى استنهض أجهزته الأمنيَّة - والإعلاميَّة أيضاً - في قمع هذه الأثنيَّات الإقليميَّة (Regional ethnicities) ووأدها لصالح الأقليَّة الحاكمة ورافضاً للحوار مع عناصرها المقوِّمة.
ومن نافلة القول نستطيع أن نخلص إلى أنَّ العقد الاجتماعي الذي مر به شعب النُّوبة في السُّودان يمكن تقسيمه إلى ثلاث مراحل: فالمرحلة الأولى تشمل حقب ما قبل الاستقلال في العام 1956م، والمرحلة الثانية هي تلكم التي تسمى عهد الحكومات الوطنيَّة حتى نهاية نظام الرئيس جعفر نميري في العام 1985م، ثم المرحلة الأخيرة وهي التي تبدأ منذ الانتفاضة الشعبيَّة التي أطاحت بحكومة نميري في العام 1985م حتى تأريخ هذا اليوم.  وتتصف المرحلة الأولى- بما فيها فترة المهدية (1881-1898م) - بالحروب والاستغلال وتجارة الرق وانفراط عقد الأمن، كما أنَّ المرحلة الثانية فهي التي كدَّ فيها أبناء النُّوبة كداً سلميَّاً في مناجاة أهل الحكم في الخرطوم في المطالبة بتطوير منطقة جبال النُّوبة وتوفير الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة وتنمية وغيرها دون جدوى.  أما المرحلة الأخيرة - حسب تصنيفنا - فقد أخذ النُّوبة الأمور بيدهم بعدما يئسوا من طرق كل السُّبل السلميَّة وحين أيقنوا أنَّ الأمر أمسى مرتبطاً بقضية البقاء أو الفناء، ولا يكاد تغني المساومة من بعدئذٍ شيئاً.  وفي الحق، لقي النُّوبة من أجل مطالبتهم بهذه االحقوق الأساسية مشقة شاقة وعسر عسير.  وفي هذا البحث تحدَّثنا عن عاملين من عوامل الصراع في السُّودان هما الإسلام السياسي والثقافة، وخلصنا إلى القول أنَّ الطبقة الحاكمة في السُّودان اتخذوا الإسلام وسيلة لا غاية، وسيلة إلى استهواء الناس واستغلالهم، وما نحتاج فيما نقول أن نقيم على ذلك دليلاً، فقد شهدنا من الأمر شره وافرازاته بما في ذلك الحرب الأهليَّة التي راح ضحيتها أناس كُثر.  أما القضية الثانية فهي مسألة الثقافة الأحادية (العربيَّة) التي أصبحت تُفرض على غير العرب من سكان هذا الوطن بقوة الإعلام والسلاح والتعليم، مما طفق الآخرون يعيدون النظر في مسائل كثيرة كنظام الحكم، وتقسيم الثروة، والمناهج التربوية، واللغات القوميَّة والهوية السُّودانيَّة وغيرها.  وسوف تظل هذه المسائل محاور أسئلة صعبة حتى يجلس السُّودانيُّون مع بعضهم بعضاً في "مؤتمر قومي دستوري" ويتفقون على صيغة مثلى بها يرتضون العيش في قطر واحد بالتي هي أحسن.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>
الدكتور عمر مصطفى شركيان    
الحبشة وشبه الجزيرة العربيَّة
لا أحد يستطيع على وجه الدقة تحديد تأريخ بداية الأوصال بين العرب والأحباش.  فقد قيل إنَّ أول اتِّصال رسمي أجراه عبد شمس بن عبدالمناف بالنجاشي - ملك الحبشة - وأبرم معه اتفاقاً تجاريَّاً، حيث كانت الحبشة تنتج التمور واللادن والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل، ثم مصدراً لتجارة الرقيق.  وقد ثبت بالبحث عن هذه العلاقة، التي نمت بين شبه الجزيرة العربيَّة والحبشة، أنَّها كانت تقوم على استغلال الأولى للثانية.  فإذا أخذنا الحبشة مثالاً لأفريقيا المكلومة، نجدها أنَّها كانت ملتجأ لاستجلاب الحسان الحبشيات لاشباع رغبات العرب الجنسيَّة. وحين بدأ الملك سيف بن ذي يزن يسوم النصاري عذاباً شديداً، أرسل النجاشي قوة قوامها 70,000 محارباً وفي جنوده أبرهة الأشرم، وأمر عليهم رجلاً يُقال له أرياط (أرباط)،  حيث استطاع بهم دحر الأعداء وانقاذ رفقاء الدِّين.  وقد ذُكرت واقعة تعذيب أصحاب الأخدود في القرآن الكريم في قوله عزَّ وجلَّ: "قُتِل أصحاب الأخدود. النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم إلاَّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد".  لما قتل ذو نواس مَنْ قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن النصرانيَّة أفلت منهم رجل يُقال له دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم، فقدم على قيصر، امبراطور الروم، فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم.  واستعان قيصر بالنجاشي لما بينهما من دين مشترك ولقرب الحبشة من اليمن، ألا أنَّ قرب الدار خيرٌ من البعد.
بالإضافة إلى نصرة إخوة لهم في الدِّين، كان أرياط يعتزم على وضع حد للإهانة التي كان الأفارقة يتعرَّضون لها.  ومهما يكن من الأمر، فلم تكن لأبرهة الأشرم، الذي اعتلى عرش اليمن (525 - 573 م) بعد مقتل أرياط، أيَّة نوايا توسعيَّة لنفوذ الامبراطوريَّة الحبشيَّة في شبه الحزيرة العربيَّة لولا أن تمرحض (أي استخدمه مرحاضاً) أحد أعراب مكة في كنيسة يمنيةَّ إمعاناً في تدنيس دور العبادة.  وقد حاول الأحباش منازعة قريش في تجارتها الداخليَّة بإقامة كنيسة في اليمن حرصوا أن تكون في غاية الفخامة والروعة ليجلب إليها العرب للحج والمتاجرة، ولكن عملهم هذا لم يؤد إلى نتائج بسبب أنَّ مكة كانت مأوى أصنام العرب، والبيت الحرام محل تعظيم معظم القبائل العربيَّة بسبب انتسابه إلى إبراهيم الخليل، وهو عربي وكل ذلك يرضي قوميتهم العربيَّة.  فلما شاع أمر الكنيسة وتفشى الخبر وعم القرى والحضر، غضب رجل من النَّسأة من بني فُقيم، فخرج حتى أتاها فقعد فيها وتغوَّط (في القُليَّس بصنعاء - وهي كنيسة لم يُرَ مثلها في زمانها بشئ من الأرض)، وقد فعل رجل من أهل البيت الذي تحجه العرب بمكة غضباً لما سمع أنَّ أبرهة يريد صرف الحجاج عنه.  وعلى الفور تحرَّك أبرهة وجنوده من الأحباش وعلى ظهر أفيال صوب الكعبة الشريفة، وبفعل فاعل جرى ما أشار إليه القرآن الكريم بسورة الفيل في محكم تنزيله: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعص مأكول".  كانت تلك الأزفة قبل ظهور الإسلام، وسمي هذا العام في التأريخ العربي بعام الفيل، حيث فيه وُلد الرسول صلى الله عليه وسلم - أي 20 نيسان (أبريل) العام 571 م.  وقد ذهب جمهور المفسرون في أمر طير أبابيل (بصيغة الجمع التي جاء بها القرآن) مذاهب شتى، وسوف لا نخوض فيها عملاً بتحذير ابن خلدون في عدم تفسير التأريخ من منطلق ديني بحت لما في الدين من عصبيَّة، وكذلك أنَّ هناك عوامل أخرى اجتماعيَّة وسياسيَّة وجغرافيَّة لها الدور الرئيس في تفسير مجريات الأحداث التأريخيَّة، وإن كان الدِّين جزءاً لا يتجزأ من هذه العوامل.
بيد أنَّ قصص التأريخ القديم تفيض بهذه الروايات، التي تذهل العقل دائماً، ولم نجد له تفسيراً علمياً. فقد حاول الفرس غزو مملكة النُّوبة القديمة في شمال السُّودان بعد أن هبطوا مصر، فلم يفلحوا في الوصول إلى أرض النوبة، ولم يعثروا على أهلها حتى يستطيعون عليهم غلباً. وقد قال عنهم هيردوت، المؤرخ الأغريقي القديم، أنَّهم ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت، وأُبيدوا بريح صرصر عاتية، فلم تبق لهم باقية.
وعوداً إلى بدء، نجد أنَّ الصراع في اليمن كان ناشباً بين الامبراطوريَّة البيزنطية وحلفائها (كالحبشة ودولة الغساسنة) من جهة، والامبراطوريَّة الفارسيَّة وحلفائها (كالمناذرة) من جهة أخرى.  وقد ظلَّت المناذرة تحت حكم الأحباش منذ العام 525 م، وفشل ملك الفرس في إرسال جيوشه لمساعدة حليفه، سيف بن ذي يزن، زعيم المناذرة.  وفي هذه الأثناء، ظلَّ الأحباش يحكمون اليمن، بعد سقوط دولة بني كندة، خمسين عاماً - وفي بعض الروايات أثنتين وسبعين سنة - توارث ذلك منهم أربع ملوك: أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة، وما أن خرج الأحباش حتى قام الفرس باحتلال اليمن العام 575 م.  ويُروى أنَّ القائد الفارسي "وهرز" لما هزم الأحباش جاء بالعلم فلم يدخل من باب القصر اليمني المشهور بريمان تطيُّراً من أن ينكس العلم فأمر بهدم الباب.  وقد علمنا أنَّ حمير وبعض القبائل اليمنيَّة، تكونَّت نتيجة للتزاوج بين العرب والأحباش، لكن لغتهم استقرَّت على العربيَّة بعد الفتح الإسلامي.  فقد صدق أبوعمرو بن العلا وقتما قال: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا، حيث أكَّد ذلك الدكتور طه حسين ذاكراً الاختلاف في نسقي اللغتين العربيَّة والحميريَّة.  ومما يستدل به على اختلاف لغة أهل حمير قول العرب: "من دخل ظفار حمَّر"، وظفار قرية باليمن يكون فيها المغرة، وحمَّر تكلَّم بالحميريَّة، وأصله أنَّ إعرابيَّاً كان بين يدي ملك حمير فقال له: ثب، أي أقعد بالحميريَّة فحسب العربي أنَّه يأمره بالوثوب فقفز وكان على مكان مرتفع فسقط فهلك.  فقال الملك ذلك. ذلك ما كان من أمر الأحباش والعرب قبل الإسلام.  فماذا كان من أمرهم بعد بزوغ الإسلام وابتعاث محمد نبياً رسولاً؟
ما أن اشتد العذاب بالمسلمين نتيجة احتضانهم دعوة محمد عليه الصلاة والسلام، حتى أمرهم الرسول بالهجرة إلى أرض الحبشة لأنَّ فيها ملك أفريقي عادل ثُمَّ نصراني يُقال له النجاشي، ولم يحثهم بالهجرة إلى أرض الشَّام في شمال شبه الجزيرة العربيَّة، ولا إلى العراق حيث أهل النفاق كما وصفهم الحجاج بن يوسف.  ويقول الطبري: "وكان بالحبشة ملك صالح يُقال له النجاشي، لا يُظلم أحد بأرضه، وكان يُثني عليه.  وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش يتجرون فيها ويجدون فيها رفاغاً من الرزق ومتجراً حسناً".  وكان أهل هذه الهجرة إلى الحبشة أثني عشر رجلاً، أربع نسوة، وفيهم - ما فيهم - عثمان بن عفان وزوجته رقيَّة بنت الرسول عليه الصلاة والسلام والزبير بن العوام.  وقد خرجوا خائفين مترقبين لأنَّ الملأ كانوا يأتمرون بهم ليقتلوهم.  وبعثت قريش في أثرهم عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا للنجاشي ليردهم عليه، فأبى وقال للرسولين: انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما أبداً.  وتقول بعض المصادر أنَّ قريشاً بعثت إلى النجاشي في أمر من قدم إليه من المهاجرين عمارة بن الوليد بن المغيرة وعمرو بن العاص.  ولما كانوا في السفينة مع عمر وإمرأته فقال لها عمارة: قبِّليني.  فقال لها عمرو: قبِّلي ابن عمك. وقعد عمرو على منجاف السفينة لقضاء الحاجة، فدفعه عمارة، فألقاه في البحر، فما تخلص حتى كاد يموت.  فلما صار إلى النجاشي أظهر له عمرو أنَّه لم يحفل بما أصابه منه، فجاءه عمارة يوماً فحدثه أن زوجة الملك النجاشي علقته وأدخلته إلى نفسها، فلما تبيَّن لعمرو حال عمارة وشى به عند الملك وأخبره خبره، فقال النجاشي: أئتني بعلامة استدل بها على ما قلت؟ فعاد عمارة، فأخبره عمرو بأمره وأمر زوجة النجاشي فقال له عمرو: لا أقبل هذا منك إلا أنَّ تعطيك من دُهن الملك الذي لا يدَّهِن به غيره.  فكلَّمها عمارة في الدهن، فأعطته منه، فأعطاه عمرو، فجاء به إلى الملك، فأمر السواحر فنفخن في أحليله، فذهب مع الوحش، فلم يزل متوحشاً حتى خرج إليه عبدالله بن أبي ربيعة في جماعة من أصحابه، فجعل له على الماء شركاً، فأخذه، فجعل يصيح به: أرسلني فإني أموت إن أمسكتني.  فأمسكه، فمات في يده.  ليس في فعل رسل قريش هذا شئ من الأخلاق، إنَّه من باب الإسلال والإغلال (أي السرقة والخيانة)، إنَّهم قوم يسيئون الضيافة، ويؤثرون الخيانة.  على أي حال، فقد راود عمارة بن الوليد إمرأة النجاشي عن نفسها، وهمَّ بها.  أليس فيهم رجل رشيد؟  وقد علمنا أنَّ أحد المهاجرين، الذين هبطوا الحبشة، أعجبته فيها كثرة الخير، وفضَّل البقاء فيها وتنصَّر وابتعل إمرأة حبشيَّة، وكان يستمتع باحتساء الخمر والحياة الجديدة التي ألفها في هذه البقعة من مسارب الأرض.
وتأثَّر المسلمون بما شاهدوا وشهدوا في أرض الحبشة وأهلها الأحباش المسيحيين أي تأثير.  فلما عادوا إلى الحجاز ومكَّن الله لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وشرعوا في تدوين القرآن الكريم ائتمروا ما يسمونه، فقال بعضهم: سموه بالسفر، قال ذلك لتسمية اليهود، فكرهوه.  فقال قائل آخر منهم: رأيت مثله بالحبشة يسمى المصحف. فاجتمع رأيهم على أن يسموه بالمصحف.  كما أنَّه لم تنقطع مساعدات الأحباش إلى المسلمين حتى بعد ظهور الإسلام، فعندما أرسل يزيد بن معاوية جيشه من الشمال لغزو الحجاز ومكة المكرمة وجد جماعة من الأحباش المسيحيين، الذين أرسلهم النجاشي للدفاع عن الكعبة، يذودون عن هذا البيت العتيق.  وقد أعان ابن الزبير بهم فضمَّهم إلى أخيه مصعب بن الزبير فكانوا يقاتلون معه.  وكان على رأس جيش يزيد بن معاوية قائد يُقال له مسلم بن عُقْبة المري، الذي ذهب لتأديب أهل المدينة الذين أعلنوا العصيان على الدولة الأمويَّة.  وبعد أن اقتحمها مسلم أباحها لجنوده ثلاثة أيام: قتلاً ونهباً واغتصاباً للنساء.  ويُروى أنَّ المغتصبات ناهزت السبعة آلاف أحصين على أساس الولادات غير الشرعية التي حصلت في المدينة بعد تلك الحادثة.  وقد توفي مسلم في طريقه إلى مكة، التي قصدها بعد أن فرغ من أهل المدينة، للقضاء على حركة ابن الزبير.  غير أنَّ المرء يتساءل ما الذي يجعل الأحباش مدافعين مخلصين عن النصارى في اليمن عندما استنصروهم ضد جلاديهم، وكذلك دفاعهم المستميت عن أهل مكة المسلمين حينما أعلنوا تمرُّدهم السياسي؟  إن التفسير الوحيد هو التضامن الأفريقي وعدم الرضاء بالضيم لأنفسهم ولغيرهم مهما تباعد المكان أو اختلفت الأديان.
على أي حال، تشكَّلت الحبشة (أثيوبيا حاليَّاً) كنواة لدولة منذ عهد إمبراطوريَّة أكسوم في العام 500 ق.م.، وكان أعظم ملوكها عيزانا الذي غزا مملكة مروي بل حطَّمها تحطيماً العام 330 م في حملاته الشهيرة، وظهرت المسيحيَّة الأرثوذكية في هذه الامبراطوريَّة العام 330 م، وأمست جزءاً لا يتجزأ من مكونات ثقافة سكان هذه المرتفعات.  غير أنَّ الإسلام بات كرديف مشاكس في الحبشة في القرن السادس عشر، فقد كانت هنالك مجموعة مسلمة على الطرق التجارية المؤدِّية إلى منطقة زيلع من البحر الأحمر.  وسرعان ما ترعرع تحالف إسلاموي سلطوي تحت قيادة الإمام أحمد بن إبراهيم (1529 - 1543 م) ضد الأهليين الأصليين.  وبمساعدة المغامرين البرتغال، الذين كانوا يأملون في إدخال الطائفة الكاثوليكيَّة في المنطقة وإحلال محل العرب في تجارة الرقيق، تمَّت هزيمة المسلمين واندحارهم.  ولعل مغامرات أحمد بن إبراهيم في الحبشة تذكِّرنا بحملة عبدالله جمَّاع، الذي قاد تحالف العرب ضد مملكة علوة في سوبا بالسُّودان بعدما وفَّرت لهم المملكة المسيحيَّة حرية العقيدة من طقوس، وشعائر تعبديَّة، وتشييد دور العبادة وغيرها.  مهما يكن من الأمر، فقد دارت الدائرة على البرتغال وطردهم الأحباش في القرن السابع عشر، وعادوا من حيث أتوا مدحورين مذمومين.
لقد ارتمى الأحباش بأنفسهم في صراع الأباطرة والجبابرة في العالم القديم، فنصروا النصارى في اليمن حين استغاثوهم، ودافعوا عن أهل مكة المسلمين والبيت العتيق من المسلمين أنفسهم في صراع سياسي محموم، ومما صاحب ذلك الصراع من استباحة أرواح الأبرياء واغتصاب النساء.  إنَّ التجارب المستفادة من الأديان السماويَّة تزودنا بأداة للاستنتاج يمكن أن نستخلص منها قابليَّة العوامل المكوِّنة للسلوك الدِّيني لتكوين شخصيَّة دمويَّة فاشيَّة المزاج معادية للإنسان.  ومن المعروف أنَّ الوازع الدِّيني قائم على التخويف، وهو المهمة الأساسيَّة لرجل الدِّين الذي تخصًّص في تحذير المؤمنين من غضب الآلهة، لكنه في نفس الوقت يساهم في تطبيق الغضب الإلهي على رعاياه.  وتتفاقم هذه الأدوار في الحالات التي تجتمع فيها سلطتان متكاملتان دينيَّة وزمنيَّة، حيث تتداخل عوامل الخوف الروحي من القوى الخارقة مع الإرهاب الحكومي-الإكليرسي.  وثمة عامل آخر هو أنَّه من المقرَّر في علم النَّفس الاجتماعي التقدُّمي أنَّ شخصية الفرد تتكيف بمعاييره الأخلاقيَّة المستمدة من وسطه الاجتماعي والروحي أكثر مما هي بالمبادئ القانونيَّة المفروضة عليه من فوق.  لذلك نجد أن سلوك مسلم بن عُقْبة المري نابع من ثقافة دولة بني أميَّة الدمويَّة والتراث الاجتماعي لشبه الجزيرة العربيَّة.

الحضارة الإسلاموعربيَّة... حقيقة أم خرافة
يرنو دعاة الإسلام السياسي اليوم إلى مدينة بغداد - حاضرة العراق - كرمز لكل ما هو مقدَّس، ومهد الحضارة الإسلاموعربيَّة.  بيد أنَّ بغداد في عصرها الذهبي لم تكن تعاني من الرقابة على المطبوعات أو التطرُّف الدِّيني، حيث أنَّ النخبة العربيَّة يومئذٍ كانوا يرحِّبون بمن له صنعة ونفوذ من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان.  وسوف نرى، في هذه الصفحات، هل ما يُعرف اليوم بالحضارة الإسلاموعربيَّة قد نشأت حقيقة في الوطن العربي كما يزعم العرب، أم أُخذت من أمم أخرى وتم تشذيبها بواسطة العرب؟
إنَّ المفهوم السَّائد اليوم أنَّ الإسلام وحده أنجب حضارة يُحسد عليها في القرون الوسطى خرافة، ونصف حقيقة، وزلق لسان يقوم على تصحيف الواقع الذي ساد في ذينك الزمان والمكان.  في الحقيقة، شهدت بغداد في عصرها الذهبي بين الأعوام 765 - 1000 م قليلاً من التطرف الإسلامي وحضوراً مشهوداً من الهنود، والصينيين، وأهل الكتاب (اليهود والنصارى)، وعبدة الأوثان، الذين استقبلهم العالم العربي ورفعوعهم مكاناً علياً.  كان صفوة العرب يتجادلون فيما بينهم أنَّه مهما ملك القرآن الكريم من حكم مأثورة وناصية القول، فلا يمكن أن تحتكر ديانة واحدة كل الحكمة.  غير أنَّ هذا الانفتاح على العالم الخارجي والدِّيانات الأخرى لم يدم طويلاً، وسرعان ما غشي العالم الإسلامي غمام كثيف مهيل من التَّطرُّف الدِّيني.  وعليه كان لزاماً علينا أن نلج إلى بطون المعرفة ونغوص في أمهات الكتب بحثاً عن عن الحقيقة لكي نجليها لمن أراد أن يعتبر أو يقدر.  إذاً، ماذا جرى في بواكير الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة؟
عندما شيَّد الخليفة أبو جعفر المنصور مدينة السلام (الاسم الرَّسمي لبغداد يومذاك) العام 762 م، كانت مدينة جنديشابور (Gondeshapur) في جنوب غربي فارس (إيران حاليَّاً) مركزاً ركيزاً للعلم.  وفيما ازدهرت جماعة النسطوريين (Nestorians)، وهم جماعة ذي علاقة بمذهب نسطوريوس الذي اُعتبر هرطقة العام 431 م، والذي ذهب - فيما ذهب - إلى أنَّ الطبيعتين الإلهيَّة والبشريَّة ظلَّتا منفصلتين في يسوع المسيح.  وقد انفصلت هذه الجماعة عن النصرانيَّة البيزنطيَّة بعد العام 431 م، وانتشرت في فارس ولا تزال قائمة ينتسب إليها الأشوريون. بُعيد قدوم النسطوريين إلى جنديشابور من الغرب القصي، حضر لاجئون آخرون من الساسة والكهان، بما فيهم أولئك الذين طُردوا من الأكاديميَّة الوثنيَّة في أثينا، التي أسسها أفلاطون، وعندما أُغلقت أبوابها بواسطة النصارى العام 529 م.  ولسنين عدداً أوى إلى مدينة جنديشابور طلاب العلم والطب، ينهلون من علومها في الأعشاب الطبيَّة، والعمليات الجراحيَّة وضروب العلاج الأخرى.  وجاءت في المرتبة الثانية ترجمة الأعمال الأجنبيَّة.  وانخرطت أغلب أُسر النسطوريين في الطب في جنديشابور، يُورِّثون إلى أحفادهم تراجمهم في كتب الطب.  وفي جنديشابور - لا بغداد كما يزعم العرب والمسلمون - شُيِّدت أول مستشفى (بيزمارستان Bismaristan  بلغة أهل فارس).  وفي داخل المدينة كان يتحدَّث الناس بألسن كثيرة: الإغريقيَّة (اليونانيَّة)، والسُريانيَّة، والآراميَّة، والسَّنسكريتيَّة (لغة الهند الأدبيَّة القديمة)، وبذلك التَّخابر يعكسون تقاليد أمم تليدة، ويترجمون النصوص من الإغريقيَّة والسَّنسكريتيَّة إلى السّريانيَّة والآراميَّة.  وهكذا نجد قصص ألف ليلة وليلة وغيرهما من الأعمال الأدبيَّة التي بها ضرب الرواة والرحالة في الأرض العريضة.  وحينما احتل العرب جنديشابور العام 638 م، أقدم الطلاب بعجلة تزايديَّة على تعلُّم لغة المنتصر، وطفقوا يترجمون النُّصوص الطبيَّة والهندسيَّة وغيرهما من الإغريقيَّة والهنديَّة إلى العربيَّة.
انتقل هذا التقليد في ترجمان أعمال البلدان والأمم الأخرى إلى بغداد ودمشق.  ويتضح، مما سبق، أنَّ خدمة ترجمة النفيس من الأعمال الأجنبيَّة يعود أصلها إلى صنعة أهل الكتاب وعبدة الأوثان، ولم يكن هنالك مثل هذا العمل في العالم العربي من قبل.  وفيما كانت مدينة السَّلام (بغداد) تنمو في الحجم والعلم، هاجرت إليها طائفة من النسطوريين من جنديشابور (المدينة العالمية).  وبعد ذلك كان أهم حدث هو وصول بحث معروف لدي العرب باسم "سندهند"، وهذا العمل هندي الأصل وصاحبه "براهماسفونتا"، الذي كان معروفاً في بغداد منذ القرن الثامن عشر الميلادي.  كان عمل "براهماسفونتا"، الرياضي الهندي، أول مساهمة في علم الجبرة، الذي طوَّره الرِّياضي العربي - الخوارزمي (780 - 850 م) - بنجاح.  وقد جاءت مساهمة "براهماسفونتا" في الرِّياضيات مصحوبة معها الأرقام الهنديَّة التسعة (1,2,3,4 ... إلخ)، التي مازالت مستخدمة حتى يومنا هذا، وما زلنا نخطئ في تسميتها بالأرقام العربيَّة.  وقبل ذلك كانت الأرقام تُكتب في شكل كلمات أو باستخدام الحروف الهجائيَّة.  وقد تُرجمت هذه المسودَّة، التي تحمل الأرقام الهنديَّة، إلى العربيَّة العام 775 م، وكانت تحوي - فيما تحوي - الرقم العاشر (الصفر)، وقد أثبت العرب إنَّهم رياضيين بارعين بالتقليد وليس بالابتكار، وسرعان ما انتقل علمهم الرِّياضي هذا، الذي بدأ في الهند، إلى الأوربيين. ثم رُزق العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر الميلادي بخليفة له بصيرة ورؤية، المأمون. كان المأمون متعاطفاً مع طائفة المعتزلة، التي كان معتنقوها القوميون تستحوذهم فكرة التوفيق بين القرآن الكريم ومعايير الفكر الإنساني.  وقد رأى المأمون في المنام، هكذا تقول الأسطورة، أرسطو بادياً أمامه.  وعلى الفور أرسل رسله يمنة ويسرة حتى حطت في القسطنطينيَّة بحثاً عن المسودَّات الأغريقيَّة، وأُسس المأمون في بغداد مركزاً للترجمة.
ومما لا ريب فيه أنَّ أغلب الترجمات كان يقوم بها شيخ المترجمين - حُنين بن اسحق (803 - 873 م) - في "بيت الحكمة"، الذي بناه المأمون العام 833 م. وحُنين هذا نسطوريَّاً كان ثم نصرانياً، وكان يتحدث بأربع لغات مما رفعته مواهبه هذه مُقاماً علياً، وأصبح لبيت الحكمة رئيساً ومشرفاً على كل الترجمات العلميَّة.  علَّم حُنين ابنه اسحق وابن عمه حُبيش علم الترجمة، فقاموا كلهم أجمعون أبتعون بترجمة "الفيزياء" لأرسطو و"الجمهوريَّة" لأفلاطون وسبعة كتب في علم التشريح لجالين، وكذلك أعمال أبُقراط وديوسكوريدس وللاستزادة فقد ترجم حُنين العهد القديم من النسخة الإغريقيَّة القديمة المنقولة من العبريَّة إلى العربيَّة، لكن ضاع هذا العمل بسبب الإهمال أو الأهوال، أو بفعل حاقد جاحد، أو على يد متزِّمت متعنِّت.  وتوارثت أسرة حُنين العلم وأصول المعرفة على نحو قول الشاعر:
فتذكَّروها آخراً عن أول        وتوارثوها كابراً عن كابر
وفي مقام ليس بأدنى من ذي حُنين، بدا ثابت بن قرة، مؤسس المدرسة الثانية في الترجمة.  فقد ترجم ثابت إلى العربيَّة أعمال أُقليدُس، وأرخميدس، وبطلميوس، وأبولونيوس. ولم يخامرنا أدنى شك أنَّ ثابت كان من أذكى العلماء وأشدهم علماً، وكان له شرف عظيم في عرض علوم اليونان إلى الناس. غير أنَّه لم يكن بمسلم، كما أنَّه لم يكن نصرانيَّاً ولا يهوديَّاً، لكنه كان من الصابئة الذين كانوا في ذلك الوقت من عداد عبدة الأثان، وقد جاء ذكرهم في القرآن الكريم، وبذلك نالوا حظَّاً من الحماية الدنيويَّة في الدولة الإسلاميَّة.
وحين نتحدَّث عن الصابئة - في معرض الحديث عن ثابت بن قرة - فإننا نعني قوماً من الحرنانيَّة، أي سكان مدينة حرَّان، الذين لم يكونوا ينتمون إلى إحدى الديانات السماويَّة الثلاثة: اليهوديَّة أو النصرانيَّة أو الإسلام، وإنَّما كانت لهم عبادات وشعائر خاصة بهم، وظلَّوا يعرفون باسم الحرنانيَّة حتى عهد المأمون الخليفة العباسي (833 م)، حين اختاروا اسم "الصابئة" وهو اسم ورد في القرآن تخلُّصاً من عقوبة توعَّدهم بها المأمون.  وعندما توفَّى المأمون في غزوة إلى بلاد الروم، عاد إلى المذهب القديم من كان قد تنصَّر منهم، أما الذين أسلموا فلم يرتدُّوا خوفاً من القتل وأقاموا متستِّرين بالإسلام وكانوا يتزوَّجون بنساء حرَّانيات، فيجعلون الذكر مسلماً ويبقون الأنثى على مذهبهم القديم.  إنَّ ثابت بن قرة الحرَّاني هو الذي أدخل جماعة الصابئة إلى أرض العراق فثبتت أحوالهم وعلَّت مراتبهم وبرعوا.  وقد اشتهر كثير من هؤلاء الصابئة، الذين أقاموا ببغداد، في الطب وعلوم الأوائل عامة والتأريخ والأدب خاصة.
وفي الجغرافيا، أخذ العرب مفهوم مركز الكون من الهنود، وسموه عرين، وهو تصحيف لكلمة عُجين الهنديَّة، حيث نقلوا تلك المفردة من جغرافيا بطلميوس، التي فيها تُطلق لفظة عُجين على مركز الكون.  ومن المفترض أن يكون مركز الكون هذا في منتصف الطريق بين الغرب والشرق.  وقد عُرِّف الغرب هنا ببحر الظلمات، ويعني المحيط الأطلسي، والمركز هو القمة - أي أعلى نقطة على الأرض - التي عليها يمكن للمرء أن يرى السماوات طباقاً، وهذه البقعة مجاورة لمملكة الله في الأرض.  إنَّ في الجمع بين هذين اللَّونين من العلم - الجغرافيا والعبادة - شئ من الغرابة، فإنَّ التناقض الذي يظهر بينهما، في حقيقة الأمر، جلي.  إذ أنَّه لا يُعقل الوقوف على قمة ما ليخترق البصر حُجُب الغيب إلى السماوات والغيهب.
وأيضاً، نجد أنَّ أبا بشر متى بن يونس، الذي كان زميلاً وثيق الصلة بالفارابي الشهير، كان نصرانيَّاً هو الآخر.  حاول أبو بشر أن يوفق بين أرسطو والقرآن.  كما أنَّ أعظم شعراء القرن السَّابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر الميلادي - أي غيث بن الصلت، الذي أخذه الخليفة المأون إلى مكة - كان نصرانيَّاً.  وعلى الرَّغم من تعيينه شاعر الديوان (القصر)، إلاَّ أنَّه رفض تبديل دينه بالإسلام تبديلاً.  ولم يشاء كذلك العزوف عن احتساء الخمر، ولبس الصليب.  لقد طلَّق زوجته، وابتعل طليقة محلها، وقد شُوهِد غير مرة مع الداعرات، وقد امتلأت بطنه بالخمر حتَّى الثَّمالة، قائلاً: "إنَّ هذه هي الطريقة الوحيدة التي بها أجد السبيل إلى استرسال الشعر".  هذا هو حال غيث العربيد، الذي كان للخمر معاقراً وللنساء زيراً، فلم تردُّه معاقرة الخمر أو تلهيه مجالسة النساء عن تجويد عمله.
ازدهر الاشتغال بالترجمة بعد اكتشاف الورق، وهو حرفة صينيَّة.  وحسب التقاليد، فإنَّ صناعة الورق بدت على يد أسرى صينيين تم أسرهم بعد معركة طلاس (150 ميلاً شمال-شرق طشقند في إقليم كيرجستان)، حيث أفدى هؤلاء الأسرى حياتهم بتعليم العرب صناعة الورق.  وقد قيل أنَّه كان يُوجد رسامون، ونسَّاجون، وصواغ صينيُّون في الكوفة - جنوبي العراق.  وأنَّه من المؤكَّد أنَّهم كانوا على علم بصناعة الورق.  ومهما يكن من أمرهم، فهنالك ثمة حقيقة باقية ألا وهي أنَّ هذ الصنعة أجنبيَّة، ولم تكن عربيَّة، وإنَّ لفظة كاغاد، التي تعني الورق في اللُّغة العربيَّة القديمة، مأخوذة من أصل صيني.
ومما تقدم يتَّضح أنَّ الانفتاح وتقبُّل الآخر كانا من السمات الأساسيَّة في بغداد في عهدها الذهبي.  وعليهما استطاع الأقوام وضع الأسس في الطب، والرِّياضيات، والفلسفة، والجغرافيا، وبعض فروع المعرفة.  وقد آوى إلى بغداد أولئك التجار والكتاب والساسة والكهان والعلماء والمنجمين والكيميائيون، لا لشئ غير أنَّها كانت مدينة تذخر بالحريَّة شأنها في ذلك شأن برلين، وباريس، ونيويورك في عصور لاحقة.  وقد بدأ العرب أنفسهم في الترحال في القرن الحادي عشر الميلادي بعد وصول البوصلة من الصين، وكان أشهرهم ابن بطوطة المغربي، وقد درسنا في أيام الصبا كيف استطاع هذا الرحالة العربي أن يهرِّب دودة القز، التي تنتج الحرير، من الصين إلى العالم العربي، وذلك في العصا التي كان يحملها ويتوكأ عليها وله فيها مآرب أخرى بما في ذلك التهريب.  كما أن أغلب العلماء، أو جلهم، لم يكونوا بمسلمين، كانوا يهود ونصارى وصابئيين.
غير أنَّ هذا الانفتاح لم يكد ليستمر طويلاً.  فسرعان ما أصبح العلم المأخوذ من الإغريق والهند يُعرف بالعلوم الأجنبيَّة، وأصبحت مثار شبهة لدي رجال الدِّين الإسلامي.  وفي العام 1065 م (أو 1067 م)، تم بناء "النظاميَّة" في بغداد، وهي مدرسة دينيَّة لتدريس علوم القرآن والشعر القديم - ليس الجاهلي بالطبع، لأنَّه قيل قبل صدر الإسلام.  وما لبثت هذه "النظاميَّة" حتى توحَّدت مع "المستنصريَّة" في جسد واحد (المدرسة)، وهي كليَّة دينيَّة ذات عروة وثقى بالمسجد، تُدرِّس في أغلب الأحيان الأخلاق والقيم المبنيَّة على القرآن الكريم.  ويحتوى المنهج على علوم الدين والقرآن الكريم وعلم الكلام ومقارعة الحجج العلمية والفلسفيَّة بأكيدة الإيمان المجرَّدة.  وبذلك بدأ تحريم هذا العلم الدنيوي الموفود بالترغيب عنه، وتحبيب علم الوعظ والإرشاد بالترغيب فيه.  ما حدث في بغداد في عهد التَّزمُّت يذكرنا بما جرى في مصر في سنين مضت.  كان ذلك حين أنشأ الشيخ رشيد رضا شيئاً سماه مدرسة الدعوة والإرشاد، وأعلن أنَّ هذه المدرسة ستُعِد طلابها من الأزهريين لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ولإرشاد المسلمين أنفسهم فى دينهم الصحيح المبرأ من أوهام القرون وأباطيلها.  وقد ضاق المجدِّدون من أبناء الأزهر بهذه المدرسة أشدَّ الضيق، وسخط عليها أعظم السخط.  ورأى تلاميذ الأستاذ الشيخ محمد عبده أنَّ في عطف الخديوي على هذه المدرسة وإعانته لها ما أثار في نفوسهم الرَّيب فنفَّروا الناس منها، وأطلقوا ألسنتهم فيها، وعابوا على الشيخ رشيد أنَّه ثاب إلى من أخرج الأستاذ الإمام من الأزهر وعرَّضه لكثير من الشر والأذى وأغرى به الشيوخ، حتَّى أذاعوا عن الشيخ ما أذاعوا من السوء، ونالوه بما نالوه من المكروه.
ولا يساورنا أدنى شك أنَّ الشعوب العربيَّة قد خضعت في فترة من تأريخها لثقافات وحضارات متعدِّدة ذات قيم عالية منها الفرعونيَّة (الزنجيَّة) أو الأفريقيَّة (الأحباش في اليمن) أو البابليَّة أو الفارسيَّة.  وعلينا، إذاً، أن نبحث عن القيم الثقافيَّة للحضارة المسماة إسلاموعربيَّة في بقايا تلك الحضارات المنقرضة، لأنَّ في البحث عن مكونات الأشياء ينبغي الرجوع إلى الأصول والغوص في الجذور.  فامتداد نفوذ الحضارة الفرعونيَّة في منطقة الشام قد خلفت أثاراً معماريَّاً وروحيَّاً في هذه الأصقاع النائية.  وقد علمنا أنَّه حين تزوج سيدنا سليمان عليه الصلاة والسَّلام من إحدى أميرات الأسرة المالكة في مصر الفرعونيَّة، ابتعث معها والدها الفرعون مهندسين معماريين، فشيَّدوا ما يُعرف اليوم بهيكل سليمان (الذي أحل محل خيمة الاجتماع) على شاكلة المعابد في مصر.  وقد برع الفراعنة في العمران وعلم الفلك والهندسة والزراعة والري وغيرها مما نجزم بأنَّ هذا العلم قد تسرَّب إلى العالم العربي قبل بزوغ الإسلام، إما مباشرة من مصر أو من خلال الحضارة الهلينية (نسبة إلى هيلين الذي تقول الأسطورة إنَّه الأب لكل القبائل الإغريقيَّة) عند الإغريق، ولا سيما أنَّ العرب ترجموا أغلب أعمال الفلاسفة والأطباء والعلماء الإغريق كما ذكرنا سلفاً.
ومن نافلة القول، لولا سماحة الخليفة المأمون ورجاحة عقله لما استطاع العلم أن ينساب إلى بغداد من أثينا وأوديسة والإسكندريَّة وأنطاكية اليونانيَّة وجنديشابور الفارسيَّة، ومنها جمعاء إلى توليدو في أسبانيا العام 1085 م.  مما لا جدال فيه أنَّ الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من انتاجه الثَّقافي، وتتألَّف الحضارة من العناصر الأربعة الرئيسة: الموارد الاقتصاديَّة، والنظم السياسيَّة، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون.  ولإطراد الحضارة وتقدمها عوامل متعددة من جغرافية واقتصادية ونفسية كالدين واللغة والتربية، ولانهيارها عوامل عكس تلك العوامل التي تؤدي إلى قيامها وتطورها، ومن أهمها الانحلال الخلقي والفكري، واضطراب القوانين والأنظمة، وشيوع الظلم والفقر (بأنوعه المطلق والنسبي والذاتي)، والتشاؤم أو اللامبالاة، وفقدان الموجهين الأكفاء والزعماء المخلصين. فإنَّ الحضارة التي استرسلنا في تحليلها وتعليلها قد مرَّت بالدولة الإسلاميَّة من شعوب الأرض المختلفة ووجدت فيها بعض الاهتمام في بادئ الأمر وعندما تضافرت العوامل التي تتكاثف وتدمِّر الحضارات انحسرت هذه الحضارة ورحلت إلى أمم أخرى، وبات العرب يبكون على الأطلال والماضي الذي ولَّى بلا عودة.

(الحلقة الأخيرة في العدد القادم)

الدكتور عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج


د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
وإذا الحرب اشتعلت
لم يكن الإسلاميون في السُّودان انفصاليين كما أُشيع ورُوِّج عنهم، بل كانوا دائماً دعاة الأسلمة القسريَّة والتعريب التذويبي في ثقافة أهل الشمال، وفي ذلك يستووا مع الصَّادق المهدي في أطروحاته عن وسائل أسلمة وتعريب الجنوب. وقد سمى الصَّادق نهجه الهندسة الاجتماعية، مما يعني - كما هو واضح من التَّعبير - تدمير البناء الاجتماعي القائم وتشييده على النهج الذي يرتضيه هؤلاء المهندسون الاجتماعيُّون.  ويقول بعض منظري الحركة الإسلاميَّة في شأن الحل الحضاري في قضية الجنوب إنَّه "لم تتوفَّر (للحركة) الإسلاميَّة دراسة قضية الجنوب أو قضية المجتمعات التبشيريَّة في المجتمع السُّوداني ككل، ونتج عن ذلك تقديم المهام السياسيَّة على النظرة الحضاريَّة، ولكن للأخوان (المسلمين) قناعة أنَّ الحل السياسي مجرد علاج وقتي، وإنَّ قضية الجنوب قضية حضارية في المقام الأول، وإنَّ العلاج الحضاري أن تذوب كل الشخصية السُّودانيَّة في قلب الثقافة الإسلاميَّة، باستثناء الوحدات التي فرغت من صياغة ذاتها حضاريَّاً، حيث تحفظ لها كل مقومات استمرار هذه الذاتيَّة.  ولكن هذه النظرة ظلَّت دون ترجمة في واقع ميداني، ولعلَّ ذلك نتج من أنَّ الأولويَّة كانت للعمل السياسي، كما أنَّ الحركة ربما قد شعرت بأنَّ ذلك واجب السلطة المركزيَّة، كما - وربما - أنَّها قد رأت أنَّها تفتقد الكوادر البشريَّة المؤهَّلة التي تقوم بأداء مهام تبشيريَّة بالاضافة إلى سؤال التغطية الماديَّة لهذا العمل".(74)  
ويمضي الكاتب الإسلاموي في التنظير قائلاًً: "لعلَّ القدرة على خلق وضعيَّة جديدة للإسلام في الجنوب ستحدِّد إلى حد بعيد وضعيَّة الحركة الإسلاميَّة في إطار التحديث وفي إطار خلق السُّودان الجديد، ولعلَّ أثر الحركة الإسلاميَّة في الجنوب، سيكيِّف مقدراتها على السيادة السياسيَّة.  وأمر السياسة في السُّودان يتوقَّف على معادلة دقيقة بين الشمال والجنوب. ومستقبل الجنوب لا يحسب من خلال ما هو كائن، إذ ذلك وليد ظروف استثنائيَّة إذ لم يعرف الجنوب الإسلام بوجهه المشرق، وإنَّما انفتح الجنوب على إسلام (الجلابة) الذين سعوا لدنيا خالية تماماً من أي رسالة حضاريَّة، ويقيني أنَّ في مقدور الإسلام أن يتجاوز الجيل الذي صنعته ظروف الحرب الأهلية (الأولى)، وبمقدور الإسلام أن يكسب هذا الجيل على ما في نفوسه من مرارة وألم.  كما أنَّ للإسلام القدرة على صناعة جيل جديد، خال من العقد، وليس ما يمنع من أن يعبر هذا الجيل، عن مساره الحضاري بإسلام يستكمل إسلام الشمال ويعطيه بعده الأفريقي والخلاصة أن مفتاح الجنوب ما يزال في قيد الإمكان".(75)  
أيَّاً كانت تنظيرات الحركة الإسلاميَّة في مسألة الجنوب والمجتمعات التبشيريَّة الأخرى (جبال النُّوبة)، ففي إطار المعالجة السياسيَّة العامة تبنى الأخوان المسلمون مشروع الحكم الإقليمي كما جاء في مسودة دستور 15 كانون الثاني (يناير) 1968م، والتي نصَّت على الآتي:
يقوم في كل إقليم مجلس يسمى مجلس الإقليم، ويمارس سلطة التشريع وفقاً لأحكام الدَّستور في حدود الإقليم.
يقوم في كل إقليم مجلس تنفيذي يتولَّى سلطة التنفيذ في حدود الإقليم وفقاً لأحكام القوانين القوميَّة والإقليميَّة.
يرأس المحافظ المجلس التنفيذي، ويكون مسؤولاً عن توزيع أعمال المجلس وتنسيق سياسته التنفيذيَّة.
يعين رئيس الجمهوريَّة محافظ لكل إقليم الشخص الذي يزكيه مجلس الإقليم من بين ثلاثة أشخاص من الإقليم يرشِّحهم رئيس الجمهوريَّة.
وهكذا نجد أنَّ قبول الإسلامويين بالاجراءات الإقليميَّة كان قبولاَ تكتيكيَّاً مرحليَّاً أكثر من أي شئ.  لذلك أصروا - والذين معهم  في الجبهة الوطنيَّة المعارضة في السبعينيات من القرن المنصرم - على نقض اتِّفاق أديس أبابا (العام 1972م) بين حكومة نميري وحركة تحرير جنوب السُّودان بقيادة جوزيف لاقو كشرط من شروط المصالحة الوطنيَّة العام 1977م، كما أبنا سلفاً.  كذلك عمل النِّظام  في إحداث انشقاق في الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في آب (أغسطس) 1991م، وإشعال فتنة عرقية - والفتنة التي هي أشد من القتل كانت نائمة لعنة الله على من أيقظها - بين قبائل الجنوب المختلفة، التي حوَّلت الحرب في فترة ما إلى حرب جنوبيَّة-جنوبيَّة، وكان للنظام ما ابتغى.  كما أن تجييش أهل السُّودان كافة وتمليش (إنشاء مليشيات عسكريَّة) القبائل العربيَّة خاصة لخوض الحرب الأهليَّة بالوكالة (Surrogate war) لصالح أنظمة الخرطوم، والزج بشباب الحركة الإسلاميَّة إلى الموت "جهاداً" في ساحات الوغى في أدغال الجنوب، وبداية ضخ النفط في الجنوب - فضلاً عن الثروات المعدنيَّة والحيوانيَّة والغابيَّة الأخرى - تلكم هي آيات أخرى على أنَّ الآباء المؤسسين للحركة الإسلاميَّة لم يفكِّروا يوماً على ترك أهل الجنوب لوحدهم لكيما يختاروا مصيرهم السياسي طوعاً ورغبة، حتَّى ولو أدَّى ذلكم التعنُّت إلى الموت الذؤام لطلاب الانفصال التَّام.
وفي مرحلة الدِّيمقراطيَّة الثالثة اتَّخذت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة الخطوات التَّالية تجاه الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان:(76)  
السعي إلى دعم مسلمي الجنوب وتقوية حضورهم على الساحة السياسيَّة في جنوب البلاد والمركز.
السعي إلى عزل حركة التمرُّد عبر عقد تحالفات مع القوى السياسيَّة المناوئة لها، وبالأخص في أوساط القبائل الاستوائيَّة وقبائل الشلك وغيرها.
فتح قنوات الاتصال مع حركة التمرُّد لإقناعها بأنَّ موقف الإسلاميين لا يتضمَّن بالضرورة معاداة الجنوب.
إعداد برنامج للسَّلام يشتمل على موقف توفيقي بين المطالب الإسلاميَّة والمطالب الجنوبيَّة (ميثاق السُّودان في تشرين الثاني (يناير) 1987م).
ونحن نتساءل أيهم المجتمعات التبشيريَّة والوحدات، التي فرغت من صياغة ذاتها حضاريَّاً، التي يتحدَّث عنها الكاتب الباحث؟ هل هي مجتمعات أهل الجنوب أم سكان جبال النُّوبة وإقليم الفونج الذين لم يُتركوا في حالهم حتى تُحفظ لهم كل مقوِّمات استمرار هذه الذاتيَّة، ولكيما يعبدون ما يعبدون؟  إذ أنَّهم قُوتلوا ووقعت نساؤهم سبايا في أيدي "جيش الرَّب القادم من الخرطوم"، وتعرَّضن للاغتصاب في سبيل نشر الذعر وتدمير الروابط العائليَّة، وخُطف أطفالهم، ونُهبت ممتلكاتهم، وأُخرِجوا من ديارهم بغير حق، فبأي آلاء ربكم تكذِّبون!  تلكم هي أفاعيل شبان الحركة الإسلاميَّة، الذين يرون في قتل الأطفال والنساء والشيوخ مجداً! وقد وصلوا إلى مرحلة فقدان الحس حتى أصبح إنزال الألم والعذاب بالآخرين مصدر تسلية.  ولمَّا طفح الكيل وبلغت القلوب الحناجر لجأ مواطني هذه التخوم - زرافات ووحداناً - إلى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان لعلَّهم يأتوا منها بسلاح للذود عن العرض والأرض والمال والبنون، لأنَّ من لم يحم حريمه اُستبِيح حريمه، ومن كف عن ظلم النَّاس، ظلمه النَّاس، كقول الشاعر زهير بن أبي سُلمى المزني في معلقته:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه        يُهدَّم ومن لا يظلم النَّاس يُظلَم
لقد جادل الكاتب المذكور (الدكتور حسن مكي محمد أحمد) عن نشاطات التبشير المسيحي في السُّودان ودوره في تعميق الصراع الدموي بين الفترة 1983-1986م في بحث منشور له باللغة الإنجليزيَّة.(77)  في هذا البحث تحدَّث حسن مكي عن المشكل الثقافي، الذي أدى إلى اشتعال الحرب الأهليَّة، وأزمة النخبة الجنوبيَّة في البحث عن الهُويَّة بعد استقلال السُّودان، والعلاقة بين الإرساليَّة والعلمانيَّة، وظاهرة رفع السلاح في حرب عصابات ضد ما أسماه حق الثقافة الإسلاميَّة لتبقى في الجنوب وتكون هي المسيطرة في الشمال.  واختتمت الدراسة بالقول أنَّه ينبغي أن يُمنح الإسلام فرصة "لإنصاف" المأساة الإنسانيَّة في جنوب السُّودان.
مخطئ من ظن يوماً أنَّ الحرب الأهليَّة، التي ظلَّت مستعرة في السُّودان سنيناً عدداً، كانت حول الإسلام فحسب، ولو لعب الدِّين الإسلامي دوراً فعيلاً في استفحالها، وخاصة في السنوات الأخيرة.  إنَّها حرب اختلاف الرؤى (War of Visions) كما وصفها الدكتور فرانسيس دينج مادينق، كما أنَّ واحداً من أهم العوامل في تأجيج الصراع، والتي لا تلقى اهتماماً كبيراً، هو قضية التحكُّم في الموارد الطبيعيَّة بما في ذلك المياه ومصادر الكلأ والأراضي،(78) ومؤخراً النفط الذي بات يثير اللعاب من ثغور قادة الشمال.  القضيَّة، في جوهرها، هي قضيَّة سياسيَّة ذات أبعاد اقتصاديَّة واجتماعيَّة، وثقافية وإثنية/أنثروبولوجيَّة، ونفسية، وتأريخيَّة، وديموغرافيَّة، لا دينيَّة فحسب.  وقد كان القائد مالك عقار - سكرتير الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - حصيفاً في رده على رسل الخرطوم الذين جاءوا يستميلونه إلى النظام؛ فمذا قال لهم مالك؟ ردَّ عليهم إنَّ نظام "الإنقاذ" يريد أراضي الفونج، ويرغب في إبادتنا، أمَّا إخوتنا في الحركة الشَّعبيَّة فهم ينشدون تحالفنا معهم، وليست لهم طموحات في أراضينا.  ثم ثمة سؤال آخر يطرح نفسه، لماذا يكدح أهل الشمال - ساسة وأكاديميين - كدحاً في أسلمة وتعريب أهل الجنوب؟  فماذا هم فاعلون إذا طالب أهل الجنوب بتنصير أهل الشمال وأفرقنتهم (جعلهم أفارقة) ثقافيَّاً؟ لانظن - الظن الذي يرقى إلى اليقين - أنَّ ذلك سوف يرضي أهل الشمال.  إذن، ما لهم يبغون النيل من حق غيرهم فيما لأنفسهم لا يرضون؟  كل ما يبغيه أهل الجنوب وجبال النُّوبة والأنقسنا والبجة ومواطني دارفور هو العدالة والمساوة دون أن يظلم أحد قيد أنملة.  إذ علينا أن نذكِّر الناس أنَّه قبيل الاستقلال طالب أهل الجنوب بقسمة عادلة في السلطة السياسيةَّ، التي ورثها أهل الشمال من المستعمرين، حيث تزرَّع قادة الأحزاب السياسيَّة ورجال الطوائف الدينيَّة يومئذٍ أن الجنوبيين غير مؤهلين تعليمياً.  وما أن بدأ الجنوبيون ينالون حظَّا من التَّعليم حتى جاء أهل الحكم والعقد في الخرطوم بالشريعة الإسلامية لإبعاد أهل الجنوب "النصاري" من المشاركة السياسية والحياة العامة في البلاد، ولنا يقين - بلا مرية - أنَّ لو دخل أهل الجنوب "والمجتمعات التبشيريَّة" في الإسلام أفواجاً لأتى أهل الشمال بحجة أخرى، فلربما طُلِب منهم أن يكونوا عرباً، وهذا ضرب من المستحيلات.  كذلك حين طالب قادة الجنوب بالفيديرالية عشيَّة الاستقلال، قال أصحاب الحل والعقد في الخرطوم إنَّها تعني الانفصال؛ ثم طالبت الحركة الشَّعبية والجيش الشعبي لتحرير السُّودان بالكونفيدراليَّة في مواجهة تعنت نظام "الإنقاذ" وتمسكه بثوابت الشريعة الإسلاميَّة، فقال "الإنقاذيون" عنها إنَّها تعني الانفصال؛ ثم فكَّرت الحركة وقدِّرت وقالت، إذن، دعونا نمارس حقنا في تقرير المصير، الذي هو حق إنساني لكل شعوب العالم، لعلَّنا نختار ما نريد، وإذا بأهل الحكم في الخرطوم يردِّدون بأنَّ هذا الحق يعني الانفصال كذلك.  إذا كانت هذه المصطلحات السياسيَّة تعني كلها أجمعين أبتعين الانفصال، إذن هناك ثمة خطأ في عقول أهل الشمال، لأننا لا نحسب أن واضعي الموسوعة العلمية (Encyclopaedia Britannica)، التي تذخر بهذه المفردات التي تعني حتماً مدلولات مختلفة في العلوم السياسيَّة، مميَّزون بهذا الكم الوافر من الغباء.
إنَّ الإنسان - الذي خُلق هلوعاً - إذا عزم على الإتيان بشئ إدِّ ألقى معاذيره، واستخدم العلم الملفَّق والدِّين، أي الدِّين، لتبرير أفعاله.  والتأريخ الإسلامي مكتظ بأناس عملوا على تسخير الدِّين رُخاء لأغراض دنيوية دنيئة، ومكاسب ذاتيَّة آنيَّة، وكذلك الساسة، على اختلاف مشاربهم السياسيَّة وتباين رؤاهم الفكريَّة، ما فتأوا يستغلون الدِّين لتحقيق أهداف سياسيَّة أو اقتصادية في هذه الحياة الدنيا. ففي العام 1855م ظهر اتجاه لتحريم تجارة الرِّق في الإمبراطوريَّة العثمانيَّة (التركيَّة)، مما اضطرَّ الشيخ جمال - زعيم المجتمع الإسلامي في مكة المكرمة - أن يصدر فتوى دينيَّة يعلن فيها أنَّ هذا الموقف العثماني منافي للقانون الإسلامي المقدَّس، وأنَّ الأتراك لمرتدون وكافرون، وينبغي إعلان الجهاد عليهم.  وإنَّهم لفي فعلهم النُّكر هذا إذ لسان حال غيرهم يقول: "وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق" (غافر 40/5).  إنَّ أهل مكة قووا التطرُّف الدِّيني ثم عجزوا عن ضبطه.  ما كان يقتضي عمله هو وجوب التخلي عن ملابسة هذه المفسدة المزرية بالدِّين، حيث أنَّهم من أجل متاع الدنيا مشوا بهذا القول الذي لا يجهل فساده ذو عقل، ولا يلتبس خطؤه على ذي لب.  وعقب صدور هذه الفتوى نشب تمرد في الحجاز، حيث استطاع الأتراك وضع حد له في حزيران (يونيو) 1856م. لكن عند صدور المرسوم الإمبراطوري القاضي بتجريم تجارة الرِّق في الإمبراطوريَّة العثمانيَّة العام 1857م، اًستثنيت منطقة الحجاز من تطبيق القانون، وقد أعطى هذا الاستثناء فرصة سانحة للنخاسين أن ينشطوا ويجعلوا من منطقة الحجاز قاعدة لانطلاق تجارتهم بالبشر في شبه الجزيرة العربيَّة ومنطقة الخليج، ولم تنحسر هذه التجارة إلاَّ حين امتدَّ نفوذ الاستعمار الأوربي إلى أفريقيا، وتجفيف مصادر الرِّق ومراقبة سبل قوافل التمويل.
ومن بعد الحجاز نجئ إلى شرق أفريقيا.  ففي مناطق نائية في كينيا وحول بحيرة رودلف كان النخاسون العرب ينشطون في التسعينيات من القرن التاسع عشر.  والغريب في الأمر أنَّ قوافل الرِّق كان يتقدَّمها ساحر رجيم يحمل راية بيضاء مزيَّنة بعلامات وآيات قرآنيَّة، رجماً منهم بالغيب أنَّ هذه الأخلاط تحمل في طياتها قوة خارقة تحميهم من أي شر مستطير.
ثم ندلف إلى سودان الترابي-البشير، الذي فيه اًستغل الإسلام في الحرب الأهليَّة أي استغلال.  فقد قرأنا عن قصص القرود التي أمست كاسحات ألغام (Mine-sweepers)، والمجاهدين الذين يصعدون إلى جنات الفردوس نزلاً وزواجهم بالحور العين بعد إيلاجهم أبواب السماوات السبع مستخدمين المفاتيح التي منحتهم إيَّاهم الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة.  ففي 27 نيسان (أبريل) 1992م أصدر ستة من المشايخ الإسلامويين في مدينة الأبيض - حاضرة ولاية كردفان - فتوى إسلاميَّة بوجوب قتال النُّوبة، وسبي نسائهم وخطف أطفالهم وأموالهم، التي حُلَّت للمسلمين المجاهدين (ملحق رقم 2).  والفتوى بالغة الدلالة في عنفها القمعي، ومغزاها فاقع في دلالته الاقصائيَّة والاستئصاليَّة على السواء.  واستخدام لغة التكفير في الفتوى كاشفة عن المنزع الذي عاود الظهور في القرن الماضي في العالم الإسلامي عامة وفي السُّودان خاصة، نتيجة عوامل سياسيَّة كثيرة دفعت إلى استعادة ميراث التطرُّف وتوظيفه القمعي.  وإذا عدنا إلى فتوى فقهاء الأبيض، وأعدنا تأملها، وجدناها قائمة على مبدأين متطرِّفين.  المبدأ الأول هو العداء للاختلاف عموماً، ورمي المختلف في منطقة الاتهام، ويصل العداء إلى درجة ممارسة العنف العاري من طريق الاستعانة بالأجهزة القمعيَّة للدولة القائمة التي تحالفت - في أحوال استبدادها - مع جماعات التطرُّف في العداء للآخر أو المختلف داخليَّاً وخارجيَّاً.  وكان هذا المبدأ يعمل مع ما ظلَّت تبثَّه أجهزة الدعائية الأيديولوجيَّة من ضرورة الإجماع، والحض على السير مع الجماعة، ورمي المختلف بأبشع التُّهم المخيفة التي ترد الشَّاردين إلى حظيرة الإجماع الأصولي السَّائد.  أما المبدأ الثاني فهو على نقيضها، ابتداء من الاستخفاف بما عنده، مروراً بإعلان الحرب عليه، والسعي إلى استئصاله المعنوي أو المادي من الوجود المتوتر للمدار المغلق لهذه "الأنا".  إنَّ هذا التطرُّف الذي لا يحترم القواعد التأريخيَّة والألسنة والسوسيولوجيَّة، إنَّما يحرِّض الخيال الاجتماعي ويساهم في تفكيك النسيج البشري وتدفعه في اتجاه عمليات اقصائيَّة إرهابيَّة، كالتي رأيناها في الهجوم على الآمنين في قراهم ودور عبادتهم حتى في بيوت الله (الكنائس والمساجد) وهم يمارسون - في حال المسلمين القانتين - طقوس وشعائر دين الدولة (الإسلام).  إنَّ الغلو في الدِّين من أشد الآثام، لأنَّه يبعث على ارتكاب كثير من الآثام، ووسيلة لإثارة آثام كثيرة، وهو سبب من أسباب الافتراق الوخيم، وضرب الأمة بعضها رقاب بعض.
وبالأمس القريب طالعنا فتوى أخرى صادرة من "جماعة الإسلام لحماية العقيدة والوطن" تهاجم فيه مركز جبال النُّوبة الأهلي للدراسات التنمويَّة وتتهم مدير المركز - عثمان نواي علي - بالكفر والعمالة.  كما شمل التكفير والهجرة الصحافي أحمد عوض وآخرين.  وقد علمنا أنَّ السبب الذي دفع الجماعة لإصدار هذه الفتوى هو "أنَّ مركز جبال النُّوبة الأهلي للدراسات التنمويَّة قد قدَّم ورقة عن الإسلام بعد السَّلام في جبال النُّوبة، وكما نعلم - وتعلمون أنتم كذلك - أنَّ منطقة جبال النُّوبة من أكثر المناطق في السُّودان تنوعاً في الأديان، حيث يوجد المسلمون والمسيحيَّون ومعتقدي العقائد الروحيَّة، التي تُوصف خطاً في بعض الكتابات بالوثنيَّة.  فلا توجد أوثان في جبال النُّوبة، ولم نسمع عن ود ولا سواع ولا يغوث ويعوق ونسر.  وهذا التنوع الديني يحول دون فرض الشريعة الإسلاميَّة حتى مع وجود أغلبية مسلمة لأنَّ القضيَّة في الأساس هي قضية حقوق مدنيَّة ومواطنة.  وكان مقترح الورقة بأنَّ النظام العلماني هو الأنسب لهذا الإقليم، ولا نرى بيان كفر أو ارتداد في هذا.(79)  
ومهما يكن من أمر الجماعة إيَّاهم، فقد أعاد إلى الأذهان هؤلاء المتطرِّفون ذكرى القرون الوسطى عامة، والقرنين الخامس عشر والسَّادس عشر خاصة حيث كانت محكمة التفتيش (محكمة كاثوليكيَّة نشطت في ذينكم القرنين مهمَّتها اكتشاف الهرطقة ومعاقبة الهراطقة) سيفاً مسلطاً على رقاب العلماء والفلاسفة، وكان من ضحاياها العالم البولندي كوبرنيكوس والفلكي الإيطالي جاليلو (1564-1642م).  والأخير زعم، وهو مؤيِّداً كوبرنيكوس في نطرياته الفلكيَّة، بأنَّ الأرض متحركة حول محورها وهي تدور حول الشَّمس، التي هي مركز الكون، مما أغضب رجال الدِّين، الذين كانوا يومئذِ يعتقدون غير ذلك، وحكموا عليه بالهرطقة.  على أي حال، فإنَّ الغلو في الدين والجرائم التي مُورِست ضد البشرية باسم العقيدة هو الذي عبر عنه فولتير بأنَّه كان يمسي سقيماً بالسيكوسوماتي (Psychosomatics) (مرض متعلِّق ب - أو ناشئ عن - التفاعل بين الظواهر الجسديَّة والنفسيَّة والعقليَّة الناتجة عن اعتلال عاطفي أو عقلي) كل عام في يوم 24 آب (أغسطس)، أي الذكري السنويَّة لمذبحة يوم القديس بارثولوميو، التي راح ضحيتها البروتستانتيين على أيدي كاثوليكيين متزمتين في باريس العام 1572م.  بلا مرية، ما لم يصل السُّودانيُّون مرحلة الاستمتاع والتلذذ بالتعدد العرقي والثقافي والديني فسوف تظل الطريق إلى إنهاء الحروب، والجهل، والمرض، والمجاعات، والتعذيب الجسدي والنفسي وعرة وطويلة.  هذا التباين اللغوي المبين والاجتماعي والسياسي يعكس هجرات واستيطان الوافدين حديثاً إلى السُّودان سواءاً من شبه الجزيرة العربيَّة أم من الأقطار الأفريقيَّة، وانصهارهم في المجتمع السُّوداني من خلال تغيُّرات تأريخيَّة وسكانيَّة (Demographic) عبر القرون.
يقودنا هذا الحديث إلى الهيئة العلمانيَّة التي أُنشأت بمبادرة من الرئيس الفرنسي جاك شيراك لتعد قراءة علمية-مدنيَّة للأديان السماوية في فرنسا.  فما هي الدوافع التي تقبع وراء تأسيس هذه الهيئة؟ وما هي مهمات اللجنة الخاصة للدِّفاع عما يسميه الفرنسيون ب"العلمانيَّة"؟  لقد أدرك الرئيس الفرنسي جاك شيراك، والذين معه، أن مفهوم العلمانيَّة لا بد له أن يتكيَّف مع الظروف الجديدة الطارئة في المجتمع الفرنسي وأن يستجيب لمتطلبات المواطنين الجدد الذين دخلوا وسُمِح لهم أن يكونوا مواطنين فرنسيين يتمتَّعون بكل الحقوق التي تضمنها الجمهوريَّة لمواطنيها، حيث أنَّ القوانين الدِّيمقراطيَّة التي تبيح حرية المعتقدات هي التي سمحت للمسلمين بالتغلغل داخل المجتمعات الأوربيَّة.  فنلاحظ أن هناك مسلمين جاءوا حديثاً إلى هذا البلد وطلبوا أن يكونوا فرنسيين وأن يقتنوا الجنسيَّة الفرنسيَّة، ولكنهم لم يقتنوا - في الوقت نفسه - الثقافة الأساسيَّة لفهم كيفيَّة تسيير المجتمع الدِّيمقراطي.  ولا يزال هؤلاء المسلمون يحملون رؤية لما تعلموه في مجتمعاتهم السابقة، وهنا نراهم يخلقون مشكلات عويصة لا نسمع بها حتى في بلدانهم الإسلاميَّة، وهم لا يعرفون ما هو موقف المجتهد المفسِّر من الآيات القرآنيَّة حتى يفسرها على حساب السياقات الاجتماعيَّة والتأريخيَّة والثقافيَّة التي يعيش فيها المسلم.  وكلمة "العلمانيَّة" في العربيَّة هي كلمة فارغة، بينما الكلمة الفرنسيَّة (Laicite) تدل على تأريخ فكري طويل يمتد من عهد المفكرين من القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي عندما انطلق التفكير في الكنيسة الكاثوليكيَّة وعند الفلاسفة الذين كانوا يتناقشون في الخطابات الدينيَّة والتفسير الفلسفي له.  للأسف، فالعربي لا يعرف شيئاً عن هذا ويقول: إنَّ "العلمانيَّة" إنَّما هي هدم للدين وكفر به.(80)  
وقد فضَّلت الديمقراطية اختيار التربية بدل العنف للتعامل مع الإسلامويين في فرنسا، حيث أوصت لجنة العشرين، التي رأسها الوزير السابق بيرنارد ستاسي، بمنع ارتداء الخمار للبنات المسلمات في المدارس الحكومية والأماكن العامة، وطاقية الرأس لدي اليهود، والصليب عند النصارى. إذ نجد أنَّ العلمانيَّة متأصلة في الحياة العامة في فرنسا منذ الثورة الفرنسيَّة العام 1793م، تلكم الثورة التي أجبرت أسقف باريس أن يستهجن نفسه، ويعترف بأنَّه دجَّال مشعوذ، ومن الآن وصاعداً لن توجد طائفة دينيَّة في الحياة العامة غير الحريَّة والمساواة المقدَّسة.  وكما صرَّح الرئيس الفرنسي جاك شيراك، فالعلمانيَّة إحدى نجاحات الجمهوريَّة، وإنَّها عنصر أساس في السَّلام الاجتماعي والتعاضد الوطني، وسوف لا نسمح لها أن تضعف، وكل ما نادت به اللجنة هو تضمينها في الدَّستور.  فالاجراءات الجديدة لم تكن مقصورة على المسلمين في فرنسا، الذين يتراوح تعدادهم بين 5-6 مليون نسمة من مجموع السكان الذين يبلغون 60 مليون نسمة، بل شملت جميع الأديان السماويَّة الأخرى.  عليه، نجد أن القانون المقترح سوف يحرم هؤلاء المرضى، الذين يرفضون التعالج من أطباء من الجنس الآخر بحجج دينيَّة أو ثقافيَّة، الخدمات الصحية.  كما على المدارس إبراز أهم شعارات الجمهوريَّة وهي: المساواة والحريَّة والأخوة (egalite, liberte, fraternite).(81)  
مثلما كان الحال في جنوب أفريقيا في عصر الأبارتهيد (Apartheid)، فالمشكل الرئيس في السُّودان يكمن في تصنيف النَّاس على أساس العرق، والثقافة الأحاديَّة لغة (العربيَّة) وعقيدة (الإسلام)، مع العلم أنَّ السُّودان من موقَّعي قانون الاتحاد الأفريقي، الذي تبنَّته الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الأفريقيَّة في 11 تموز (يوليو) 2000م في مدينة لومي - حاضرة دولة توجو، الذي تنص المادة 25 منه (Working languages) على أنَّ لغات العمل في الاتحاد وكل مؤسساته هي اللغات الأفريقيَّة، والعربيَّة، والإنجليزيَّة، والفرنسيَّة، والبرتغاليَّة.  فالمعني باللغات الأفريقيَّة السواحيليَّة في شرق أفريقيا وكينيارواندا في رواندا، ولينقالا في جمهورية الكونغو الديمقراطيَّة، ولغات البانتو في أرض زولو، وتكوسا في إقليم تكوسا في جنوب أفريقيا والأمازيغية لدي البرابرة في الجزائر، وكذلك جميع اللُّغات السُّودانيَّة الأفريقيَّة.  غير أن الجهلة الغلاظ في السُّودان، الذين لا يفقهون من الأمر شيئاً، يمنون ويستكثرون على غيرهم التحدُّث بلغاتهم.  وقد بلغ الجَّهل بالأمور أحدهم مبلغاً حتى وصف الجَّيش الشَّعبى لتحرير السُّودان بأنَّهم من الوافدين غير السُّودانيين، الذين ينطبق عليهم قول المتنبىء:(82)
تجمع فيه كل ألسن وأمة            فما تفهم الحداث إلا التراجم                       
وكان لزاماً علينا أن ننبه كاتبنا الغرير هذا بأن اللُّغة العربيَّة هى لغة التخاطب فى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبى لتحرير السُّودان. إذ أنَّ تعدُّد اللُّغات القوميَّة لا يضر بالوحدة الوطنيَّة أبداً، ولا ينتقص منها شيئاً، وقد لمسناها في سويسرا التي تستخدم اللُّغات الفرنسيَّة والألمانيَّة والإيطالية والرومانشيَّة (لغة سكان البلد الأصليين) دونما المساس بالوحدة الوطنيَّة.  وكذل الحال في جنوب أفريقيا حيث اللُّغة الأفريقانيَّة (لغة البوير الهولنديين) والإنجليزية، وفي كينيا وتنزانيا نجد السواحيليَّة والإنجليزيَّة، وفي بورندي نجد اللُّغات الكيرونديَّة والسواحيليَّة والفرنسيَّة؛ حتى أفغانستان الذي اعتمد دستوراً إسلاميَّاً يكفل - فيما يكفل - تعيين نائبين لرئيس جمهورية أفغانستان الإسلاميَّة وكأنَّهم يستبدعون ما يفعله السُّودانيون، فقد اعتبر هذا الدستور اللُّغتين التركمانية والأوزبكيَّة لغتين قوميتين، وذلك للحد من سيطرة لغتي الباشتو والتاجيك في شؤون الحياة السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة في أفغانستان.
ومن بعد نجئ إلى التعنت والتطرف من جانب النظام اللذين دفعا بالجانب الآخر للمطالبة بحق تقرير المصير كأدنى ما يرتضيه أهل الجنوب وجبال النُّوبة وجنوب النيل الأزرق (إقليم الفونج) في هذه الحياة الدنيا. فماذا يعني حق تقرير المصير في الأعراف الدوليَّة؟ وماذا يعني هذا الحق بالنسبة للذين ظُلِموا في أرض السُّودان وأُخرِجوا من ديارهم بغير حق؟ حق تقرير المصير مبدأ قانوني دولي، كان في القرن التاسع عشر يعبر عن حق الشَّعب الطبيعى في مستقبله السياسي، وتقرير نوع السلطة، أو شكل الدولة التي يريد دون تدخل خارجي، وتحت إشراف قوة محايدة، هي في معظم الأحيان الأمم المتحدة. وقد ارتبط هذا الحق، طيلة القرن التاسع عشر، وحتى مطلع القرن العشرين بمسألة القوميات في أوربا. أما فيما يختص بأهل الجنوب وجبال النُّوبة والأنقسنا فإنَّ حق تقرير المصير هو أدنى ما يمكن المطالبة به لحفظ ما تبقى من أهليهم على سطح البسيطة من مخاطر الفناء الكامل والتطهير العرقي (Ethnic cleansing) على يد نظام الترابي-البشير الجبهوي؛ هذا من ناحية البقاء والفناء. وإذا فهمنا مبدأ تقرير المصير في هذا الإطار فهذا لا يعني - بالضرورة - الانفصال كما لا يعني الوحدة أيضاً. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ مبدأ تقرير المصير يعني شيئاً واحداً هو الاعتراف بحق المواطنين فى جنوب السُّودان وجبال النُّوبة وجنوب النِّيل الأزرق في تحديد مستقبلهم السياسي بأنفسهم، ويتأرجح هذا الحق بين الوحدة أو الفيديراليَّة أو الحكم الذاتي (على أسس جديدة) أو الكونفيديراليَّة (وهي نوع من الوحدة كما في حال سويسرا) أو الانفصال التَّام.  على أي، فقد رأينا في عدم إشراك أهل الشمال الجنوبيين في مؤتمر الخريجين العام 1938م، وقبولهم بالمجلس التشريعي لشمال السُّودان العام 1943م، وانفرادهم بالجمعيَّة التشريعيَّة العام 1948م، وماصاحب مؤتمر جوبا العام 1947م من ابتزاز سياسي ولي الذراع، واسقاط الضمانات الدستوريَّة التي كفلها دستور الحكم الذاتي لأهل الجنوب العام 1951م، وعدم النظر بعين الاعتبار لمطلب أهل الجنوب في الحكم الفيديرالي عشية الاستقلال العام 1956م، وعدم تنفيذ مقررات مؤتمر المائدة المستديرة لحل ما اصطلح تسميته "مشكلة جنوب السُّودان" العام 1965م، ومحاولات تشريع دستور إسلامي العام 1968م أمام معارضة جهويَّة (جنوبيَّة، نوباويَّة، وبجاويَّة) عارمة، وفرضها العام 1983م؛ ثم فشل حكومة الصَّادق المهدي في عمل شئ تجاه إعلان منتجع كوكادام العام 1986م، ومبادرة السَّلام السُّودانيَّة العام 1988م، وأخيراً سياسات نظام الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة نحو أهل الجنوب والمناطق المهمَّشة الأخرى، بما فيها الحرب التي بعثوها ذميمة وما هم عنها بالحديث المرجَّم (الذي يرجم فيه بالطنون، أي يحكم فيه بظنونها). هكذا نجد "أنَّ سياسة الحكام فى الخرطوم تجاه قضية الجنوب لم تتغير فى جوهرها منذ الأزل باستثناء إضفاء العامل الدِّيني عليها بصورة صارخة خلال السنوات الأخيرة".(83)  
لم يكن قادة "الإنقاذ" في عجلة من أمرهم في سبيل الوصول إلى سلام دائم وشامل به ينهون العزلة السياسيَّة والدبلوماسيَّة والاقتصاديَّة المفروضة على السُّودان.  لذلك تمَّيز نهجهم التفاوضي مع الحركة الشَّعبيَّة والجِّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في كل الجولات التي انعقدت بعدم الجديَّة والمراوغة وخروقات لوقف إطلاق النار ومنع وصول الغذاء والدواء للمواطنين المحتاجين في جبال النُّوبة والجنوب والأنقسنا.  وقد ظهر هذا الأسلوب الغوغائي من جانب النظام في لقاء أديس أبابا في 19 آب (أغسطس) 1989م، ونيروبي في أوائل كانون الأول (ديسمبر) 1989م، وأبوجا الأولى العام 1992م، وأبوجا الثانية في 26 نيسان (أبريل) - 17 آيار (مايو) 1993م، ولقاء عنتيبي في 23 شباط (فبراير) 1993م، إضافة إلى مجموعة من المبادرت الفردية والشعبيَّة والمنظامتيَّة والحكوميَّة، التي لا سبيل إلى إحصائها.  فبدلاً من التركيز على مبادرة واحدة - مبادرة دول الإيقاد التي نالت رضاء المجتمع الإقليمي والدولي - بدأ النظام في البحث عن مخارج أخرى (المبادرة الليبيَّة-المصريَّة العام 1999م، نداء الوطن بين البشير والمهدي في جيبوتي العام 1999م وهلمجراً).  من جانب آخر بدأ النظام يخادع نفسه بتوقيع الميثاق السياسي مع جماعة الدكتور رياك مشار في العام 1996م، ومن ثم اتِّفاق السَّلام معهم في 21 نيسان (أبريل) من العام التَّالي.  ولكيما لا يفوته قطار الانتهازيَّة، لحقهم الدكتور لام أكول أجاوين بعد توقيع اتَّفاقيَّة فشودة مع النظام.  وقد حسب النظام أنَّه بتوقيعه الاتفاق السياسي في الخرطوم مع حركة تحرير جنوب السودان (سم) بقيادة الدكتور رياك مشار، والذين معه، قد يفضى إلى انفراج سياسى وهو انفراج نسبي ومحدود ومحاصر عبر عنه الأستاذ حاج حمد بأنه "تعقل مفروض على النظام وليس تصرفاً عقلانياً من النظام". فقد حقق الاتفاق السياسي للنظام فرصة نادرة بها استطاع استخدام قوات مشار، التي تحوَّلت إلى مليشيات حكوميَّة ضد الجِّيش الشعبي عامة والدينكا خاصة، في تأمين المناطق الواقعة حول حقول البترول في بانتيو، واستخراج البترول وتصديره.  إنَّ بعض رجال السياسة في السُّودان قد رانت على قلوبهم شوائب يستعصى على المرء فهمها، كما تلازمهم طموحات شخصيَّة في أغلب الأحيان، وهم - من جانب آخر - يمتازون بتناقضات ذاتيَّة، ولعلَّ هذا السلوك الأخير هو الذي يسميه علماء الاجتماع بنظرية الإدراك اللاانسجامي (Cognitive Dissonance Theory).  هذه الخصائص لمسناها في شخوص الدكتور رياك مشار ولام أكول وغيرهما، وإلاَّ فكيف يبينوا للناس تعاونهم مع النظام الطاغوتي الذي أفنوا شبابهم في منازلته دون أن يغيِّر ذلك النظام من سلوكه شيئاً حتى جلده، وأخيراً يلتحقوا بهذا النظام الطغواني الإسلاموعربي المتزمِّت، ويساهمون بصورة - أو بأخرى - في قتل وتشريد أهليهم، ثم العودة - بعد إحراق كروتهم السياسيَّة - إلى نفس الحركة التي وصفوها، ورموا قائدها الدكتور جون قرنق، قبلئذٍ بالدكتاتوريَّة، ومنتهك لحقوق الإنسان، وأنَّه لا يريد أن يجنح للسلم.  قد نفهم مزاعم من هم بمسلمين والتحقوا بهذا النظام من باب الشعارات الإسلاموية المرفوعة، وقد نفهم - لذلك كذلك - من هم يتدثَّرون برداء القوميَّة العربيَّة وأبت قلوبهم إلاَّ أن تعانق إخوتهم في سبيل "المشروع الحضاري" العربي، الذي يناطح به أعوان النظام عنان السماء، وقد نجد العذر - أيضاً - للجهال الذين لا يملكون من أمرهم رشداً، أما الذي يحير المرء ويتأسى له الفؤاد أولئك المسيحيون الأفارقة الذين اشتروا أنفسهم بثمن بخس، ومن أجل حفنة دينارات ابتاعوا مبادئهم إن كانت لهم مبادئ وأخلاق، أولئك أناس لا يردهم حياء ولا تصدهم نخوة ولا يردعهم ضمير؛ فليس هناك أدنى حجة ممن نالوا أعلى الدرجات العلميَّة بحيث بها يستطيعون تحليل الأفعال الآنيَّة والتنبأ بالمستقبل القاصي ريثما ينزاح الستار عن هذا الأفق البعيد.
بالرَّغم من إخفاق "اتِّفاقيَّة الخرطوم للسَّلام" في الحل السياسي للمشكل السُّوداني، أخذ أهل الحكم يحاولون إقناع الناس بما أتت به أيديهم من الفعل النكر.  وقد ورد على لسان أحد أعوان النظام أن "إعلان المبادىء المقدَّم من (الدكتور) جون قرنق يحتوي على نقاط محدودة بعضها حسمته اتِّفاقيَّة الخرطوم للسَّلام والمرسوم الدَّستوري الرابع عشر، فلم يعد هناك معنى لأن تعترض الحكومة على ما اعترفت به ونفَّذته، وبعضها نقاط مثل التي تتعلق بالعلمانيَّة وفصل الدِّين عن الدولة وحق المناطق في جبال النوبة والانقسنا كما ورد في الإعلان المشار إليه وهذه قضايا تم تغيير موقف الإيقاد من ضرورة الالتزام بها من قبل بدء المفاوضات التي اُعتبرت أجندة المفاوضات". تصويباً للمغالطات فإن إعلان المبادىء لم يأت به الدكتور جون قرنق، وإلا رفضته الحكومة على التو، وردت قائلة نريد حواراً دون شروط مسبقة. هذا الإعلان قدَّمته الدُّول الوسطاء في منظَّمة الإيقاد في 20 آيار (مايو) 1994م كمحاولة مخلصة منها لمساعدة الفرقاء السُّودانيين لحل المشكل السُّوداني الذي استعصى عليهم أمر حله. وقد قبلته الحكومة السُّودانية على مضض في بادىء الأمر، لكنها عادت واعترضت عليه لأمر في نفسها. وينبغي أن يعلم الجميع أن الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان عندما تتحدث عن الجنوب فإنها تعني المديريات الثلاث بالإضافة إلى جبال النُّوبة وجنوب النيل الازرق، فلا محالة من فصل الأخيرين من أدبيات الحركة. كما نود أيضاً أن نذكر الجميع أنَّ القائد الراحل يوسف كوة مكي قد أبان لممثلي حزب الأمة في "إعلان شُقدُم" في 21 كانون الأول (ديسمبر) 1994م بأنَّه في حالة منح الجنوب القديم حق تقرير المصير دون النُّوبة فهذا يعني شيئاً واحداً وهو على النُّوبة أن يستمروا في النِّضال المسلح لفترة أطول لكيما ينالوا ذلك الحق، لأن الجنوبيين قد انتزعوا ذلك الحق بعد نضال طويل ومستطير. هذا النذير المبين ردَّده القائدان يوسف كوة ومالك عقار في محادثات السَّلام بين حكومة السُّودان والحركة الشَّعبيَّة في أديس أبابا في حزيران (يونيو) 1999م، وهددا بالانسحاب من المحادثات والعودة إلى قواعدهما لمواصلة النِّضال لكيما تتحوَّل هذه المحادثات إلى شمالية-جنوبيَّة لحل مايسمى تقليديَّاً "بقضية جنوب السُّودان".  فما كان من القائد سيلفا كير إلاَّ  أن أخبر الوسطاء أنَّه بصفته رئيس أركان الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان فإنَّ مهمته الرئيسة هي إمداد قوات الجِّيش الشَّعبي بالعتاد الحربي في مواقع القتال المختلفة، بما فيها جبال النُّوبة وإقليم الفونج، فانتهت الجولة دون إحراز أي تقدُّم، ومضى كل فريق في سبيله وتفرَّقوا أيدي سبأ.
مهما يكن من أمر، ففي شُقدُم دارت وراء الكواليس "معارك خلفية كادت أن تعصف بوحدة الحركة الشعبيَّة.  فقد رأى ممثلو النُّوبة والأنقسنا أن في قبول حق تقرير المصير للجنوب، في الوقت الذي صمت فيه الطرفان المتعارضان عن مصير سكان جبال النُّوبة وجنوب النيل الأزرق، إهدار لنضال شعبي المنطقتين كتفاً إلى كتف مع الحركة. زاد الشكوك رفض حزب الأمة مناقشة موضوع الجبال أصلاً، مما دفع قائد النُّوبة، الراحل يوسف كوة، للتوصل إلى اتفاق حق تقرير المصير للنُّوبة مع الدكتور أحمد السيد حمد (الحزب الاتحادي الديمقراطي) في القاهرة في 13 تموز (يوليو) 1994م، أي بعد ستة أشهر من لقاء شُقدُم.  ذلك الاتفاق أُسِس على اتفاقية الميرغني-قرنق في العام 1988م".(84)  لقد دأبت الحركة الشعبيَّة في مسيرتها النضاليَّة أن تحتوي كل صنوف المعارضة ضد الأنظمة "الخرطوميَّة" متى ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولئلا تسقط هذه المعارضة في أحضان الأنظمة المتحكِّمة في السُّودان.  فكانت محاولة احتواء حزب الأمة واحدة من هذه المحاولات، بيد أنَّ هذه الفلسفة ينبغي ألاَّ تكون مدعاة لخلق بلبلة وتململ داخل صفوف الحركة ولا سيما إحسان الظن مع قوة سياسية مثل حزب الأمة، الذي لا يستقر على عهد ولا يلتزم بعقد.
أيَّاً كان سلوك حزب الأمة في نكث العهود، فقد رفضت حكومة الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة الانصياع إلى كل صوت عقل راجح والاستماع إلى أية مبادرة سلمية مهما كان نوعها، مثلاً مبادرة الأستاذ محمد أبوالقاسم حاج حمد الذي بدأ يبحث عن حلول "لمشكلة النظام" بدلاً عن حلول "لمشكلة الوطن"، وذلك في مبادرته التي دعا فيها إلى "استمرارية النظام بكل مؤسساته على أن يسمح النظام بقيام تنظيم مواز أطلق عليه اسم الجبهة الوطنيَّة المتحدة. والجبهة فى نظره ستجد القبول من كل المواطنين غيرالمنتمين لمؤسسات الانقاذ".(85)  ومن جملة المبادرات التي بدت تطفح إلى السَّطح من جهات معلومة وأخرى مبهمة، تقدَّمت "الهيئة الشَّعبية للحوار الوطني والسَّلام" برؤية حول الوفاق الوطني. وبما أن الوثيقة قد حُرِّرت في الخرطوم فإنَّها تبدو عليها سمات "السَّلام من الدَّاخل"، حيث أنه ليس هنالك صوتاً حراً يمكنه أن يجتمع ويخرج على الملأ بهذه النقاط دونما مباركة من الحكومة. فما هي النقاط التي اقترحتها الهيئة التي نحن بصدد الحديث عنها؟ خرجت إلينا الهيئة بالنقاط التالية:(86)
الحوار السلمى بدلاً من الاقتتال.
التأكيد على التطوُّر السياسي والدَّستوري بديلاً للثورات المدنيَّة والعسكريَّة.
الاتفاق على مبادىء أساسية تقبلها كل الاطراف مثل:
الالتزام بالشريعة والعرف كمصادر للتشريع.
الاعتراف بالتنوع والتعدُّد الثقافي والاجتماعي والديني والسياسي.
التداول السلمي للسُّلطة.
الحل السلمي لمشكلة الجنوب.
وحدة التراب السُّوداني.
الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطن والتعددية السياسية المنقاة من الشوائب.
أن يُبنى الحق والواجب على المواطنة دون تفرقة لأي سبب.
العدالة الإجتماعيَّة والتوزيع العادل للثَّروة والسُّلطة.
الحكم اللامركزي.
دولة المؤسسات وحكم القانون.
فى نظرة عابرة إلى هذه النقاط نجد من الصعوبة بمكان "الالتزام بالشريعة والعرف كمصدر للتشريع" في الوقت الذي تدعو فيه الهيئة إلى "الاعتراف بالتنوع والتعدد الثقافي والاجتماعي والديني والسياسي". عند إقحام الدين في الدولة تبقى كل النقاط التي وردت في هذه الوثيقة اليتيمة لا تساوى المداد الذى كُتب بها. كما أن العرف الذى تتحدث عنه دوما الدَّساتير السودانية، المؤقتة منها والمعدلة، يعني العادات والتقاليد العربية بإعتبار أنَّ السُّودان دولة عربيَّة، وبهذا أيضاً تصبح التعددية الثقافية والاجتماعية - التي تنشدها الوثيقة - حبراً على ورق.  ابتناء الدَّعوة إلى دستور إسلامي جاء من باب المزايدة السياسيَّة والتزيُّد الحزبي ضد دستور السُّودان للحكم الذاتي العام 1952م (المعروف بدستور ستانلي بيكر - القاضي البريطاني)، واشتد العراك حول إسلاميَّة أو علمانيَّة الدَّستور بين الفترة 1956-1958م حين كون مجلس الوزراء اللجنة القوميَّة (46 عضواً) لوضع مسودة الدستور في 28 شباط (فبراير) 1956م برئاسة القاضي بابكر عوض الله.  فقد مثَّلت الجبهة القوميَّة للدستور الإسلامي (الحركة الإسلاميَّة) بثلاث أعضاء هم: الصائم محمد إبراهيم، عمر بخيت العوض، وميرغني النَّصري.  وبعد ثماني جلسات رُفِض تعديل ميرغني النصري، الذي اقترح إضافة كلمة "إسلاميَّة" على جمهوريَّة السُّودان بأغلبيَّة 21 إلى 8 أصوات.  وكان من أطرف ما قيل هو كلام حسن محجوب الذي قال: "إنَّ الذين صارت الدعوة إلى الإسلام صنعة لهم فإنَّ كل المثقَّفين في العاصمة وفيهم الجامعيُّون إذا اُختبروا في مبادئ الإسلام وفرائض الوضوء والصلاة يسقطون؛ إنَّني اعتقد أنَّ الذين يصرِّون على تسمية الجمهوريَّة الإسلاميَّة يعانون (من) مركب نقص شديد".  أمَّا أمين قرنفلي فقد رفض التعديلات قائلاَ: "بالرَّغم من أنَّني مسيحي إلاَّ أنَّني أتعشَّق سمع القرآن، وكثيراً ما استمع إليه من المذياع، والسبب في ذلك هو أنَّني أقدر الشئ الحسن أينما وجد".  وعليه، خاب السحرة المكرة حيث أتوا.
وفي الحق، فإنَّ النظر إلى المشكل السوداني بأنَّه "مشكلة جنوب السُّودان" - كما وردت الإشارة إليه في مبادرة الهيئة الشعبيَّة سالفة الذكر - فقد عفا عليه الدَّهر، وتجاوزنا الحديث عن مشكلة الجنوب إلى القضايا القومية أو المصيريَّة. وإذا كان الأمر شمال وجنوب فما بال الحرب التي تقودها قوات التجمع الوطني الديمقراطي في شرق السُّودان؟ ومن أجل صرف الناس عن المعيشة الضنكا التي تواجهم بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة، كرَّس النظام الإعلام الحكومي - المرئي والمسموع والمقروء - في تصوير الحرب في الجنوب بأنها جرائم عدوانية يقوم بها الخوارج (مقاتلي الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان)، وحينما شرعت فصائل التجمع الوطني الديمقراطي في العمليات العسكرية في شرق السُّودان، أمسى النظام يكيل السباب والشتائم لدولة أريتريا - الجارة الشرقيَّة. وفي هذه الاتهامات الخرقاء كان لسان حال السُّودانيين يردد بيت الشَّاعر العراقي الراحل محمد المهدي الجواهري:
ذعر الجنوب فقيل كيد خوارج           وشكا الشمال فقيل صنع جوار          
هكذا لم يمض وقت طويل حتى شعرت الحكومة أن زمام الأمور قد بدأت تفلت وتخرج عن نطاق السيطرة، حيث بلغ الوهن والضعف بالحكومة مبلغاً لم تبق لها من علامات السيادة إلا الدعاء لها في المساجد. وخير دليل على هذا الوهن، وذلك الضعف النزاعات المسلحة في بعض الحدود الملتهبة، والمساحات الشاسعة التي حررتها المعارضة في الجنوب وجبال النُّوبة وشرق السُّودان وجنوب النيل الأزرق.  ففي شباط (فبراير) 2003م شهد المسرح السياسي في دارفور تحوُّلاً جذريَّأ حين أعلنت حركة وجيش تحرير السُّودان (Sudan Liberation Movement/Army - SLM/A) عن ميلادها وبدأت تقوم بعمليات عسكريَّة ضارية أرعبت وروَّعت النظام في الخرطوم، وقد تسبَّبت الحرب الأهليَّة في دارفور حتى الآن في مقتل 3,000 مواطن وتشريد 600,000 آخرين من منازلهم، بما فيهم ما يربو على 100,00 لاجئ فروا إلى تشاد.  في الماضي كان الزراع في دارفور يشتجرون مع العرب البدو حول الأراضي الخصبة، وموارد المياة، والمراعي الخضراء، وقد لعب التصحُّر والنمو السكاني وحقب من التهميش الحكومي على تأزيم الوضع.  فبدلاً من انتهاج الحل السياسي في التعامل مع الأزمة، عقد النظام العزم على الحسم العسكري، وفي ذلك بدأ في تسليح مليشيات العرب (الجنجويد) والمجرمين ودعمهم بالزي العسكري والمعلومات الاستخباراتيَّة واستخدام الطائرات في إسقاط القنابل على المواطنين العزل، فكانت النتيجة إزهاق الأنفس الزكيَّة وسفك الدم البرئ.
إننا نتساءل بشئ من الاستغراب لماذا أحجمت الحكومة عن أي دور إيجابي لها في المجتمع السُّوداني حتى "فشلت فى حل قضايا السُّودان الكبرى، إذ اهتمت فقط بجانب واحد وهو الصراع داخل المجتمع بين مسلمين وكفار مما أدَّى إلى تشتيت أفكارها وطاقاتها"؟(87)  ثمة مشكلات اجتماعيَّة وصحيَّة كان ينبغي للنظام وضع برامج وحلول لها كالارتقاء بالمستوى المتدني في التعليم، وتوفير المياه الصالحة للإنسان والحيوان معاً، وتحسين الخدمات البيطريَّة، ومحاربة التصحُّر، والمحافظة على البيئة، وتشييد البنية التحتية، والاستغلال الأمثل للموارد الاقتصاديَّة، ومحاربة الفساد والمحسوبيَّة، واستئصال الأوبئة المستوطنة كالملاريا والبلهارسيا وداء الكلازار (Kala azar or visceral leishmaniasis).  والجدير بالذكر أنَّه حين ظهر مرض الكلازار لأول مرة في السُّودان قبل قرن من الزمان، أطلق عليه العرب - من باب السخريَّة والتهكُّم - اسم "مرض الجمال"، لأنَّ مصابي المرض يتعرَّضون لتورُّم الخدود.  وأيم الله، أي تهكُّم وتفكُّه هذين في سقم عضال لا يبقي ولا يذر.  فالمرض تسببه لسعة ذبابة الرمل، التي تعيش في غابات الأكاسيا، ومن أعراضه الحمى العالية، فقدان الوزن، الصداع الحاد، الهزال الشديد، فقر الدم، وتضخُّم الطحال والكبد.  وفي حالة عدم العلاج لا يتوقَّع أن يعيش المصاب أكثر من شهرين، وينتشر المرض في السُّودان وكيينيا وأثيوبيا، وكذلك في شمال-شرق الهند وبنجلاديش.  ففي خلال العشرين عام من عمر الحرب الأهليَّة في السُّودان، اشتدَّ هذا المرض في ولاية غرب أعالي النيل، وفي إحدى حالات انتشار الوباء بين 1990-1994م توفى 100,000 شخص، أي ثلث سكان المنطقة، حسب تقديرات منظمة أطباء بلا حدود (Medicine Sans Frontieres - MSF).(88)  فالحرب الأهليَّة في السُّودان، التي نشبت لأسباب خضنا فيها خوضاَ، قد أذكت نيرانها بوحشية العوامل المهمة الآتية: البغض الإثني والقبلي، الاختلافات الدينيَّة، الظلم، الاضطرابات السياسيَّة، وجشع القادة السياسيين للسلطة والمال.  فملايين الناس يموتون في النزاعات الداخليَّة، التي تدوم فترة أطول من الحروب الدوليَّة، وتسبب ألماً وخراباً يفوقان الوصف، فمثلاً خسر العقدين الأخيرين خمسة ملايين شخص تقريباً حياتهم في ثلاث بلدان مزَّقتها الحرب: أفغانستان، جمهوريَّة الكونغو الديمقراطيَّة، والسُّودان.
حين جاء السناتور الجمهوري السَّابق جون دانفورث (ولاية ميسوري) - المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للسَّلام في السُّودان - إلى الخرطوم أخبر الرئيس السُّوداني عمر البشير أن لنظامكم سجل سئ في نقض العهود والمواثيق، وإنَّكم لا ترضون للحرب بديلاً.  وكان السناتور حاسماً وحازماً في إبلاغ الرسالة الأمريكيَّة لنظام "الإنقاذ".  جاءت الرسالة عقب أحداث تفجير برجي التجارة العالميَّة في نيويورك في 11 أيلول (سبتمبر) 2001م، وإعلان الإدارة الأمريكيَّة الحرب على الإرهاب، حيث قامت الإدارة بالهجوم على نظام طالبان واسقاطه في أفغانستان، وصدام حسين في العراق. ومن بعد بدا النظام في الخرطوم ترتعد فرائصه، وبدأ التعاون الكامل مع السلطات الأمريكيَّة في تسليم معلومات استخباراتية عن أفراد الحركة الإسلاميَّة، الذين كانوا يجولون ويصولون في السُّودان، كما قامت إدارة بوش بإصدار قانون سلام السُّودان في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2002م، وتجديد العمل بالعقوبات الاقتصادية - لاحقاً - على النظام "الخرطومي".  هذا من الناحية الخارجيَّة، أما من الناحية الداخلية فقد شهد المسرح العسكري في جنوب السُّودان تحولاً ينذر بكارثة عملياتيَّة على النظام في الحرب الأهليَّة حين أقفل الدكتور رياك مشار - بعد سنوات التيه في الخرطوم - راجعاً إلى الحركة الشعبيةَّ وانصهار قواته في الجيش الشّعبي لتحرير السُّودان، مما بدأ الواقع الجديد يقلق حكام الخرطوم، وطفقوا يبحثون عن مخرج "إنقاذي" لهم.  هذه هي الخلفيَّة الدوليَّة والداخليَّة لمجريات الأحداث، التي تضافرت وأرغمت حكومة الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة على توقيع اتفاقيَّة جبال النُّوبة لوقف إطلاق النار مع الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في سويسرا في 19 كانون الثاني (يناير) 2002م لكيما يعاودون انتشار قواتهم حول حقول البترول في إقليم بانتيو موقع تواجد قوات الدكتور مشار، ثم تلاه التَّوقيع على بروتوكول مشاكوس الإطاري في 20 تموز (يوليو) 2002م ليفتح الباب أمام محادثات جادة جاءت باتفاقية الاجراءات الأمنيَّة في نيفاشا في 2 أيلول (سبتمبر) 2003م، وتوزيع الثروة في 7 كانون الثاني (يناير) 2004م.
وما أن تم توقيع اتِّفاق جبال النُّوبة لوقف إطلاق النار حتى بدأ الممترون من عملاء النظام يكيدون ويمكرون، "ومكروا مكراً كبَّاراً" (نوح 71/22).
وكما أسلفنا في القول، فالنظام أُجبر على السَّلام وهو مكره عليه، فبغيته في التوصل إلى السَّلام ليس هو إسعاد المهمَّشين الذين اكتووا بنيران الحرب الأهليَّة، بقدر ما هي إيجاد سبيل للاستمرار في الحكم، وفي ذلك يمني نفسه بالتحالف مع الحركة الشَّعبية كما فعل نظام نميري مع حركة الأنيايا بقيادة جوزيف لاقو في السبعينيات من القرن الماضي.  وآية ذلكم الود الجديد أمسى بائناً في تقرُّب النظام زلفى إلى الحركة الشَّعبيَّة في الإعلام الإيجابي، الذي بدأت الحكومة تبثَّه بعد توقيع اتِّفاق الاجراءات الأمنية، وفجأة تغير الوضع، وأصبح قائد الحركة - الدكتور جون قرنق - قائداً وطنياً بعدما كان "عميلاً صهيونيَّاً" بالأمس القريب.  إذ "بثَّ التلفزيون السُّوداني الحكومي مشاهد من احتفال الحركة الشَّعبيَّة بزعيمها - الدكتور جون قرنق - في مقر رئاسته في مدينة رمبيك، حيث ألقى خطاباً يوم الثلاثاء الموافق 30 أيلول (سبتمبر) 2003م (بعد عودته من نيفاشا) أمام آلاف من المواطنين الجنوبيين الذين استقبلوه بذبح المواشي وأهازيج السَّلام".(89)  من الأجدر لأهل النظام الاعتذار للشعب السُّوداني بعد التضليل والتشويش والمخاتلة التي اتَّصفوا بها منذ مجيئهم إلى السُّلطة.
خلاصة
وفي الختام علينا أن ندرك أنَّ قضيَّة الحرب والسَّلام في السُّودان في طريقها إلى التسويَّة السياسيَّة (Political settlement)، التي قد لا ترضي أحد طرفي النزاع وخاصة في ظل الضغوط الخارجيَّة التي يتعرَّض لها الطرفان.  ففي حالة خروج إحدى المجموعات المهمشة من هذه التسوية السلميَّة - لا الحل السياسي (Political solution) للمحتوى التأريخي - غير راضية مرضية، فإنَّ هذا مشروع حرب لأجيال قادمة، وسوف يشمل هذا المشروع المستقبلي شعب دارفور وأهل البجة وجبال النُّوبة وإقليم الفونج، والنُّوبة في شمال السُّودان النيلي الذين بدأوا يتململون من الأوضاع السائدة.  كما أنَّ من يعتقد أنَّ السلام قد يجلب المن والسلوى (Manna from Heaven) من السماء لأهل المناطق المهمَّشة فهو واهم بالحرص الخادع ينتحر.  فما زال طريق حقوق الإنسان، والحقوق المدنية، والحريات والأساسيَّة محفوفة بالمخاطر؛ حيث يقوم النظام بتأجيج الفتن العرقيَّة في مدن الشمال بين مواطني المناطق المهمشة.
كذلك تظل مسألة الدِّيمقراطيَّة التعددية والتداول السلمي للسلطة مثار التساؤل في السُّودان حتى تحسم الأحزاب السياسيَّة أمراً كان سائداً في أدبهم السياسي.  لكن، أي ديمقراطيَّة نريد؟  في رسالته الإهدائيَّة إلى جمهوريَّة جنيف في تأليفه، "الجدليَّة الإسطوريَّة في أصول وأسس عدم المساواة" (Legendary Discourse on the Origins and Foundations of Inequality)، كتب جان-جاك روسو - مواطن في تلكم الجمهوريَّة الفاضلة - ناعتاً الرؤية الديمقراطيَّة التي زعم أنَّها ألهمت مشاعره: "أتمنَّى لو أنَّني ولدت في دولة للسيادة والناس فيها مصلحة واحدة، ومن ثَمَّ تتجه حركات الآلة إلى السعادة المشتركة.  بيد أنَّ هذا التمني ضرب من المستحيلات، ما لم تصبح السيادة والناس جسداً واحداً، لذلك وددت لو أنَّني ولدت تحت رحمة حكومة ديمقراطيَّة".  هذه الديمقراطيَّة، التي تكاد تكون السيادة والشَّعب جسماً واحداً، هي التي نريدها في السُّودان، ولا نبغي عنها حولاً.  لقد أخذ النظام العالمي الجديد والإقليمي موقفاً مستنكراً للانقلابات العسكريَّة، ففي إحدى فقرات قانون الاتحاد الأفريقي - المادة الرابعة المتعلقة بالمبادئ - تنص على شجب ورفض الاعتراف بالتغيير غير الدستوري للحكومات، أي بلغة صريحة، الانقلابات العسكرية، وقد تمَّ تطبيق هذا المبدأ في استهجان انقلاب الجنرال روبرت قاي العام 1999م في ساحل العاج.  كما تنص المادة 30 الخاص بتعليق العضوية أنَّ الحكومات التي تأتي إلى السُّلطة باستخدام وسائل غير دستوريَّة سوف لا يسمح لها بممارسة نشاطات الاتحاد، فهل هذا يعني أنَّ أي انقلاب قادم في السُّودان سوف يواجه معارضة محليَّة وعالميَّة؟  
من المعلوم أيضاً أنَّ النظام الحالي قد اقترف جرائماً عديدة في حق المعارضين السياسيين في الخرطوم ومدن السُّودان المختلفة (بيوت الأشباح)، وجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانيَّة في مناطق النزاع المسلَّح، ولم يضاهي هذا النظام في بشاعته وفظاظته إلاَّ نظام بينوشيه في شيلي وجنرالات الأرجنتين في السبعينيات من القرن الماضي(93) ونظام صدام حسين في العراق.(94)  فما مصير ضحايا النظام السُّوداني في ظل قانون سلام السُّودان - سالف الذكر - الذي يلزم الاتفاق الدولي ضد الإبادة البشريَّة (Genocide) الدول الموقعة عليها (وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكيَّة) بإعتبار الإبادة، في زمن الحرب أو زمن السلم، جريمة تلتزم الدول الموقعة متابعة مرتكبيها ومعاقبتهم؟  إلحاق تهمة الإبادة بالنظام، أكثر من أي نص آخر في قانون سلام السُّودان، ستظل السيف المعلَّق على رأس النظام.  إذن، هناك ثلاث سيناريوهات يمكن أن تحدث.  السيناريو الأول هو إجراء محاكم خاصة في السّودان لمحاكمة المجرمين والجناة من أهل النظام.  والسيناريو الثاني هو تدخل الأمم المتحدة ومحاكمة مجرمي الحرب في جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانيَّة أسوة بمحاكم أروشا في تنزانيا لمعاقبة جناة الإبادة العرقيَّة للتوسي في رواندا على أيدي المتطرفين الهوتو العام 1994م، وكذلك مجرمي الحرب الأهليَّة في سيراليون من متمرِّدي الجبهة الثوريَّة المتحدة (The Revolutionary United Front) بزعامة فودي سانكوح، ومحاكم لاهاي للقصاص من مجرمي التطهير العرقي (Ethnic cleansing) في يوغسلافيا السابقة بما فيهم رئيسها السابق سلوبودان ميلوسوفيتش.  أما السيناريو الثالث فهو الاقتراح الذي تقدَّمت به الحركة الشَّعبيَّة في مشاكوس، كينيا، والقاضي بإنشاء لجنة الحقيقة والتصالح (The Truth and Reconciliation Committee) أسوة بالتي كونتها حكومة جنوب أفريقيا، ويرأسها كبير الأساقفة ديزموند توتو، للكشف عن جرائم الأبارتهيد.  هذه سيناريوهات متروكة للشَّعب السُّوداني وزعمائهم في التدبُّر فيما هو أصلح للوطن، غير أنَّ هذه الرغبة السُّودانيَّة في العدالة لا تضمن عدم تدخُّل الأمم المتحدة إن شاءت أن تتدخَّل.  على أي، فقد خرج المؤتمر الشعبي بزعامة الدكتور حسن عبدالله التُّرابي بنص مشروع الحزب للوفاق وحل مشكلات الاقتتال والسَّلام والتنمية يدعو إلى إحالة "الخلاف السياسي حول ما حدث للأوضاع الدستوريَّة في انقلاب 1958 و1969 و1989م، ويُترك أمر الفصل فيه والمحاسبة للشعب عبر صناديق الاقتراع لمن يثيره ويجادل في الأحكام والتبعات السياسيَّة".  إنَّه دعوة للقول السُّوداني "عفا الله عما سلف".  فما بال القادة السياسيين فاعلون إن أفضت التسوية السياسيَّة الحاليَّة إلى تنازل المؤتمر الوطني - الحزب المتحكِّم - عن السُّلطة والإمساك بسبل الاقتصاد (Gives them the Government, keeps the money)، ولا سيَّما أنَّ النظام باع كل الشركات العامة إلى أعوانه في الحركة الإسلاميَّة في أسوأ عمليَّة خصخصة (Privatisation) عرفها البلاد؟
ومن بعد نجئ إلى قضيَّة المليشيات المسلحة في الجنوب ومسارح العمليات المختلفة.  فقد ورد في اتِّفاق الاجراءات الأمنيَّة بين حكومة السُّودان والحركة الشَّعبيَّة نص يقول: "يتفق الطرفان على معالجة أوضاع المجموعات المسلَّحة الأخرى، ويضعان في الاعتبار ضرورة تحقيق السَّلام الشامل والاستقرار في البلاد ومن أجل تحقيق الشمول في الفترة الانتقاليَّة".  في هذا النَّص إشارة بائنة إلى قوات التجمع الوطني الدِّيمقراطي الأخري والمليشيات التي صنعتها الحكومة لتخوض حربها بالوكالة، وكذلك الوضع المأزوم في دارفور.  فقد آن الوقت لوضع هذه القوات في خريطة الطريق نحو السَّلام، لأنَّ وجود هذه المليشيات - في حال الجنوب - بقياداتها شبه المستقلَّة قد تنذر بكارثة أمنيَّة في المستقبل، مما يدعم رأي أهل الشمال الذين ما فتأوا يردِّدون أنَّ الجنوبيين غير قادرين على حكم أنفسهم وسوف تمزِّقهم النعرات القبليَّة.  من جانب آخر، فإنَّ الأوضاع في دارفور تستوجب معالجة سياسيَّة، لأنَّه من غير المعقول أن يسود السَّلام في مناطق أخرى من السُّودان لكيما تعيد الحكومة صفوف جندها وتسليحهم لأداء أدوار قتاليَّة وتدميريَّة في جزء آخر من القطر؛ ليس هذا من حسناوات إدارة شؤون الحكم من شئ.
ملحق رقم (2)
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
فتوى بقتال الخوارج
الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلَّم
أصدر مؤتمر العلماء وأئمة المساجد ومشايخ الطُّرق الصُّوفيَّة بولاية كردفان، المنعقد بقاعة اللَّجنة الشَّعبيَّة بالأبيِّض بتأريخ الأثنين 24 شوال 1413ه الموافق 27 نيسان (أبريل) 1992م، الفتوى التَّالية، بوجوب الجِّهاد في الحرب الدِّائرة بجنوب ولاية كردفان وجنوب السُّودان:
أولاً:
إنَّ المتمرِّدين في جنوب كردفان أو في جنوب السُّودان بدأوا تمرُّدهم على الدَّولة، وأعلنوا الحرب على المسلمين، وشرعوا فيها فعلاً، ووجَّهوا همَّهم الأكبر بقتل المسلمين وتخريب المساجد وحرق المصاحف وتلويثها بالقاذورات وانتهاك أعراض المسلمين مدفوعين بتحريض من أعداء الإسلام والمسلمين من الصَّهاينة والصَّليبيين والاستكباريين الذين يمدُّونهم بالمؤن والسِّلاح، وعليه يكون المتمرِّد المسلم منهم في السَّابق مرتدَّاً عن الإسلام وغير المسلم منهم كافر يقف في وجه الدَّعوة الإسلاميَّة وكلاهما أوجب الإسلام حريَّة قتاله بالأدلَّة التَّالية:
(1) قال تعالى: "يا أيُّها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبُّهم ويحبونه أذلَّة على المؤمنين أعزَّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه واسع عليم" (المائدة5/54).
(2) "ولا يزالون يقاتلونكم حتَّى يردُّونكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن دينه فأولئك حبطت أعمالهم في الدُّنيا والآخرة وأولئك هم أصحاب النَّار هم فيها خالدون" (البَّقرة 2/217).
ومن الأدلة على مشروعيَّة قتالهم قوله تعالى:
(3) "يا أيُّها النَّبي جاهد الكفَّار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنَّم وبئس المصير" (التَّحريم 66/9).
والدَّليل على قتال الخوارج قول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم:
(4) "من أتاكم وأمركم جميعاً وأراد أن يفرق جماعتكم فأقتلوه".  رواه مسلم عن الصَّحابي الجليل عرفجة بن شريح.
(5) وقدوتنا في قتال المرتدِّين فعل الخليفة الأول سيدنا أبوبكر الصدِّيق رضي اللَّه عنه بعد موت النَّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وارتداد بعض الأعراب. قال قولته المشهورة:
"واللَّه لأقاتلن من فرَّق بين الصَّلاة والزَّكاة"، وقال أيضاً: "واللَّه لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدُّونه لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لقاتلتهم حتَّى يردوه".  ومن الأثر قتال سيدنا علي بن أبي طالب الخوارج بعد نهاية حرب صفين.
أمَّا الذين يعاملون الخوارج والمتمرِّدين من المسلمين والذين يشككون في مشروعيَّة الجِّهاد فهم المنافقون وخارجون عن دين الإسلام ومرتدون عنه فلهم عذاب النَّار خالدين فيها أبداً. ومن الآيات التي تدل على ذلك قول اللَّه سبحانه وتعالى: "إنَّ المنافقين في الدَّرك الأسفل من النَّار" (النِّساء 4/145).  وقوله تعالى: "بشِّر المنافقين بأنَّ لهم عذاباً أليماً. الذين يتَّخذون الكَّافرين أولياء من دون المؤمنين ليبتَّغون عندهم العزَّة فإنَّ العزَّة للَّه جميعاً" (النِّساء 4/ 138، 139). صدق الله العظيم
عنهم:
الشَّيخ موسى عبدالمجيد،
الشَّيخ مشاور جمعة سهل،
الشَّيخ محمد صالح عبدالبَّاقي،
الشَّيخ قرشي محمَّد الكور،
الشَّيخ النَّاير أحمد الطَّيب،
الشَّيخ إسماعيل عبدالسيِّد عبداللَّه.
هوامش وإحالات
(74) الدكتور حسن مكي محمد أحمد، تأريخ حركة الأخوان المسلمون في السُّودان، دار جامعة الخرطوم للنشر، أكتوبر 1982م.
(75) نفس المصدر السَّابق.
(76) الدكتور عبدالوهاب الأفندي، الثورة والإصلاح السياسي في السُّودان، لندن، 1995م.
(77) Ahmed, H M M, Sudan:  The Christian Design, London, 1989.
(78) أنظر الدكتور محمد سليمان محمد، السُّودان: حروب الموارد والهُويَّة، لندن، 2000م.
(79) www.sudanile.com <http://www.sudanile.com>, December 4, 2003; December 9, 2003; and December 11, 2003.
(80) صحيفة "الحياة"، الخميس 2/10/2003م، العدد 14801.
(81) Financial Times, December 12, 2003; Metro, December 12, 2003; Metro, December 18, 2003.
(82) صحيفة "الخرطوم"، الأثنين، 7/8/1995م، العدد 2458.
(83) صحيفة "الحياة"، السبت، 17/8/1996م، العدد 12227.
Abu Hasabu, A A, Factional Conflict in Sudanese Nationalist Movement (1918-1948), Khartoum University Press, 1985.
في هذا السفر تورد عفاف عبدالماجد أبوحسبو أنَّ غياب الخريجين والنظار والشيوخ ورجال الدين الجنوبيين في تطور حركة الخريجين في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، بالرغم من المقاومة الشديدة من أهل الجنوب ضد المستعمرين، يعود إلى غياب الوعي السياسي القومي في الجنوب نسبة لانشغالهم "بالحروب القبلية" الطويلة ضد السلطة، وسياسات الحكومة الإدارية والتعليمية في الجنوب.
(84) الدكتور منصور خالد، السُّودان، أهوال الحرب وطموحات السَّلام (قصة بلدين)، لندن، 2003م.
(85) صحيفة "أخبار اليوم الأسبوعي"، السبت، 26/7/1997م، العدد984.
(86) صحيفة "الخليج"، الجمعة، 29/8/1997م.
(87) صحيفة "أخبار اليوم الأسبوعي"، السبت، 26/7/1997م، العدد984.
(88) The Guardian, January 3, 2003.
(89) صحيفة "الحياة"، 2/10/2003م، العدد 14801.
(90) مجلة "المشاهد السياسي"، 28 نوفبر - 4 ديسمبر 1999م، العدد 194.
(91) في 19 آيار (مايو) 2003م اعتقلت سلطات الأمن خمسة مواطنين من أبناء النُّوبة في مدينة دنقلا في شمال السُّودان حينما كانوا مجتمعين في منزل عوض إبراهيم لمناقشة برنامج العودة الطوعيَّة إلى منطقة جبال النُّوبة بعد وقف إطلاق النار فيها.  والمعتقلون، الذين اُتِّهموا بمساندة الحركة الشعبيَّة (الطابور الخامس)، هم رمضان إسماعيل، أبو نيجيل الأمين، جمعة محمود، جمعة عمر، بالإضافة إلى عوض إبراهيم صاحب المنزل الذي توفى في الحراسة من جراء التَّعذيب.
(92) منذ العام 1946م سكن في منطقة السجانة بالخرطوم أبناء من النُّوبة، حيث ظلوا تأريخيَّاً يمارسون من المهن والأشغال المهينة كتنظيف الشوارع ونقل بقايا الناس والعمل كخدم في المنازل.  وبعدئذٍ ظهرت شكاوي من قبل سكان الأحياء المجاورة ضدهم بحجة أنَّهم يصنعون الخمور البلديَّة ويمارسون الفوضى والفساد.  إنَّها نفس الحجج الواهية التي استند عليها النظام "الإنقاذي" العام 1993م وأمر سكان هذه المنطقة بإخلائها خلال شهرين.  إنَّ لجوء الحكومات الوطنيَّة في استخدام سياسات المستعمرين في التعامل مع السكان الأصليين يكرِّس استمرار سياسات الاضطهاد والتهميش التي تعاني منها هذه الفئات الاجتماعيَّة.
(93) إبَّان الفترة الممتدة بين 1976-1983م حكمت الأرجنتين طغمة عسكريَّة من الجنرالات، الذين جمعوا - في سبيل السيطرة على الحياة الاجتماعيَّة - بين الكاثوليكيَّة الأصوليَّة واقتصاد السوق المتطرِّف، فحظروا موسيقى الروك، بينما اختلسوا بلايين الدولارات من الديون والاستثمارات من البنوك الأجنبيَّة والشركات متعددة الجنسيات.  وقد رأى هؤلاء الجنرالات أنَّ مهمتهم التبشيريَّة تستوجب تطهير المدارس، ومكان العمل، والكنيسة، والمجتمع الأرجنتيني من الماركسيين وكل الأفكار الإغوائيَّة الأخرى.  كما رأوا في مرحلة ما أنَّ من حقهم الانتفاع الشخصي من هذه الحرب الصليبيَّة ليس من الخزينة العامة فحسب، بل - أيضاً - من سرقة الممتلكات من البيوت الخاصة، حتى أطفال الذين يُعذِّبون حتى الموت.  ففي السبعينيات من القرن الماضي اختفى 30,000 أرجنتيني اختطفوهم من منازلهم، وعُذِّبوا بوحشية وأُلقوا من طائرات في المياه المكدورة في نهر الفضة (The Guardian Weekend, January 25, 2003).
(94) بعد إسقاط نظام صدام حسين في العراق قرَّرت الحكومة الجديدة تعويض ضحايا النظام المباد، الذين وُشمت جباههم أو قُطِّعت آذانهم أو ألسنتهم لهروبهم من الجَّيش أو لتطاولهم على "القائد الفذ"، بإجراء عمليات التجميل لهم، وإيجاد فرص العمل لهم، وتعويض أسرهم التي بلغت 150,000 عائلة.  غير أنَّ المال لا يعوِّض عن فقدان أي عضو من أعضاء الجسم البشري، وكذلك النتائج الاجتماعيَّة والآثار النفسيَّة (صحيفة "الحياة"، الثلاثاء، 16/12/2003م، العدد، 14875).


حكومة الإسلامافية: عهد المديح والباشا الغشيم
الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة والجَّيش في السُّودان

د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
آفاق الحل السِّياسي للمحتوى التأريخي بين حكَّام الخرطوم وأهل التخوم  (3)
حكومة الإسلامافية (The Islamo-Mafia Government): عهد المديح والباشا الغشيم
الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة والجَّيش في السُّودان
لم يغب على بال الحركة الإسلاميَّة - أو الأخوان المسلمين - في السُّودان اهتمام الأخوان المسلمين في مصر بالجيش، سواء كان في إيفاد أفراد - أو كتيبة "إخوانية" لاحقاً - إلى المشاركة في حرب فلسطين العام 1948م، أو التعاون مع حركة الضباط الأحرار الانقلابيَّة في مصر في 23 تموز (يوليو) 1952م.  وقد أُعجب عدد من الضباط الأحرار - وبينهم جمال عبدالناصر - بتنظيم الأخوان المسلمين واقتربوا منه، وربما راودتهم الأفكار في لحظة من اللحظات أن يصبحوا جزءاً منه، لكن عدَّلوا عن هذه الفكرة عن اقتناع بأن مجمل فكر الأخوان ونشاطهم وارتباطاتهم السياسيَّة غير قادر على تلبية احتياجات مصر. وفي الحقيقة فإنَّه لم يكن هناك برنامج عمل محدد للإخوان المسلمين، فلم يكن كافياً للشيخ "حسن البنا" أن يقول لكل من يسأله عن برنامج الجماعة إنَّ ذلك البرنامج هو "القرآن"، ولا كان كافياً أن يقول إنَّ مطلبه هو "إقامة حكم إسلامي"، ولا كان كافياً بنفس المقدار أن يزداد الضغط عليه للإفصاح عن برنامجه فلا يجد ما يقوله غير "عندما تكون لدي الكلمة وتجئ الظروف المناسبة، فسوف نتكلم عما يمكن عمله على ضوء الواقع الذي نجده. وحتى يحدث هذا فلن ندخل أنفسنا في ضباب التفاصيل".  كل ذلك لم يكن كافياً، فليس في مقدور حركة سياسيَّة أن تكون فعَّالة ومؤثِّرة دون أن يكون لها برنامج محدد يلتقي على أهدافه كل المؤمنين بهذه الأهداف.(47)
بناءاً على هذا الارتباط الفكري مع أنداهم في مصر، بدأ التفكير "الأخواني" في السُّودان في العمل العسكري باكراً، ولكن تساقط جيل الطلائع العسكري "الإخواني" الذي مثَّله كل من بشير محمد علي، وعبد الله الطَّاهر، وعبد الرحمن محمد الحسن سوار الدَّهب.(48)  ويبدو أنَّ أبا المكارم عبد الحي، حينما جاء إلى السُّودان في العام 1955م، كان منفعلاً بتجربة الأخوان المصريين مع الجيش، فأوصى بالتركيز عليه، ونقل تجربة "النظام الخاص" في مصر، مما أدى إلى أن يقبل بعض شباب الأخوان على الكلية الحربية؛ ومنهم محمود عبد الله برات، وحسين خرطوم دارفور.  وهكذا نجد أنَّه بعد مضي عام على حكومة الفريق إبراهيم عبود اتجه الرشيد الطَّاهر بكر - المراقب العام للأخوان المسلمين - إلى الجيش من أجل الإطاحة بالنظام.  وكان الرشيد ينوي اشتراك الشعبيَّة "الأخوانيَّة" في عمل شعبي عسكري، إذ عرض الرشيد على المكتب "الأخواني"، في اجتماع بمنزل دفع الله الحاج يوسف، إقامة مليشيا - جيش وطني - تحت ستار تأييد نظام عبود، ولكن رُفض هذا القرار من قبل المكتب، وهنا مضى الرشيد في تأسيس عمل عسكري انقلابي مستقل من خلال صلاته الشخصيَّة ببعض ضباط الجيش ومن خلال الوجود "الأخواني" الضيق في المؤسسة العسكريَّة في مطلع الخمسينيات.  كانت للرشيد الطَّاهر بكر محاولات مع العميد عبدالرحيم شنان - قائد الفرقة الشماليَّة - والعميد محي الدين عبدالله - قائد الفرقة الشرقيَّة في 2 آذار (مارس) و22 أيار (مايو) العام 1959م، والأخيرة مع الضابط علي حامد كبيدة في 9 أيلول (سبتمبر) العام 1959م، إذ كانت الأخيرة - بمعزل عن قيادة الأخوان - مشروع تعاون وتهاون بين الشُّيوعيَّة والختمية والأنصار.  مضي الرشيد الطَّاهر في مشروع هذا الإنقلاب، الذي شارك فيه الحزب الشُّيوعي السُّوداني عن طريق الضابط محمد محجوب - شقيق عبد الخالق محجوب - السكرتير العام للحزب، وكانت الاجتماعات تحدث مع الضباط في مكتب محمد أحمد محجوب وكان انقلاباً مكشوفاً، ونبه محمد أحمد محجوب وعلى طالب الله وآخرين الرشيد الطَّاهر بأنَّ ما يقومون به مرصود من قبل أجهزة الأمن، فلم يأبهوا ومضت العملية وكانت النتيجة الحتمية سحق المحاولة، واعتقال الرشيد في مكان الإنقلاب في مدرسة المشاة في أم درمان وحُكِم بالسجن خمس سنوات، وحُكِم على خمسة من الضباط المشتركين بالإعدام رمياً بالرصاص ونُفِّذ فيهم الحكم شنقاً، ولم يمنحوا الشرف العسكري بالإعدام رمياً بالرصاص لئلا يرفض الجنود إطلاق النار عليهم. كان التقدير السائد لدي الأخوان أنَّ كل قواد العمليَّة مدنيين وعسكريين إسلاميين أو وطنيين، لذا ليس هناك ما يخشى من الوجود الشُّيوعي.(49)  حيث أنَّ العام 1968م كان عام التسابق على الجَّيش، وفي ذلك تنافس المتنافسون، إذ بدأ الصَّادق المهدي في إقامة مآدب لكبار الضباط في منزله.
فقد بدأ نشاط التنظيم العسكري لحركة الأخوان المسلمين بصورة مدروسة منذ بداية العام 1970م، وإن كان لها في الستينيات بعض الإرهاصات - كما أشرنا سلفاً - ولكنها لم تكن بالصورة العلمية والعملية كما كان عليه الأمر في مطلع السبعينيات، وخاصة بعد الشعارات اليساريَّة التي رفعتها حكومة مايو في العام 1969م.  وعندما وصل الصراع حدته بين الإمام الهادي المهدي وسلطة مايو بدأت دعوات الإمام تُرسَل إلى الأنصار في مناطق غرب السُّودان وغيرها، وهنا بدأ الأخوان يستغلون هذا الجو بزج عناصرهم مع الأنصار في الجزيرة أبا استعداداً للمواجهة. وفي الحق، كان الإمام الهادي يعتمد على كوادر الإخوان اعتماداً مباشراً في التعبئة ومخاطبة المثقفين والطلاب لتوسيع قاعدة جبهة المواجهة.  ولكن للأسف الشديد لم تكن تقديرات الإمام الهادي وثقته في جماعة الأخوان إلا واحداً من أسباب الانتكاسة في أبا.  فعندما بدأت المواجهة سحب الأخوان عناصرهم من أبا وتركوا الإمام لوحده، وكان الهدف الأساسي هو القضاء على الإمام ومن ثَمَّ الانفراد بالجمع الغفير من الأنصار والجهادية في الإعداد لمرحلة قادمة.  وبالفعل تم القضاء على الإمام الهادي وهو في طريقه للحبشة.  وهنا بدأ الأخوان في بث الدعاية وسط الأنصار أنَّ الإمام الهادي لم يُقتَل، بل هو الآن في الحبشة حيث موطن بلال بن رباح - مؤذِّن الرَّسول صلى الله عليه وسلَّم.  وبالفعل بدأت عشرات الألوف من الأنصار بالتوجه للحبشة للالتحاق بركب الإمام الهادي هناك.  وفي الحبشة بُنِيت المعسكرات لهؤلاء المجاهدين.  وقد أوعز أحد كوادر الأخوان للأنصار باصطحاب أسرهم وأطفالهم ونسائهم لدفع مسيرة الدولة المهدية، التي تبدأ في الحبشة.  وكان الهدف الأساس من هذا الإيعاز هو خلق عراقيل العودة لهؤلاء الأنصار بعد اكتشاف أمر استشهاد الإمام.  وبالفعل نجحت الكوادر "الأخوانيَّة" في هذه الَّلعبة الماكرة.
وعوداً إلى أحداث الجزيرة أبا فقد قُتِل من الأخوان المسلمين محمد صالح عمر،(50) الذي سبق أن سافر إلى لبنان وأخذ يتدرَّب مع الفدائيين الفلسطينيين، ممنياً النفس بالاستشهاد في سبيل المسجد الأقصى، وكان محمد صالح له نظرة - وُصِفت في دوائر الأخوان بأنَّها ثاقبة - دعت لتجنيد الأخوان ضد عمل شيوعي متوقَّع، وكان يركِّز على بناء الروح العسكريَّة الجهاديةَّ، بينما كان يرى تيار إسلاموي آخر أنَّه من الأجدر التدرُّج في التطوُّر السياسي والثَّقافي، واُتُّهِم هذا التيار الأخير بالتقليل من فاعليَّة العمل العسكري المجرد.
أمَّا في غرب السُّودان فقد بدأت العناصر "الأخوانيَّة" ترسل - تحت دعاوي نشر الدعوة في جبال النُّوبة - كوادرها إلى معسكرات خاصة هناك.  وكان معظم عناصر هذه المعسكرات من الطلاب الجامعيين، وخاصة طلاب جامعة الخرطوم إبَّان تسلمهم قيادة الإتحاد العام 1970م بقيادة على عثمان محمد طه (نائب رئيس الجمهوريَّة حالياً)، وبالتحديد كان يجري التدريب في مناطق (كاتشا) و(دلامي) و(تروجي) وبعض الجبال البعيدة عن متناول السُّلطة.  والغريب أنَّ هذه الحملات التبشيريَّة الغارقة في التمويه لم تستقطب للإسلام أحداً من هؤلاء البسطاء، ولم يكن لها من قليل الحركة في نفوسهم إلاَّ الطنين.  كما أنَّ هناك معلومات غير مؤكدة تشير إلى بعض نشاطهم في بادية الكبابيش بشمال كردفان (مناطق أم بادر، أم سنطة، حمرة الشيخ، وثواني شخيب)، وكذلك في جبال البحر الأحمر ولكن المعلومات ضعيفة في هذا الجانب.  وبعد الانتفاضة "الأبريليَّة" استخدمت الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة منظَّمة الدعوة الإسلاميَّة كغطاء للعمل العسكري، حيث "اكتشفت سلطات الأمن بمدينة كادقلي وجود معسكر للتدريب بمباني هذه المنظَّمة يقوده طبيب حاول المقاومة.  وقد عرف أبناء المدينة ذلك خلال مشادة علنيَّة بين رجال الدين وأحد مسؤولي الأمن، وبعدها أُرسِل الطبيب للخرطوم."(51)
إذاً، لماذا تلجأ الأحزاب السياسيَّة السُّودانيَّة إلى الجيش لحسم صراعاتها الأيديولوجيَّة والسياسيَّة مع بعضها البعض؟ لجوء أهل الأحزاب إلى العسكر يعود للأسباب الآتية:
تفتقد الأحزاب السياسيَّة في السُّودان من الأغلبيَّة الميكانيكيَّة التي تجعلها تفوز بأغلبيَّة المقاعد في البرلمان لتحقيق أهدافها السياسيَّة، لذلك عادة ما جاءت هذه الأحزاب إلى السُّلطة في شكل حكومات ائتلافيَّة برهنت على ضعفها وعدم استقرارها، وفي ذات الوقت، انحصرت المقدرة على خلق مشاركة سياسيَّة عبر الأحزاب التي لها نصيب من نظام الحكم في شمال السُّودان.  وليس هذا كل شئ، وإنَّما كانت نتيجة ذلك أن شعر أهل الجنوب بشكل خاص، وكذلك المناطق الرِّيفيَّة (المهمَّشة) الأخرى بأنَّها غريبة عن العمليَّة السياسيَّة.
تعاني الأحزاب السياسيَّة من خواء فكري وبرنامج علمي اللذين بهما تستطيع أن تحشد الجماهير للتصويت لها، والفوز بأغلبيَّة ساحقة، والاستمساك بالحكم، والحظوة بالدَّعم الجماهيري.  فلا اندهاش، إذاً، حين تلجأ تلكم الأحزاب إلى العسكرتارية لاختصار الطريق إلى السُّلطة (Short cut to power). بيد أنَّ الجيش مؤسسة غير متجانسة - على الرَّغم من الضبط والربط اللذين بهما تتصف؛ ففيها كل الشرائح الاجتماعيَّة والطوائف السياسيَّة في البلاد، وإن لم تكن بنسب متساوية، لذلك سرعان ما تنشأ الاحتكاكات داخلها للسيطرة على مراكز القرار السياسي في البلاد.
للجيش قوة وبأس شديدين ويمكنه بسط سيطرته في جميع أنحاء البلاد بقوة السِّلاح والحسم الناجع، ولو إلى حين.
فلا استثناء للجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة في مفهوم الأحزاب السياسيَّة والمؤسسة العسكريَّة في السُّودان.  فبينما ظل أهل الحكم في هرج طائفي ومرج سياسي، الذي لم يسمن ولم يغن من جوع، أصبح الشَّعب السوداني فى أمرهم حائرين. وفي ليلة ظلماء استولت عسكرتارية الجَّبهة القوميَّة الاسلاميَّة على السلطة فى 30 حزيران (يونيو) 1989م.  ويقول محدثي - سيف الدَّولة حمدنا الله - إنَّ الصَّادق المهدي، الذي استأمنه الشَّعب على الحكم الدِّيمقراطي يكفيه عار أن تنطلق ثلة محدودة من أنصاف العسكريين من السِّلاح الطبي (والموسيقى) لتنجح في الاستيلاء على الحكم في انقلاب مكشوف ومفضوح يحكي عن حدوثه باعة البطيخ في سوق الخضار، بينما كان يحتفل هو ووزير دفاعه - صلاح عبدالسَّلام الخليفة - وأعضاء حكومته بزواج نجل أحد أقطاب حزب الأمة.  إنَّ كل ما أتاه الصَّادق المهدي - ليس الصَّادق وحده بل كلهم - ليس سوى استخفاف واستهتار من أقزام (سياسيين) ولاهم الله أمر أمة أقل ما يُقال إنَّها لا تستاهل اللي بيجري لها.  وقد جاءه نذير مبين ومن أقصى المدينة رجال يسعون من ممثلي الحزب الشُّيوعي السُّوداني وحزب البعث العربي الإشتراكي، وأخبروه أجمعون أبتعون عن عمل عسكري انقلابي وشيك يختمر ضد حكومته، إلاَّ أنَّ الصَّادق لا صدَّقهم ولا احتاط، ولكن كذَّبهم وتولَّى.
فعلى الرغم من أن النظام الجديد لم يلق مقاومة شعبية أو عسكرية في مدن الشمال المختلفة - إلاَّ في حالات متقطعة وغير منتظمة(52) - لم يكن يعني هذا أن الناس قد ارتضوا به وتواصوا به حقاً وصبراً.  إذ على المرء أن يشير إلى نموذج جمهوريَّة الفايمار (The Weimar Republic) لتذكير الناس عامة وطلاب العلوم السياسيَّة خاصة بأنَّ الدَّساتير وحدها لا تحل إلاَّ القليل من المشاكل، حيث لم يكن السُّودان يعاني من نقص في النقاشات ولا التجارب الدستوريَّة؛ إنَّ ما كان ينقصه الحكومة الدستوريَّة المستقرة.(53)  لم يكن ما حدث في ألمانيا بمختلف عما جرى في إيطاليا أو المجر حين تساقطت الدِّيمقراطيات الهشة نتيجة الفشل العسكري والعراك الاجتماعي في أعقاب الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م)، وإحلال محلها حكومات شموليَّة.  فالرايخ الثَّالث (The Third Reich) جذورها ضاربة في ماضي ألمانيا، التي تميَّزت بالاختلاف الديني والتناحر الإقليمي والطبقي.  وقد استغل أوتو بسمارك هذه التناقضات، ومن ثَمَّ خلف إرثاً مبالغاً في تقديس القوة العسكريَّة، ومجتمعاً منتفخاً بالعداء ضد الساميَّة والماركسيَّة وفيه من العنصريَّة كثير، وكذلك علماء تحسين الأنسال (Eugenic planners).  لذلك نجد أن الفكر النازي كان شائعاً في المجتمع الألماني بالرغم من طغيان الحركات التقدميَّة عليه.  تلكم هي البيئة الاجتماعيَّة - بالإضافة إلى الكساد الذي نجم عنه الفقر والفاقة - التي نشأت فيها النازيَّة في ألمانيا.  وكذلك الحال في السُّودان حيث خرجت حكومة الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة، التي تعكس المفاهيم الشريرة لشريحة من الشَّعب السُّوداني.  فجذور الأزمة السُّودانيَّة قديمة، كما بحث فيها الدكتور عبدالله بولا في أطروحته القيِّمة، وفي تلك الأطروحة إجابة - لعلَّها شافية - للسؤال الاستنكاري الذي طرحه الراوية السُّوداني الطيب صالح حين طفق يسأل في بداية عهد حكومة "الإنقاذ" - من أين أتوا؟(54)  فالديمقراطيَّة السُّودانيَّة مأزومة لأسباب جوهريَّة نحوم حولها ولا يتناولها بعضنا إلاَّ في جمل اعتراضيَّة، فقد شهد السُّودان خلال قرابة نصف القرن من الزمان انهيار ثلاثة أنظمة ديمقراطيَّة لا بسبب الكوارث الطبيعيَّة أو التركيبة الجنينيَّة لأهل السُّودان، وإنَّما للعجز الكامن في الأنظمة، وتقاصر النخب المهيمنة على اكتشاف جذور أزمة الحكم.(55)
على أية حال، أدخل النظام الجديد السودان فى هوة سحيقة، فكل من جىء به ليسوس أمور العباد في عهد "الإنقاذ" نجده قد ترك مجال تخصصه وشغل نفسه بما لا يعرفه، فأشتغل الجيش بالسياسة، والساسة بالتجارة، والادعياء بالدعوة، والجهلاء بالافتاء، والدراويش بالاقتصاد، واستنسر بغاث الطير. وفي خضم هذا العبث الحكومى والتردي المؤسساتي في كافة مجالات الحياة العامة حاول قادة "الانقاذ"، ومن شايعهم، عبثاً تحميلنا على الصدق بمنجزاتهم الوهمية "لأنَّ الذى فعلوه هو الواجب من أجل الحفاظ على البلاد مما آلت اليه في أواخر الثمانينيات.  وإنَّ مسؤوليتهم الوطنية والاخلاقية والدينية تقتضي ألا يسمحوا بالارتداد إالى الأوضاع التي كانت عليها البلاد قبل 1989م".(56)  ذلكم هو مقتطف من حوار طويل أجرته صحيفة سودانية مع الدكتور معتصم عبدالرحيم حسن، أحد نصراء النظام.  فالكل يعلم علم اليقين أن الشَّعب السُّوداني مازال يطالب منذ السنوات الأولى من عمر "الإنقاذ" على إرجاعه إلى النقطة التي بدأت منها حكومة الفريق عمر البشير.  ليس هذا أنَّ الوضع السُّوداني قبل "الإنقاذ" كان هو الأمثل، لكن حين ييأس المرء ويبتئس فإنَّه يمني النَّفس بأي شئ.
ففي العام 1965م ظهر ميثاق جبهة الميثاق الإسلامي، وكان من ضمن الأهداف "أن يكون المسلمون أمة واحدة، لهم سلطة سياسية واحدة، وجنسية واحدة - ولكن الواقع والضرورة يحتمان علينا إقامة دولة إسلاميَّة، تقتصر ولايتها على السُّودان، بحدوده الجغرافيَّة ولا يدخل في ولايتها مسلم ينتمي إلى دولة خارج السُّودان".  فالإسلام - كما يتراءى لهؤلاء الإسلامويين - لا يعترف بالحدود الجغرافيَّة، ولا يعتبر الفوارق الجنسيَّة الدمويَّة، ويعتبر المسلمين جميعاً أمة واحدة، والوطن الإسلامي وطناً واحداً مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدوده.  هذه النظرة الشموليَّة في الإعتقاد الرُّوحي والإنغلاق الولايتي قد تبدَّدت حين استولى الإسلاميون على السُّلطة في السُّودان، حتى فتحوا أبواب البلد واسعة أمام إسلاميو أفغانستان وتونس والجزائر ومصر واليمن والسَّعوديَّة وفلسطين، ومُنِحوا جنسيات سودانيَّة وجوازات سفر سودانيَّة، ودبلوماسيَّة في بعض الحالات حسب أوزانهم التنظيميَّة.  أرادت حكومة "الإنقاذ" في عهدها الأول أن تؤسس مشروعيتها على مشروع الأمَّة بمعناها الدِّيني، وكانت تعتقد أنَّها بمخاطبتها للأمَّة الإسلاميَّة تستطيع أن تتجاوز دواعي الدَّولة العلمانيَّة المعاصرة، وتستطيع - كذلك - أن تتجاوز نسق الدَّولة القطرية الضعيفة المتهالكة، لذلك سعت للتَّحالف مع الكيانات والحركات الإسلاميَّة العالميَّة، لكن أتى هذا التَّحالف بنتائج سلبيَّة لم تُحمد عقباها، حيث أصبح السُّودان في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب (الدَّاخلي والخارجي)، وأُدين في أروقة الأمم المتحدة أكثر من مرة، وفُرِضت عليها عقوبات اقتصاديَّة وسياسيَّة ودبلوماسيَّة من قبل المجتمع الدَّولي.  إذاً، بم نعلِّل مناداة أهل الحل والعقد في السُّودان بالأمس حين دعوا بطرد بعض من أهل البلاد إلى خارج الوطن؟  فقد دعا بعض الساسة من أهل الشمال في الستينيات من القرن الماضي بطرد العمال الفلاتة، الذين يعملون فى جني القطن في مشروع الجزيرة، إلى نيجيريا واستبدالهم بأيدى عاملة من جنوب السُّودان، كما بدأ بعض الكتَّاب يردِّدون بأنه "فى الوقت الذي قُفِل فيه باب الهجرة من الشمال والشرق، أى من العالم العربي، ظل باب الهجرة مفتوحاً من جميع المنافذ الأخرى، وكان ذلك بداية الصراع حول هوية السودان، وهل هو عربي أم أفريقي".(57)  هذه عنصرية بغيضة فتارة يرحِّبون بالأجانب إذا كانوا عرباً شاميين أو حجازين أو برابرة من شمال أفريقيا حيث اللون الأصفر، وتارة أخرى تتبلَّد أحاسيسهم وتصيبهم حالة من الجنون إذا جاءت الهجرة من أفريقيا السُّوداء، وقال الذين في قلوبهم مرض هذا غزو أفريقي.  والذين في قلوبهم الحَمِيَّة، حَمِيَّة الجاهليَّة، لا يرضون حتى بالهجرة الداخلية بين أفراد الوطن الواحد.  فحينما عزم النظام "الإنقاذي" على إنشاء طريق يربط مدن السُّودان المختلفة بمدينة الجنينة وقف بعض الكتاب وشعراء "الكشة" مثل الشاعر عبدالقادر الجمري، الذي أنشد قصيدة ميمية وهو يشير فيها إلى السيد كرم محمد كرم - محافظ الخرطوم وقتما كان الصادق المهدى رئيساً للوزراء - احتجاجاً على تشييد هذا الطريق ومتعلِّلين بأسباب عنصرية مثل "الضغط المتوقع على المدن فى السودان وأولها الخرطوم وبورتسودان من هجرة المجموعات البشرية في غرب افريقيا."(58)
بيد أنَّ هناك بعض المواقف السديدة من بعض القوى السياسيَّة في شمال السُّودان.  إذ تصيب هذه القوى أحياناً وتخطئ أو تتعمد الأخطاء أحياناً أخرى كحال غيرها من الطوائف السياسيَّة في البلاد. هكذا نجد أنَّ الحزب الشُّيوعي السُّوداني رفض التَّحالف مع التيَّار العروبي في السبعينيات واضعاً في الاعتبار التمايز الثقافي والتأريخي بين شمال القطر وجنوبه مهما إدَّعى ذلك التيار العروبي أن التشبث بقضية الجنوب "وبعض الجيوب فى الغرب" لا يمكن أن يكون، في التحليل النهائي، عائقاً ومبرراً لهذا الرفض "والترويج لمجتمع سوداني معلق في سماء اللاهوية القومية وفوق حقائق التأريخ والثقافة.(59)  والغريب في الأمر بأن دعاة العروبة هؤلاء ينظرون إلى السُّودان رؤية أحادية: إما أن يكون قطراً عربيَّاً، أو في حالة ألا يكون ذلك، يصبح بلا هوية.  هؤلاء القوم يغالطون حقائق التأريخ والجغرافيا والثقافة وكل منطق سليم.  ونحن إذ نتساءل أي تأريخ وأية جغرافيا وأية ثقافة تسرد أنَّ السُّودان كان عربياً منذ الأزل؟
ومثلما بغض النظام الإسلامي العنصري في السُّودان الأفارقة في داخل قطرهم أو خارجهم، كره كذلك الغرب، ولعنهم لعنة كبرى، ووصفهم بدول "الاستكبار والاستعمار".  بيد أنَّ كراهيتهم للغرب حالة مزمنة من انفصام الشخصيَّة، فهم يدركون عجزهم وعدم قدرتهم على العيش دون الاعتماد على كل ما هو قادم من بلاد الغرب.  فعندما تضيق بهم الأرض بما رحبت في بلدانهم يبادرون دون ترُّد للجوء إلى الغرب، الذي يسمُّونه كافراً.  وعندما يخشون على أموالهم من السَّرقة والضِّياع لا يجدون إلا بنوك الغرب "الربوية" لحفظ لحفظ أموالهم، "وأخذهم الرِّبا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال النَّاس بالباطل" (البقرة 2/278).  أما إذا أرادوا مباهاة غيرهم فلا يتردَّدون في إرسال أبنائهم للتعليم في هذا الغرب، وفي المقابل فهم يلعنون الغرب عبر القنوات التلفزيونيَّة وبالصحف المنشورة المنتشرة، ويتمنون زواله مما يشكِّل حالة غريبة من انفصام الشخصيَّة.
وعوداً إلى ميثاق الحركة الإسلاميَّة - ويسألونك عن الجيش - فقل لقد وصى على "التجنيد على نطاق واسع لإنشاء احتياطي، مع إدخال التربية الدينيَّة والوطنيَّة في مناهج القوات المسلَّحة، ومراعاة كيان وكرامة الإنسان في نظمها".  فقد طبَّقوا التجنيد على نطاق أوسع من واسع حيث تمَّ تجييش وتمليش (إنشاء مليشيات) الشَّعب السُّوداني بأسره مع غرس عقيدة الجهاد والحرب في سبيل الله في هؤلاء المجنَّدين المهوسين، ولم تُحفظ كرامة الإنسان حيث أُهدِرت حقوق الإنسان في جبال النُّوبة والجنوب والنِّيل الأزرق وغيرها من مناطق النِّزاع المسلَّح، وكان الجيش الحكومي طرفاً رائساً في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانيَّة.  ولا نحسب أنَّ قتل الإنسان - ما أكرمه - في خور مريسة جنوب مدينة الدَّلنج في جبال النُّوبة من كرامة الإنسان في شئ، ولا كذلك ذبح الأبرياء في هيبان (جبال النُّوبة) في أعياد ميلاد المسيح عيسى عليه الصلاة والسَّلام العام 1992م، ولا قصف القرويين والمستشفيات والمدارس في ياي (جنوب السُّودان) وكاودا (جبال النُّوبة) وخور يابوس في منطقة النيل الأزرق من كرامة الإنسان في شئ.  وأي إهدار لحقوق الإنسان أكثر من قتل الأطفال والنساء والعجزة على أيدي قوات النظام المتحكِّم في الخرطوم، كما شهدنا في مناطق الحرب الأهليَّة في السُّودان.  وإنَّهم لفي مطاردتهم للأبرياء إذ يتجنَّبون مواقع الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.  وكما قال الشَّاعر في وصف هؤلاء الجبناء:
أسدٌ علىَّ وفي الحروب نعامة    ربواء تجفل من صفير الصافر
تُرى لماذا يركِّز قادة أهل الشمال على الأسلمة السياسيَّة في السُّودان؟ يقوم هؤلاء القادة بذلك لدفع الذات السُّودانيَّة صوب الإسلام لأنَّه العامل الوحيد الذي سيؤدي - لا محالة - من إقتراب أهل السُّودان إلى العروبة، إذ أنَّ غالبيَّة سكان السُّودان من أصل أفريقي (غير عربي)، وبذلك تستطيع القلة العاربة من تسيير الدَّولة واستحواذ النفوذ السياسي والاجتماعي والثَّقافي على نحو إثني بحت، وهم - فيما يفعلون - يستعينون بدول عربيَّة على انفراد أو مؤسسات عربيَّة (جامعة الدول العربيَّة) أو دينيَّة (مؤتمر الدول الإسلاميَّة والمؤتمر العربي الإسلامي الشَّعبي) للتمويل المالي والدعم السياسي والعسكري، وقد استنجدوا بالسُّعوديَّة ومصر وليبيا وسوريا وإيران وغيرها، على مراحل مختلفة، كأدوات لتعريب الثقافة والفكر من خلال القنوات الرسميَّة والشعبيَّة المتاحة لهم.
ثم نعرج إلى منحى آخر من مناحي الحياة في السُّودان ألا وهو الاقتصاد الوطني والتخطيط الاقتصادي.  فقد أعدَّ باحث اقتصادي دراسة لإعفاء جميع المغتربين السودانيين من كافة الضرائب واستبدالها بزيادة معدلات تحويلاتهم عن طريق القنوات الرسميَّة. وقد خصَّص البَّاحث، عبدالقادر الطَّاهر الماحى، 1,000 دولاراً أمريكياً سنويا للعامل، 2000 دولاراً للموظف، 3,000 دولاراً للمهني، و4,000 دولارا لرجل الأعمال، حيث يتسلَّم المحوِّل قيمة ما حوله بالسِّعر الحر السائد بالجنيه السُّوداني كاملاً غير منقوص. وقد افترض الباحث جملة تحويلات المستجيبين للدراسة ملياراً وخمسمائة وخمسة وخمسين مليون دولار، يخصص منها 600 مليون دولار ليصبح البترول السُّوداني حقيقة دافعة تتوسع الاستثمارات فيه، و472 مليون دولار للجوانب الأمنية، و100 مليون دولار لمصانع السكر والدواء ومواد البناء، و100 مليون دولار للطُّرق الرئيسية، و100 مليون دولار لزراعة 10 ملايين فدان قمح و27 مليون للطاقة، و25 مليون للمستشفيات، و50 مليون للخطوط الجوية السودانية، و25 مليون للسكك الحديدية، و25 مليون للبحرية، و20 مليون لمياه المدن والريف. وقد توصل الباحث إلى نتيجة مفادها "أنَّه بعد انتهاء 3 سنوات من بدء تطبيقها يمكن البدء في إنجازات المشاريع الكبرى مثل مشروع خزان الحماداب وكجبار وتعلية خزان سنار وحفر ترعتي الرهد وكنانة وزراعة 50 مليون فدان وتشغيل كل المصانع القائمة بطاقتها القصوى".(60)
عند إمعان النظر في هذه الدراسة، والتدقيق في نتائجها نجد أن البَّاحث لم يحالفه الحظ حينما خصص مبلغ 472 مليون دولار "للجوانب الأمنية"، أي ما يقارب الميزانية المرصودة للسكر والدواء ومواد البناء والطرق والزراعة والطاقة والعلاج والخطوط الجوية السودانية والسكك الحديدية والملاحة البحرية ومياه المدن والريف (482 مليون دولار). هل نحن في حوجة لاستمرارية الحرب لصرف هذه الاموال الطائلة في تمويلها؟ أليس من الأهمية بمكان إنفاق هذه الأموال في استئصال الأمراض والأوبئة التي باتت تهدد حياة الناس كالملاريا وعمى الأنهار. ومما يجدر ذكره أنَّ الإحصائيات تشير أنَّ "أكثر من مليون سوداني يعانون من مرض عمى الأنهار، وحوالي 10% من المرضى يعانون من العمى الدائم".(61)  ثم أن المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية التي يحث البَّاحث في بحثه على إعادة تشغيلها، كلها قابعة في الشمال والوسط، مما يعني استمرار تركيز القوة الاقتصادية فيها وإبقاء الريف على فقره. فلا غرابة، إذن، إذا حظيت الدراسة بإشادة "عبدالوهاب أحمد حمزة، وزير الدولة السابق بوزارة المالية، وتمت مناقشتها في الإذاعة السُّودانية".(62)  
ومهما قِيل وكُتب عن نظام "الإنقاذ"، فلا نكون قد حدنا عن الصواب السياسي إن قلنا إنَّ أكثر الفئات الاجتماعيَّة في السُّودان تضرراً من هذا الطاغوت المتحكِّم كانت من المهمَّشين.  فلم يمض أمد طويل على حكم الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة حتى تواطئوا في مذبحة الجبلين ضد أبناء أهل الجنوب العاملين في المنطقة؛ تلك المجزرة البشريَّة كانت في أعياد ميلاد المسيح عليه الصلاة والسَّلام في كانون الأول (ديسمبر) 1989م.  كما شهد سكان العاصمة المركبات العسكريَّة وهي تنقل المواطنين إلى معسكرات جبل أولياء، التي تبعد 40 كيلومتراً جنوبي الخرطوم، وكذلك معسكر صحراوي يبعد 12 كيلومتراً غربي أم درمان في أرض جرداء قاحلة في واد غير ذي زرع بعدما دمرَّت السُّلطات الحكوميَّة منازلهم وأعادت توزيعها لأعوان النظام والقطط السمان.  وبحلول العام 1992م تمَّ إبعاد 700,000 شخص من العاصمة، وهُدِّمت منازل أكثر من 160,000 شخص بين الفترة الممتدة من آب (أغسطس) 1993م إلى تموز (يوليو) 1994م، حيث شهد شهر تموز (يوليو) وحده طرد ما يقارب 60,000 مواطن.  أمَّا فيما يختص بمسألة النعرة العنصريَّة و"التطهير العرقي"، فقد أبرز نظام "الإنقاذ" تحديات كثيرة باتت تثير مشاعر أهل السُّودان عامة والمهمَّشين خاصة.  فالتحدِّي الأول لأصحاب العقيدة الإسلاميَّة، التي باسمها وقيمها مُورِس تعذيب الخصوم السياسيين في "بيوت الأشباح"، والإبادة الجماعيَّة للأغيار، والجهاد في الحرب الأهليَّة، والتكفير الهجرة في المسائل السياسيَّة.  إنَّه تحدي - كذلك - للأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمحكمة العالميَّة لمجرمي الحرب.  وقد أعاد هذا التحدِّي في أذهان النَّاس عهود الاسترقاق والاحتراب في العهد التركي-المصري وهمجيَّة المهديَّة في السُّودان في أسوأ مراحلها.  أم التحدِّي الثَّالث فهو كيف تتعايش الدِّيمقراطية مع الإسلام السياسي بالصورة التي شهدناها في السُّودان وحركة طالبان في أفغانستان والجماعة الإسلاميَّة في كل من مصر والجزائر وتنظيم الجهاد الإسلامي في دول عربيَّة أخرى، ومما زاد الأمر غرابة هو أن من أهل السُّودان من هم بمسلمين، فقد طفقوا يسألون عن نوع إسلام أهل "الإنقاذ"، الذي مشوا به في الأرض يزعمون فضلاً من الله ومرضاته.
القهر الثقافي والاستعلاء العرقي
ليس هناك أدنى شك أنَّ الذي ينشده كافة الناس في السُّودان هو حياة كريمة خالية من الفوارق الاجتماعية والغلو الثقافي، وعدم جعل الاختلافات العرقية سبباً لمشكلاتهم السياسية، وإزالة الصفة الدينية من السُّلطة السياسية. كما أنَّهم - كذلك - يتطلعُّون إلى مستقبل مشرق ومشرِّف لأبنائهم الذي هم مهجات أنفسهم وثمرات قلوبهم. غير أنَّ محاولات النظام في تصوير الحرب الأهلية بأنها حرباً دينية قد عمق من الأزمة السُّودانيَّة، "فالقضية سياسية وليست دينية كما يقال عنها فالدين في السودان وفي غيره لا يمكن إزاحته من صدور البشر بإغلاق مسجد أو كنيسة، ولا يمكن إدخاله في عقولهم بالقهر والإكراه.  لقد تأكَّد للجميع في الشمال والجنوب أنَّ المدخل لحل القضية هو البعد عن تسيس الثوابت الاجتماعية، وأن التوحد القسري عامل انفصال، بينما الإقرار بالتنوع عامل انصهار طوعى".(63)
لكن مشكلاتنا، نحن معشر السودانيين، تتفاقم بسبب ما يكتبه ويتفوه به بعضنا البعض حيث كل إناء بما فيه ينضح. فهذا حمزة محمد داؤود يرد على مقال كتبه متوكل سعد بعنوان "نحن أفارقة ولسنا عرباً"، والذي نُشر في إحدى الصحف العربيَّة.(64)  فماذا  كتب حمزة؟ وما وجه الغرابة والمفارقة التأريخية فيما ذهب اليه؟ قال حمزة: "إنَّ العرب هم سادة وقادة الأمم وهذا لا شك فيه أبداً... والصفات والعادات الجميلة التى تحدث عنها الأخ (متوكل سعد) والمتأصلة في الشَّعب السُّودانى هي موروثة من العرب..." ومضى يقول: "وحتى ترهاقا وبعانخي وغيرهما ممن تدعى أنَّهم أصحاب حضارة في السُّودان فهؤلاء استمدوها من العرب".(65)  لقد نسب الكاتب السيادة والقيادة للعرب دون غيرهم فهذا شطط ما بعده شطط. لم يخل العالم من حضارات سادت ثم بادت كحضارة البابليين والأشوريين والفينيقيين وإمبراطوريات سيطرت على أجزاء كبيرة من الدنيا كالإمبراطورية الفارسية والرومانية والبيزنطية واليابانية وغيرها.  وبالرغم من ذلك لم يذهب أحفاد تلك الامبراطوريات غلواً في القول إنَّهم "سادة وقادة الأمم".  أما الادعاء بأن "ترهاقا وبعانخي وغيرهما" استمدوا الحضارة من العرب فهذه هي فرية بلقاء ومفارقة تأريخية. عندما ملك بعانخي (747-716 ق.م.) وترهاقا (690-664 ق.م.)(66) كان الأعاريب في خيامهم بالجزيرة العربية، ولم ينتقلوا إلى حياة الحضر والمدينة إلاَّ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد ظهرت حضارة العرب في عهد الدولة العباسية، وذلك عندما إهتمَّ الخلفاء في هذا العهد بتكريم العلماء والعلم وترجمة أغلب المراجع الفارسية واليونانية والهندية وغيرها.  وقد قامت الدَّولة العباسيَّة بمناصرة الفرس، فلذلك امتزج العرب بهم وتزوَّجوا من بناتهم، وجعلوا منهم ولاة الأقاليم، ووزراء الدَّولة وقادة الجند، وقلَّدوهم في عاداتهم وأحوال معيشتهم.  كما امتزجوا بأمم أخرى مثل الأتراك والهنود والبربر وكان لهذا الامتزاج أثرٌ في الحياة الاجتماعيَّة واللُّغة والأدب.  فلما امتزج العرب بالفرس في العصر الأموي والعباسي تسرَّبت وشاعت إلى اللُّغة العربيَّة الكلمات الفارسيَّة الآتية: الطَّست، الجرَّة، الكُوز، الخُوان، الخز، الدِّيباج، الياقوت، والفيروز.
إنَّ الحضارات العظيمة التي خلفها النُّوبة والفراعنة هي إرثنا، كما أن تلاقح الحضارات كان إحدى ملامح النظام العالمي القديم.  فتأثر اليونان بقدماء المصريين وتأثر المصريين بالهكسوس (الملوك الرعاة)، الذين حكموا شمال وشرق مصر ردحاً من الزمان، ولُقِّبوا بالفراعنة، وكان أول حكامهم هو "سنان بن الأشبل"، الذي عاصر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأهدى هاجر إلى زوجته سارة ولقب نفسه بلقب فرعوني هو "فحسي".(67)  إن أصل الهكسوس، الذي مازال يعتبره بعض الرواة لغزاً، قد نال إعجاب العرب حتَّى ادَّعوا أنهم منهم. إلا أنَّ الأهم في الأمر هو أنَّ الهكسوس قد اُعجِبوا بحضارة الفراعنة، وآية ذلك الإعجاب اتِّخاذ أول حاكم لهم لقب فرعوني، ويحدثنا التأريخ أنَّ النُّوبة، الذين كانوا جنوداً مرتزقة في البلاط المصري القديم، هم الذين طردوا الهكسوس من مصر، وقد عُرِفوا باسم رماة الحدق وذلك لبراعتهم في فنون القتال واستخدام القوس والسهام في الحروب.  ومن شاء فليقرأ ما كتبه عنهم المؤرخ الإغريقي (اليوناني) هيرودوت، إن لم يكن كله فما تيسر منه. إذاً، أين مبعث هذا الغلو الثقافي والاستعلاء العرقي؟
عن جذور النظرة الدونيَّة والاستعلاء العرقي لدي العرب ضد الأفارقة (الزنوج أو الزنج) فتعالوا أتلو عليكم منها خُبراً.  قد لا يكون من الأمر العسير تحديد تأريخ وجغرافية نشأة العنصرية، غير أن الذي عثرنا عليه في أمهات الكتب يدل على أن مبعث احتقار الزنوج يعود إلى الطبيب الروماني جلين في القرن الثَّاني الميلادي، حيث لعبت تأليفاته في علم التشريح دوراً رائساً في ممارسة الطب والأمور ذات الصلة الوثقى بالتأريخ الإسلامي.  فقد عدَّد جلين عشر مزايا للذكور السُّود، حيث وصفهم بأنَّهم غلاظ الشفاة، ذوو أنوف فطساء، وشعر مفلفل، وعيون سوداء، ولهم أيدي وأقدام مخدَّدة (بها مجاري إخدوديَّة)، وحواجب رقيقة، وأسنان بارزة، وأجهزة تناسليَّة طويلة، ولهم من الفرح والمرح حظٌ عظيم.  ومضى جلين يقول: "إنَّهم لأسرى لهذا الفرح وذلك المرح اللذان على حياتهم يسيطران، وذلك نسبة لخلل في أدمغتهم، ووهن في ذكائهم."  وقد اقتبس الكاتب الشهير المسعودي، الذي توفى العام 956م، مقولات جلين في الجنس الحامي.  ولنا عظيم الظن أنَّ بن سينا (980-1037م)، الطبيب والفيلسوف الفارسي الذي كان يمتهن صناعته في بغداد إبَّان العهد العبَّاسي، قد أخذ من جلين وأضاف عليه حين ذهب منظِّراً أنَّ الطقس يلعب دوراً بليغاً في تكييف مزاج الإنسان، وإن درجات الحرارة العالية أو المنخفضة تنتج ظروفاً ملائمة للاسترقاق، لذلك ينبغي أن يكون هناك أسياد وعُبدان.  وقد وجدت أفكار بن سينا هذه، التي تفتقد أي سند علمي، قبولاً حسناً في المجتمعات الغربيَّة لأنَّها أشبعت رغباتهم النفسيَّة، فأقبلوا على هذ النظريات يترجمونها إلى اللُّغة اللاتينيَّة ويرتِّلونها ترتيلاً في أوربا.
ولا ريب أنَّ القاضي سعيد الأندلسي، الذي توفى العام 1070م، وكان مقيماً في مدينة توليدو الذائعة الصيت في أسبانيا، قد تأثَّر بفرضيات بن سينا، وعليه لم يكد يستطيع أن يعبر بعقلانيَّة عن مؤسسة الرِّق حسبما أوردته روح ورسالة تعاليم مؤسس الديانة الإسلاميَّة.  فقد وصف سعيد الأندلسي السلافيين (Slavs) - جمع السلافي(Slav)  الذي منه اُشتقَّت لفظة عبد (Slave) في اللغة الإنجليزيَّة، وكذلك البلغاريين وجيرانهم، الذين يعيشون بعيداً عن حراة الشمس الشديدة، بأنَّهم يمتازون بمزاج بارد، ولهم من النوادر غير المصقولة فنيَّاً كثير.  لذلك كذلك نجدهم ضعاف الفهم، وقليلي الذكاء، ويغلب عليهم الجهل والملل، وعدم الإدراك وتفشي الغباوة.  وعلى جانب آخر، كتب سعيد الأندلسي أنَّ الذين يتعرَّضون لحرارة شديدة من الشمس يصبح مزاجهم ساخناً، ونوادرهم ناريَّة، ويمسي لونهم أسوداً، وشعرهم صوفيَّاً.  لذلك لا يستطيعون ضبط النَّفس، ويتحكَّم على بصائرهم تقلب المزاج، والتهوُّر والبلاهة.  هؤلاء هم السُّودان (بمعناه التأريخي) الذين يعيشون في أثيوبيا، والنوبيين والزنج وأشباهم.  ومضي سعيد الأندلسي يفرِّق بين النَّاس الأكثر جهلاً - الذين لهم ما يشبه حكومة ملكيَّة وقانون ديني - وأولئك الذين انحرفوا عن النِّظام البشري والتجمع العقلاني.  وضرب مثلاً بدهماء البوجا، ومتوحشي غانا، وحثالة الزنج ومن شايعهم.  وبهذه اللهجة اللَّعينة سار في نهجهم عالم الاجتماع العربي عبدالرحمن بن خلدون (1332-1406م) في مقدمته الشهيرة المعروفة باسمه، وقد ذكرنا جزءاً من نعوته ضد العجم في أماكن أخرى من بحثنا هذا.(68)  
ومن جانب آخر، لم يشذ من العرب عن ظاهرة جواز استرقاق أهل السُّودان (في غرب أفريقيا) والتسري بإناثهم إلاَّ الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، حين كتب عن أخبار أهل بلاد السُّودان واصفاً إيَّاهم "أنَّهم من أحسن الأمم إسلاماً وأقومهم ديناً وأكثرهم للعلم وأهله تحصيلاً ومحبة، وهذا الأمر شائع في جل ممالكهم الموالية للمغرب كما علمت، وبهذا يظهر لك شناعة ما عمت به البلوى من لدن قديم من استرقاق أهل السُّودان مطلقاً، وجلب القطائع الكثيرة منهم في كل سنة وبيعهم في أسواق المغرب حاضرة وبادية، يسمسرون بها كما تُسمسر الدواب بل أفحش، قد تمالأ الناس على ذلك وتوالت عليه أجيالهم حتى صار كثير من العامة يفهمون أنَّ موجب الاسترقاق شرعاً هو اسوداد اللون وكونه مجلوباً من تلك الناحية، وهذا لعمر الله من أفحش المناكر وأعظمها في الدين، إذ أهل السُّودان قوم مسلمون فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولو فرضنا أنَّ فيهم من هو مشرك أو متدين بدين آخر غير الإسلام فالغالب عليهم اليوم وقبل اليوم بكثير الإسلام، والحكم للغالب، ولو فرضنا أنَّ لا غالب وإنَّما الكفر والإسلام متساويان هنالك فمن لنا أنَّ المجلوب منهم من صنف الكفار لا المسلمين.  والأصل في نوع الإنسان هو الحريَّة والخلو عن موجب الاسترقاق، ومدعي خلاف الحريَّة مدعٍ لخلاف الأصل (...)".(69)  
فلم يخل السُّود من المواهب التي رفعتهم مكاناً علياً.  وهكذا نجد أنَّ "إشراق السويداء"، وهي فتاة سوداء كما يدل اللَّقب، كانت يُحتفى بها في القرن العاشر الميلادي في الأندلس، حين كانت هذه المنطقة تقبع تحت الإحتلال العربي الإسلامي.  وقد ملكت إشراق من المعرفة بعلم النحو والصرف وعلم العروض (نظم الشعر) كثير، حتى أمست موضع ثقة وتقدير من الأندلسيين.  أما في ثورة الأناقة، التي حدثت في الأندلس فكان زعيمها الأوحد أبو الحسيان علي بن نافع المعروف بزرياب (789-857م).  تُرى من هو زرياب الذي اشتغل الناس بأخباره، واهتم الهنداميون بمظهره العام يومئذٍ؟  فزرياب - المغني الأسود - موسيقاراً كان ثم شاعراً.  ولد زرياب في العراق ورفعته مواهبه إلى ديوان قصر الخلافة في بغداد، وحين بدأت سهام الغيرة تنوشه، شدَّ الرحال ونزل الأندلس في عهد عبدالرحمن الثاني، وسرعان ما بدأ يمارس مواهبه حتى بات يُشار إليه بالبنان.  فأدخل الموسيقى العراقيَّة في الأندلس، وأضاف السلم الخماسي، وأسس مدرسة للموسيقى، وكان أول من بدأ استخدام معجون الأسنان في الأندلس، وتعطير الإبط، وتشجيع أسلوب خاص لتصفيف الشَّعر، والاهتمام بالحلاقة النظيفة للرجال، وجاء بموضة تغيير الملابس حسب فصول السنة الأربعة بدلاً من الشتاء والصيف فقط.  كذلك أتى بأسلوب الطباخة العراقيَّة، وبدأت مقادير الطعام تأخذ اسمه.  ليس هذا فحسب، بل يرجع إليه الفضل في تحبيب احتساء الخمر لدي المسلمين في الأندلس ضد التعاليم الأصوليَّة لدينهم الإسلام، هكذا أفتى علماء الأندلس.  أما في عصر الدولة الفاطميَّة في مصر فنجد أنَّ والدة الخليفة المنتصر (94-1036م)، الذي يعتبر حكمه أطول خلافة فاطميَّة، فسودانيَّة كانت ثمَّ سوداء.  ثم جاءت الدولة الإخشيديَّة في مصر، وقد حكمها أبو المسك كافور (966-968م).
ومن الأندلس ومصر نقفز إلى الهند، حيث لمع اسم أمبر في شبه القارة الهنديَّة.  والجدير بالذكر أنَّ أمبر هو شامبو - كما عُرف عند أول تاجر نخاسة ابتاعه - الذي ولد في أثيوبيا العام 1550م، وتم تسويقه من تاجر إلى آخر حيث تنقل في الحجاز وبغداد وموكا، واعتنق الإسلام واستبدل اسمه إلى أمبر، وتعلَّم فن إدارة المال والأعمال، وأخيرا تم بيعه إلى جنكيز خان - وهو رئيس وزراء حبشي لمنطقة أحمد نجار - في الهند العام 1575م.  وبعد انهيار عائلة بهماني في القرن السَّادس عشر الميلادي، توحَّدت خمس سلطنات هنديَّة هي: أحمد نجار، بيرات، بيجابور، بيدار، وجولكوندا وكوَّنت سلطنة ديكان.  وبعد وفاة جنكيز خان تم بيع أمبر إلى سلكنة جولكوندا، ومن ثّمَّ إلى بيجابور.  وفي الأخيرة أمسى أمبر قائداً للجيش، ونال لقب الملك، وسرعان ما استقلَّ في العام 1590م وبات يقود جيشاً مستقلاً من الأحباش والعرب.  وفي العام 1595م أنشأ سلطان سلطنة أحمد نجار جيشاً من الأحباش يقودهم قائد حبشي، ودعا القائد الجديد أمبراً لدمج الجيشين.  وفي العام 1602م اعتقل أمبر السلطان وأعلن نفسه أميراً على السلطنة، وهزم الإمبراطور المغولي "أكبر" وخليفته جاهنجير، وتحالف مع سلاطين بيجابور وجولكوندا حين أدرك الأخيران نطاق نفوذهما.
ونسبة لخلفيته الوضيعة وما تعرَّض له من الإهانة بسبب لونه الأسود وأصله العبودي، استخدم أمبر السلطة لتوفير نوع من الشراكة في الحكم مع جميع الأثنيات والطوائف الدينيَّة في السلطنة، فعيَّن الأحباش والعرب في مناصب عسكرية عليا، ومنح الهنود أراضي زراعيَّة، وخصَّ البراهمين بوظائف شؤون المال وجباة الضرائب، والمراثيين بالخدمة المدنيَّة، والفرس بالتجارة الخارجيَّة في الخليج الفارسي ومع الإنجليز والبرتغاليين.  واشتهرت السلطنة بصناعة الحرير والورق والسيوف والفؤوس والبنادق وتصديرها إلى بقية أقاليم الهند وبلاد فارس وشبه الجزيرة العربيَّة، ومن هنا اشتهر السيف المهنَّد عند العرب.  وكذلك أدخل أمبر الخدمات البريديَّة وطوَّرها، وشجَّع التجارة والزراعة وصيانة القنوات المائيَّة وتحسين وسائل الري في المشاريع الزراعيَّة.  توفى أمبر - رحمة الله عليه - العام 1626م وخلفه ابنه فتح خان، ولبث في السلطة ثلاثة أعوام حتى توفى هو الآخر العام 1629م.  
ثم ندلف إلى السَّودان، وقد مزَّقت مؤسسة الرق المجتمع السُّوداني شر ممزق.  وفي كردفان كانت تقوم قبائل البقارة والكبابيش بحملات صيد ضد النُّوبة (غزوات) كتقليد متبع عندهم لإثبات الرجولة والفروسيَّة، وكان مهر العروس يُدفع رقيقاً إلى والديها.  ويعتبر بعض العرب في السُّودان الرقيق جانباً من الثروة، ويطلقون على العبيد كلمة "مال"، وكان البقارة يقيسون ثرواتهم بمقدار ما عندهم من أرقاء.  ولم تقل حدة حملات الاسترقاق هذه إلا بعد أن جند البريطانيون بعض العرب المحليين في البوليس العام 1902م، وكذلك سجن أحد تجار الرقيق خمس سنوات العام 1903م، وإنشاء حامية عسكرية في بحر الغزال.  أما في شرق السُّودان حول موانئ البحر الأحمر لتصدير العبيد إلى أسواق الجزيرة العربيَّة، فقد تم القبض والحكم على 85 تاجراً في خلال 18 شهراً في تشرين الثَّاني (يناير) 1905م مما ساعدت هذه الإجراءات في الحد من التجارة وليس إلغائها نهائيَّاً.(70)  
بالرَّغم من هذه الأدلة الدَّامغة عن السُّود الرَّاسخين في العلم نجدهم مصدر تندُّر وتفكه من قبل البيضان في الشرق والغرب.  فحين يعكف الغرب على دراسة مجتمعاتهم يسمون ذلك الضرب من الدراسة علم الاجتماع (Sociology)، أما حين يتحدَّثون عن الأنثروبولوجي (Anthropology) - أي علم البحث في أصل الجنس البشري وتطوُّره بأعراقه وعاداته ومعتقداته - فإنَّهم يعنون، بذلك البحث، المجتمعات الأفريقيَّة أو غيرها من الأمم التي تُعرف بالعالم النَّامي (The developing world)، تلطُّفاً من استخدام مصطلح العالم الثَّالث، على الرَّغم مما نعلم أنَّ البدائي (Primitive) هو أصل الأشياء، ومن لا أصول له فليبحث عنها، وإن لم يستطع فليكن عن بعضٍ منها.  إنَّ هذا العلم - الأنثروبولوجي - يمنحنا مفاتيح معرفيَّة شديدة التأثير والأهميَّة إذا اُستخدم استخداماً إيجابيَّاً.  هذه هي ملامح من القهر الثقافي والاستعلاء العرقي، والظروف التي نشأت فيها النعرات العنصريَّة ضد أهل السُّودان - العبدان منهم والأحرار - حتى الذين أُوتوا بسطة في العلم، فلم تكف ألسنتهم الحداد، ولم يجف مداد أقلامهم حين يعتزمون تحقير الأغيار.  فقد كتب الدكتور الراحل عبدالله الطيب أثناء حوادث توريت في جنوب السُّودان العام 1955م في الصحف داعياً إلى الثأر لأبناء العرب ضد الزنج، وأشفع ذلك بقصيدة مشهورة ضمَّها من بعد في ديوانه الأول، ومطلعها:
ألا هل درى قبر الزبير بأنَّنا    نُذبَّح وسط الزنج ذبح البهائم
والجدير بالذكر أنَّ الإشارة إلى الزبير باشا رحمة - تاجر الرقيق إبَّان العهد التركي-المصري في السُّودان (1821-1885م) - واضحة الدلالة، إثبات حقيقة أن الزبير قهر أهل الجنوب واسترقَّهم، والإشارة إلى الزنج واضحة الدلالة - كذلك - من حيث "المنابزة بالألقاب" و"الشتيمة" و"شئ من الجاهليَّة".(71)  ففي القرون الوسطى بدأت لفظة العبد تعني الأسود المستعبد، أما المملوك فكان يعني المسترق ذا لون أبيض.  فإنَّهم يعيبون سواد بشرتنا ولا عيب فينا، وإن كان لهم رأياً فيما خلقه الذي يبدئ ويعيد فعليهم توجيه اللَّوم لله البارئ، إذ لله في خلقه شؤون، فتبارك الله أحسن الخالقين.  إنَّ هذا التطرف العرقي لدرجة محاولة محو الآخر من الوجود لهو أساس البلاء في السُّودان. بيد أنَّ الحقائق ماثلة أمامهم.  وفي الحق "أنَّ اختلاط العرب وتزاوجهم مع نساء نوبيات، وتمثلهم للنَّسب العربي لا يجعل منهم عرباً خلصاً من ناحية عنصرية أو عرقية كما يتوهم بعضهم.  بل إنَّ الأصول القديمة التي تزاوج فيها العرب مازالت تبدو واضحة في اللون وتقاطيع الوجه، وفيما ورثوه من عادات وتقاليد وألفاظ ولعل من أبرزها نوع المسكن، وإعداد الأكل، وآلات الزراعة واسماؤها والشلوخ وطريقة تصفيف شعر المرأة وغيرها من المظاهر الثقافية".(72)  وقد حاول البروفسير يوسف فضل حسن إيجاد العذر لهؤلاء المتطرِّفين بقوله "يبدو أنَّ قلة من السُّودانيين قد أخطأوا عن جهل حينما تطرَّفوا فى المبالغة بانتسابهم للعرب دون سواهم ولعل في هذا التطرُّف من جهة، والتمسك بالحضارة الإسلاميَّة العربيَّة من جهة أخرى، محاولة لإيجاد سند حضاري يتكئون عليه بعد أن هزم الاستعمار الإنجليزي ثورتهم المهديَّة، واغتصب بلادهم، وكاد أن يحتويهم بحضارته الأوربية."(73)  ومهما يكن من أمر مأزق الماضي، فعليهم نبذ الغلواء والتعاضد على كلمة سواء.  فلماذا، إذاً، نهرول بعيداً عن تأريخنا المعاصر ونتنكر عن جذورنا الضاربة في عمق التقاليد الأفريقية والواقع الذي لا فكاك منه.  فقد بلغ اهتمام الغرب بمسألة الحقوق المدنيَّة للأغيار ومناهضة العنصريَّة مبلغاً جعل العلماء يخترعون جهازاً لمعرفة ما إذا كان الشخص عنصري أم لا.  ومن بعد تجارب بحثيَّة عديدة، توصَّل العلماء في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة إلى نتيجة مفادها أنَّ العنصرية الكامنة في الإنسان يجهد الدماغ مما يجعله يعطي فرق جهد ضعيف حين يتعرَّض لاختبار الموارد العقليَّة.  وباستخدام نظرية علم النَّفس الاجتماعي (Social psychological theory) يمكن إيجاد البلسم لأدواء العنصريَّة وهن كُثر.  فماذا نحن فاعلون في سودان اليوم والمستقل دعنا من سودان الأمس؟
هوامش وإحالات
(47) محمد حسنين هيكل، خريف الغضب: قصة بداية ونهاية عصر أنور السَّادات، القاهرة، 1988م.  أنشأ الشيخ "حسن البنا" جناحاً سرياً من الأخوان المسلمين أطلق عليه اسم "النظام الخاص"، وتم تدريبه وتسليحه، وقد قام أفراد هذا النظام بهجمات أرهابيَّة على بعض المواقع التي تصورها رموزاً للانحراف، كدور السينما والمحلات الأجنبيَّة والنوادي الليليَّة وما شابهها.  ففي آذار (مارس) 1948م قتل أفراد هذ النظام المستشار "أحمد الخازندار" لأنَّه أصدر أحكاماً بالسجن على الذين ثبت عليهم القيام بهذه الأعمال. وحين قرَّر "محمود فهمي النقراشي" باشا - رئيس الوزراء - حل الجماعة في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1948م لأنَّها باتت تشكل خطراً أمنياً في مصر، قامت الجماعة باغتياله، وقام رئيس الوزراء الجديد - "إبراهيم عبدالهادي" باشا بالتعاون مع القصر بتصفية "حسن البنا" في 12 شباط (فبراير) 1949م.
(48) حسن مكي محمد أحمد، حركة الأخوان المسلمين في السُّودان، الخرطوم، أكتوبر 1982م. لا نظن أنَّ النشاط "الأخواني" لعبدالرحمن محمد الحسن سوار الدهب قد تساقط فعلاً كما زعم الكاتب، وذلك لسببين: أولهما، الدور الذي قام به سوار الدهب بعد الانتفاضة "الأبريليَّة" في حماية الأخوان المسلمين والمؤسسات الأخوانيَّة من طائلة القانون، حتى كُوفئ برئاسة منظمة الدَّعوة الإسلاميَّة؛ وثانيهما، أنَّ القديم يمكن تعميده ليمسي جديداً إذا دعت الضرورة (If necessary, even the old can be rebaptised as the new.)
(49) محمد أحمد محجوب، الديمقراطيَّة في الميزان: تأملات في السياسات العربيَّة والأفريقيَّة، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1989م.
(50) مثَّل محمد صالح عمر الإسلامويين في حكومة سر الختم الخليفة الأولى (حكومة جبهة الهيئات) العام 1964م كوزير للثروة الحيوانيَّة - أقل الوزارات أهمية، حيث أصبحت تُمنح للجنوبيين والنُّوبة لاحقاً لإسكاتهم سياسيَّاً.  وفي حكومة سر الختم الخليفة الثانية - أي بعد أحداث 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964م - اُستبعِد محمد صالح عمر من الوزارة نسبة للمشاكل، التي سببتها له ولحركته وللحكومة قضية التَّطهير التي رفعها الآخرون شعاراً، وطبَّقها هو ميداناً.  ومثَّل الأخوان في هذه الحكومة الرشيد الطَّاهر بكر، الذي أصبح الرجل الثَّاني في التنظيم.
Khalid, M, The Government They Deserve: The Role of the Elite in Sudan’s Political Evolution, London, 1990.
(51) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 7/9/1988م؛ مجلة "الدَّراويش"، 9/1/2002م.
(52) ظهرت بعض المقاومة النقابيَّة ضد النِّظام في مراحله الأولى في الخرطوم ألاَّ أنها كانت غير منتظمة، مثل إضراب الأطباء واعتقال نقيبهم الدكتور مأمون حسين والحكم بالإعدام عليه، ولكن تحت ضغوط المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان الدولية لم يستطع النظام تنفيذ عقوبة الإعدام عليه.  كما ظهرت عدة محاولات انقلابيَّة فاشلة أدَّت إلى إعدام مدبِّريها.
(53) بيتر وودورد (ترجمة مبارك علي عثمان)، الإطار الدَّستوري للسَّلام والاستقرار، في كتاب د. حرير شريف ود. تيرجي تفيدت، السُّودان: الانهيار أو النَّهضة، مركز الدراسات السُّودانيَّة، القاهرة، 1997م.
(54) الدكتور عبدالله بولا، شجرة نسب الغول في مشكل الهويَّة الثقافيَّة وحقوق الإنسان في السُّودان، مجلة "مسارات جديدة"، العدد الأول، أغسطس 1998م. في صحيفة "الرأي العام"، 30/7/2003م، العدد 2109، يقول علي إسماعيل العتباني إنَّ نفس السؤال - أي من أين أتوا؟ - قد طُرِح على أصل مؤسسي السلطنة الزرقاء (الفونج) العام 1504م، والآباء الأوائل لمملكة تقلي (جيلي أبوجريدة) في القرن السَّابع عشر الميلادي، وكذلك مؤسس مملكة الفور - السلطان سليمان صولونج - العام 1630م.
(55) الدكتور منصور خالد، جنوب السُّودان في المخيلة العربيَّة: الصورة الزَّائفة والقمع التأريخي، لندن، 2000م.
(56) صحيفة "أخبار اليوم الأسبوعي"، السبت، 26/7/1977م، العدد984.
(57) صحيفة "الخرطوم"، الأثنين، 7/8/1995م، العدد 955.
(58) صحيفة "القدس العربي"، الأثنين، 31/3/1997م، العدد 2455.
(59) صحيفة "عكاظ"، الجمعة، 8/8/1997م، العدد 11314.
(60) صحيفة "عكاظ"، الأحد، 31/1997م، العدد 11337.
(61) صحيفة "عكاظ"، الجمعة، 8/8/1997م، العدد 11314.
(62) صحيفة "الحياة"، السبت، 17/8/1996م، العدد 12227.
(63) صحيفة "أخبار اليوم الأسبوعي"، السبت، 26/7/1997م، العدد984.
(64) صحيفة "الشرق الأوسط"، السبت، 25/12/1993م.
(65) صحيفة "الشرق الأوسط"، الجمعة، 31/12/1993م، العدد 5512.
(66) Oliver, R and Fage, J D, A Short History of Africa, Harmondsworth, 1962; Shinnie, P L, Meroe: A Civilisation of the Sudan, Thames & Hudson, 1967; Hallet, R, Africa to 1875: A Modern History, The University of Michigan Press, 1970; Drower, M, Nubia: A Drowning Land, London, 1970; Murray, M A, The Splendour that was Egypt, London, 1973; Davidson, B, Africa in History, London, 1974; Keating, R, Nubian Rescue, London, 1975; Vantini, G, Christianity in the Sudan, Bologna, 1981; Kendall, F P, Kush: Lost Kingdom of the Nile, Massachusetts, 1982; Kendall, T, Kingdom of Kush, The National Geographic Magazine, Vol 178, No 5, November 1990; Manley, B, The Penguin Historical Atlas of Ancient Egypt, London, 1996; Wesley, D A, The kingdom of Kush: The Napatan and Meroitic Empires, Markus Wiener Publisher, Princeton, 1998.
الدكتور شوقي الجمل، تأريخ سودان وادي النيل: حضاراته وعلاقاته بمصر من أقدم العصور للوقت الحاضر، الجزء الأول، معهد الدراسات الأفريقيَّة بجامعة القاهرة، 1969م.
(67) مجلة "إقرأ" 10/2/1994م-العدد 951.
(68) Segal, R, Islam’s Black Slaves: A History of Africa’s other Black Diaspora, London, 2001.
أنظر كذلك الدكتور منصور خالد، السُّودان: أهوال الحرب وطموحات السَّلام (قصة بلدين)، لندن، 2003م.
(69) الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد النَّاصري، كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب العربي الأقصى، الجزء الثاني، الدار البيضاء، 1997م، الصفحات (131-134).
(70) Segal, R, Islam’s Black Slaves: A History of Africa’s other Black Diaspora, London, 2001.
الدكتور بشير كوكو حميدة، ملامح من تأريخ السُّودان في عهد الخديوي إسماعيل، دار جامعة الخرطوم للنشر، 1983م.
(71) الدكتور أحمد محمد البدوي، القهر الثَّقافي والاستعلاء، مانشستر، 1995م.
(72) البرفسير يوسف فضل حسن، دراسات فى تأريخ السُّودان، الجزء الأول، دار التأليف والترجمة والنشر، جامعة الخرطوم، 1975م.
(73) نفس المصدر السَّابق.


د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ديناميكيَّة الحياة السِّياسيَّة في منطقة تقلي، كما هي الحال في جبال النُّوبة، أثبتت عدائها للمركزيَّة وتأسيس الدَّولة. حاملين الثَّقافة السِّياسيَّة المنتشرة في وادي النِّيل السُّوداني، دافع جباليُّو تقلي عن حكمهم الذَّاتي ضد الولاء السِّياسي؛ كما لم تستطع أيَّة قوة خارجيَّة أن تبرم حلفاً محليَّاً مع أي من حكام تقلي.(2)

تقديم
تأريخ السُّودان، الذي تغتال فيه الحقيقة اغتيالاً، كُتب مبتوراً من كل المعالم والسِّمات الأساسيَّة التي صنعت حوادث هذا البلد، وصاغت مصائر أهله في الأمصار والسبلان. ولو دُوِّنت الحوادث التَّاريخية حسبما وقعت، ونظر الرُّواة التَّاريخيُّون إلى المصادر الموثوقة، ببصائرهم لا بقلوبهم، لذُهِل النَّاس لفرط ما رأوه من همم كانت مصروفة، وفنون مبذولة، وتقنيات شتَّى كانت معمولة بها في حكم دويلاتهم، وتسيير شؤونهم وأمورهم. ونحن إذ ندوِّن وقائع تجاربهم حتَّي نشيد بها، وندعوا إلى اعتناقها إن كانت ناجحة؛ ونحذِّر منها وننذر إن كانت إخفاقاً. ومن هذه الدُّويلات والممالك نذكر مملكة تقلي.
تطلق تسمية جبال تقلى، والتي تبلغ ارتفاعها 5,000 قدم فوق سطح البَّحر، على مساحة قدرها 40 ميلاً مربَّعاً. وتضم في محورها التلال التي تشمل، فيما تشمل، قرى كراية، والهوي، وتاسي وجولية. وتمتد هذه السلاسل الجبليَّة شرقاً لتندمج مع الهضاب الشماليَّة-الشرقيَّة التي تعلو 3,000 قدم فوق سطح البَّحر، وتنتهي في الجِّبال الصَّخريَّة المعروفة بجبال أم طلحة، 35 ميلاً صوب الشَّرق.
أصل سكان تقلي
تتعدَّد الرِّوايات عن أصل سكان المنطقة، وقد أوردت جانيت جي إيوالد رواية هي - في واقع الأمر -  أقرب إلى الأسطورة منها إلى الحقيقة. ذكرت جانيت أن أقوام من الفونج المسلمين يدعون (كونياب) سكنوا أبودوم التي تبعد مسافة 10 أميال من جبل تقلي. وفي يوم من الأيام، وبينما كانوا يمارسون حرفة الصَّيد، جرحوا تيتلاً وطاردوه حتى عثروا على مساكن (لابوجاب) في قلب تقلي، وهم قوم عراة وغير مسلمين. وقد أُعجب (لابوجاب) بملابس (كونياب)، وطلب زعيم الأول من مجموعة الصيَّادين (المونياب) أن يستقروا في تقلي ليعلِّموهم زراعة القطن ونسج الملبوسات. وقد قبل (الكونياب) الدَّعوة على الرَّغم من أنَّهم ظلُّوا في اتِّصال مستمر مع ذويهم في أبودوم؛ كما أنَّهم لم يتدخَّلوا في معتقدات (لابوجاب) الدِّينيَّة مثل تقديم الفتيات قرباناً لحيَّة في بئر لضمان الهطول المبكِّر للأمطار.  وهناك قول أنَّهم ينتمون إلى قبيلة السقارنج: الرجل منها سقراناوي والمرأة سقرناويَّة، وإلى هذه القبيلة تنتمي خيرة - والدة إسماعيل صاحب الرَّبابة من الشَّيخ مكي الدَّقلاشي الذي تكلَّم في المهد.(3)
من جانب آخر، تقول القصص الشَّعبيَّة إنَّه زهاء 400 عام مضى حطَّ فقير متجوِّل من الجعليين الموجودين على النِّيل قرب مصب نهر عطبرة، واستقر في هذه التِّلال، وبدأ في مزاولة النَّشاط الدِّيني الذي سرعان ما انقلب سياسيَّاً. وبهذه الطَّريقة، وبأسباب أخرى سنوردها في هذا البَّحث، أوغل نفسه في بلاط الحكم وأمسى يمارس السِّيادة والرَّيادة في هذه المملكة العريقة التي اشتهرت في القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر في وسط السُّودان. وقد ذكر المؤرِّخون أنَّ تسعة عشر حفيداً تعاقبوا على حكم المملكة دونما انقطاع: من ابن هذا الشَّيخ الجَّعلي، جيلي أبو جريدة، حتَّى المك آدم النِّيل جيلي. وقد انتشر الإسلام في المنطقة بفضل هذا الفقير، حيث تجد في كل قرية مسيد(4) الذي تمَّ تأسيسه بواسطة المسلمين الأوائل ومازال قائماً حتَّى يومنا هذا. توجد بالمنطقة أغلب الطُّرق الصُّوفيَّة، لكن معظمهم من تابعي الشَّريف يوسف الهندي. هذه المملكة، التي امتدَّت من خور أبوحبل شمالاً حتَّى تلودي جنوباً، كانت ذات شأوٍ وشأنٍ عظيمين: وقد اعترفت بها قبائل العرب التي كانت تدخل المنطقة في كل فينة وأخرى. ولا غرو في أنَّها تحدَّت، بنجاح منقطع النَّظير، الحكومة التُّركيَّة-المصريَّة لسنين عدداً.
بتشجيع الهجرة والاستيطان في تقلي في خلال السَّنوات الأولى من الحكم، استطاع هؤلاء الحكَّام الوافدون أن يغيِّروا ديانة أهل المنطقة، وأسلوب حياتهم ولاسيَّما أنَّهم قد أدخلوا ارتداء العمامة وقولة "اللَّه يطوِّل عمرك". وبذا تحوَّل جزء من النُّوبة الذين كانوا يؤمنون بالآلهة المحليَّة، في هذه المنطقة، إلى مسلمين، وتركوا ما كان آباؤهم يعبدون من كريم المعتقدات الأفريقيَّة. ونتيجة المصاهرة والتَّزاوج مع سكان المنطقة الأوائل ظهر خليط من المجموعة التي تقطن المنطقة. أمَّا سكان الكيجاكجة، جنوب-غرب تقلي، فيمثِّلون العنصر الصَّافي من سكان المنطقة الأصليين. كحال كل القبائل العربيَّة في السُّودان، تدَّعي العائلة المالكة أنَّهم ينتمون إلى الجعليين - نسبة لإبراهيم جعل. توجد، كذلك، بالمنطقة أحفاد الفونج، وأجناس من دارفور في غرب السُّودان، والعرب الذين يشملون: البديريَّة والجوامعة وكل فروع الكواهلة وكنانة.
وكأي نظام ملكي، فإنَّ نظام الحكم في هذه المملكة كان وراثيَّاً؛ وللمك مطلق الحريَّة في تصريف أمور البلاد والعباد، يعاونه في ذلك شخصين من أقربائه والذي يُسمح لأحدهما، وهو الجُّندي، بمقابلة المك في أية ساعة من ساعات النَّهار أواللَّيل. وكل من عزم أن يقابل المك عليه أن يقابل الجُّندي أولاً، وهو كذلك المسؤول عن المكوكيَّة في جنوب المملكة: جزيتهم وهداياهم تُسلَّم للمك بواسطته.  أمَّا المعاون الثَّاني فيسمَّى سكراوي، ولا يتمتَّع بقدرٍ كبيرٍ من الصَّلاحيات كتلك الممنوحة للجُّندي، لكنَّه هو المسؤول عن الجزء الشِّمالي والشَّرقي من المملكة. في بعض الأحيان يتم تعيين الوزير؛ وشاغل هذا المنصب يكون دائماً من مقرَّبي المك.  كما أنَّ مهمة اختيار مك جديد، إذا كان هناك أكثر من مرشَّح واحد، تقع على عاتق الجُّندي.
بعد مرور ما يقارب أربعة قرون، أصبحت العائلة المالكة أرستقراطيَّاً لا يستطيع أحد أن يتطاول عليها، ولم يخل نظام الحكم من القسوة المفرطة. وقد قيل إنَّ زبانية المك ناصر كانوا يلقون بالمعارضين السِّياسيين في دوكة حجريَّة تحتوي على زيت ساخن بعد ما تصل درجة الغليان وذلك بعد منتصف النَّهار، أي في وقت الهجيرة. ونتيجة لهذا الرُّعب، هرب كثيرون من رعايا المك إلى خارج المملكة، وقد سكن أفراد منهم في مدينة الدَّلنج في ريفي شمال الجِّبال.
تقلي قبل ظهور المكوك
قبل أربعة قرون، كان يتكوَّن سكان الجبال الشماليَّة-الشرقيَّة من عنصر عرقي واحد؛ وكانوا يتمركزون في ثلاث مناطق: تيرمي في أم طلحة، وجبال الكيجاكجة، وتقلي نفسها. كان القوم  يعبدون الآلهة الطَّبيعية وهم لها عاكفون، ويعيشون حياة بدائيَّة بسيطة تحت السيطرة الوراثيَّة للمشايخ في دارهم التي تقع في تقلارو - بالقرب من قرية الهوي - وكانوا يُعرفون باسم الهمج، هكذا تقول الأساطير القديمة. وبما أنَّ دماء السكان الأوائل قد ذابت واختلطت مع العناصر التي وفدت إلى هذه المنطقة من كل فج عميق، إلاَّ أنَّها مازالت باقيَّة لدي مواطني جبال الكيجاكجة، الذين احتفظوا بنقاء حسبهم ونسبهم.
على الرَّغم من دخول الكيجاكجة إلى الإسلام أفواجاً خلال ثلاثمائة عام مضى، إلاَّ أنَّهم مازالوا يتمسَّكون ببعض عاداتهم وتقاليدهم القديمة، وطريقة حياتهم اليوميَّة لم تتغيَّر كثيراً.(5) كما تجدهم يمارسون حرفة زراعة الذُّرة على سطوح الجِّبال باستخدام الحشَّاشة الخشبيَّة؛ ويقومون بتربية الماشية؛ ونادراً ما كان يغامر القوم بالابتعاد عن جبالهم. قليلاً منهم كانوا يتحدَّثون اللُّغة العربيَّة، حيث أنَّ في تقلي قلَّما تجد اللُّغة المحليَّة في الاستعمال وربما أصبحت نسياً منسيَّاً. أمَّا عُمدتهم أو الجُّندي فينحدر من جنادي تقلي القديم الذي كان من الملازمين الوارثين للشيوخ الحاكمين، واستمر المنصب حتَّى خلال فترة حكم المكوك "الجعليين".
إنَّ إقامة أهالي تقلارو في هذه الجبال الصخريَّة، والحصون المنيعة تعكس الصِّفة الحربيَّة التي كان يتميَّز بها القوم. وكان تسليحهم يشتمل على الحراب والسكاكين والحجارة.  إذ يبدو أنَّ المملكة لم تتخوَّف من أعدائها في الشمال القصي أو الغرب البعيد، لكن أعدائها الفعليين كانوا قاطني المجتمعات المجاورة. مهما بُذِل من الاجتهاد، فمن الصَّعب جداً تعقُّب جذور سكان المنطقة الأولين. لكن هناك كثيراً من أوجه التَّشابه بين الكيجاكجة والكواليب، مما يدعم هذه الشبه التَّكهن بوجود سلالة مشتركة. لكن الكيجاكجة اعتنقوا الإسلام، وفضَّل الكواليب البقاء على معتقداتهم الأفريقيَّة، وقد تنصَّر جزء منهم عندما دخل التَّبشير المسيحي إلى المنطقة إبَّان الحكم البريطاني-المصري في السُّودان (1898-1956م). بإجراء البحوث المكثَّفة على سكان تُكم، وترجوك، وتقوي - الذين جعلوا الإسلام ديناً لهم - وكذلك النُّوبة في جنوب المنطقة قد يساعد في اكتشاف التَّباين بين الكيجاكجة والكواليب.
كل ماهو أكيد، ولا ريب فيه، أنَّه منذ القرن السَّادس عشر بعد الميلاد عاش في تقلي أناس كانوا يسبِّحون اللَّه عن طريق سنن الكون؛ ولهم ملامح نوباويَّة مميِّزة؛ ولم يتم التَّزاوج والتَّمازج بينهم وبين الأجانب. هذه المجموعة البشريَّة كوَّنت النَّواة لمملكة تقلي التي نحن بصدد الحديث عنها. مما سبق يتَّضح أنَّه قبل أن تنتقل مقاليد السُّلطة إلى الحكام الوافدين، كانت بالمنطقة أنظمة حكم سياسيَّة واجتماعيَّة؛ وكل مافعلته السُّلطة الاستيطانيَّة هو تطوير النِّظام السَّائد حينذاك وإضافة شيئ من الارستقراطيَّة كثير، والاستبداد والتَّنكُّر على بعض العادات والتقاليد الموروثة، وإدخال الإسلام كعقيدة في المنطقة.
ميلاد العائلة المالكة والمكوك الأوائل
تقول الروايات القديمة أن شخصاً يدعى محمد الجَّعلي حضر من الشمال العام 1530م، وطاب به المقام ونال احترام أهل المنطقة الكرام وتدريجيَّاً طفق في تأسيس العائلة المالكة.(6)  بيد أنَّ المعلومات عن خلفيَّة الرَّجل تكاد تكون شحيحة لدرجة العدم.  فربما كان ذلك الجَّعلي من الذين انتشروا في الأرض ينشرون الإسلام بعد تأسيس سلطنة الفونج في سنار العام 1504م؛ وربما كان من المنبوذين اجتماعيَّاً في موطنه النِّيلي، أو من الهاربين من العدالة، أو ربما كان من الرحالة الهواة الذين يضربون في الأرض يبتغون فضلاً من الله ومرضاته. لم يكن هذا الشيخ الوافد حاملاً بين جنبيه آمالاً عراضاً وطموحات تفوق واقعه بكثير. كل ما يُعرف عن محمد الجَّعلي هذا هو أنَّه كان فقيراً بائساً وعلى قدرٍ كبيرٍ من التَّزهُّد. وقد وصل الجَّعلي ورفيق دربٍ له يدعى أبوحايمة (قد يكون هذا كنيته نسبة للحوم والتَّرحال)، بعد التيه في الأمصار، إلى تقلارو - التي كانت تحوي قرى الهوي وكراية. ومن هنا عثر عليهما الجَّبليُّون التَّقلاويُّون وقادوهم إلى كابر-كابر، مك المنطقة. وعندما مثَّلا أمام المك، شرعوا في تقديم مبادرات الصَّداقة. أمَّا المك، الذي أُعجب بمظهرهم النُّسكي، رحَّب بهم  وأكرم مثواهم في غاية الحفاوة. بعد أن عُوملا معاملة حسنة واطمأنَّت عليهما قلوب النَّاس، طفق الزَّاهدان يعلِّمان القوم أصول الإسلام، بدءاً بإقامة شعائر الصَّلاة والإبقاء على طقوسهم الدُّنيويَّة. ومنذ ذلك التَّأريخ أصبحت عقيدة الإسلام تدخل في نفوس النَّاس.
يدَّعي الجعليُّون في السُّودان أنَّهم ينتمون إلى إبراهيم جعل. وبما أنَّ شرف الانتماء إلى العروبة وتبنِّي الهُويَّة العروبيَّة ناجم من الشُّعور بالفخر والاعتزاز، رأت العائلة المالكة في تقلي، والنباطاب - العشيرة السائدة في البجة - بني عامر، وسلاطين الفور وملوك ودَّاي في تشاد أن يتقمَّصوا العنصر العربي، ويستجعلونه دماً سارياً في شرايينهم. إذن، من هو إبراهيم جعل هذا الذي يتشرَّف كل من ينتمي إليه، حقَّاً كان أم كذباً، ويحرث ثمار ذلك الادِّعاء في الحياة الدُّنيا؟ يقول هولت: "إنَّ دراسة سلالة إبراهيم جعل تشير إلى أنَّه حفيد العبَّاس، عم الرَّسول صلَّى اللَّه عليه وسلم".(7) وقد كتب ماكمايكل أنَّ تشبُّه سقارنج أو مكوك تقلي، أو سلاطين الفور، ومملكة ودَّاي بإبراهيم جعل يعود إلى التَّملُّق.(8)
مهما يكن من أصل الجعليين، فقد رأى محمد الجَّعلي النَّاس يدخلون في دين اللَّه أفواجاً، أو هكذا شُبِّه له، حتَّى أصبح له موطأ قدم في المنطقة. ولم يمض وقت طويل حتَّى بات واحداً من الذين يُشار إليهم بالبنان في المملكة. ومن ثم وهبه كابر-كابر ابنته ليتزوَّجها؛ وانجبت له ابناً سمَّوه أبوجريدة - نسبة لأنَّ عظام ذراعه كانت ملتحمة سويَّاً بدلاً من أن تكون متفرِّقة. هكذا شبَّ الطِّفل وورث العقيدة من والده وآزره في نشر الدَّعوة الإسلاميَّة في المناطق المجاورة. وليس صحيحاً ادِّعاء بعض الباحثين أنَّ الإسلام والثقافة العربيَّة قد عرفا طريقهما إلى هذه المنطقة منذ فترة طويلة قبل قيام مملكة تقلي في القرن السَّادس عشر الميلادي.(9)
عندما توفى كابر-كابر، اجتمع كبار القوم واختاروا حفيده أبوجريدة، الذي كان في مقتبل عمره، ليحل محل كابر-كابر كمك لتقلي. وفي نفس الوقت أعادوا تسمية أبوجريدة  وأضافوا اسم "جيلي"؛ اقراراً لحقيقة أنَّه نتاج دم أجنبي، وليس منحدراً من الخط الوراثي للعرش. وقد حدَّثني محدثي، وهو من مواطني المنطقة، أنَّ أصل الكلمة يعود إلى تحريف عبارة الاستفهام العربي "جاء ليه؟" (لماذا أتى؟) لقد ورث جيلي أبوجريدة الحكم على أساس وراثي لجهة الأم، ولكن ما أن مات أبوجريدة إلاَّ وأن انتقلت الوراثة إلى جهة الأب: أي على النِّظام العربي، وهذا ما تمَّ لدي اختلاط العرب بالنوبيين في شمال السُّودان في القرن السَّابع الميلادي.
وهكذا، أي في العام 1560م تقريباً، تم تأسيس الأسرة الحاكمة في تقلي في شخص جيلي أبوجريدة. وبنسب متفاوتة في الشهرة، حكم أبناء أبوجريدة الوارثون وتمتَّعوا بصلاحيات واسعة. لقد اشتملت المملكة التي ورثها جيلي أبوجريدة على تلال تقلي والكيجاكجة التي كانت تقع تحت نفوذ جدِّه.
فما هي الانجازات التي تمت في عهد جيلي أبوجريدة؟ جيلي أبوجريدة، الذي كان يتمتَّع بشخصيَّة فريدة، أكمل نشر الإسلام الذي بدأ في عهد والده، وعمل على توسيع نفوذه بجلب مستوطنين إلى المملكة حتى ساهموا في بسط السُّلطة. شيَّد لنفسه مسجداً، ونقل عاصمته من قرية تقلارو، وبنى حوشه في الهوي، التي تبعد مسافة قدرها نصف ميل شمالاً. في داخل هذا الحوش توجد فولة قيل إنَّها حفرت في عهده. لقد حكم طويلاً وبعد موته دُفن في حوشه، الذي أصبح فيما بعد بمثابة المقبرة الملكيَّة.  خلف أبوجريدة ابنه صابو، الذي انتقل من الهوي إلى تعودم، التي تقع على بعد 30 ميلاً صوب الغرب. هناك استمر في نشر الإسلام وتوسيع مملكته؛ وقد نقل عصا السُّلطة إلى ابنيه جيلي عمارة وعمر أبوشهيرة، وحفيده جيلي عون اللَّه، الذين حكموا المملكة على التَّوالي. فلما أتته المنيَّة تم دفنه في حوش أبوجريدة في الهوي، الذي أصبح مقبرة أقاربهم ووزرائهم.
كان الإسلام هو العامل الأساس في تكوين وبقاء هذه المملكة: لأنَّ بحجة نشر الإسلام تم توسيع رقعة السُّلطنة، وباسم الإسلام تم دخول اللُّغة العربيَّة - لغة القرآن - وسيطرة التَّعريب على جميع أوجه نشاطات الحياة في المنطقة. وتحت دعاوي الإسلام تم فتح أبواب المملكة لرجال الدِّين والتجار والمغامرين من خارج الدويلة. عاصرت المملكة العصر الذَّهبي لدخول العرب السُّودان والتَّبشير الإسلامي. ولا غرو أنَّ ملوك الفونج تكفَّلوا برعاية رجالات الدِّين وأرسل بعضهم من سنَّار إلى جميع أصقاع السُّودان لنشر الدَّعوة؛ وهكذا وفد جزء منهم إلى تقلي.  وكان أعظم من حضر إلى تقلي بغرض التَّبشير والتِّجارة هما حسن ودحسونة وتاج الدِّين البهاري في القرن السَّابع عشر الميلادي. وقد جمع هؤلاء الدعاة الإسلاميُّون بين المكسب الرُّوحي من جهة والمادي من جهة أُخرى، وقليل منهم قلما أوعظتهم ضمائرهم من الجَّمع بين الأثنين.  وكان مك تقلي يخصِّص منطقة يقطنها السكان الذين هم على دين آبائهم لأحد المبشِّرين كحقل لممارسة نشاطه التَّبشيري والتِّجاري؛ وفي المقابل يدفع المبشِّر قدراً مقدوراً من أرباحه للمك. وكثيراً ما يختار بعض من هؤلاء المبشِّرين الإقامة الدَّائمة في المنطقة، وعليهم، إذن، الإعتراف بسلطة السُّلطان ودفع جزيَّة دوريَّة ثمناً لحمايتهم، ويمسوا معاهدين مستأمنين ما أوفوا بالعهد.  بهذه الكيفيَّة استطاع مكوك تقلي نشر الدَّعوة المحمديَّة، وتوسيع نطاق سلطتهم، واخضاع أكثر من جبل إليهم. كما تزوج المستوطنون من السكان المحليين، وانجبوا خليطاً وهجيناً من العائلات والأفراد. لم يكن جميع هجرات العرب إلى تقلي من أجل تلاوة الصُّحف المطهرة وإقامة الصَّلاة، بل كان أغلبهم قد قصدوا المنطقة مبتغين تجارة العاج والرقيق؛ وكان بعضهم من الهاربين من العدالة في سلطنة سنار. وقد ساهم كلهم، بتمازجهم العرقي هذا، علي تعزيز سلطة المكوك حتَّى أصبحت نفوذهم في منتصف القرن السَّابع عشر هي الوحيدة السَّائدة في الجِّبال الشمالية-الشرقية. كان يقوم ملوك سنار بتعيين المهاجرين من الفونج مكوكاً على جبال رشاد، وتقوي وقدير. وأخيراً أصبحت قدير وتقوي أعظم مقاطعتين للفونج وقتئذٍ.
عند وفاة جيلي عون اللَّه، أصبح ابنه جيلي أبوقرون خليفته؛ وقد حكم أبوقرون في الفترة ما بين 1640- 1665م. ونسبة لمركز سلطنة تقلي الإستراتيجي - بحكم موقعها الجغرافي بين سلطنتي سنار والفور - حاول سلطان سنار أن يكسب ود مملكة تقلي ليعمل الأثنان معاً على الحد من نفوذ الفور.(10) فتزوج أبوقرون الأميرة عجائب أم شيلة، ابنة السلطان الرباط بن بادي عاهل الفونج، التي جاءت إلي تقلي وفي رفقتها حاشية كبيرة، واستقرت في حوش بلولة. ومن هؤلاء السَّدنة نشأت طبقة الفونج في تقلي وبلولة.(11) على الرَّغم من العلاقات الطيَّبة التي ازدهرت بين الفونج وتقلي في عهد أبي قرون، إلاَّ أنَّ الملك بادي الثاني - المعروف ببادي أبودقن - قد شن حملة عسكرية ضد تقلي وأجبرهم على دفع جزية سنوية لأجلٍ غير مسمى. وبذلك نجد أن الأواصر الحميمة التي تُوِّجت بالمصاهرة  قد أمست هباءاً منثوراً عندما أصبحت العلاقات السِّياسية في خطر محدق. إن التَّنافس بين سلطنتي الفور والفونج علي تقلي قد أدَّى إلى تفاقم الوضع وإضرام نار الفتنة. لم يستطع مؤرخو السُّودان تحديد عام العدوان وعدد القتلى والجرحى والأسرى وحجم الغنائم لدي الطرفين، وذلك لعدم وجود سجلاَّت تأريخيَّة.
على أي حال، يعزى سبب نشوب الحرب إلى أنَّ عصبة من جماعة المك أبي قرون قد أساءت معاملة أحد أصدقاء الملك أبودقن الخلصاء، حيث اُعترض سبيله ونُهبت بضاعته؛ ولم يتوقَّف أبوقرون عند هذا الحد، بل تأبَّط شرَّاً وتحدَّى الملك بادي شخصياً. من المعروف أنَّ مكوك تقلي كانوا يفرضون ضريبة العبور على كل من يعبر مملكتهم، إلاَّ أنَّه من غير المؤكَّد أنَّ صديق بادي هذا قد دفع الرسوم أم أنَّه طغى وتجبَّر؟ ومما يُحكَى عن التحام الجَّيشين أنَّ "القتال كان يستعر بينهما نهاراً، وفي المساء يخلد كل فريق إلى هدنة ريثما يقبل الصَّباح. غير أنَّ مك تقلي كان يرسل موائد العشاء حافلة إلى الجيش الغازي كل ليلة، لأنَّهم ضيوفه، ماداموا مقيمين داخل أرضه، وإن أبدوا العداوة والبغضاء. ولما علم سلطان الفونج بحقيقة الأمر، انسحب من ميدان القتال، منهياً الحرب من جانب واحد، أسفاً على ما كان، وخجلاً من مقاتلة قوم، على هذا الحظ العظيم من النبل، يصدون العدو الغازي في النَّهار، ويكرمون وفادته في الليل، مثل الصندل الذي يعطر الفأس، كلما أمعنت في تمزيقه وتهشيمه".(12)
كان للمك جيلي أبوقرون ابنين من الأميرة عجائب. ذينك الإبنان قد تعاقبا على حكم  المملكة. إنَّ الأميرة نفسها قد أمدَّ اللَّه في عمرها ولعبت دوراً هاماً في أحداث القرن الثَّامن عشر كما سنرى في مكان ما من هذا البَّحث. بهذه الهزيمة أمست تقلي مقاطعة تابعة لمملكة الفونج، ولكن سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها، ورجعت العلاقات الطيَّبة القديمة؛ وأصبحت تقلي ترسل محملاً مستقلاً للحجاز كدليل على استقلاليتها.
انتقل جيلي أبوقرون إلى  جوار ربِّه ودفن جثمانه في كراية. ثمَّ خلفه ابنه الكبير محمد الذي أطال اللَّه عمره في الحكم، وقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب؛ وإنَّ وجود أجيال كثيرة ينتمون إليه حاليَّاً دليل على كثرة أبنائه عصرذاك. أعظم مافعله المك محمد هو أنَّه شيَّد العاصمة الملكيَّة في تاسي؛ وعند وفاته أصبح شقيقه عمر أبوزنتر مكاً. ومما يُحكَى عن أبي زنتر هذا أنَّه طاغية كان وقاسي القلب، وقد بات ممقوتاً من أغلب أفراد رعيته: حتى والدته كرهته، ولم يرضها حكمه التَّعسُّفي، وحبَّذت أن تنتقل السُّلطة إلى حفيدها إسماعيل، ابن المك محمد، الذي كان يافعاً يومئذٍ.  ولكي تتخلَّص الوالدة من ابنها الفاشستي، المك أبوزنتر، مكرت مكراً كُبَّاراً. أعدت الوالدة، هكذا تقول الرواية، طعاماً لأبي زنتر، وأخفت في داخله سكيناً حادة، وما أن وجد المك أبوزنتر هذا الخنجر حتى صاح صيحة ملكية وجلت منها النُّفوس وبلغت القلوب الحناجر. وتحت تأثير هذا الغضب المروع المفزع، أعدم ثلاثين من خدمه. هذه المذبحة أشعلت شرارة الثَّورة التي كانت تغلي ببطء منذ زمن بعيد، ولاسيَّما أنَّ التقلاويين كانوا يدركون كيف ولج الخنجر في الطَّعام. طُرِد عمر وسدنته، وأُعلِن إسماعيل مكاً على تقلي.  على أيٍ، لا توجد معلومات أخري تمكِّننا من التَّعرُّف على الظُّروف التي استطاع بها إسماعيل أن يكون محبوباً أكثر من عمه عمر، واستحقاقه مزيَّة الاصطفاء. لكن العذاب البئيس الذي كان يعانيه القوم من أبي زنتر، وعصارة ماتعرَّضوا له في حياتهم، وحصيلة تجربتهم قد أجبرهم على القبول بأي من أفراد الأسرة مكاً عليهم، مهما كانت قلة خبرته وصغر سنه. بعد معارك متقطِّعة فرَّ المك المخلوع، عمر أبوزنتر، إلى سنار ليبحث عن الدَّعم العسكري لمواجهة أعدائه في تقلي. فعل هذا عملاً بوصيَّة والدته نفسها. وفي نفس الوقت بعثت الوالدة هي الأخرى برسالة سريَّة إلى ملك الفونج، الذي كان يمت إليها بصلة القرابة، طالبة منه عدم السَّماح لأبي زنتر بالعودة إلى تقلي، واذا استطاب له الأمر، عليه أن يقتله.
وصل أبوزنتر وأتباعه إلى سنار في وقتٍ كان يواجه فيه الملك بادي الأحمر، ملك الفونج، مشكلة أمنيَّة في جهة قصيَّة من مملكته. ظن الأحمر أن عمراً، بدلاً من أن يُقتَل في المدينة بدون مبررمقنع، قد يلقي حتفه اذا بُعِث به لتركيع هؤلاء القوم الخارجين عن السُّلطة المركزيَّة في سنار؛ ومن ثَمَّ أُسند إليه هذه المهمة. كان هذا هو شرط التَّمويل الحربي الذي قطعه الأحمر على أبي زنتر وقتما يرجع من المعركة منتصراً. أمَّا عمر، الذي حسب أنَّ فرص نجاحه ضئيلة، فقد قبل التَّحدي وهزم العصاة ولم يذر على الأرض من الخارجين دَيَّاراً. عاد عمر يطالب بوعده، فأمره الأحمر أن يعود إلى تقلي ومعه رسالة وعد بالمساعدة؛ وقد وصَّى الأحمر ربان المركب، الذين كانوا في رفقة المك المخلوع المخدوع، أن يغرقوا المركب في النِّيل الأبيض. وهكذا فعلوا، وغرق أبوزنتر ومجموعته، عدا شخصان نجيا من الموت ليحملان النَّبأ العظيم إلي تقلي، أو كما تقول الفرنجة (They survived to tell the tale).
أمَّا المك إسماعيل، الذي اعتلى العرش العام 1705م وهو ما يزال في مرحلة الطُّفولة - كما سبق الإشارة إلى ذلك - عاش حتَّى بلغ من العمر عتيَّاً.  فبالإضافة إلى عمره المديد وحكمه السَّديد، كان إسماعيل طيَّب القلب، نزيهاً كان ومتجرِّداً.  وأذكر في الكتاب إسماعيل إنَّه كان ملمَّاً بعلوم الشَّريعة. ففي العهد "الإسماعيلي" بلغت حدود المملكة تكم وترجوك غرباً، وأم طلحة شرقاً، وخور أبوحبل أو النِّيل الأبيض شمالاً. والجدير بالذكر أنَّ في تلك الفترة، كانت جبال الكيجاكجة تُحكم بواسطة أحفاد المك الزَّيبق أو توراي. إنَّ أحفاد الأخير كانوا ينتمون إلى الأسرة المالكة عن طريق نسبهم إلى المك صابو، ثاني ملوك تقلي. أمَّا رشاد وتقوي، على صعيدٍ آخر، فكانتا تحت سيطرة المهاجرين من الفونج بعد أن فوَّضهم أحد مكوك تقلي الأوائل على القيام بهذا الدَّور. لم تلبث رشاد وتقوي تحت نفوذ مكوك تقلي كثيراً، وسرعان ما نالتا قدراً من الحكم الذَّاتي، واكتفتا بإرسال هدايا رمزيَّة لكل مك تقلي لحظة اعتلائه على العرش، حيث تمثَّلت هذه الهدايا في جلد الكودو، وقطعتين من ثوب ناعم، وعشرة قطع من ثوب دمُّور؛ وكذلك الرقيق الذي اشتدَّت حملات القبض عليهم في عهد المك ناصر.
صوب جنوب-غرب المملكة، كان يقيم بعض قبائل النُّوبة الذين كانوا يخضعون لكريم المعتقدات الأفريقيَّة، ويتبعون بصورة غير مباشرة، أو بطريقة ما، إلى تقلي. هذه القبائل هي: الكواليب، اللَّيري، هيبان، وشواي؛ وربما كذلك عطورو. كل هذه المناطق، ما عدا عطورو، تقع بين تقلي وشيبون، حيث كانت توجد مناجم الذَّهب. ولمَّا كانت تقلي، التي كانت تسيطر على مناجم شيبون ومندي في القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر، ترسل حملات عسكريَّة لاستجلاب الذَّهب، كانت هذه الغارات تحكم قبضتها على القبائل التي تقع في خط سيرهم؛ وتفرض عليهم جزية معلومة غالباً ما كانت هذه الجِّزية في شكل الرقيق. ومن هنا نستنتج أن الذَّهب، كعامل اقتصادي حيوي، قد لعب دوراً فعالاً في الحياة السِّياسيَّة والاجتماعية والعسكريَّة في مملكة تقلي.  أمَّا مقاطعة قدير، جنوب المملكة، فقد توارث على حكمها أسباط المهاجرين من الفونج كما كان الحال في رشاد وتقوي. وبما أنَّ مكوكهم كانوا شبه مستقلِّين إلاَّ أنَّهم كانوا يدفعون جزية أو هدايا لمكوك تقلي، وتعيين مكوكهم مشروط بموافقة مكوك تقلي. والجدير بالذِّكر أنَّ النُّوبة في كاو، وفنجور، وورني، وكلوقي - الذين أخرجهم الكواهلة من ديارهم بغير حق - وتيرا، وتلودي؛ وربما شرق مورو قد اعترفوا بسيادة مكوك قدير وكذلك، بطريقة غير مباشرة، بتقلي. امتداداً لعادات وتقاليد الفونج، كان مكوك قدير، ورشاد، وتقوي  يرتدون التَّاج الملكي ذا القرنين. هذا التَّاج، الذي كان يقره مك تقلي وبموجب مرسوم ملكي، كان على درجات متفاوتة في الجُّودة والشَّكل: تخصَّص الدرجة الأولى  للمكوك المذكورين  سلفاً، أمَّا الدَّرجات الأخرى فكانت لاشخاص أقل رتبة، مثل مكوك الكيجاكجة والكدرو. هناك بعض التَّكهنات بأنَّ سكان الكدرو والدَّاير، غرب وشمال-غرب المملكة، كانوا يتبعون للمك إسماعيل "التَّقلاوي".  تلك هي حدود مملكة تقلي قبل الهجرات الجماعيَّة للعرب، التي بدأت في أواخر عهد المك إسماعيل واستمرَّت حتَّى منتصف القرن التَّاسع عشر الميلادي.
توفَّى المك إسماعيل العام 1773م بعد ما بلغ أرذل العمر، ودُفِن جوار قبر والده في تاسي. خلفه ابنه أبَّكر الذي عاصر عهد الهمج في سنَّار، ومن ثَمَّ استقلَّت تقلي من ربقة استعمار الفونج لها. نتيجة لهذا الاستقلال، نمت عظمة مملكة تقلي داخليَّاً وخارجيَّاً.  توفَّى المك أبَّكر العام 1814م ومازال أبناؤه عمر، وأحمد، وناصر صغاراً في السِّن؛ ولهذا حاول أخوه المريود الاستيلاء على السُّلطة. ونسبة لرداءة خلق المريود، الذي لم يأبه على الرَّغم من السخط الجماهيري الذي كان يتمتَّع به، امتنع الجُّندي والمستشارون أن يضعوا أمور المملكة والرَّعيَّة في يده. واُختير عمر ليخلف والده على أن يعمل عجلون - أخ المك أبَّكر - نائباً لأبن أخيه، المك عمر. وقد قيل عن عجلون هذا أنَّه كان رجلاً عال الاتزان، وبنى النِّظام على مستو رفيع من الرِّضا الشَّعبي، ورعى ابن أخيه حتَّى بلغ أشدَّه واستوى علي عرشه، وتزوَّج له، ثمَّ استقال. في عهد المك عمر أرسل محمد علي باشا - الوالي التركي في مصر - ابنه إسماعيل لغزو السُّودان العام 1820م، والقضاء على مملكة سنَّار. مات المك عمر في سنٍ مبكِّر العام 1827م، ولم يحتار عمه عجلون كثيراً في البَّحث عن الخليفة، بل تحرَّك سريعاً لتنصيب أحمد - شقيق المك عمر - مكاً حتَّى يفوِّت الفرصة على المريود الذي كان ينتظر في الأجنحة، وطالما عاش على أمل أن يكون مكاً على تقلي في يومٍ ما.
في عهد المك أحمد، الضعيف نسبياً، استطاع الأتراك للمرة الأولى والأخيرة التَّوغُّل في المملكة؛ حيث قاد خورشيد باشا - الذي أصبح حاكماً عاماً للسُّودان في الفترة ما بين 1826-1837م - حملة إلى تقلي.  وقد حُكِي أنَّ أحمد باشا زار تقلي العام 1840م. لكن تظل المعلومات شحيحة إلى درجة العدم عن النُّفوذ التُّركي-المصري في المملكة. وإذا فرضنا أنَّ اتفاقاً للسلام قد أُبرم بين الأتراك-المصريين والنُّوبة، إلاَّ أنَّنا لم نعثر على بنود هذا الصُّلح.  كان الشئ المتوقَّع أن يقبل الأتراك-المصريُّون على اتفاق أشبه باتِّفاقيَّة "البقط" المشؤومة التي عُقِدت بين النُّوبة بقيادة ملكهم، قاليدروت، والعرب تحت إمرة عبداللَّه بن أبي السَّرح العام 652م، وخاصة أنَّ الأتراك المصريين غزوا السُّودان من أجل المال والرِّجال.
في العام 1843م استطاع مريود، العم الشرِّير الذي لم يزل يختمر حقداً على أبناء أخيه المك أبَّكر، في الخفاء تجنيد أشرار تقلي لمساعدته في تنفيذ مؤامرة اغتصاب السُّلطة. وقد نجح في قتل أحد أقارب المك أحمد، والوزير المنصور، واغتال المك أحمد كذلك، واستولى على الحكم بقوة السِّلاح. حاول ناصر، الذي كان سئ السُّمعة هو الآخر، نزع السُّلطة من عمه مريود وفشل فشلاً ذريعاً. ذهب ناصر إلى الخرطوم يتوسَّل إلى الباشاوات والبكاوات الأتراك لمعاونته لاسترداد حقِّه المسلوب، على أن يدفع ناصر في المقابل، عند استعادة ملكه، جزية سنويَّة من الرقيق والعاج؛ ووعد بأن يكون القسط الأوَّل 12 ألفاً من العبيد، وتحت دعاوي الانخراط في الجنديَّة.  ابتهج الأتراك-المصريُّون، الذين لم يفلحوا أساساً في إخضاع تقلي، فضلاً عن أنَّ الطَّلب الذي هو في الحقيقة من ضمن أهداف احتلالهم للسُّودان، ومنحوا ناصراً قوة عسكريَّة استطاع بفضلها أن يعيد عرشه ويقتل مريود.  كتب اسكيراك لوشر يقول:"إنَّ مصطفى باشا، حاكم كردفان يومئذٍ، قبض على ناصر. وقد وعد الأخير باحتلال تقلي إذا وضعت تحت إمرته سريَّة من المشاة، ووقتما يستتب له الأمر، سيدفع جزية مقدارها 4 آلاف من العبيد. وحينما أفلح في استعادة الملك المغصوب وقتل أخيه، ذبح كل الضبَّاط الذين كانوا معه في الحملة، وأسكن الجنود السُّود في تقلي، ورفض دفع الجِّزية".  إنَّ ظاهرة التماس العون والمدد من الأجانب لحسم الصراعات السياسيَّة الدَّاخليَّة هي سمة من سمات تأريخ السُّودان؛ فاستعان ملوك النُّوبة في شمال السُّودان بحكام مصر المماليك في نزاعاتهم السلطويَّة حتَّى أدَّت هذه التدخُّلات إلى انهيار المملكة، كما استعان أمراء الميرفاب بمحمد علي باشا في مصر ضد أخوته في السلطنة في وادي النِّيل في شمال السُّودان.  لذلك لم نندهش حين ذهب ناصر للأتراك-المصريين في مدينة الخرطوم مستنجداً بهم.
ذروة المملكة... ناصر وآدم أم دبالو
كما أبنَّا سلفاً كيف أصبح ناصر بن المك أبَّكر عاهلاً لتقلي العام 1844م، إلاَّ أنَّ أسلوب البطش والتنكيل بالأعداء قد تضاعف في عهده. وفي خلال الأربعين عام، عقب توليه الحكم، شهدت المملكة توسُّعاً هائلاً - بواسطة الدِّماء والدَّمار - وبلغت أعلى أوجها.  فلم تهدأ الأحوال إلاَّ في عهد خليفة المك ناصر، وتبدَّد ذلك السَّلام بعد مجئ المهديَّة.  تميَّز ناصر بالقسوة المفرطة، وكان ذا بأسٍ شديدٍ، وفعَّال لما يريد. ومما يُحكَى عنه أنَّه كان ذات يومٍ يقضي بين النَّاس في ديوانه، ويضحك بصوتٍ صاخب. وإنَّه لفي هذه الحالة، وإذا طائر ذو حظِّ نحس يمر ويردِّد صوت ناصر. عندما رأى القوم مكَّهم وقد اشتاط غضباً، أوجس كل من حوله خيفةً؛ ومن ثَمَّ أمر ناصر بإحضار ذلك الطَّائر اللَّعين. وعلى الفور تفرَّق القوم جرياً وراء الطَّائر من جبلٍ إلى آخر، حتَّى تمَّ القبض عليه، وجئ به أمامه، وقام ناصر شخصيَّاً بسمل عيون الطائر، ثمَّ أطلق سراحه مرة أخرى.  وكذلك ما يُحكَى عن انتقامه قصَّة الصَّائغ الكردفاني.  إذ يُروى أنَّ صائغاً بالأبيض كان يقوم بعمله وعندما سئل عمَّ يفعل؟ ردَّ الصَّائغ بتهكُّم إنَّه يصنع خاتماً لأنف المك ناصر اللَّعين، وظنَّ أنَّ الأمر قد انتهى عند هذا الحد، ثُمَّ ذهب إلى أهله يتمطَّى.  بيد أنَّ ناصراً قد سمع بهذا الخبرعن طريق جواسيسه المنتشرين في أرجاء المعمورة، وعمل جاهداً على استدراج الصَّائغ إلى تقلي بحجة صناعة له فيها. وعند حضور الصَّائغ، أمره ناصر أن يغلي فضة؛ وعندما فرغ من ذلك، سأله الصَّائغ ماذا هو فاعلٌ بهذه الفضَّة المغليَّة؟ أجاب ناصر: إنَّها لصناعة خاتم لأنفك!  وعلى التو انقضَّ جلاَّديه قبضاً على الصَّائغ، وقام المك ناصر شخصيَّا بصب الفضة السَّائلة في أنفه حتَّى لقي مصرعه.
كان ناصر شجاعاً، صنديداً كان ثمَّ طاغية؛ وكان يعاقب الزناة بصورة وحشيَّة. وحينما نكث عن وعده، ورفض إرسال الرقيق إلى السُّلطات التُّركيَّة، أُرسِلت إليه حملة بواسطة عثمان بك، حيث مُنيت الحملة بهزيمة ساحقة، ولم تعاود الحكومة إيفاد قوة أخرى. كان المك ناصر ذكيَّاً ملمِّاً بفنون السِّياسة والحكم، وقد استخدم سياسة "فرِّق تسد" بمهارة بارعة في إدارة المملكة. ومن مكائده، أنَّه سمح لقبيلة الهبَّانيَّة بمهاجمة سنادرة: لكن الأخيرة، تحت قيادة شيخهم هارون، استطاعوا بعصيهم فقط هزيمة البقَّارة، الذين كانوا مسلَّحين بالحراب وعلى ظهور خيولهم أتوا. كان ناصر قلَّما يوجد في تاسي؛ حيث كان دائماً على رأس قوة غائرة على القبائل المجاورة: يضرب عليهم خراجاً يحملونه له كل عام، ويجمع الرَّقيق، ويسبُّ الماكرين. وحينما يكون في تاسي، يقضي جل نهاره جاثياً على صخرة فوق قمة جبل شالوكدوك: يلاحظ حركة العباد، ويراقب كل من لا يعمل في الحقل، أو الذي يحدق إلى نساء غيره شهوة؛ وعندما ينزل في المساء، يقضي بين النَّاس بحق أو بغير حق.  ولربما توهَّم واهمون بأنَّ مملكة تقلي كانت إسلاميَّة تحكم بما أنزل الله. وقد يندهش البعض كيف كان الرعيَّة عل الدَّوام يذكِّرون بعضهم بعضاً بأحد الجناة الذي أُتِّهم في قضيَّة القتل، واختار الجاني - بمحض غباوته - الاحتكام إلى شرع اللَّه فأُعدم. فلم يكن لطف المكوك هو الدَّافع الأساس في الاحجام عن تطبيق حدود اللَّه فحسب، بل كانت الديَّة التي تدفع إلى الخزينة العامة تمثِّل ثروة ماليَّة لا يمكن الاستعاضة عنها بقتل النَّفس. وقيل إنَّ ناصراً كان ممقوتاً لمحاولاته أسلمة المجتمع التَّقلاوي، وإضفاء الطَّابع الدِّيني على الحياة العامة في كافة أرجاء المملكة.
بدأ تسلُّط المك ناصر يزداد بين عشيَّة وضحاها، وكان ينافسه في طغيانه وجبروته ابنه الأكبر المدعو المؤمن، الذي لم يأمن القوم من شره. وقد تضاعف فساده واستبداده عندما عيَّنه والده مكاً على بلولة وأم طلحة.  إذ لم يكن بمقدور القوم تحمل تجاوزاته الكثيرة حتى اختطف المؤمن خطيبة أحد رعاياه عشيَّة يوم الزَّفاف، وأصبحت هذه الفعلة القشَّة التي قصمت ظهر البعير. لم يسر تصرُّف المؤمن المواطنين الذين رأوا مفارقات شتى في ادعاءات الوالد وضلالات النجل. وكيف يغض ناصر الطَّرف عن هذه الجريمة الاجتماعية طالما كان يصبُّ على الذين يزنون بأبصارهم سوط عذاب؟ اجتمع عقلاء القوم واجمعوا على كلمة سواء: على أن يتخلَّصوا من المك ناصر، ويبايعوا ابن أخيه آدم، الذي أصبح يعرف فيما بعد بآدم أم دبالو، مكاً لهم، وقرَّروا أن يكون ذلك يوم قنصة المك، في ذلك اليوم الموعود خرج المك وأعوانه للصَّيد، فنفَّذ القوم ما خطَّطوا له. ولمَّا علم المواطنون بخبر استيلاء آدم على السُّلطة، جاء أهل المدينة يستبشرون. عندما أدرك ناصر أنَّه زُهِق من منصبه، جمع أتباعه وهرب إلى الصريف، حيث مكث فيه عاماً كاملاً دون مضايقة أو تحرش من آدم، وأخيراً طرده سكان المنطقة، ومنه ذهب شمالاً واستقرَّ في أبودوم لمدة عامين آخرين. وحينما علم بأنَّ آدم يعد العدة للهجوم عليه، فرَّ إلى السلطات التُّركيَّة-المصريَّة للمرة الثَّانيَّة طالباً المساعدة. إذ لم تنخدع الحكومة التركيَّة مرة أخرى، كما لم تحاسبه بأثر رجعي على عدم وفائه بوعده في الماضي، بل اكتفت بمنحه قطعة أرض في معفوق على النِّيل الأبيض، حيث أقام فيها واستمرَّ في اضطهاده للنَّاس حتَّى أخذته المنيَّة.
ومن جانب آخر، هرب المؤمن إلى طريفي في الجبال الواقعة غرب تقلي، وعاش فيها حتَّى مماته؛ أمَّا شقيقه الصَّغير، الفحل، فقد حاول قيادة المقاومة المسلَّحة ضد حكام تقلي بعد سنوات قليلة من سقوط نظام والده لكنه مُنِي بهزيمة ساحقة وقُتِل.  تولَّى آدم الحكم العام 1859م وعمل على بسط العدل، واطلاق الحريات العامة إلى حدٍ ما. وفي عهده سمح لكل من رشاد، وتقوي، وقدير أن تصبح مكوكيَّة مستقلَّة؛ وحوَّل العاصمة من تاسي إلى كراية؛ وازدهرت التِّجارة بين تقلي والأبيض، ومن خلال الأخيرة مع مصر عن طريق درب الأربعين.
تقلي إبَّان حكم المهديَّة (1882-1898م)
في العام الثَّاني والعشرين من حكم المك آدم أم دبالو نزل محمد أحمد المهدي في قدير، عملاً بمشورة عبدالله التَّعايشي وإخوته، الذين وصُّوا المهدي بالابتعاد عن سلطات الخرطوم.  ولئلا يظن أتباعه أنَّ هذه الهجرة المزعومة ما هي إلا فراراً من الحكومة التركيَّة-المصريَّة، أعلن المهدي لأنصاره أنَّه تلقَّى رسالة إلهيَّة بالهجرة المهدويَّة إلى جبل ماسة، ومن هناك سوف ينتظر تعليمات ربَّانيَّة أخرى.  وبما أنَّ المهدي يفترض أن يكون قد أتى من جبل ماسة في شمال أفريقيا، غير أنَّ المهدي السياسي المحنَّك لم يتردَّد لحظة واحدة في تسمية جبل قدير باسم جبل ماسة، حتَّى يحقِّق واحداً من شروط المهديَّة الرئيسة.  مهما يكن من أمر الادِّعاء المهدوي، فعلى الفور طلب المهدي المساعدة من المك آدم، الذي كانت عداوته للحكومة التركيَّة-المصريَّة غير خافية على أحد. أما آدم - العليم بأمور السياسة والساسة - فقد وافق على مبايعة المهدي والتعهُّد بعدم التَّعرُّض له، أو الوقوف في طريقه، على ألاَّ يتعدَّى المهدي على تقلي وقتما تنجح ثورته. أما الاشتراك مع المهدي في الحرب العلنيَّة ضد السلطات التركيَّة، فقد رفض آدم الاذعان لهذا الطَّلب، واكتفى باغداق المهدي بالكرم الفياض والتأييد المعنوي. كان يرى علماء آدم، أي مستشاريه وعلى رأسهم القاضي ميرغني ود تميم، غير ذلك. فقد نصحوه بقتل المهدي لأنَّه ليس بمهدي حقيقي.  وإذا قتلته فسوف لن تكون مسؤولاً عن فعلتك هذه أمام اللَّه، هكذا استنصحهم آدم ونصحوه.  بل أصرُّوا أنَّ الواجب الإلهي يتطلَّب قتل مثل هؤلاء الرِّجال الدجَّالين. لكن آدم رفض الخضوع لهذه الاستشارة، بل أرسل ابنه عمر مع المهدي إلى قدير للانخراط في المهديَّة. وقد تعمَّق عمر في المهديَّة، وبات يحتل مكاناً مرموقاً تحت قيادة الخليفة عبداللَّه التَّعايشي.
لم يفقد المهدي الأمل في الحصول على المساعدة من المك آدم. وفي الأعوام الأولى من الثَّورة، أرسل رسالة الى آدم طالباً منه المال والمدد؛ ولكن آدم، بناءاً على وصية العلماء، رفض الامتثال للطَّلب. بعد سقوط الأبيض، دعا المهدي آدم لزيارته. في هذه المرة، على الرَّغم من نصيحة علمائه بعدم الذِّهاب، قرَّر آدم قبول الدَّعوة، ولم يفلح معه اصرار القاضي ميرغني الذي كان يلهث وراءه، وباخعاً نفسه عليه حسرات لعلَّه يثنيه عن عزمه، ولكن هيهات. كانت المفاجأة الكبرى عندما وصل آدم وحاشيته إلى الأبيض ليجد نفسه وأقرباءه سجناء في يد المهدي، فندم ندماً شديداً على ثقته في المهدي، ولات حين مندم. أمَّا القاضي ميرغني، الذي تفجَّر غضباً وطفق يسب المهدي ويصفه بأنَّه محتال ومخادع،  فقد أُعدِم على الفور.  أدرك آدم أنَّه أحسن الظَّن بالمهدي دون أن يقرأ الغيب، فكان جزاءه جزاء سنمار.  فعندما اتَّهمه آدم بأنَّه نقض العهد الذي كان بينه وبين تقلي، كان المهدي ذكياً في رده، وقال إنَّه لم يهاجم تقلي. لكن هل امتنع خليفة المهدي - من بعده - من مهاجمة تقلي؟ بالطَّبع لا وسوف نرى كيف أمست تقلي مسرحاً للعمليات العسكريَّة ومصيداً للرقيق في عهد الخليفة عبداللَّه التعايشي.  توفى آدم  في الحبس مصفداً بالأغلال وموثقاً بالحبال في شبشة في دار الجمع خلال زحف المهدي نحو الخرطوم. أمَّا أبنائه، الجيلي، والطَّاهر، وأبوفلج الذين كانوا مع والدهم في الحبس، فقد استطاعوا أن يفروا من الاعتقال.  في تقلي نفسها كان آدم قد خلف وراءه ابنيه، علي أبوزنيت والزيبق، ليديرا شؤون المملكة في غيابه. لكن تشاجر الأخوان، فأخذ علي يسيطر على غرب المملكة، بينما بقي الزيبق في تقلي. وقد قيل إنَّ أخوهما الطيِّب كان مسؤولاً على أم طلحة. لدي سماع خبر وفاة والده، أعلن علي نفسه مكاً على تقلي، ودخل في معارك ضارية مع أخويه. منذ تلك اللَّحظة بدأت مملكة تقلي تشهد تصدعاً داخلياً، وكان هذا الصراع الأسري يمثِّل البذرة الأولى للانهيار والتفتت.
بعد وفاة المهدي في 22 حزيران (يونيو) العام 1885م، أرسل الخليفة عبداللَّه التَّعايشي عمراً، ابن المك آدم، إلى تقلي ليأتيه بدعم أهله.  لكن عمراً قد قُوبِل بالغضب العارم من أخوانه لأنَّه هجر والده في تقلي وفي الأسر وانضم إلى الدَّراويش، وتمرَّغ في المهديَّة. أقفل عمر راجعاً إلى الخليفة وهو يحمل رسالة تحدِّي من تقلي. في هذه الأثناء، ابتعث الخليفة قوة عسكريَّة تحت قيادة حمدان أبوعنجة والنُّور عنقرة في شباط (فبراير) 1885م، ثمَّ لحقهما يونس الدِّكيم لإخضاع تقلي، أي بعد سقوط الخرطوم مباشرة.  وقد قامت هذه القوة بمجازر بشعة، حيث قُتِل 7 آلاف شخص في منطقة سنادرة وحدها، وأُسِرت أعداد كبيرة من المواطنين.  وقد ذُبِح كل من له صلة رحم بالأسرة المالكة، ولم ينج من هذه المذابح الطِّفل الصغير ولا الشيخ الكبير.  وفي هذه المعارك قُتِل كل من الزيبق والطيَّب، واستطاع علي أبوزنيت أن يهرب بجلده.  شملت حملات النُّور عنقرة كذلك أولاد حميد وكنانة في جنوب شرق تقلي؛ تنزع النَّاس كأنَّهم أعجاز نخلٍ منقعر. فرَّق حمدان (من قبيلة المنضلة) النَّاس في بطون الأودية والكهوف وغنم ماشيتهم وأُحرق غلالهم وبيوتهم؛ ثمَّ دخل بلاد الكواليب فاستولى على جميع ما ملكت أيديهم من غلال ومواش مع 300 رأس من الرَّقيق و120 بندقيَّة.(13) وتوغَّل أبوعنجة في قدير، وهزم مكها بوش، ويحكى أنَّ البشر والقردة فرَّوا جميعاً صوب مورُنج، أمَّا لماذا امتنع حمدان عن مهاجمة رشاد، فقد قيل إنَّه أخذ معه قرون فيلة، ابنة المك عبدالرَّحمن - مك رشاد،  كخليلته حتى لا يدمِّر رشاد.
بدأ الصِّراع الثَّقافي واضحاً في المهديَّة بين من يدينون بالإسلام ومن لا يدينون به وقد تحمَّلت عبء هذا الصِّراع القبائل الزنجيَّة التي تسكن جنوب خط عرض 13. وتنفيذاً لتعليمات المهدي بعد تعيينه أميراً على الكدرو والمندل والنيمانج وكل الجبِّال الواقعة غرب تقلي، قام عمر بشن هجمات على البعثة المسيحيَّة ومخفر أمامي تركي-مصري في الدَّلنج.  لا مراء أنَّ المهدي قد استغل العامل الدِّيني كأداة رائسة في تأجيج نار الثَّورة الشَّعبيَّة التي اجتاحت السُّودان عصرئذٍ، وقد استفاد من خبرات الخليفة عبدالله التَّعايشي - الذي ورث هو الآخر العلم اللّدني من والده الذي كان فقيهاً مشعوذاً.  وقد علمنا أنَّ الخليفة عبدالله التَّعايشي، حين وقع أسيراً في يد الزبير باشا رحمة في دارفور، حاول تحبيب فكرة المهدي إلى الزبير الذي رفض الأمر بشدة وزجره ثم هجره هجراً مليَّاً، وما أن لاحت لعبدالله الفرصة مع محمد أحمد حتَّى نالت الفكرة إعجابه وبدأ في استثمارها دينيَّاً وسياسيَّاً.  فسجلاَّت التأريخ مليئة برجال ابتغوا السُّلطة، وبدأوا تدريجيَّاً بأخذ القيادة في كثير من الجماعات، مطلقين على أنفسهم ألقاباً طنانة.  لقد أراد البعض أن يكونوا قادة دينيين ورجال سياسة على السواء.  وسنحت لهم الفرصة المناسبة لتحقيق مآربهم حين حدثت تجاوزات اجتماعيَّة وسياسيَّة في حق الشُّعوب المغلوبة على أمرها.  فقد نظَّم بعض رجال الدِّين، الذين امتهنوا السياسة، حملات تؤيِّد المساواة العرقيَّة وإلغاء الرِّق وأموراً مشابهة، فلقوا - في سبيل تلك الحملات - الاستحسان عند النَّاس، وفي ذكراهم بقوا.  وبما أنَّ المهدي قد انتفض ضد الفساد الخلقي في المجتمع السُّوداني وسياسات الحكومة التركيَّة-المصريَّة، غير أنَّه لم يفعل شيئاً ضد ممارسة الرِّق، الذي هو أكبر جريمة أخلاقيَّة في تأريخ الحضارة الإنسانيَّة، بل تحالف المهدي مع النخَّاسين الذين ارتأوا في سياسات الحكومة الجديدة ضد علاقات الرِّق تهديداُ لمصالحهم التجاريَّة.  ومن هؤلاء التجَّار الياس باشا - حاكم كردفان السَّابق - وابنه عمر في الأبيِّض، وعثمان دقنة في شرق السُّودان وآخرين ممن تحالفوا معه ضد النظام وسدنته؛ ومن أولئك السدنة نذكر: عبدالله ود دفع الله وأخوه أحمد بك دفع الله في الأبيِّض.
فلندع أمر المهدي جانباً ونعود إلى الصراع السياسي حول السُّلطة في مملكة تقلي.  فقد استطاع علي أبوزنيت أن يعيد تأسيس مركزه في كندورو، وبدأ في تكريم كل من صمد معه في هذا النِّضال الطَّويل، مثل النِّيل إدريس، الذي أصبح فيما بعد عمدة موريب. هاجم إبراهيم الخليل قرى تقوي، وأجزاء من جبال الكيجاكجة، وكذلك أولاد حميد في مية العام 1892م. لو اعتزم الخليل هذا محاربة تقلي، لوجدها مفكَّكة وآيلة للسقوط، وذلك للتشتُّت الذي أصاب أحفاد العائلة المالكة، فتفرَّق الأخوة، وسادت الخلافات، ودخلت المملكة في صراع داخلي مستميت أصبحت تهدِّد استقلاليتها وبقائها ككيان سياسي كان مستقلاً حيناً من الدَّهر وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. هرب جيلي، شقيق علي أبوزنيت، من معتقله في القضارف العام 1891م، وتمَّ تعيينه وزيراً لأخيه المك. كان علي مستبدَّاً لدرجة تفوق استبداد المك ناصر؛ أمَّا جيلي، الذي كان يحظى بتأييد شعبي واسع، كان يرى نفسه أنَّه المك الشَّرعي، ولذلك قرَّر علي أن يقتله. احتدم النِّزاع حول السُّلطة شديداً، وفي ذلك تنافس المتنافسون. وبلغت الفتنة مداها عندما جاء أحد الحوازمة الرواوقة - يدعى ناصر - هارباً من الدَّراويش، وطالباً حق اللُّجوء السِّياسي في تقلي. لم يجد علي حرجاً من أن يتَّهم  هذا المتضرع بأنَّه جاسوس المهديَّة، وحكم عليه بالإعدام. أمَّا ابن المتوسل، فقد جري إلى بيت جيلي يستغيثه من بطش علي وعصبته، ووعده جيلي بأنَّه في أيدي أمينة؛ ولكن ما أن عسعس اللَّيل إلاَّ وذهب عملاء علي إلى بيت جيلي، وأخذوا الطِّفل وقتلوه. كان ذلك في العام 1892م.  بهذه الواقعة، توهَّم جيلي أنَّ عليَّاً ينوي قتله إذا وجد فرصة سانحة. لذلك، وكأنَّ جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى فقال له إنَّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إنِّي لك من النَّاصحين، اتفق جيلي مع أتباعه أن يلتقوه في بلولة، ومن ثمَّ فرُّوا إلى تاسي. وقد لحقه متطوعون من تقلي في بلولة، تحت قيادة الفكي الحسن من الكواهلة، وبايعوه مكاً على تقلي. أرسل علي قوة من الجيش يقودها الفكي عبدالكريم، شيخ شريحة من الكواهلة، ليقاتل جيلي في بلولة. انضم عبدالكريم وجنوده إلى جيلي، وشرعوا في أداء فروض الولاء والطَّاعة، وبعث عبدالكريم بخطاب إلى علي يحدِّثه فيه أنَّه هُزِم في المعركة، وقّبِض عليه أسيراً.
لم يمض وقت طويل حتَّى أصبح جيلي على رأس قوة كبيرة من المحاربين، وخاصة عندما أرسل أخوه أبوفلج ليجنِّد أولاد حميد. تحرَّك جيلي نحو تقلي والتقى مع علي في طريفي، وعلى الرَّغم من هذه القوة، هُزِم  جيلي وتقهقر صوب الجنوب إلى تدقل في جبال الكيجاكجة، حيث وصلته تعزيزات من الذين هجروا عليَّاً، والعائدين من المهديَّة، وقاتل عليَّاً وانتصر عليه، وهرب الأخير. جمع علي قوة متعدِّدة الجنسيات من تقوي، والضَّباب، وحتى الكواليب، وبات يقود حرب العصابات ضد جيلي: يهلك الحرث والنَّسل في المناطق الواقعة في غرب وشمال المملكة.  أخيراً جاءت المسرحيَّة إلى نهايتها العام 1896م عندما عزَّز جيلي موقفه العسكري بالعائدين من الدَّراويش الذين هجروا الخليفة حينما لاح على الأفق كتشنر وجنوده البريطانيُّون-المصريُّون والسُّودانيُّون الذين التحقوا بالقوات الغازيَّة، وأمست هزيمة الأنصار قاب قوسين أو أدنى. وبعد المعركة الفاصلة بين الأخوين، هُزِم علي واستقرَّ في جبل الدَّاير، وبذلك انفرد جيلي بالسُّلطة: يقيم الحق، ويسوس الخلق، ويرعى العباد، ويراعي البلاد. حاول البريطانيُّون إعادة الاعتبار إلى علي، وجعلوه مسؤولاً على جبال تكم وطيشان - غربي جبال تقلي - وضمَّت هذه المنطقة لاحقاً وديلكة والموريب. عاش فيها علي حتَّى مات العام 1922م، وخلفه ابنه أبَّكر.  أمَّا جيلي، الذي وقَّع اتفاقيَّة السَّلام مع الخليفة عبداللَّه التَّعايشي، رجع ونقض ذلك العهد؛ ربما قد تعلَّم من الخطأ الذي وقع فيه والده مع المهدي. وعندما هرب الخليفة إلى أبودوم بعد معركة كرري بأم درمان، رفض جيلي توفير الحماية له؛ وأمر وكيله عبداللَّه جودات - الذي سبق أن عمل ملازماً في الحرس الخاص للخليفة في أم درمان، وهرب إلي تقلي مع عددٍ من الجهاديَّة - أن يطرده من تقلي. طُرِد الخليفة من بلولة، ومنها إلى قدير، حيث اختبى فيها حتَّى خرج أخيراً ليلاقي ربُّه في معركة أم دبيكرات.
في العام 1899م عيَّنت السُّلطات البريطانيَّة-المصريَّة مأموراً في كراية، ولكن جيلي - الذي كتب إلى حاكم كردفان بالأبيض يشكره على هذا التَّعيين - بات يتجاهل هذا المأمور، وطفق يقوم بتصريف أمور العباد والبلاد كما كان من قبل. وقد تواطأ مع حركة الشَّريف محمد الأمين في تقلي العام 1903م، وعند القبض على الأمين وشنقه علناً في الأبيِّض، وسجن أتباعه، أُخِذ جيلي للمساءلة الجنائيَّة. وحينما أبلغ السُّلطات البريطانيَّة-المصريَّة أن الأمين قد خدعه، تمَّ إطلاق سراحه. توفَّى جيلي العام 1916م بعدما تقلَّصت نفوذه وأصبحت محدودة جدَّاً، وخلفه ابنه أبَّكر الذي عاش حتَّى العام 1921م، ليتولَّى العرش من بعده أخوه آدم النِّيل جيلي.
تقلي في عهد الحكم البريطاني-المصري (1898-1956م)
عند اعتلاء المك آدم جيلي - المك التَّاسع عشر - على العرش العام 1921م كان السُّودان قد دخل مرحلة جديدة من تأريخه الحديث، وذلك من خلال الغزو البريطاني-المصري إليه في 2 أيلول (سبتمبر) العام 1898م، وشرعت السُّلطة الجديدة في البلاد في عمليَّة تجميع أشلاء المملكة ومحاولة إنعاش الحكم الوراثي المتهالك. لقد أضفى النِّظام الثنائي على أجهزة الحكم القديمة طابعاً تجديدياً، ولذلك نجد أنَّ تقلي أصبحت جزءاً من مجلس ريفي المنطقة في كانون الثَّاني (يناير) 1947م. جاءت فكرة رتق أجزاء المملكة في الفاتح من نيسان (أبريل) 1931م، وذلك عقب إلغاء مديريَّة جبال النُّوبة وإضافة تلودي إلى منطقة الجِّبال الشرقيَّة.  شهدت المملكة تطوُّرات إداريَّة أخرى، فقد اختار المك أدم آبار كُتُري عاصمة جديدة له العام 1929م بدلاً من كراية في جبال كيجاكجة، ورفض استخدام اسم كُتُري وأطلق اسم العباسيَّة على العاصمة. كان للعاصمة الجديدة موقعاً استراتيجيَّاً هاماً، فضلاً عن كونها مركزاً تجاريَّاً واقتصاديَّاً في غاية الأهميَّة. فنجدها مصدراً للمياه، وبها طرق اتِّصالات جيِّدة بين الشَّرق والجنوب، وقريبة من السكة حديد في أم روابة، كما أكسبها فتح طريق رشاد-العباسيَّة في نفس العام وضعاً خاصاً؛ ثم انشاء محكمة تقلي تحت نفوذ المك، ومنحه سلطات قضائيِّة واسعة.
وفي العام 1930م أصبحت عموديتي الكواهلة وكنانة في بلولة وأبوجريس وأم طلحة في الشَّرق تحت سلطات المك القضائيَّة، وارتفع تعداد السُّكَّان بإضافة 4,100 مواطن إلى المملكة. وفي العام 1932م أُدمجت الموريب وتكم (تعدادهما حينئذٍ 3,300 نسمة) إلى المملكة، وكذلك ترجوك وتقوي (2,500 نسمة) في العام التالي. باتت تقلي - باستثناء رشاد - يحدُّها من الغرب الحوازمة بناظرهم الزِّبير، ومن الجنوب أولاد حميد وكنانة تحت إدارة النَّاظر راضي كمبال، الذي أمسى كيلاً للمك في مدينة أبو جبيهة. بحلول العام 1934م ارتفعت ميزانيَّة المنطقة إلى 1,265 جنيهاً إسترلينيَّاً. وفي العام 1935م امتدَّ نفوذ تقلي القضائي إلى رشاد (7,800 نسمة)، وكذلك أولاد حميد وكنانة والكواهلة في كلوقي بناظرهم محمد (13,200 نسمة).  بلغت مساحة رقعة المملكة بعد ترميمها 1,200 ميلاً مربَّعاً، وتعداد سكانها ما يربو على 47,000 نسمة، وقفزت ميزانيتها إلى 3,500 جنيهاً إسترلينياً. أصبح السكَّان خليطاً من العرب، والنُّوبة المسلمين في رشاد، والنُّوبة غير المسلمين في كاو-نيارو، وقبائل تعود أصولها إلى نيجيريا (الفلاَّتة).  وبحلول العام 1937م انضم ناظر اللِّيري إلى المنطقة، وفي العام 1943م ارتفعت الميزانيَّة بإضافة 1,600 جنيهاً إسترلينياً إليها من العموديات الأربع، وبعد عامين انضمت عموديَّة تلودي وبلغت الميزانيَّة 15,000 جنيهاً إسترلينيَّاً وتعداد السكَّان 140,000 نسمة.
تم تقسيم المملكة إلى إدارتين وتجزئة هاتين الإدارتين إلى 7 أقسام:(14)
الإدارة الشَّماليَّة: وتضم 3 أقسام هي تقلي والحوازمة ورشاد (مجموعة تقوي وترجوك). وتقع تحت إدارة شقيق المك - الشَّيخ حاج الطَّاهر جيلي.
الإدارة الجنوبيَّة: وتشمل 4 أقسام هي أولاد حميد - كنانة، الكواهلة في كلوقي، اللِّيري، وعموديَّة تلودي. ويدير شؤونها النَّاظر راضي كمبال.
حينما عزم المك الاستقالة العام 1946م ليعتزل العمل العام ويركن إلى حياته الخاصة، رفض الإداريون ذلك لأنَّ إبنه كان لايزال يافعاً وليس بمقدوره أن يرث الحكم.  أمَّا النِّظام السِّياسي الذي الذي أصبح سائداً في المنطقة منذ الفاتح من كانون الثَّاني (يناير) 1947م فقد كان يعرف بمجلس ريفي المنطقة، ويتكوَّن من ممثِّلي القبائل الذين يعيِّنهم محافظ المديريَّة، وثلاثة أعضاء يمثِّلون المصالح الخارجيَّة - يتم تعيينهم بواسطة المحافظ كذلك - ثمَّ الممثل التجاري - الذي ينتخبه رجال المال والأعمال في الأسواق الرئيسة في العباسيَّة ورشاد وتلودي. وجد المك آدم فرصة مواتية لرفض رئاسة هذا المجلس الموقر، فما كان من المجلس إلاَّ أن انتخب شقيقه الشَّيخ حاج الطَّاهر جيلي رئيساً للمجلس - على الأقل - خلال الثلاث سنوات الأولى من تأسيس المجلس.
خلاصة
فيما مضى من السَّرد التأريخي للأحداث السياسيَّة والاجتماعيَّة التي عليها قامت مملكة تقلي، نجد أنَّ المملكة كانت مستقلة أيَّما استقلال.  واستطاع رعايا المملكة أنَّ ينجو من نير الضَّرائب الباهظة، التي كانت سمة العهد التركي-المصري في السُّودان (1821-1885م).  بناءاً على هذا، رفض المك آدم أم دبالو دفع الضرائب حين أوفد الياس باشا - حاكم كردفان يومئذٍ - رسله من مقرِّه في الأبيِّض إلى المك "التَّقلاوي".  فماذا كان رد المك آدم لرسل الياس؟  قال لهم المك آدم: "إنَّي لأدفع فقط قيمة البضائع التي أشتريها من التجَّار، لكنَّني لن أدفع لهم الضرائب."  وفي تلك الأثناء، أرسل المك آدم رسالة إلى الأبيِّض مستفسراً مستنكراً عما حدث للأتراك والبيض؟  هل لقوا مصرعهم أجمعون أبتعون حتَّى باتت الحكومة تعيِّن التجَّار "الجلاَّبة" من الجعليين والدَّناقلة والشَّايقيَّة في وظائف عليا دون إعطائها لرجال ذوي شأن عظيم؟  فكان هذا الاستهجان كافياً بأن تعفى السُّلطات حاكم كردفان، الياس باشا، ومساعده، عبدالرحمن بن نجا، من منصبيهما حين رأت أنَّهما لا يحُظيان بتقدير وتوقير من النَّاس.  بيد أنَّ للإعفاء دواعي أخرى تتمثَّل في التَّنافس السياسي والتجاري لتجار الرَّقيق في الأبيِّض والنتائج التي أفرزها هذا الصراع المحموم، وخاصة إذا أدركنا أنَّ أحد أسباب غزو محمد علي باشا للسُّودان كان من أجل الحصول على الرِّجال الأقوياء (الرَّقيق) لتحديث جيشه، فضلاً عن جمع المال لتوسيع نفوذ الإمبراطوريَّة العثمانيَّة.  ولإشباع رغبة السُّلطة الملحَّة ومصالهم الشخصيَّة، استخدم جباة الضرائب من الأتراك والشايقيَّة والعساكر (الباشبزق) سبلاً وحشيَّة، وانتشر أسلوب الرشوة والمحسوبيَّة، حيث نجت منها مملكة تقلي بفضل استقلالها.
يقولون دائماً إنَّ التأريخ يكتبه المنتصرون، وهكذا الحال لتأريخ السُّودان (History is written by victors).  فالذين دوَّنوا تأريخ هذا البلد هم أولئك الذين تربَّعوا على عرش السُّلطة في الخرطوم سواء علينا البريطانيُّون-المصريُّون، الأجانب الذين خدموا الإمبراطوريَّة العثمانيَّة أو البريطانيَّة في السُّودان، أم الأقليَّة الحاكمة التي ورثت السُّلطة من المستعمرين.  على أيٍ، هذه لمحات وقبسات من حضارة سادت ثمَّ بادت، وقد إرتأينا أنَّه من الضُّروري تسليط الأضواء عليها لإزالة الضباب الذي ظلَّ ضارباً عليها حيناً من الدَّهر، إما بسبب جهالة الجهلاء، أو تحريف المغالين، أو انتحال المبطلين. ولكن ثمة أسئلة تظل في حاجة إلى أجوبة؛ نذكر على سبيل المثال الحاجة إلى الدراسة الأثنية واللُّغوية عن سكان تقلي وعلاقتهم بقبائل النُّوبة الأخرى؛ وكذلك العلائق التي ربما ربطتهم بممالك النُّوبة القديمة على ضفاف نهر النِّيل قبل دخول العرب إلى السُّودان. وهذا يعني الانغماس في دراسة رسائل ومخطوطات الرحَّالة الذين زاروا السُّودان والمنطقة وكذلك إجراء بحث ميداني مع بعض كبار تقلي، فضلاً عن القيام بحفريات في المنطقة.  فهل نحن فاعلون؟
هوامش وإحالات
(1) أنظر الدكتور يوسف فضل حسن: مقدمة في تأريخ الممالك الإسلاميَّة السُّودانيَّة في السُّودان الشرقي (1450-1821م)، الدار السُّودانيَّة للكتب، الخرطوم.
(2) Ewald, J J, Soldiers, Traders and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley (1700-1885), USA, 1990.
(3) أنظر محمد بن النور بن ضيف الله: كتاب الطبقات في الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السُّودان، تحقيق الدكتور يوسف فضل حسن، الخرطوم، 1971م.
(4) المسيد عبارة عن مسجد خصوصي ومدرسة لتعليم القرآن والحديث.
(5) بالإضافة إلى الشَّهادة، التي هي ركن من أركان الإسلام الخمسة، نجد أنَّ البديَّات يمارسون بعض الطُّقوس والعادات التي تُعتبر في بعض الأوساط الدِّينيَّة بدعة منافية للتَّعاليم الإسلاميَّة.  وتشمل هذه العادات التَّوسُّل إلى الخالق تحت شجرة الهجليج، وتقديم القربان للبارئ على قمم الجِّبال، وهذا هو إسلام أهل السُّودان الذي فيه تمتزج الخرافة بالعقيدة والتَّقاليد بالعبادات.
(6) Elles, R S, The Kingdom of Tegali, Sudan Notes and Records, Vol XVIII, Part I, 1935.
(7) Holt, P M, A Modern History of the Sudan: From Funj Sultanate to the Present Day, London, 1961; Slatin Pasha, R C, Fire and Sword in the Sudan:  A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes (1879-1895), London, 1897.
ينسب الجعليُّون أنفسهم إلى جدِّهم العبَّاس عم الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم في شبه الجزيرة العربيَّة.  وإنَّهم بهذا النَّسب لفخورون، وإنَّهم لينظرون بشئ من السخريَّة والازدراء على الدَّناقلة، الذين يعتبرونهم منحدرين من العبد دنقل.  وحسب الأسطورة، فإنَّ دنقل - بالرَّغم من أنَّه كان عبداً - صعد إلى مرتبة حاكم مملكة النُّوبة، وكان يدفع الجزية لبهنيسا، القس القبطي، الذي كان مسؤولاً عن المنطقة الواقعة بين صرص ودبَّة.  وقد شيَّد دنقل مدينة دنقلا، التي باتت تحمل اسمه، وسرعان ما بدأ مواطنو هذه المنطقة يُعرفون بالدَّناقلة.  بالرَّغم من أنَّهم امتزجوا وتصاهروا مع العرب والمواطنين المحليين، وهم كذلك يصرُّون على أنَّهم عرب، إلاَّ أنَّهم لم يسلموا من تهمة العبوديَّة والتمييز العنصري من قبل الجعليين.
(8) MacMichael, H A, A History of the Arabs in the Sudan, Vol 1, Cambridge, 1922.
للتعرف على أصل اسم (جعل) أنظر مقال علي حليب بعنوان الأصل الزنجي لأسماء المدن السُّودانيَّة.. المعاني والأبعاد،  سودانايل، 7/5/2003م.
(9) أنظر سراج الدين عبدالغفار عمر: تأريخ الصراع في جبال النُّوبا (الفترة 1984-1996م)، الخرطوم، 1996م.
(10) الدكتور شوقي الجمل: تأريخ سودان وادي النيل: حضاراته وعلاقته بمصر، من أقدم العصور للوقت الحاضر، الجزء الأول، القاهرة، 1996م؛ أنظر صحيفة "الخرطوم": 12/9/1995م - العدد 986.
(11) Ibrahim, A U M, The Dilemma of the British Rule in the Nuba Mountains (1898-1947), Khartoum University Press, 1985.
(12) الدكتور أحمد محمد البدوي: مجلة "الحوار": أكتوبر 1993م، العدد الثالث، السنة الأولى.
(13) عوض عبد الهادي العطا: تأريخ كردفان السياسي في المهديَّة (1881-1899م)، الخرطوم، 1973م.
(14) Kenrick, J W, The Kingdom of Tegali, Sudan Notes and Records, Vol XXXIX, Part II, 1948.





د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جبال النُّوبة... الإثنيات واللُّغات
أدَّى تفاعل الأحداث في السنوات الأخيرة بخصوص مسألة النُّوبة (The Nuba Question)، والتي ترمي بظلال كثيفة على مشكل النزاع الدَّموي في السُّودان، إلى وضعها في بؤرة الأحداث المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة.  وكأي شعب أصيل، امتلك النُّوبة حضارة إنسانيَّة عريقة، ولعبوا دوراً رائداً في النطاق الإقليمي الواسع الذي أحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، وذلك بحكم توسُّعهم الجغرافي حتى البحر الأبيض المتوسط واتصالهم التجاري والسياسي بالأمم المجاورة.  بيد أنَّهم كانوا حراصاً على الأشياء التي تميِّزهم عن غيرهم، وبالتَّالي حموا كيانهم الحضاري، ولكن إلى حين.  وعندما اشتدَّت بهم الأهوال والأوجال انتشروا في أرض السُّودان الشاسعة، وتفرَّقوا أيدي سبأ.(1)  ثم أسهموا - أي إسهمام - في تفعيل تأريخ شرق أفريقيا الحديث، وعبروا المحيط الأطلسي إلى المكسيك لخوض حروب الأغيار.  وفي السُّودان استقرَّ النُّوبة في جبال النُّوبة يذودون عن ديارهم حتى لا يظن الأقوام أنَّهم تضعضعوا وونوا، ولم يكونوا خشباً ينقصم أو عوداً ينحطم، وقد احتملوا الحياة في شئ من الصبر والجلد، خليق بالرَّثاء والإعجاب معاً. ومن خلال هذه الدراسة نحاول إزاحة الستار عن، وإلقاء الضوء على، جذور وتأريخ وأسرار مسألة النُّوبة، وتداعيات ذلك على أمن واستقرار السُّودان.  فعلى الرغم من أنَّ النُّوبة خاضوا حروباً ضارية في الجبال وكل المواقع الحربيَّة التي استبسل فيها الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - بما فيها جنوب السُّودان - إلاَّ أنَّ الإعلام الغربي غالباً ما يختزل المشكل السُّوداني بأنَّه نزاع شمالي-جنوبي.  إذ أن مبتغى الأنظمة الحاكمة في الخرطوم كان - ومازال - يتمثَّل في حصر هذه القضية القوميَّة في في إطار إقليمي ضيِّق بحيث يتَّسع فقط لإعادة ارتداء إتفاق أديس أبابا في العام 1972م، أو زد عليه قليلاً، وبذلك تضيع حقوق سكان المناطق المهمَّشة الأخرى الذين رفعوا السلاح أسوة بأهل الجنوب وناضلوا معهم أي نضال وما بدَّلوا تبديلاً. ولكن بادئ ذي بدء، من هم النُّوبة؟
تُستخدم لفظة "النُّوبة" لوصف الزنوج القاطنين في الرقعة الجغرافية المعروفة حالياً - ومن قبل - بجبال النُّوبة في القطاع الجنوبي-الشرقي من إقليم كردفان بجمهوريَّة السُّودان. وإذا استقرأنا جغرافية وطبوغرافية منطقة جبال النُّوبة، نجد أنَّها تشتمل على الحقائق التَّالية: تبلغ مساحة جبال النُّوبة في جنوب كردفان حوالي 30,000 ميلاً مربعاً، وتقع بين خطي عرض 29 - 31 درجة غرباً وخطي طول 9 - 13 درجة شمالاً، كما أنَّه ليس هناك تعداد سكاني للنُّوبة يمكن الإعتماد عليه نسبة للظروف السياسيَّة التي تمر بها البلاد والعباد.  وتحدها من الشمال ولاية شمال كردفان، ومن الشرق ولاية النيل الأبيض، والتي تشمل مناطق تابعة لجبال النُّوبة، ومن جهة الجنوب الشرقي ولاية شمال أعالي النيل، ومن جهة الجنوب الغربي ولاية الوحدة، ومن الغرب ولاية غرب كردفان، التي تشمل - كذلك - مناطق هي في الأصل تابعة لجبال النُّوبة. وتُستخدم لفظة "النُّوبيُّون" لوصف أهل شمال السُّودان حتَّى جنوب أسوان في مصر، الذين مازالوا محافظين على عاداتهم وتقاليدهم التليدة على الرَّغم من قساوة التاريخ والجغرافيا عليهم. فقد ذهب المؤرِّخون في تعريف كلمة "نوبة" مذاهب شتى، واتخذوا في سبيل ذلك طرائق قدداً. فمنهم من قال إنَّ الكلمة مشتقة من لفظة "نوب" (Nub) التي تعني الذهب في اللُّغة الفرعونيَّة القديمة، ونحن نعرف شهرة بلاد النُّوبة بالذهب إبان العصور الفرعونية، إذ كانت هذه المنطقة هي الوحيدة التي تُغذي مصر بتلك الكميات الهائلة من الذهب. فما زالت هناك أسرة في مدينة الدلنج تحمل الاسم "سرنوب" أي سوار الدهب كما عرَّبها النُّوبيون أهل الشمال. ومنهم من قال إنَّ الكلمة انحدرت إلينا عن طريق الكلمة القبطية (Anouba or Anobades) بمعنى يُضفر، وفي هذه الحالة يكون معنى (نوبة) ذو الشَّعر المضفَّر أو المجعد.(2)  ويقول بروكوبيوس إنَّ الإمبراطور الروماني ديوكليشيان (في الفترة بين 284-305م) قد دعا "نوباتا" (Nobatae) من الصحاري الغربيَّة (الخارجة) وأسكنهم في وادي النيل، لكيما يوقفوا غارات البجة (Blemmyes) والنُّوبة على مصر العليا جنوب أسوان. غير أنَّ هنالك رأي يقول إنَّ كلمة "نوباتا" مشتقة من العاصمة نبتة (Napata). وإنا نميل إلى التَّكهن بأنَّ الكلمة ربما قد اُشتقَّت من لفظة (Nubile) التي تعني في الانجليزيَّة الفتاة البَّالغة سن الزَّواج، ومن المعروف أنَّ الإغريق استخدموا النوبيَّات كجواري في المنازل بعد السبي والاسترقاق. ومهما يكن من أمر، فقد جاء العرب وأطلقوا اسم "النُّوبة" عليهم، كما أطلقوا اسم "المريس" (Nobatia) على إقليم النُّوبة بين أسوان إلى دنقلا.(3)
أيَّاً كان صواباً من هذه المشتقات، غير أنَّ الذي لا مراء فيه هو أنَّ أرض النوبيين في شمال السُّودان كانت غنيَّة بثرواتها المعدنيَّة من ذهب وحديد وزمرد ونحاس وغيرها. فالنُّوبيُّون قوم تحدَّروا من حضارات، فأرضهم يفوح منها عبق التاريخ، والنقوش تنطق بحضارات كانت سائدة ثم بادت من جراء النكبات التي انتابت عالمهم في الأزمنة الغابرة. وقد اُستخدم العبيد في مناجم التعدين وغير ذلك من الأعمال الشاقة التي دوماً تحدثنا عنها كتب التاريخ. ونتيجة لأعمال السخرة وتجارة النخاسة هاجرت مجموعات كبيرة من النوبيين من شمال السُّودان نحو مناطق السُّودان المختلفة بما فيها جبال النُّوبة، وبوَّأهم الله في الأرض وكانوا "ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين" (الحجر 15/82). بيد أنَّ أكبر هجرة جماعية حدثت لراعيا مملكة مروي في شمال السُّودان كانت في القرن الثالث الميلادي (العام 325م) بعد الحرب الشعواء والهزيمة النكراء التي سددها الملك عيزانا - ملك مملكة أكسوم الأثيوبيَّة. وفي استعراض بديع للتاريخ، سجَّل عيزانا انتصاراته في لوح محفوظ عثر عليه الباحثون فيما بعد، ودوَّن عيزانا في سجلاته أنَّ النوبة، الذين ناصبوه العداء، كانوا نوعان: الحُمر والسُّود. ودارت جل معاركه مع أعدائه النُّوبيين حول نهر تاكيزي (عطبرة حالياً). أما الهجرة الثانية فتقول الروايات التاريخية أنَّها بدأت بعد سقوط مملكة علوة والدمار الذي أعقب الانهيار. ولعل عبدالله جماع قد قاد تجمع العرب حول الخرطوم وقام بالإنقلاب على سلطة المملكة، التي طالما وفَّرت لهم الأمن والطمأنينة، وسمحت لهم بممارسة شعائرهم الإسلامية على الرَّغم من أنَّ المسيحيَّة كانت ديانة المملكة الرَّسمية. وقد اكتظت الطُّرق بجموع الفارين من سوبا، عاصمة مملكتهم التي باتت هباءاً منثوراً، حيث لم يطب بهم المقام في أربجي (عرب بجي) - أي العرب قادمون، واتجهوا نحو الغرب وتفرَّقت بهم السُّبل. وقد عثر علماء الآثار على آثار هذه المملكة، التي اندثرت، في مناطق جبل موية بين سنَّار وكوستي، مما يعني امتداد نفوذ المملكة إلى هذه المنطقة أو تكون هذه الآثار قد خلفها القوم الهاربون.
بيد أنَّ بعض المؤرِّخين يعزون وجود النُّوبة في هذه الجبال إلى حقب سحيقة. وحسبنا أن نذكر - في هذه الدراسة - أن المورِّخ الأغريقي (اليوناني) هيرودوت تحدَّث عن الجنود الأبَّاق (الهاربين) وقد سمَّاهم "أشام"، وتعني التَّسمية في اللُّغة اليونانية الذين يقفون يسار الملك. لقد فرَّ هؤلاء الجنود، الذين بلغ تعدادهم 240,000 شخصاً، واستقرَّ بهم المقام في أثيوبيا (السودان حالياً). فلم تفلح معهم كل المحاولات التي بُذلت لإرجاعهم لوطنهم وزوجاتهم وأبنائهم. وفي غمرة هذه المحاولات الميؤوسة أشار أحدهم إلى أعضائه التناسليَّة وقال: "مادام لديَّ هذه فسيكون لي زوجات وأبناء أينما ذهبت".(4)  هذه هي الهجرات التي لها علاقة عضوية بوجود النُّوبة في منطقة الجبال ومجموعات أخرى في شمال دارفور هي الميدوب والبرقد، وأخرى استوطنت في شمال كردفان فيما تعرف بالجبال البحريَّة، وذلك قبل دخول العرب والإسلام إلى السُّودان. فما هي تلك الجبال؟ وما الذي حدث للنُّوبة في هذه الديار؟
تضم تلك الجبال البحريَّة جبل حرازة، أبوحديد، أم دُرَّاق، كاجا (كاجا السُّروق، كاجا الحفرة، كاجا سودري)، كتول، أبوطُبر، الأضيَّة، العفاريت، والعطشان. وتنتمي هذه المجموعة البشريَّة إلى قبيلة العنج (Anag). وتقول السِّيرة الشَّعبيَّة قي جبل حرازة إنَّ أهل أبوكنعان، الذين تربطهم صلة بالعنج، قد عاشوا في ديارهم في عهد الرُّسل الذين سبقوا بعث الرَّسول سيدنا محمد صلى اللَّه عليه وسلَّم - أي قبل ظهور الإسلام، وكانوا أثرياء أشداء وقد هُلكوا في مساكنهم بسبب الفاقة.(5)  إنَّ مواطني جبل حرازة كانوا حتَّى العام 1857م يتكلَّمون لغاتهم "النوباويَّة". وتمثِّل لغة جبل حرازة، مع اعتبار الوضع الجغرافي، الحلقة المفقودة بين لغات البرابرة في نهر النيل والبرقد والميدوب والألسن ذات المقاربة في شمال وشمال وسط دارفور. كما أنَّه من المعلوم أنَّ البرقد كان يمثِّل العرق السَّائد في جبال كاجا في شمال كردفان خلال القرنين السادس عشر والسَّابع عشر الميلادي، وأحفادهم في دارفور يذكرون أنَّ لهم نسب وحسب مع الميدوب، ولغتهم ذات صلة وثيقة بلغات البرابرة في شمال السُّودان.(6)  وفي العام 1911م خطَّ داؤود جبارة بن سليمان مسودة تاريخيَّة أورد فيها أنَّ جبل عبدالهادي الذي يقع بين دنقلا وكردفان كان العاصمة القديمة لمملكة النُّوبة، وضمَّت المملكة، فيما ضمَّت، النُّوبيين في نهر النيل.(7)   ومهما يكن من أمر، فقد أمست المسودَّة مادة دسمة للنقاش لدي ماكمايكل الذي كتب تاريخ العرب في السُّودان. كما ذهب البعض قولاً إن مدينة بارا هي العاصمة الثانية للنُّوبة بعد دنقلا. ولعل العثور على نقوش في شمال جبال أبونجيلة في شمال كردفان يؤكد ما ذهب إليه داؤود. وقد احتوت النقوش، فيما احتوت، على رسوم حيوانية وصليبين من الكنيسة الأرثوذكسيَّة ومخطوطة كُتبت باللُّغة النُّوبيَّة، حيث تُرجمت على النحو التالي: "أنا أنينا من كوش حينما كان هارون ملكاً". ويبدو أن ناحت هذه النقوش كان متعلِّماً، فخوراً كان ثم متباهياً بمملكته مروي وملكها هارون، الذي ربما اتَّخذ هذه المنطقة ملجأً له عندما تهاوت مملكته في وجه الملك عيزانا. ويعود التمازج العرقي في جبل حرازة إلى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي حينما هاجرت جماعة من الركابية من منديرا في النيل الأزرق واستوطنوا في المنطقة، بعدما أخرجوا أهلها من ديارهم بغير حق، وتزاوجوا مع بعضهم بعضاً. ثمَّ جاء الفوج الثاني من الركابية، الذي بلغ أكثر من 70 شخصاً، إلى جبل حرازة بعد المعارك التي دارت رحاها بينهم وبين الشايقيَّة في النيل الأزرق وانتهت بهزيمة نكراء للركابية.
كانت لفظة العنج تطلق على سكان مملكة علوة القدماء (قبل دخول العرب السُّودان)، وسكان جزيرة مروة، وسكان الجبال الواقعة في شمال كردفان، والعنج معناها الحاكم. وهذا اللفظ يستعمل أيضاً في أوراق النسب السُّودانيَّة مرادفاً للفظ النُّوبة. ويظهر، إذن، أنَّ العنج كانوا من النُّوبة واستقلوا من أصلهم الأول.(8)  ومهما يكن من أمر، فلقد شهدت جبال كاجا وكتول وفود غرباء كثر، نذكر على سبيل المثال، الكنجارة، البرقد، والكيروبات من جهة دارفور، والبديات من وسط كردفان، واستوطنوا وتزاوجوا مع المواطنين الأصليين في مراحل مختلفة من التاريخ. وجاءت البديرية إلى هذه المنطقة في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وبعدها هاجم هاشم المسبعاوي (نسبة إلى مملكة المسبعات) كتول، وقطع طرق إمداداتهم، وقتل أهليهم، وباع البعض الآخر في سوق النخاسة. ومن ثّمَّ ذهب إلى جبل كاجا وشقَّ عدداً من الآبار في صخور سودري، وغيرها من الجبال المجاورة، وهي فوجا، مزروب، كتول، كوقوم، والمقينص. وقد اعتبر المواطنون هذه الصناعة عملاً خارقاً لم يأت به أحد من قبله.
وما يعنينا في هذا الأمر مقال كتبه السيد عبدالرسول النور إسماعيل - حاكم إقليم كردفان السَّابق في عهد حكومة السيِّد الصَّادق المهدي (1986-1989م). ذلكم المقال، الذي هو جزء من دراسة وُصفت خطأً بأنَّها تتميَّز "بنظرتها الموضوعيَّة الثَّاقبة لقضايا منطقة جبال النُّوبة، والتصوُّر الأمثل لحلولها"، قد نُشر في صحافة العهد الغيهب في السُّودان. وما كنا أن نعيره انتباهاً لولا أنَّ الأمر قد تجاوز الافتئات، فالافتئات دوماً تسويل للأغراض، حيث أنَّ المستفيدين من هذه الأساطير هم سماسرة الفتنة في الخرطوم. وقد تجنَّى الحاكم الظليم على حقائق تاريخيَّة دامغة تجاه النُّوبة صاحب الحق التهيم. فماذا كتب الحاكم من باطل لجج؟ ومن ذا الذي دعاه إلى الخوض فيما ليس له به علم فبات ملوماً محسوراً؟ يقول عبدالرسول النور :"إنَّ النُّوبة وصلوا إلى جبال النُّوبة واستقرَّوا بها منذ العام 1323م (...) وقد وجدوا استقبالاً وضيافة من إخوانهم الذين استقروا قبلهم في المنطقة من عرب، وداجو، وشات. لأنَّ العرب دخلوا هذه المنطقة منذ نهاية القرن الثالث عشر، أي العام 1317م كما تقول معظم الروايات".(9)  فإننا نتساءل من أين له بهذه المصادر التاريخية التي تهيَّب من ذكرها وتزاور عنها؟ مما يعني أنَّه يتعمَّد تزوير التاريخ وخاصة لأنًّ ما أورده يناقض حقائق بديهيَّة عند الثقاة.  وسبيل الباحث المحقِّق أن يستعرض الأشياء في عناية وأناة وبراءة من الأهواء والأغراض، فيدرسها محلِّلاً ناقداً، مستقصياً في النقد والتَّحليل، فإن انتهى من درسه هذا إلى حق أو شئ يشبه الحق أثبته محتفظاً بكل ما ينبغي أن يحتفظ به من الشك الذي قد يحمله على أن يغيِّر رأيه ويستأنف بحثه ونظره من جديد.  إنَّ هذا الشك لا ضرر منه ولا بأس به، لا لأنَّ الشك مصدر اليقين ليس غير، بل لأنَّ الإثبات والتَّحقيق ينبغي أن يقومان على أساس متين. ومما يضحض افتراءات عبدالرسول النور تلك الهجرة لمجموعة "أجانق" "والتي تقول (المجموعة) بنزوحهم من دنقلا بعد اتفاقيَّة البقط الشَّهيرة العام 652م واستقرارهم في الأجزاء الشماليَّة من جبال النُّوبة وانحسارهم بمرور الوقت للاحتماء بطبيعة جبال النُّوبة".(10)  وخير دليل على هذه الهجرة وجود قربى لغويَّة بينها وبين النُّوبيين في شمال السُّودان. ومن العادات التي جلبها هؤلاء القادمون الجدد الاحتفال بسبر الحصان "الكوج" كنوع من الطقوس. هذا الحيوان هو الذي جعل جدهم بعانخي يغزو مصر حينما علم أن المصريين يضطهدون الحصان. وكذلك تزيين النُّوبة لجدران منازلهم برسومات للنيل والنخيل، وعادة الخفاض الفرعوني، التي تلاشت فيما بعد. هؤلاء هم النُّوبة، وقد نزحوا في فجاج الأرض من ضيم وإملاق.  وقد أوجد البروفسير الألماني، كارل ماينهوف، علاقة وثفى بين المصطلحات اللُّغويَّة المستخدمة في جبال النُّوبة ولغة الدناقلة، غير أنَّه أصرَّ أنَّ الفراق الذي تمَّ بينهما قد حدث منذ زمن باكر جداً.  ودليله في إثبات هذا الزعم عدم وجود ألفاظ إغريقيَّة أو قبطيَّة في جبال النُّوبة، مما يوحي أنَّ الفراق قد حدث قبل وصول المسيحيَّة وسيادتها في شمال وادي النيل، وهكذا يزعم ماينهوف أنَّ القول بأنَّ النُّوبة احتموا بجبال النُّوبة هربا من غزو المسلمين العرب غير دقيق.(11) هذا عكس ما أثبته باحثون آخرون.(12)
ويرى فريق من المؤرِّخين الأفذاذ وعلماء الأجناس الذين أفنوا أعمارهم في البحث لإتحاف البشريَّة بالمعرفة، يروا "أنَّ الداجو خاضوا حروباً طاحنة مع أهل جبال النُّوبة خاصة في الأجزاء الشماليَّة من الجبال، مع مجموعة الأجانق، وهي تقريباً آخر مجموعات قبائل النُّوبة وصولاً لهذه المنطقة. لقد انسحب الداجو بعد هذه الحروب غرباً مخلفين وراءهم مجموعات صغيرة مثل صبوري ولقوري وشات، التي هي جزء من النُّوبة اليوم، هذا بالإضافة إلى المجموعة التي تحمل اسم الداجو في الدار الكبيرة، فقد واصلت هجرتها حتى دارفور وأقامت هناك مملكة مشهورة في أوائل القرن الثاني عشر في حوالي العام 1125م ثم من بعد في تشاد".(13)  كان أشهر ملوك الداجو في دارفور هو عمر كسفورو الملقَّب "بآكل الفور". خاض عمر حرباً لا هوادة فيها مع الفور، طاغية كان ثم مستبداً، ومما يُعرف عنه أنَّه حاول تحويل جبل أم كردوس من موضعه الحالي وضمَّه إلى ال99 جبل، ومازالت قاعدة جبل أم كردوس محفورة من جراء عملية الإزاحة الفاشلة. وقد قتلته رعيته شر قتلة. هذا ما كان من أمر الدَّاجو في دارفور.
وعوداً إلى الدَّاجو في جنوب كردفان نجد أنَّ قائمة السَّلاطين الذين تعاقبوا على سلطنة الدَّاجو في الدار الكبيرة قد بلغوا ثلاثة عشر سلطاناً في خلال أربعة أجيال، بدءاً بسلطانهم موم، الذي كان له الفضل في لم شعث الدَّاجو، وتكوين وحدة سياسيَّة قويَّة منهم. وقد خلف موم خمسة من أبنائه هم شينقو، جيقر، دنقس، صابون، ووادي. ثم حكم حفيد صابون، ومن بعده ابني دنقس. غير أن آدم، أحد أبناء دنقس، لم يحظ بإدارة السُّلطنة، حيث انقطع التسلسل السلطاني حينما استولى على العرش كوداي وهو من العرب المسيرية الذي تزوج من الأسرة الحاكمة. ويعكس هذا الانحراف عن التقليد التليد مدى تأثير نفوذ المهدية، التي باتت تدق على أبواب الجبال يومئذٍ. ويبدو أنَّ الاضطرابات السياسيَّة والاجتماعية التي عمت البلاد إبان الثورة المهديَّة (1881-1898م) قد ساهمت بقدر كبير في قطع الصلات التاريخيَّة لأهل النُّوبة بالماضي البعيد، الذي كان هادئاً إلى حدٍ ما. ونجد أنَّه في بعض الأحايين من يخبرك من أعيان النُّوبة أنَّهم عاشوا في هذه الجبال والتضاريس منذ خلق البشريَّة. ويقول هؤلاء الأعيان أنَّهم شعب أصيل في المنطقة منذ آلاف السنين، وليس شعباً طارئاً. ونذكر على سبيل المثال مجموعة النيمانج، الذين يقولون إنَّهم نزلوا من السماء مباشرة إلى مناطقهم الحالية غرب مدينة الدلنج - حاضرة المنطقة - وحجَّتهم في ذلك بأنَّ هناك آثار بشريَّة فوق صخورهم تدل على نزولهم قبل استواء هذه الصخور. فالنيمانج هم أكثر المجموعات النوباويَّة معرفة بأصولهم.  ولعلَّ وجود أطول الناس قامة في مناطق مورو، وأشرون، وسرف جاموس، وأقصرهم قامة في مناطق تيرا، وهيبان، وشواي لا يمكن أن يكون مدعاة للتفريق بين النُّوبة كأثنية، كما حاول - عبثاً - عبدالرسول النور أن يعتبره "اختلافات أساسية تجعل (جبال النُّوبة) مناطق وليست منطقة واحدة". ومهما يكن من أمر التباين البدني واللُّغوي، فإنَّ الذي يجمع النُّوبة كشعب أفريقي أصيل أكبر من كل هذه الشكليات المختلقة بواسطة أهل الحكم في الخرطوم.
إنَّ خير دراسة علميَّة أُخرِجت للناس هي التي قام بها الدكتور ناديل في الفترة بين 1938-1941م في جبال النُّوبة، وقد غطَّت الدراسة عشر مجموعات نوباويَّة مع التركيز على قبائل هيبان، عطورو، وتيرا.  هذه الدراسة قد تمَّت بدعوة من دوقلاس نيوبولد، حاكم كردفان آنئذٍ، للدكتور ناديل لإجراء بحث أنثروبولوجي لمجموعات النُّوبة في جنوب كردفان، وإبراز طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصاديَّة التي تعيشها هذه القبائل.  وقد قسَّم ناديل - لاعتبارات عمليَّة - القبائل النوباويَّة إلى مجموعات ثقافيَّة مستخدماً المعايير الثلاثة الآتية:
التركيب الأسري، أي حسب الانتماء من ناحية الأب أو الأم.
طبيعة العشيرة وقوة وضعف "التكافل الاجتماعي".
الاعتقاد بوجود أو غياب عالم الآلهة وأرواح السلف في المسائل الدينيَّة.
بيد أنَّ أعظم عمل خرج به الدكتور ناديل من هذه الدرسة هو "مفهوم التكافل الاجتماعي" (The concept of social symbiosis)، وتعني نظريَّة التكافل الاجتماعي طريقة فهم التركيبة الاجتماعيَّة التي بها تقوم كل شريحة في المجتمع بأعباء محدودة - دينيَّة كانت أم سياسيَّة - بالإنابة عن المجتمع ككل. فمثلما تعني لفظة التكافل في علم الأحياء، فإنَّ التعايش المقوِّ لأفراد الكائنات الحيَّة، بحيث أنَّ بقائهم الفردي يصب في بقاء واحتواء المجموعة كلها، كان هو نواة هذه الفسلفة الاجتماعيَّة.  وقد طبَّق ناديل مفهومه هذا في دراسة ال 29 عشيرة التي تتكوَّن منها قبيلة كرتالا، وكذلك الجبال الستة التي منها تتكون مجموعة الكدرو، بالإضافة إلى بعض الأسر غير النوباويَّة التي استوطنت في هذ المنطقة وتنوبنت (أي أمست نوباويَّة تقاليداً وعادات).(14)  ويتَّضح من هذا البحث الذي أجلاه الدكتور ناديل، والذين خدموا الأمبراطوريَّة البريطانيَّة في جبال النُّوبة من إداريين وضباط سياسيين، أنَّ للنُّوبة عادات اجتماعيَّة عظيمة وتقاليد ثقافيَّة نبيلة؛ فهم يبجِّلون الصغار، ويوقِّرون الكبار، ويطعمون الجائع، فلا يقهرون اليتيم، ولا ينهرون السائل، ويكرمون وفادة الضَّيف، ويعينون ابن السبيل على نوائب الدَّهر.  كما أنَّهم يمتنعون ويمانعون عن زواج الأقارب، ولا يمارسون عادة ختان البنات، ويعتبرون القتل جريمة بشعة، وبالرَّغم من العقوبة التي يوقِّعونها على القاتل من دية وهجر واستتابة، إلاَّ أنَّهم يعتقدون أنَّهم مهما بلغوا في إنصاف أهل القتيل غير أنَّ الذي يستطيع عقاب هذا الجاني القاتل هو الله رب العالمين.  وفي مجتمعات الكدرو يحدِّد أسلوب القتل ونوع الآلة التي اُستخدمت في الجناية كيفيَّة ونوعيَّة العقوبة طبقاً للأعراف القبليَّة.  هذه صورة مصغَّرة من النظام الاجتماعي القديم الذي وجده البريطانيُّون والمصريُّون في جبال النُّوبة، فاعتمدوا عليه وطوَّروه مع إدخال بعض القوانين الجنائيَّة والمدنيَّة والأحوال الشخصيَّة عليه.
ويعيش في منطقة الجبال، بالإضافة إلى النُّوبة، بعض المجموعات العربيَّة - أو هكذا تطلق على نفسها - مثل المسيريَّة والحوازمة وأولاد حميد. وتنتشر في المنطقة كذلك أقلية من الفلاتة، ويقطن منطقة أبيي دينكا نقوك، الذين أتبع البريطانيُّون إدارتهم إلى كردفان (جنوب كردفان حاليَّاً) منذ العام 1905م، وباتت تشكل مشكلة في الصراع الدَّموي الدائر بين الشمال والجنوب.  كما اقتطع البريطانيُّون منطقة المجلد - موطن دينكا نقوك، تحت كبيرهم ملوال كيريجي - ومنحوها للعرب المسيريَّة لأسباب إداريَّة، أو هكذا زعموا. فالمسيرية قبيلة ذات قسمين هما المسيريَّة الزُرق والحُمر. أما المسيريَّة الزُرق فموطنهم حول جبل السنوط والمفرع، وينقسمون في كردفان إلى أولاد أم سليم والغزايا والديراوي وأولاد أبونعمان وأولاد هيبان. وقد دخلوا في نزاع مع قبائل كردفان "النوباويَّة" بغرض التوسع. وينقسم الحُمر إلى فرعين أساسيين: الحُمر العجايرة والحُمر الفلاتية، وموطن الحُمر بين البركة وشكا، ومن مراكزهم الأضية وأبو قلب، وفي فصل الدرت يقيمون في منطقة المُجلد. أما الحوازمة، فتقع منطقتهم إلى الشرق من الدلنج في جهات السنجكاية وأم علوان، وبعض القرى بالقرب من كادقلي. وتنقسم القبيلة إلى ثلاثة أقسام: عبدالعلي، حلافة، والرواوقة. ونسبة لتوغلهم في جبال النُّوبة فقد اختلط بعضهم بشعب النُّوبة حتى أنَّ بعضهم يسمى أولاد نوبة، وأخذوا كثيراً من اسماء النُّوبة (كوكو مثلاً)، وبعضاً من عاداتهم وثقافتهم مثل المصارعة ورقصة الكرنق. أما أولاد حميد فموطنهم حول تقلي، ويقولون إنَّ جدهم بابكر العباس من الجعليين(15) الذين نزحوا إلى كردفان في حوالي منتصف القرن الثامن عشر حيث أقام في منطقة بين الرَّهد وشركيلة وفي جنوب غرب تقلي. وفي تلك المنطقة تنازعوا مع الهبانيَّة وجانب من الحوازمة قبيل المهديَّة، وعند اندلاع الثورة المهديَّة حاولوا مقاومتها ولكنهم فقدوا كثيراً من رجالهم المحاربين فاضطروا إلى تأييدها والانضمام إليها. وفي كردفان اختلطوا ببعض القبائل الأخرى، كما تداخلوا في قبائل النُّوبة مما ساعد ذلك في تسرب بعض الدماء النُّوبيَّة إليهم. أما الفلاته فهم في الأصل من النيجيريين الذين حضروا طواعياً وسكنوا في السُّودان أو جلبتهم السُّلطات البريطانيَّة قبل الحرب العالمية الأولى للعمل في تشييد سد مكوار (سنار). وأكثر هجرة جماعية حدثت العام 1903م بعد معركة بورمي، حيث فرَّ حوالي 25,000 لاجئ فولاني واستوطنوا حول النيل الأزرق ومنحتهم السلطات البريطانية الأرض للفلاحة، وقد لعب الفلاتة دوراً رائداً في الاقتصاد السُّوداني على الرغم من المخاوف التي باتت تساور السطات البريطانية في العام 1910م نسبة لتزايد أعدادهم مما بات يشكل خطراً كامناً. ومن أعيان الفلاتة أحمد عمر، الذي جاء من إقليم سوكوتو في نيجيريا واستوطن في أم درمان، ثم نزح إلى جبال النُّوبة ووجه نداءاً للفلاتة للالتحاق به في الجبال، وقد استجاب لندائه عدد قليل.(16)  ويقيم الفلاتة في جبال النُّوبة في الفرشاية، التُّكمة، البرداب، وتقلي.(17)
وفي المبتدأ كانت كلمة كردفان ترمز إلى جبل كردفان، الذي يقع بالقرب من منطقة العين - إحدى محطات السكة حديد بين الأبيض والرهد. وهو اصطلاح أُحذ عن قول الأهالي (كلد فار) أي يغلي، وكلد هذا هو آخر ملوك النُّوبة الذين احتلَّت منهم قبيلة الغديات جبل كردفان، وكان من عادة هؤلاء التنقل خلف المرعى والماء فوجد بذلك اسم كردفان شيوعاً بين سائر السكان حتَّى صار يغلب على بقية المناطق.(18)
إنَّ أهم ما يميِّز المجموعات "النُّوباويَّة" المتباينة - إضافة إلى عادات الأفراح والأتراح - التعدُّد اللَّغوي، حيث أنَّ اللُّغة تلعب دوراً فعَّالاً في تحديد الفواصل العرقيَّة بين هذه المجموعات. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ سهول جوس في نيجيريا وجبال النُّوبة في السُّودان تُعتبر من أكثر مناطق أفريقيا تعدداً في اللُّغات.  وفي هذين الإقليمين لتجدنَّ القرى، التي تبعد بضع أميال عن بعضها البعض، تتحدَّث لغات مختلفة تماماً، "وأسأل القرية التي كنا فيها" (يوسف 12/82).  كما يبلغ تعداد متحدثي بعض اللغات مئات من المواطنين.  هذه اللغات قد تطوَّرت في غياب النفوذ الخارجي، حتى باتت تتميَّز بسمات لغويَّة خاصة.  وقد أثبتت الجغرافيا والتأريخ أنَّه كلما استوطن النَّاس بكثافة في مناطق جبليَّة كلما تعدَّدت وتنوَّعت اللُّغات وتركز التحدُّث بها في مجموعات صغيرة، وكذلك الحال في الحدود بين نيجيريا والكميرون وتشاد.  هذا التعقيد اللُّغوي يفسِّر تأريخاً طويلاً جعل هذه اللُّغات تتنوَّع، كما أنَّ هذه المناطق الجبليَّة يسهل الدفاع عنها، فقد أمست هذه الأقاليم مناطق لجوء، حيث استطاع المواطنون الأوائل الدفاع عن أنفسهم ضد القادمين الجدد، وبذلك حفظوا لغاتهم من الانقراض بالعكس لما حدث لسكان السهول الواطئة.(19) ويعرِّف علماء اللسانيات اللُّغة بأنها وسيلة للتخاطب والتخابر بين البشر، أمَّا اللَّهجة فهي الاستخدامات المختلفة للغة الواحدة بين الشَّعب الواحد أو المجتمعات المختلفة، فمثلاً لهجة الشايقيَّة في إطار اللغة العربيَّة السُّودانيَّة أو لهجة البقَّارة وغيرهما.  وبناءاً على هذا التعريف نجد أنَّ منطقة جبال النُّوبة تشتمل على عدة لغات ولهجات. إذن، كيف حافظ النُّوبة على لغاتهم وحملت المنطقة في أحشائها هذا الكم الهائل من اللَّهجات؟ ولعلَّ إقامة النُّوبة في المناطق الجبليَّة قد ساعدت على بقاء هذه اللُّغات الكثيرة المتنوعة، بل والمحافظة عليها من التغول الأجنبي، بينما وقع بقية سكان السُّودان القديم ممن سكنوا السهول فريسة الانصهار اللُّغوي مع المجموعات التي وفدت إلى السُّودان من كل فج عميق. كما أنَّ تفشي الحروب القبلية وانتشار تجارة الرق على أيدي عملاء الاستعمار في تاريخ المنطقة قد حالت دون اتصال النُّوبة ببعضهم البعض، فلم تختلط هذه اللُّغات فيما بينها، على الرَّغم من وجود بعض النُّوبة الذين يتحدَّثون لغات القبائل الأخرى بطلاقة. ويدل النقاء اللُّغوي المبين في جبال النُّوبة على مقدار تمسك النُّوبة بثقافاتهم واعتزازهم بهويَّتهم.  إذن، ماذا تعني اللُّغة بالنسبة لأيَّة مجموعة أثنيَّة؟  الجدير بالذكر أنَّ باللُّغات يمكننا الغوص في فطنة وحكمة الأجداد الهالكين، حيث أنَّ هذه الحكم المأثورة هي - في حد ذاتها - شهادة للتأريخ والقرون الماضية، لذلك تُوصف لغة أي شعب أنَّها روح ذلكم الشعب، ولا ريب أنَّ النَّاس ينظرون إلى لغاتهم ليس فقط كأدوات ماديَّة للتحادث والتخابر، بل كوسيلة من وسائل حفظ التراث.  وعليه، يحدثنا تأريخ الشعوب أنَّه ليست هناك وسيلة أكيدة في سبيل اختمار الفتنة وخلق المشكل السياسي غير اتِّخاذ سياسة لغوية وطنية تحاول محو اللُّغات القوميَّة الأخرى.  ولأهمية اللُّغة في حياة أية أمة، كتب أحد الأفارقة يقول: "كل القبائل واللُّغات ينبغي أن نسمح لها، أو نشجِّعها، أن تعيش حتى يدرك العالم ما هو مدفون تحت ثدييه.  إنَّ أهل فاي (في ليبيريا) قد يكون لهم غناء به يودون الإصداح، أو حكمة عنها يرغبون الإفصاح، أو صلاة بها يعتزمون القيام، أو قانون في تفسيرها هم يلحِّون؛ وكل هذه العناصر تعتبر مهمة في تقدُّم ونهضة الحضارة الإنسانيَّة.  فإذا تركنا لغة واحدة كي تموت نكون قد حرمنا العالم من إحدى مجوهراتها اللاَّمعة، لأنَّ اللُّغة هي الوسيط الوحيد الذي من خلالها تستطيع روح الإنسانيَّة أن تنفذ." فبالرَّغم من مجاورة النُّوبة للعرب واختلاطهم بهم في بعض الأحايين، وبالرَّغم من الحروب والنكبات التي ألمَّت بهم في بعض مراحل تأريخهم، بقي النُّوبة على ما تركه لهم أجدادهم الأوَّلون، وما بدَّلوا تبديلاً. إنَّ ما يقوم به مركز اللُّغات المحليَّة السُّودانيَّة، التي تأسَّست العام 1993م بمدينة أم درمان وبمساعدة خبراء من مجموعة سل (Summary Institute of Linguistics -SIL)، في بحث وتطوير اللُّغات والثقافات المحليَّة السُّودانيَّة يجد منا كل التقدير والإشادة، لأنَّه يهدف - فيما يهدف - إلى مساعدة منطقة جبال النُّوبة في كتابة لغاتها وثقافاتها والحفاظ عليها من الضياع، والاهتمام بالتُّراث والرقصات الشَّعبيَّة للقبائل اللُّغويَّة.  وهنا تجدر الإشارة إلى أن المركز قد أنجز - خلال برنامج عمله اللُّغوي - تأهيل الكوادر سنويَّاً في شكل كورسات وورش عمل تُعقد للقبائل اللُّغويَّة، وإصدار كتب دراسيَّة واعتماد مناهج ثقافيَّة في مجال لغاتها، وتوعية وتشجيع لجان القبائل اللُّغويَّة لإنشاء مراكز تعليميَّة للغاتها.
ومما سبق من تعليل لأهمية اللُّغة، قسَّم عالم اللُّغات الألماني الألمعي - كارل ماينهوف - اللُّغات النوباويَّة إلى ثلاث مجموعات هي: لغة الجبال الستة، اللُّغات السُّودانيَّة، واللُّغات التي تستخدم بادئة في ألفاظها.  وتشمل المجموعة الأولى نوبة جبل داير، دلنج، كُدُر، هبيلا، مجموعة كاركو (التي تضم دُلمان، كُندوكُر، كوُكنديكيرا، كاشا، وشيفر)، مجموعة خلفان (بالإضافة إلى جبال مورونج)، مجموعة كدرو، مجموعة والي (والي بوباي، والي كوروم، ووالي أبوسعيدة)، أبوجنوك، طبق، وحجيرات (وتضم كبجا، شنشان، بوشا، سيجا، طبق، وأبوقرين)، فندا، كونيت (وتعرف باسم كجوريَّة)، دبري، مجموعة نيمانج، ومجموعة مندل.  باستثناء نيمانج ومندل وأفيتي في جبل داير، تتحدَّث هذه المجموعات لغة واحدة وشبيهة بلغة الدناقلة في شمال السُّودان.(20)  وتعتبر لغات الجبال الستة - لغة النيمانج بالتحديد - وتيمين وبعض لغات النُّوبيين في شمال السُّودان، ومجموعة الدَّاجو تعتبر من مجموعة اللُّغات السُّودانيَّة الشرقيَّة، التي صنَّفها قرينبيرج في قسم شاري-النيل والذي ينتمي إلى لغات الصحاري-النيليَّة.  وحسب تصنيف قرينبيرج، تنقسم لغات النُّوبة إلى مجموعتين: المجموعة الكردفانيَّة، التي هي فرع من النيجر-الكردفاني، حيث أنَّ الفرع الآخر هو النيجر-الكونغولي، والمجموعة الثانية هي شاري-النيل.  ويقول علماء اللسانيات إنَّ لغات النُّوبة تنتمي إلى فصائل مختلفة.(21) وعليه، يمكن تقسيم النُّوبة إلى عشر مجموعات لغويَّة:
مجموعة "الأجانق" التي تقطن المناطق الشماليَّة والغربيَّة من جبال النُّوبة، ولها ارتباط لغوي مع النُّوبيين في شمال السُّودان وجنوب مصر. تُعتبر هذه المجموعة من المجموعات العرقيَّة الكبيرة، وتضم قبائل: جبل الداير، كُدُر، كدرو، دلنج، غلفان، كاركو، أو ما يعرف بالجبال الستة؛ وكذلك والي، أبوجنوك، طبق، كاشا، وشيفر (شمال شرق الجبال)، فندا، وكجوريَّة. ويقول رواة التاريخ التقليديون إنَّ أهل طبق حضروا إلى هذه البقعة قادمين من جبل الأضية في شمال كردفان في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي هرباً من هجمات الفور وغارات الحمر.(22)
مجموعة تقلي، وتشمل تقلي نفسها، رشاد، كيجاكجا، تقوي، توملي، موريب، وتورجوك. ومن اللُّغات المستخدمة في هذه المنطقة طقوقن وتيريفيت.  ويعتبر بحث هير في لغة تمولي، التي يتحدَّث بها مواطني مجموعة تقلي-تقوي في جبال النُّوبة، الأساس في دراسة الخلفية التأريخيَّة للُّغات السُّودانيَّة، والطليعة في دراسة اللُّغات النيليَّة بواسطة أوسين هوكير.(23)
مجموعة النيمانج، وتشمل قبيلة النيمانج، مندل، وأفيتي في الجانب الشرقي من جبل الدَّاير.(24) فالنيمانج ينحدرون من منطقة كوجيا الواقعة غرب الأضية غرب كردفان (دارفور الحالية)، فالنيمانج هم النُّوبة الوحيدون الذين يتسمون بأسماء ترجع لمنطقة دارفور مثل الفاشر ودارفور.(25)
وحدة كتلا التي تضم قبيلة كتلا، جلد، وتيما.
مجموعة تُلشي-كُرُنقو في المنطقة الجنوبيَّة من جبال النُّوبة، وتضم تُلشي، كيقا، ميري، كادقلي، كاتشا، كُرُنقو، وجزء من أبو سنون.
مجموعة تيمين، وتشمل قبيلة تيمين، كيقا جيرو، تيسي أم دنب، وجزء من والي. وتتفرع قبيلة والي نفسها إلى: والي بوباي، والي السُّوك، والي أم كُرم، والي كرندو (جوار كجوريَّة)، ووالي أبوسعيدة.
مجموعة كواليب-مورو، وتضم كواليب، هيبان، شواي، أطورو، تيرا (الأخضر، ماندي، ولُمون)، مورو، كما تشمل هذه المجموعة فنقور، كاو، نيارو،(26) وورني في أقصى جنوب-شرق الجبال في المنطقة المتاخمة للنيل الأبيض.
مجموعة تلودي-مساكين، وتشمل تلودي، الليري، مساكين (طوال وقصار)،(27) أشرون، تاكو، تورونا، وكوكو-لُمون.
مجموعة لافوفا، وتضم لافوفا نفسها وأميرة.
مجموعة داجو،(28) وتضم داجو، لقوري، صبوري، تالو، وشات (الدمام، صفية، وتبلديَّة)، ومجموعات صغيرة في أبوهشيم وأبوسنون.
وقد اعتبرت الحكومات المركزية، التي تعاقبت على سدة الحكم في الخرطوم، اللُّغات واللهجات المحلية - بما فيها لغات النُّوبة - أحد العوائق التي تعرقل مسيرة الوحدة الوطنيَّة في السُّودان. وقد سماها البعض رطانات (جمع رطانة وتعني لغواً لا يُفهم)، وقد ادَّعى البعض بأنَّها غير مكتوبة، وأخذ البعض الآخر بالتجهيز والاجهاز عليها ريثما تحل محلها اللُّغة العربية والثقافة الإسلامية. فقد جنح رواد التربية في السُّودان "في مضمار السَّعي لتحسين أداء صغار التلاميذ في مناطق السُّودان الناطقة بغير العربيَّة بتوصي إدخال الناشئة، في هذه المناطق، المدرسة في سن أبكر من رصفائهم في المناطق التي فيها العربية لغة أم (...) من قبل أن تتمكن منهم العجمة".(29)  وهذ العجمة التي يخشى رجال التربية على التلاميذ تمكنها منهم هي - في عبارة أخرى - لغاتهم التي ورثوها عن أمهاتهم وأبائهم وأسلافهم. ولا يضير الوطن بشئ إذا نشأ الناشئة وهو يتحدث عدة لغات، مع العلم أن الطفل في مثل هذه السن المبكرة قادر على اتِّقان أكثر من لغة دونما أية مشقة. أما هؤلاء الذين يتشدَّقون بأنَّ لغات النُّوبة غير مكتوبة، فإننا نقول لهم لقد وجدنا في المدارس الوسطى كتاب المطالعة بلغة النيمانج (Nyimang Reader)، وهنالك نسخاً من الإنجيل بلغات تيرا وهيبان وعطورو وغيرها، بل هناك دراسات وبحوث في لغات النوبة وهي في انتظار قرار سياسي لكيما تبدأ تدريسها للأطفال. وقد بدأت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في تنفيذ ذلكم البرنامج لربط الطفل بالبيئة والثقافة المحلية التي تكوِّن هوية وشخصية النُّوبة.
تذخر جبال النُّوبة بموارد طبيعية، وكانت هناك مناجم للذهب في تيرا مندي، دونقور، تيرا الأخضر، عطورو، شيبون، لوخا، شواي، وتقلي. وقد أدرك مزيج من العاملين باللسانيات والآثار والحفريات والتأريخ - منذ وقت مبكر - أن اشتغال سكان النُّوبة الأوائل بالتعدين يؤكد حقيقة أزلية ما زلنا نرددها ألا وهي أنَّ أسلافهم سكنوا المنطقة الممتدة بين النيل والبحر الأحمر، وتوغَّلوا إلى الجبال لحظة اشتداد "الغزوات" المصرية عليهم. في العام 1791م نزحت عائلة عربية من المسلمية في النيل الأزرق - نتيجة حرب قبلية - واستوطنت في جبل شيبون، وأطلقت على نفسها اسم "شوابنة"، وأصبحت هذه العائلة حلقة وصل بين التجار الجلابة والنُّوبة - أصحاب المناجم. وقد تقهقر سكان شيبون الأصليون - دوليب وهم أقرب إثنياً إلى المورو - إلى شواي. وازدهرت شيبون وأمست مركزاً تجارياً هاماً في جنوب كردفان في الفترة 1770- 1882م.
لم تقتصر هوية "الشوابنة" على الاسم فحسب، بل بات الذراري خليطاً بين العرب والنُّوبة، ويتكلمون لغة هجينة بين العربية ولغة تيرا. وارتبط مصيرهم في الماضي بمملكة تقلي، وكان عبدالرحمن بن يوسف نائباً لملك تقلي في شيبون. وإنَّ الطقوس الدينية التي كانت تقام حول المناجم في كل من شيبون وتيرا مندي وبمشاركة عينيَّة من ملك تقلي، تدحض الآراء التي ظل المؤرخون الإسلاميون يردِّدونها وهي أنَّ تقلي كانت إسلامية مملكة وملكاً. فما هي هذه الطقوس وعلام كانت تُقام؟ كان يرسل ملك تقلي - مع الوفود الزائرة إلى مملكته - ثوراً أسوداً، وماعزاً أسوداً، وديكين أسودين ليتم ذبحها حول المنجم. أما الكجور، الذي كان صاحب قوة ما وراء الطبيعة، وتقع على عاتقة حراسة الذهب، فيخصه الملك بطاقية أم قرنين ومئات من السوار، والكلاب التي كانت مصدراً غذائياً هاماً يومئذٍ. وينقسم "الشوابنة" إلى بطون صغيرة هي: مسلمية، جموعية، حسبالاب، ورياش.(30)  ومن شدة ما أعجبهن ذهب شيبون بدأت الحكامات (المغنيات الشعبيات) من عرب الحوازمة، والكواهلة، وأولاد حميد في جبال النُّوبة يصدحن بالأغاني، وفيما يلي نورد بعضاً منها:
إنَّ وزن دهب شيبون مرجَّح مايل، شوف ذات الدهب فوق الدهب كيف خايل.
دهب شيبون اللكيك - طول عمري بغني ليك.
دهب شيبون الغالي ولونه جميل من فراقك أنا ما بنوم الليل.
دهب شيبون الجمروه قلبي بريده والنَّاس أبوه.
ولعل من نافلة القول أن نذكر أنَّ هناك تواجد بشري، في شكل أفراد أو جماعات، للتجار الجلابة (The haughty, cosmopolitan merchants) في مدن جبال النُّوبة المختلفة.(31)  وقد ازداد حضور هؤلاء التجار إلى المنطقة مع انتعاش زراعة القطن قصير التيلة في العام 1924م، وانتشار مشاريع الزراعة الآلية في هبيلا وكرتالا في السبعينيات من القرن المنصرم، فوجدوا التربة الصالحة والعمالة الرخيصة فأثروا ثراءاً فاحشاً. وقد تدخَّلت الدولة والبنك الدولي بتمويل هذه المشاريع، وأدَّت سياسات الفلاحة غير الرَّشيدة إلى استهلاك التربة وتعرية الجبال من الغطاء النباتي، وانقراض حيوانات متوحشة كانت بمثابة ثروة حيوانية للمنطقة. وأصبح الزحف الصحراوي يهدِّد هذه الجبال بما تنذر بكارثة طبيعية وشيكة، وبات الأهالي ينتابهم القلق بما حلَّ بديارهم من تغييرات بيئية ومناخية.


النُّوبة في الإطار الإقليمي
تناقلت وكالات الأنباء - المرئية والسمعية والمقروءة - نبأً مفاده أنَّ الجنرال عيدي أمين دادا قد استعان بأفراد من قبيلة الكاكوا - التي ينتمي إليها وتقطن شمال-غرب يوغندا وجنوب السُّودان - وكذلك قبيلة النُّوبي في الجيش اليوغندي للاستيلاء على السُّلطة في كمبالا في العام 1972م. وقد أصبحت هذه القوة المسلَّحة - فيما بعد - العمود الفقري لنظام عيدي أمين طيلة الثمانية أعوام التي قضاها في إدارة البلاد والعباد. كما أنَّ قوة تعدادها 3,000 جندي نوبي من الكتيبة الاحتياطيَّة في معسكر بوندو هي التي أخَّرت انهيار واندثار نظام عيدي أمين. فما هو سر وجود هذه القوة الضاربة في الأرض اليوغنديَّة؟ وما هي علاقة أفرادها بالسُّودان؟
بعد بزوغ الثورة المهدية (الانتفاضة المسلحَّة بلغة العصر) في السُّودان، ونجاحها في تصفية نظام الحكم التركي-المصري العام 1885م، أمسى أمين باشا - حاكم المديريةَّ الاستوائيَّة - منقطعاً عن العاصمة، الخرطوم. وعلى الفور بدأ ستانلي، جاكسون، وبيترس في سباق مع الزَّمن، كل يريد أن ينقذه. وقد يتساءل البعض عن هويَّة وأهميَّة أمين الذي ذاع صيته، والذي قد لا تعرف عنه الأجيال المعاصرة إلاَّ لماماً؟ نشأ أمين وتعلَّم في ألمانيا، وتنقَّل في بلدان وأمصار الشرق الأوسط واعتنق الإسلام. كان أمين طبيباً، عالم نبات، العالم بالطيور، لغوي يتحدَّث اللُّغة الألمانيَّة، الفرنسيَّة، الإنجليزيَّة، الإيطاليَّة، التركيَّة، العربيَّة، الفارسيَّة، اليونانيَّة العاميَّة، ولغات سلافيَّة. وصل الطبيب اليهودي-الألماني المدعو إدوارد شينترز (Eduard Schnitzer) إلى الاستوائية في جنوب السُّودان بعد أن عمل في تركيا. بعد وصوله ادَّعى أنَّه تركي ويُدعى أمين أفندي. ولعل أمين أفندي هذا، بالرَّغم مما أُوتي من نفاق، لم يستطع اقناع الرفاق جيسي الإيطالي وغردون البريطاني بهويَّته المزوَّرة.(32) كان هذا هو الشخص الذي أوكل إليه إدارة المديريَّة الإستوائيَّة في جنوب السُّودان، حيث لم يكن - في بادئ الأمر - على اطِّلاع تام بدقائق وخصائص المنطقة. لكنه طاف المنطقة بجبالها وسهولها وخبر أهلها وتعلَّم عاداتهم وتقاليدهم. وفي المبتدأ - حين كانت الثَّورة المهديَّة في أوجها - رفض أمين الإذعان إلى فكرة الجلاء وترك الخلاء الذي عاش فيها ردحاً من الزمان، ولكن علَّمته تجاربه الحياتيَّة أنَّ الطأطأة أمام الريح قد تكون ضروريَّة في بعض الأحايين. وفي خضم هذا المزج في المبادئ والحسابات، حزم أمين أمتعته وغادر جنوب السُّودان.
ووسط حالة القلق من المصير المجهول، جاء ستانلي منقذاً لأمين وجنوده السُّودانيين. "وفي أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأت فلول جيش أمين بك في الانسحاب جنوباً هرباً من جيوش المهديَّة، بدأت هذه الفلول في الاستقرار في شرق أفريقيا، بينما كان أمين مواصلاً انسحابه صوب المحيط الهندي. استقرَّت فلول جيش أمين بك، التي اعتنقت الإسلام، في مناطق أروا الحالية وبمبو التي تقع على بعد 20 ميلاً من العاصمة كمبالا، وفي منطقة عنتيبي. كما استقرَّ جزء منهم بمدينة أروشا بتنزانيا، وفي نيروبي في حي يسمى كيبيرا، ولقد ساهم هؤلاء النفر، والذين عُرِفوا فيما بعد باسم "النُّوبي"، في نشر الإسلام وأصبحت لهم لغتهم الخاصة، والتي سُمِّيت بلغة النُّوبي وهي خليط من اللُّغة العربيَّة بلكنة محليَّة."(33)  ويبلغ تعداد قبيلة النُّوبي في كينيا حوالي 10,000 نسمة، حيث يتراوح عددهم في كيبيرة في نيروبي بين 3,000 - 6,000 شخص، ويستخدم النُّوبيُّون اللُّغة السواحيليَّة في التخاطب مع المجموعات غير النُّوبيَّة، ويتحدَّث 30% منهم اللُّغة الإنجليزيَّة، مما يعني أنَّ نسبة التَّعليم فيهم ضئيلة.  فكيف كان الوضع السياسي والاجتماعي في يوغندا قبل وبعد نزوح هؤلاء الجنود السُّودانيين إليها؟
كانت يوغندا عبارة عن ممالك متفرقَّة، وكانت بوغندا إحدى هذه الممالك العريقة التي حكمت قلب يوغندا قبل وصول الأجانب من كل حدب ينسلون. وفي العام 1848م، بينما كانت هذه المملكة تحت حكم كاباكا (الملك) سونا، وصل أول عربي إليها. لكن في حقيقة الأمر، فإنَّ المدعو سايم كان مزيجاً بين العروبة والأفريقية (Mulatto)، وتبعه بعد العام عيسى بن حسين وهو جندي آبق من قوات سلطان زنجبار العربي، وعمل هذا الأخير مستشاراً للملك سونا. وحينما زار سناي بن أمير المملكة العام 1852م، وجد هذا المستشار في بلاط الملك وقد تبوَّأ مكاناً عليَّاً. وقد بدأ النمو والنفوذ العربي يتزايد في يوغندا بشكل مضطرب، وبوصول المبشِّرين المسيحيين الأوربيين وجدوا بها مستعمرة عربيَّة، حيث كان يمارس العرب تجارة العاج والرقيق. وكان يُقايض أثنين من الذكور ببندقية واحدة، أو قماش أحمر مقابل ذكر واحد، أو 100 طلقة بمعدَّل أنثى واحدة. على الرَّغم من أنَّ العرب كانوا يقومون بنشر التعاليم الدينيَّة، غير أنَّ هدفهم الرئيس كان العمل في التجارة، وبالتَّالي لم يستطيعوا أسلمة مجموعة كبيرة من المواطنين. وفي العام 1875م قابل الرحَّالة هنري ستانلي موتيسا الأول - ملك بوغندا - وكتب رسالة نيابة عن الملك ونشرت في صحيفة "الديلي تيليغراف" اللندنية، يتوسَّل فيها إلى المبشِّرين المسيحيين في الحضور إلى مملكته. وقد بدا جليَّاً أن موتيسا، الذي بات يتوجَّس خيفة من الوجود التركي-المصري في جنوب السُّودان، في حاجة ماسة إلى السِّلاح لتأمين مملكته شمالاً. وجاء البريطانيُّون البروتستانتيُّون العام 1877م، وتبعهم الفرنسيُّون الكاثوليكيُّون العام 1879م، وشرعوا في تنصير شيوخ المملكة والبلاط الملكي، حيث أنَّ موتيسا كان يمارس بعض الشعائر الإسلاميَّة كصومه لشهر رمضان في الفترة 1867-1876م. وعند مجئ المسيحيَّة أصبح الدين أداة للتنافس والتناحر السياسي. وبعد وفاة موتيسا في العام 1884م قامت حرب طائفيَّة بين المسلمين والمسيحيين بتشجيع الأجانب للطَّرفين، والتي انتهت بهزيمة المسلمين وتعيين الكاثوليك الملك موانقا خلفاً لموتيسا. وبناء على ما سبق أمسى الملك الجديد أسيراً لقوى سياسيَّة أجنبيَّة دون أن يتمتَّع بحق التسيُّد عليها.
بعد إبرام اتفاق مع الملك موانقا - ملك بوغندا - ركَّز اللورد لوقارد جهوده على اخضاع المسلمين، الذين كانوا يدعون أنفسهم حزب محمد. ومما ساعد لوقارد في حملته ضد المسلمين توحيد الكاثوليكيين والبروتستانتيين تحت راية واحدة وتكوين جيش بوغندي قوي من الطَّائفتين تحت قيادة أبولو كاقوا. وفي العام 1891م هُزم المسلمون في موقعة بوقانقادزا، وقد حالت الأمطار الغزيرة دون وصول جنود أبولو إلى بونيورو - معقل المسلمين. ونتيجة للأحداث اللاحقة يبدو أن اللورد لوقارد استطاع اخماد التمرُّد دون أن يعمل على إزالة أسباب تفجُّر الصراع. غير أنَّ فكرة إحياء التمرُّد لم تمت في نفوس المسلمين، وفي العام 1893م ظهر حزب سياسي يسمى حزب محمد وطفق يطالب بصلاحيات سياسيَّة أكثر من المشيخات الثلاثة الممنوحة لأتباعه. بيد أنَّ الذي جعل هذا التحرُّش أمراً خطيراً وجود الجنود السُّودانيين تحت قيادة سليم بك، والذين لم يخفوا تعاطفهم مع المسلمين الحانقين على أوضاعهم السياسيَّة. وبما أنَّ الجنود السُّودانيين كانوا مسلمين أنفسهم، فقد خشيت السُّلطات الإنجليزيَّة أنَّه في حال نشوب عصيان مسلَّح من المسلمين، وتضامن الجنود السُّودانيين معهم فسيكون من الصعب جداً استتباب الأمن وعودة الحياة إلى طبيعتها. وبالتالي تحركت السلطات مسرعة وهزمت المسلمين مستخدمين عناصر من البروتستانتيين البوغنديين، وتم تجريد الحامية السُّودانيَّة في ميناء أليس (عنتيبي حالياً) من السلاح واعتقال سليم بك. لقد أدى تحرُّك النقيب ماكدونالد - الذي آلت إليه مقاليد السُّلطة في كمبالا بعد ذهاب السير جيرالد بورتال - إلى درء خطر حرب أهلية وشيكة كادت أن تندلع. وقد لعب الجنود السُّودانيون، الذين اشتهروا بشدة المراس، دوراً فعيلاً في هزيمة الملك كاباريقا في أرض بونيورو - غرب يوغندا، وكذلك في إنهاء تمرُّد الملك موانقا - وأتباعه - بعد أن ثار ضد الإنجليز حينما بدأت نفوذه تنحسر وتنهال عليه قيود المبشرين المسيحيين من كل فجٍ. تجذَّرت قناعة في ذهن موانقا بأنَّه لايمكن أن يعيش أسيراً لأهواء الكهنة المسيحيين الذين يتدخَّلون في عادات وتقاليد القبيلة بما فيها منع تعدد الزيجات وغيرها، ومن ثمَّ ثار على الوضع القائم يومذاك. وما أن أنهت السلطات البريطانيَّة تمرد موانقا عنوة واقتداراً حتى ظهر خطر جديد بات يهدِّد الوضع. كان هذا الخطر آت من الجنود السُّودانيين الذين استخدمتهم السُّلطات البريطانيةَّ كأداة فعالة لتطويع الوضع الأمني في غرب وشرق وجنوب-غرب البلاد. بدأت المشاكل تطفو إلى السَّطح عندما أُمر هؤلاء الجنود بالتوجه شرقاً صوب وادي الداما تحت قيادة الرائد ماكدونالد، وذلك بغرض اكتشاف منابع نهر جوبا، وصد الزحف الفرنسي من الكنغو والحبشة والخطر المهدوي في جنوب السُّودان، في الوقت الذي كان السير كتشنر زاحفاً نحو أم درمان - عاصمة الدولة المهديَّة في السُّودان. ويعُزى أسباب اندلاع التمرُّد وسط الجنود السُّودانيين إلى التغيير المستمر في قيادة أولئك الجنود، وقلة الأجور التي كانوا يتقاضونها بالمقارنة مع رصفائهم في مناطق أخرى من شرق أفريقيا، علاوة على أن هذه الأجور قد بلغت متأخراتها ستة أشهر. غير أنَّ أحد قيادات التمرُّد - مبروك أفندي - كان يبغي بهذا العصيان إثارة الوضع آنذاك لخلق ظروف تسمح بالسيطرة على السُّلطة في يوغندا لصالح المتمرِّدين السُّودانيين، وهكذا استخدم الأسباب الفعليَّة للتذمُّر كوسيلة لتحقيق مآربه. ويمكن اعتبار مسألة التنقُّلات الكثيرة في أرجاء يوغندا أمراً لم يكد يقبله الجنود السُّودانيُّون الذين أنهكتهم الحرب، وما هي إلاَّ أياماً معدودات حتى اُستدعوا من الجنوب بغرض خوض غمار الحرب وويلاتها في مكان قصي من البلاد.
وأيَّاً كانت الأسباب، فقد اندلع العصيان العسكري في 23 أيلول (سبتمبر) 1897م بالقرب من وادي الداما، الذي كان بمثابة بؤرة تجمع قوات ماكدونالد. وحينما عجز كل من ماكدونالد وجاكسون من الايفاء بشروط الجنود السُّودانيين، زحف الجنود نحو بوغندا، يقتلون وينهبون حتى استقر بهم المقام في قلعة لوبا. ولم تفلح محاولات الرائد ثرستون، الذي كان على رأس العسكر في يوغندا، في إقناع المتمرِّدين بالاستسلام، بل سقط رهينة في يدهم مع أثنين آخرين من الأوربيين الذين قُتلوا جميعاً فيما بعد. نصب ماكدونالد، ومن معه من الجنود السواحيليين والبوغنديين، حصاراً حول لوبا. وعلى الرَّغم من الهجوم المكثف على القلعة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1897م حتى كانون الثاني (يناير) 1898م، صمد الجنود السُّودانيُّون أيما صمود. وقد أدَّى تبادل النيران إلى قتل شقيق ماكدونالد وكذلك بيلكنجتون - أحد المبشرين المسيحيين الذي قام بترجمة الإنجيل إلى لغة اللُّوغندا، وأصبح يشار إليه بالبنان في يوغندا. فبينما ظل القلق ينتاب ماكدونالد، قامت السُّلطات البريطانية بارسال تعزيزات عسكريَّة من الجنود الهنود من أرض جوبا وبومباي، وأصبح الوضع ينذر باحتمال تمرد بقية الجنود السُّودانيين في بونيورو، تورو، بودو، وكمبالا. ومما زاد الأمر سوءاً ظهور موانقا كرة أخرى وإعلانه اعتناق الإسلام، وجمع فأوعى 2,000 جنديَّاً مسلَّحاً. وفي هذه اللَّحظة انسحب ماكدونالد غرباً لمواجهة موانقا، فانتهز السُّودانيُّون الفرصة وتوجَّهوا صوب بونيورو للإلتحاق بالحاميات السُّودانيَّة فيها، ولا سيَّما أنَّها أبدت رغبة أكيدة للإنضمام إلى العصيان. لقد تمَّت السَّيطرة على الوضع بعد وصول الملازم سكوت مع الجنود الهنود واستطاع أن يجرِّد حاميات بونيورو من السِّلاح ويوقف زحف السُّودانيين إليها. تمركزت القوة الأخيرة من المتمرِّدين في كاباقامبي على بحيرة كيوجا، الذين قُضى عليهم في شباط (فبراير) 1898م، وفرَّ فلول منهم عبر البحيرة وأصبحوا يغيرون على نقاط الحكومة من حين لآخر حتَّى تمَّ تشتيتهم بواسطة مليشيات من قبيلة لانجو في العام 1901م. وبهزيمة الجنود السُّودانيين ماتت الفكرة التي داعبت مخيلة مبروك أفندي عسى ولعلَّ أن تصبح إحدى الأهداف الممكنة.(34)  
مما مضى من حديث نجد أنَّ النُّوبة، أو النُّوبي كيفما أو حسبما شئت أن تسمِّيهم، قد أسهموا في تأطير الحياة الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والسياسيَّة في شرق أفريقيا، حتى أمسوا الآن جزءاً أصيلاً من شعوب المنطقة.  فلم يكونوا ظاهرة تراثيَّة أو أنثروبولوجيَّة عابرة تنتهي بانتهاء مرحلة من مراحل التطوُّر الاجتماعي والتأريخي، بل أمسوا جزءاً أساساً من التركيب الحيوي للمجتمع، وبالتَّالي لا يمكن إنكار فعاليتهم في حركة التغيير الاجتماعي والسياسي كما شهدنا في يوغندا، بما فيها من استغلال العامل الدِّيني - الإسلام أو المسيحيَّة - كأداة رائسة في تأجيج الصِّراع السياسي والقبلي.  لقد تمَّ هذا التداخل الإقليمي في عهد لم تكن هناك حدود سياسيَّة، وأضحى النُّوبي - بالرَّغم من تغيُّر الزمن والأوضاع السياسيَّة - وحدة اجتماعيَّة بلغتها وعاداتها وتقاليدها الرَّاسخة، التي حافظوا عليها من البوار والاندثار.  هذا ما كان من أمر النُّوبة في الإطار الإقليمي، فما يدريك عن دورهم في الإطار الدَّولي؟


النُّوبة في الإطار الدَّولي
ففي عهد الخديوي سعيد باشا أُرسِل جنود سودانيون إلى المكسيك (1863-1867م) لمساعدة الإمبراطور ماكسيميليان في الحرب الأهليَّة المكسيكية، وقد أبلوا بلاءاً حسناً.  إذ وصف الأمير عمر بسالتهم في رسالة له منشورة في مصر العام 1933م بعنوان "بطولة الأورطة السُّودانيَّة-المصريَّة في المكسيك".  وفي إحدى المعارك، التي اشترك فيها السُّودانيُّون في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1863م، كتب حاكم فيراكروز - في رسالته إلى القائد العام: "هذا الاشتباك قد توَّج السُّودانيين، الذين تحمَّلوا أعبائه ونالوا من المكافأة أرفع الشأن، حيث أنَّهم لم يأبهوا بكثافة النيران التي تلقوها من العدو الذين زادوا عليهم بنسبة تسعة إلى واحد، ولكنَّهم هزموهم في نهاية الأمر."  غير أنَّ بسالتهم هذه لم تلق الاهتمام من الدوائر الفرنسيَّة إلاَّ في الدراسات الطبيَّة، حيث أنَّ السُّودانيين لم يتأثَّروا بالحمى الصفراء التي كانت تفتك بالأوربيين فتكاً شديداً.  وقد عزا هؤلاء الأطباء الأوربيُّون سبب مقاومة السُّودانيين إلى طبيعة الزنوج، ولا مراء أنَّ أغلب هؤلاء الجنود كانوا من النُّوبة الذين اصطادوهم رقيقاً من جبال النُّوبة وتجنيدهم في جيوش الحكومة التركية-المصريَّة، حيث ورد في عدة مصادر أنَّ حوالي 200,000 منهم قد أُسِروا وأُخِذوا مصفدين إلى مصر حتى العام 1839م، وآلاف أخرين قد استاقهم عرب السهول المحيطة بهم وباعوعم للنخاسين العرب في الأسواق المحليَّة.(35)  وفي رسالة أخرى من فيراكروز إلى القائد العام في 22 نيسان (أبريل) 1864م، ذكر الراسل: "إنَّ الجيش المصري-السُّوداني يتقدَّمون بطريقة تؤكِّد شجاعتهم في المعارك ضد عدو متفوق عليهم عدداً، لكنَّهم ما يزالون في مستو عال من البسالة - كما شهدنا سلفاً.  لذلك، كذلك، لم يكد القائد العام أن يكتم إعجابه بهم إلاَّ أن يكتب إلى رؤسائه في وزارة الحرب الفرنسيَّة في 12 تموز (يوليو) 1864م يخبرهم عما شهد من الوقيعة.  فماذا دوَّن الكاتب في الخطاب؟  كتب قائلاُ: "إنَّ روح الجنود المصريين-السُّودانيين، التي لا تسمح لهم أنفسهم بترك سجين حرب على قيد الحياة، قد لمعوا في ساحة الوغى.  لم أشاهد في حياتي هذا العزم الأكيد والإصرار الفريد مثلما رأيتهما في هذ المعركة.  إنَّ عيونهم تحكي عما في مشاعرهم، ولهم من الشجاعة حظ عظيم، إنَّهم ليسوا ببشر، بل قسورة."  إنَّ المجنَّدين والعسكر، الذين تم تجنيدهم من كردفان ودارفور، قد نالوا إعجاب البوليس المصري في الإسكندرية لحظة مغادرتهم إلى المكسيك في 28 كانون الأول (ديسمبر) 1862م.  وقد عاد الجنود السُّودانيُّون - عن طريق باريس حيث نالوا أعلى الأوسمة الحربيَّة في فرنسا - إلى الإسكندريَّة في 28 آيار (مايو) 1867م، وكان في استقبالهم الخديوي إسماعيل باشا، خليفة سعيد باشا.(36)  
حين وصل السير صمويل بيكر إلى الخرطوم في كانون الثاني (يناير) 1870م وجد وسط العسكر الذين سوف يصطحبونه إلى مديريَّة الإستوائيَّة ضباطاً ممن خدموا في الحملة المكسيكيَّة.  ومن هؤلاء الضباط الرائد عبدالله، النَّقيب مرجان شريف، النَّقيب عبدالله، الملازم مرجان، والملازم فيرتك (؟)، وقد اصطحبوا السير صمويل بيكر - بعد عامين من وصوله إلى الخرطوم - إلى أرض أشولي وبونيورو اليوغنديَّة.  وفي منطقة بونيورو أصبح الرائد عبدالله قائداً على حامية فاتيكو، وقد اصطدم مع النخاسين في هذه المنطقة مرات عديدة.  كذلك كان الرائد عبدالله من مستقبلي العقيد شالي لونج، مبعوث الجنرال غوردون إلى الملك موتيسا - عظيم بوغندا.(37)  
في هذا البحث، الذي أوجزنا فيه السَّرد التأريخي وظروف الجغرافيا وعامل السياسة والتعدُّد الأثني واللُّغوي في جبال النُّوبة، استخدمنا نهج الخاص إلى العام، وإن كنَّا نعلم يقيناً أنَّ البعض يفضلون منهج العام إلى الخاص.  ومهما يكن من أمر المنهج، فقد تتبَّعنا حياة النُّوبة في السُّودان القديم والحديث، وإسهامهم إقليميَّاً في شرق أفريقيا، ودوليَّاً عبر المحيط الأطلسي إلى المكسيك لخوض معارك ضد أقوام لم يكن لنا معهم من شجار.  بيد أنَّ هذا الإسهام المحلِّي والإقليمي والدَّولي لم يُكسبهم من أهل الحل والعقد في الخرطوم إلاَّ بطشاً، لا لسبب إلاَّ لأنَّهم يودُّون الحفاظ على تراثهم وتقاليدهم وأديانهم.  فقد بدأ رجال أحزاب الشمال الإسلاميَّة يجادلوهم بالقرآن ما وسعهم الجدال، وحين رأوا أنَّ الجدال قد أصبح قليل الغناء، لجأوا إلى الكيد، ثمَّ إعلان الحرب الجهاديَّة عليهم.  وما الحرب التي ظل النُّوبة في سبيلها يتحمَّلون العنت والعسف إلاَّ للحفاظ على هويتهم ضد الذين يلهثون في محوها - أو على الأقل - يبغون أن يبقوهم بحيث لا يظهرون إلاَّ إذا كانوا لغيرهم تبَّعاً.  فقد رفض النُّوبة أجمعون الإذعان لشروط الاستسلام، إلاَّ الذين رضوا بالإفتئات على (أو من) موائد الاضطهاد، والشواذ ضعاف الآفاق، والشاذ لا حكم له.  فقد رفع النُّوبة الشعار الذي كان يبادي به الشَّاعر أبو نواس من يخاصمه كما كان يبادي به من يغريه بالجاه والسلطان:
وما أنا بالمشغوف ضَرْبَة لازبٍ        ولا كلّ سلطانٍ عليَّ أمير!
كان أحرى بحكام السُّودان الحديث تنمية هذه اللُّغات الوطنيَّة في الجبال وغيرها في أرجاء الوطن الواسع وإمطارها بالرِّعاية الحكوميَّة، وتقليص هيمنة ثقافة واحدة على غيرها، لأنَّ المشكلات الناشئة في السُّودان اليوم أصلاً سببها التقاء ثقافتين ودينين - أو أكثر - مختلفين، ولا تُحل هذه المشكلات إلاَّ عن طريق التَّفاوض الذي ينتج عنه الاحترام المتبادل وقبول الآخر بهيئته.  إنَّ الاحتقان النَّاجم عن حالة التعدُّديَّة الثقافيَّة والإثنيَّة الصَّارخة في البلاد يستلزم إجراء توازن بينها وبين الوحدة.  إذ على السُّودانيين أن يدركوا بأنَّ أية محاولة للقفز على التُّراث وحقائق الحياة إنَّما هي إنكار للواقع والتأريخ، وعدم الإعتراف بالتَّنوُّع قد كلَّفنا ثمناً باهظاً.

خلاصة
مما أوردناه من بحث يتضح أنَّ منطقة جبال النُّوبة ظلَّت - وما زالت - موطن إثنيات عرقية متباينة.  وقد عاشت هذه المجموعات المختلفة في هذه المنطقة - بالرَّغم من أحداث التأريخ الشائكة وعوامل الجغرافيا الشَّاقة - حياة تتخلَّلها حروبات قبليَّة كانت معظمها لإشباع رغبات الحكومات المركزيَّة منذ العهد التركي-المصري في السُّودان (1821-1885م) حتَّى هذه اللَّحظة.  إذ استخدم الأتراك قبائل البقَّارة في حملاتهم للحصول على الرقيق من النُّوبة، واستخدمهم المهدي لإخضاع النُّوبة، واستغلَّهم البريطانيُّون لإخماد تمرد وعصيان النُّوبة، وكذلك فعلت الحكومات الوطنيَّة بعد زوال نظام نميري العام 1985م في "التطهير العرقي" ضد النُّوبة بإعتبارهم متمرِّدين و"مرتدين".  بيد أنَّ الذي يجمع بين هذه المجموعات البشريَّة هو اشتراكها في الفقر والجهل والمرض؛ هذا الثالوث الاجتماعي لم يجد عناية فائقة من أهل الحكم في الخرطوم، وزادت الأوضاع سوءاً بُعيد وصول الحرب الأهليَّة إلى هذا الجزء من السُّودان.  إنَّ السَّلام والوئام هما مطلبين عزيزين لكل مجتمع ينشد الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصاديَّة والعدالة الاجتماعية، لذلك كان لزاماً على السلطات المحليَّة والمركزيَّة بحث سبل بسط الأمن والطمأنينة في الفئات البشرية التي تقطن هذه الديار قبل اللَّهاث وراء السَّلام الشامل (Charity begins at home).  وهنا يمكن الاستعانة بنظرية "التكافل الإجتماعي"، التي استخدمها الدكتور ناديل في دراسته الأنثروبولوجيَّة لمجتمعات النُّوبة، كما أسلفنا الحديث عنها.  فقد كانت هناك ميكانيكيَّة نوباويَّة لفض النزاعات وحل الصراعات داخل المجموعة الواحدة أو تلك التي تنشب بين المجموعات الإثنيَّة المختلفة، بما فيها المجموعات العربيَّة التي استوطنت في المنطقة وتنوبنت (أي أمست أو تبنَّت تقاليد وعادات نوباويةَّ).  وباستخدام العرف السائد والقانون المعمول به نجحت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في عقد اتفاقات سلام وتعايش سلمي مع قبائل البقَّارة في المنطقة؛ نذكر منها اتِّفاق برام العام 1993م، ريجيفي العام 1995م، وكين العام 1996م.(38)  استشعاراً لأهميَّة السَّلام والأمن على شعوب المنطقة، فقد وصَّى المؤتمرون - فيما وصَّوا - في مؤتمر كاودا في جبال النُّوبة، الذي انعقد بين الفترة من 2-5 كانون الأول (ديسمبر) 2002م، على ضرورة عقد مؤتمر سلام بين النُّوبة والقبائل غير النُّوباويَّة المستوطنة في المنطقة في سبيل الوصول إلى معايير وأسس التعايش السلمي و"التكافل الاجتماعي".  وتهدف هذه التَّوصية إلى إزالة الفجوة المأساويَّة بين الماضي والحاضر، كما تسعى لبناء مستقبل زاهر يمكن الاستفادة منه في غرس المفاهيم الرَّاشدة حول السَّلام، رحماً بالنَّاس وإشفاقاً عليهم ألاَّ يتورَّطوا في الخلاف والمراء فيما لا ينبغي فيه خلاف ولا مراء.  ولا نحسب أنَّ النُّوبة - بعد هذا الظلم والاضطهاد - سوف يصرُّون على الاقتداء بالهاييتيين في القرن التاسع عشر حين انتفض الأرقاء المحرَّرين في جزيرة هاييتي وهزموا البريطانيين والفرنسيين والأسبان، ومن ثَمَّ أقسم الأمين العام للمنتفضين أن يستخدم الهاييتيُّون الأحرار جمجمة الرجل الأبيض كمحبرة وجلده كورق والدم بدل الحبر لكتابة إعلان الاستقلال العام 1804م.(39)  بل سيقتدي النُّوبة بكلمات قائدهم الرَّاحل يوسف كوة مكي في قصيدته "أفريقيتي":
(...) سأبني حضارتي
وعندها سأمد راحتي
وسأغفر لمن تعمَّد طمس هويَّتي
لأنَّ المحبة والسَّلام هي غايتي
غير أنَّ هذه المغفرة والصفح الجميل سوف لا يشملان القتلة الفجرة، الذين تلطَّخت أياديهم بدماء النُّوبة الأبرياء التي سُفِكت والأنفس الزكية التي أُزهِقت والمؤودة التي قُتِلت.
لم تعش منطقة جبال النُّوبة في أي وقتِ مضى بمعزل عن القوى الخارجيَّة التى وفدت إلى السُّودان سواءأ من الشمال، الشرق أم الغرب، بل كانت المنطقة ملتجأ للفارين - حذر الموت - من الاضطرابات السياسيَّة والتحوُّل البيئي في وداي نهر النيل؛(40) وتبدو سمات هذا التداخل البشري جليَّاً في التعدُّد العرقي والثَّقافي والدِّيني في المنطقة.  غير أنَّ السلطات المركزيَّة حاولت استغلال هذا الوضع لمصالحها السياسيَّة ودأبت على تفتيت هذا النسيج الاجتماعي الذي يعاني أصلاً من تصدع.  لذلك لم تسر حكومة البشير نجاحات الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في إبرام الاتِّفاقات سالفة الذكر، وكادت كيدا جبَّاراً في إفشالها.  وما يجري اليوم في منطقة تقلي شر مثال لما نقول.  فقد شهدنا كيف استباحت بعض المجموعات الرعويَّة زراعة المواطنين عنوة بقوة السلاح في منطقة تقلي، دون وازع ضمير أو رادع من سلطان، يحملهم زهو النصر وغلواء البطر.  فالرعاة المدجَّجون بالسلاح الناري لا يتردَّدون في إطلاق النار على المزارعين العزل، وقد بلغت حالات القتل بالرصاص للمزارعين الذين تجرأوا لمنع البهائم من الزراعة 17 حالة حول مدينة العباسيَّة وحدها، مما اضطرَّ وفد من المنطقة، برئاسة الأمير مختار جيلي وعضوية عدد من العمد والمشايخ، لزيارة الخرطوم ليجأرون بالشكوى للمسؤولين في الحكومة المركزيَّة.  فإنَّ عجز الجهات المختصة عن ردع المعتدين القتلة أو التواطؤ معهم يعطي الضحية حق طبيعي في البحث عن سبل أخرى للدفاع عن النفس والعرض والمال.(41)  كان هذا النوع من الاعتداءات وتقاعس السلطات هو أحد الأسباب التي دفعت النُّوبة للالتحاق بالحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان للحصول على السلاح في سبيل حماية النفس والذود عن العرض، وإنَّ ما يجري اليوم في دارفور لتأكيد لذلك.  عليه، فإنَّا لنرى تحت الرَّماد وميض نار، وإنَّا لنخشى لها ضرام.

هوامش وإحالات
(1) كثرة الفتن والحروب الأهليَّة سبباً في تفرُّق قبائل سبأ في أنحاء جزيرة العرب، حتى ضربوا به المثل في التفرُّق فقيل تفرَّقوا أيدي سبأ.  وكان في مملكتهم سد عظيم هدَّه سيل العرم في اليمن، والعرم جمع عرمة كفرحة وهي سد.
(2) أنظر د. شوقي الجمل: تأريخ سودان وادي النيل: حضاراته وعلاقاته بمصر من أقدم العصور للوقت الحاضر، الجزء الأول، القاهرة، 1969م.
Vantini, G, Christianity in Sudan, Bologna, 1981; and Stevenson, R C, The Nuba People of Kordofan Province: An Ethnography Survey, Khartoum University Press, 1984.
(3) يقول البروفسير عبدالله الطيب في صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 6/4/1999م إنَّ المريس من "المَرَس" - أي الحبل إذ كان البحارة يضطرون إلى جر المراكب بالحبال في هذا الإقليم، ومن المعلوم أنَّ "المريسة" شراب ضعيف الإسكار يصنع من الذرة ويمرس بالأيدي قبل أن يجعل في آنية الشراب. ومريسة - من مرست شيئاً في الماء إذا وضعته فيه لينقع. وتقول بعض المصادر إنَّ المريس كلمة قبطية معناها الجنوب.
(4) Herodotus, The Histories, Edinburgh, 1954.
(5) MacMichael, H A, The Tribes of Northern and Central Kordofan, Cambridge, 1912.
(6) Newbold, D, Some Links with Anag of Gebel Haraza, Sudan Notes and Records, 1924, Vol 7, No 1; and Newbold, D, The White Nuba of Jebel Haraza, and White Races of North Africa, Sudan Notes and Records, Vol 7, No 2, 1924.
(7) Bell, H, An Extinct Nubian Language in Kordofan, Sudan Notes and Records, 1973, Vol 54.
(8) الدكتور عبدالعزيز أمين عبدالمجيد، التربية في السُّودان: من أول القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر والأسس النفسيَّة والاجتماعية التي قامت عليها، الجزء الأول، القاهرة، 1949م.
(9) صحيفة "الرأي العام": 23/1/1999م.
(10) صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 20/10/1997م.
(11) Meinhof, C, Sudan Notes and Records, Vol 3, No 4, 1920.
(12) Caputo, R, Sudan: Arab-African Giant, The National Geographic Magazine, Vol 161, No 3, March 1982, Pages 346-378.
(13) صحيفة "الرأي العام": 31/1/1999م.
(14) Nadel, S F, The Hill Tribes of Kadero, Sudan Notes and Records, Vol XXV, Part I, 1942; Nadel, S F, The Nuba: An Anthropological Study of the Hill Tribes in Kordofan, Oxford, 1947; Hawkesworth, D, Sudan Notes and Records, Vol XXIX, Part I, 1948; and Salat, J, Reasoning as Enterprise: The Anthropology of S F Nadel, 1983.
(15) Holt, P M, A Modern History of the Sudan: From Funj Sultanate to the Present Day, London, 1961.
للمزيد من الإيضاع عن مدلول جعل ونسب الجعليين إلى العباس عم النبي صلى الله عليه ةسلَّم أنظر المقال الجيِّد الذي سطره علي حليب باسم "الأصل الزنجي لأسماء المدن السُّودانيَّة... المعاني والأبعاد"، سودانايل: 7/5/2003م.
(16) Manger, L O, From the Mountains to the Plains: The Integration of the Lafofa Nuba into Sudanese Society, Uppsala, 1994.
(17) أنظر سراج الدين عبدالغفار عمر: تأريخ الصراع في جبال النُّوبا: الفترة 1984م - 1996م، الخرطوم، 1996م.
(18) عوض عبدالهادي العطا، تاريخ كردفان السياسي في المهديَّة (1881م - 1899م)، الخرطوم، 1973م.
(19) Africa Today, London, 1996.
(20) Hawkesworth, D, The Nuba Proper of Southern Kordofan, Sudan Notes and Records, Vol XV, Part II, 1932.
(21) صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 20/10/1997م؛ صحيفة "الاتحادي الدوليَّة": 21/10/1997م.
MacDiarmid, D N, Notes on Nuba Customs and Language, Sudan Notes and Records, Vol X, 1927; MacDiarmid, P A and MacDiarmid, D N, The Languages of the Nuba Mountains, Sudan Notes and Records, Vol XIV, Part II, 1931; Stevenson, R C, Linguistic Research in the Nuba Mountains - I, Sudan Notes and Records, Vol 43, 1962; Stevenson, R C, Linguistic Research in the Nuba Mountains - II, Vol 45, 1964; Stevenson, R C, The Present Position of Research in the Nuba Mountains Languages, Directions in Sudanese Linguistics and Folklore, co-edited by Sayyid Hamid Hurreiz and Herman Bell, Institute of African and Asian Studies, Khartoum; Hair, P E H, A Layman’s Guide to the Languages of the Sudan Republic, Sudan Notes and Records, Vol 47, 1966.
(22) الحَمر والحُمُر من بطون القبائل العربيَّة التي تسكن شمال كردفان.
Henderson, K D D, Nubian and Nuba, Sudan Notes and Records, Vol 18, Part II, 1935.
(23) Hair, P E H, The Brothers Tutschek and their Sudanese Informants, Sudan Notes and Records, Vol 50, 1969.
(24) Kauczor, P D, The Afitti Nuba of Gebel Dair and their Relation to the Nuba Proper, Sudan Notes and Records, Vol VI, No 1, 1923; Hawkesworth, D, The Nuba Proper of Southern Kordofan, Sudan Notes and Records, Vol XV, Part II, 1932; and Bolton, A R C, The Dubab and Nuba of Jebel Daier, Sudan Notes and Records, Vol XIX, Part I, 1936.
(25) صحيفة "الشرق الأوسط": 4/9/1998م.
(26) Kingdom, F D, Bracelet Fighting in the Nuba Mountains, Sudan Notes and Records, Vol XXI, 1938; Riefenstahl, L, The People of Kau, London, 1976.
إنَّ خير من وصف قيم وعادات النُّوبة في منطقة الكاو-نيارو هو الأستاذ عباس مصطفى صادق في روايته "محنة الكاو".  وفي هذه القصة يعمد المؤلف إلى رسم صورة واقعية لحياة الناس في جبال النُّوبة، وما يمارسونه من طقوس في بعض المناطق.  ويروي الأستاذ صادق،  في هذه الرواية، ظروف الجفاف والتصحُّر التي جثمت - بأثقالها المرهقة الشَّاقة - على حياة النَّاس في منطقة الكاو، حيث اختلط فيها البؤس والفقر بالجهل والتخلف (صحيفة "الوفاق": 20/2/1999م).

(27) Luz, O and Luz, H, Proud and Primitives, The Nuba People, The National Geographic Magazine, November 1966; and Riefenstahl, L, The Last of the Nuba, London, 1973.
قدَّم لوذ دراسة اجتماعيَّة عن مساكين قصار وطوال تتضمَّن طريقة معاشهم ومناسك الدَّفن وطقوس الحصاد وسبل الزراعة والحصاد والمصارعة وغيرها.
(28) Sudan Notes and Records, Vol V, 1922; Hillelson, S, Notes on the Dago: with special reference to the Dago settlement in Western Kordofan, Sudan Notes and Records, Vol VIII, 1925; and Macintosh, E H, A Note on the Dago Tribe, Sudan Notes and Records, Vol XIV, Part II, 1931.
(29) الدكتور عبدالله بولا: شجرة نسب الغول في مشكل الهويَّة الثقافية وحقوق الإنسان في السُّودان، مجلة "مسارات جديدة"، العدد الأول، أسمرا، أغسطس 1998م.
(30) Dunn, S C, Native Gold Washings in the Nuba Mountains Province, Sudan Notes and Records, Vol 4, No 3, 1921; and Bell, G W, Shaibun Gold, Sudan Notes and Records, Vol 20, Part I, 1937.
(31) نشرت صحيفة "الخرطوم" بتاريخ 9/5/1994م الورقة التي قدَّمها الدكتور جون قرنق - رئيس الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - أمام المؤتمر الأفريقي السَّابع، الذي عُقد في كمبالا - يوغندا - في نيسان (أبريل) 1994م. وفي تلك الورقة قال رئيس الحركة الشَّعبيَّة إنَّ الجلابة جماعة اجتماعيَّة تطوَّرت ونمت في السُّودان منذ القرن الخامس عشر، وقد لعبوا دوراً في تجارة الرقيق، وامتلكوا القوة الاقتصادية والاجتماعية، التي تحولَّت إلى قوة سياسية وورثوا السلطة من المستعمر وطبقوا أيديولوجية العروبة والإسلام السياسي لحماية مراكزهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع السُّوداني.
(32) Trench, C C, Charley Gordon: An Eminent Victorian Reassessed, London, 1978.
(33) صحيفة "الإتحادي الدَّوليَّة": 29/11/1998م.
(34) March, Z and Kingsnorth, G W, An Introduction to the History of East Africa, Cambridge University Press, 1965.
(35) Strachan, R, With the Nuba Hillmen of Kordofan, The National Geographic Magazine, Vol XCIX, No 2, November 1951.
(36) Kirk, R, The Sudanese in Mexico, Sudan Notes and Records, Vol 24, 1941.
(37) Thomas, H B, Notes on the Sudanese Corps in Mexico (1863-1867) and on Fort Magungu, Uganda Journal, Vol 8, Part I, 1940, Pages 28-32.
(38) Suliman, M, The Nuba Mountains of Sudan: resources, access, violent conflict and identity, London, 2001.
(39) The Economist, March 6, 2004.
بالرَّغم مما أبدوه الهاييتيُّون من حقد وموجدة ضد الرَّجل الأبيض، إلاَّ أنَّهم لم يستطيعوا الانفكاك من قبضته.  حيث أنَّ هذا الرجل الأبيض بدا دائماً دخيلاً في شؤون هذه الجزيرة منذ مجئ الرحَّالة كولومبوس العام 1492م حتى مغادرة الأب جون-بيرتراند أرستيد في 29 شباط (فبراير) 2004م.  فقد بدأت كوارث هاييتي بالتَّعويضات، ثم الحظر الاقتصادي، وأخيراً المؤامرات.  ففي العام 1915م تدخَّلت القوات الأمريكيَّة لأسباب زُعِمت بأنَّها إنسانيَّة، غير أنَّ الهدف الرئيس كان مبطناً في تقليم النفوذ الألماني في المنطقة والحفاظ على المصالح الأمريكيَّة.  فقام المحتلُّون الأمريكان بتشييد البنى التحتيَّة والقضاء على الأمراض الإستوائيَّة، بيد أنَّ الاستخدام القسري للعمال قد أدَّى إلى نشوب انتفاضة ثانية قُتل فيها آلاف من الهاييتيين، وفرض عليهم الأمريكان دستوراً فوقيَّاً، ونصبوا رئيساً ضعيفاً تابعاً، وخرجوا من البلاد العام 1934م.  بيد أنَّ تدخُّلات "العم سام" في شؤون هاييتي الدَّاخليَّة لم تنته بعد، حيث ساندت الإدارة الأمريكيَّة دكتاتوريَّة دوفاليير ضد ما أسمته شيوعيَّة كاسترو في كوبا حتى الانتفاضة الشعبيَّة العام 1986م، وساعدت الحكومة الأمريكيَّة في نفي دوفاليير الإبن خارج البلاد.  ثم من بعد نجئ إلى انقلاب الجنرالات الذين أطاحوا بحكومة أرستيد الأولى العام 1991م، ذلكم الانقلاب الذي تشير أصابع الاتِّهام إلى وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة أنَّها وراءه.  أيَّاً كانت الجِّّهة المنفِّذة لهذا الانقلاب، فقد فرَّ أرستيد المخلوع إلى أمريكا حتى قامت إدارة الرئيس بيل كلينتون بإعادته إلى السُّلطة العام 1994م.  وأخيراً - وربما ليس بالفصل الأخير - قامت أمريكا بإقناع (أو اختطاف) أرستيد واقتياده إلى المنفى الاختياري (أو الإجباري) في جمهوريَّة أفريقيا الوسطى.
(40) Davidson, A P, In the Shadow of History: The Passage of Lineage Society, London, 1996.
(41) صحيفة "ألوان": 25/1/2004م.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
الدكتور عمر مصطفى شركيان
إرث الاسترقاق والمشكل السُّوداني
إنَّ الأدب الاستعلائي الذي انتشر في شبه الجزيرة العربيَّة، كما أسهبنا فيه في مستهل هذا البحث، سار بهم العرب عندما هبطوا السُّودان على ظهور الخيل أو على كل ضامر.  وتفاقم الوضع الاجتماعي في عهد السُّلطنة الزرقاء بعد أن اتَّخذوا الإسلام لهم ديناً، والعربية لغة وثقافة ثم هُوية لهم لتفادي غزو الأتراك-المصريين، الذين أفلحوا فقط في استبطاء الغزو. وساهم الخريجون الأوائل بأدبهم وتعليمهم ومنتدياتهم الفكرية في تكريس ذلكم المفهوم الأحادي (الإسلاموعروبي) في مؤتمر الخريجين، وقد قرأنا كيف كان يتبارى القوم في الخرطوم وواد مدني في تقليد العرب في أشعارهم ومناظراتهم كما حدثنا عنهم الأستاذ حسن نجيلة في سفره القيِّم "ملامح من المجتمع السُّوداني".  وفي الحق، يقول قائل: "عندما تتسيد الفصاحة على الخطاب السياسي - كما حدث بالأمس ويحدث اليوم - يُسحَق الفكر، ويعتري السياسة هُزال وغثاثة".  وهكذا أنتج هذا الاستهلاك الأدبي غلاة وأصحاب عواطف ومحاباة.  ولا ريب أنَّ ذلك الغلواء وتلك المحاباة وجدا سبيلهما إلى أدمغة السودانيين - باستثناء فئة قليلة في بعض الحلات النَّادرة، والنَّادر لا حكم له - في شمال السُّودان حتى بات جزءاً رائساً في تكوين عقلية "أهل الحل والعقد" في هذا القطر المتعدِّد الأعراق والمترامي الأطراف.  وعليه، بدا هذا السلوك الاقصائي للآخر يأخذ طابعاً سياسيَّاً واجتماعيَّاً ودينيَّاً في المجتمع السُّوداني بعدما وفَّرت له الدَّولة كل السبل عن طريق الممارسة والتسلُّط والقهر، والمحاكاة في الأسرة، التي هي نواة المجتمع، والمدرسة التي تصوغ الشخصيَّة حسبما ترتضيها الدَّولة.
والجدير بالذكر، فإن مسألة الانتماء القومي هذه أمست إحدى جوانب المشكل السُّوداني، الذي اصطلح عليها السُّودانيون اسم الهُويَّة. وقد قتل الدكتور الباقر العفيف مختار هذا الموضع بحثاً، فنوصي القراء أن يطلبوه ويقرأوه.  درس الدكتور مختار هذه المسألة الشائكة بعق منفتح وغطى جوانبها التأريخية - بما فيها من إرث تجارة الرِّق في السُّودان - والاجتماعية والسياسيَّة، والنفسيةَّ مستخدماً منهج بحثي علمي في غاية الأهمية وفيه شئ من المجهود كثير.  ومن خلال تتبعنا الأحداث السياسيَّة في الشرق الأوسط، علمنا - علم اليقين - أنَّ العرب ينظرون إلى السُّودان بصفتهم فئة وسطى بين الأفريقية والعروبة، في بعض الحالات، أو أفارقة لا غير، في حالات أخرى، ومن ثَمَّ اعتمد عليهم العرب في حل خصوماتهم وفض نزاعاتهم.  ويبدو ذلك جليَّاً في الأمثلة الآتية: فعندما اندلعت الحرب الأهلية في اليمن في الستينيات من القرن الماضي وتورَّطت فيها الحكومة المصرية والمملكة العربيَّة السَّعوديَّة، لم يجد الرئيس المصري - جمال عبدالناصر - والعاهل السَّعودي - الملك فيصل - غير وزير خارجيَّة السُّودان، محمد أحمد محجوب، لإصلاح ذات البين والتوفيق فيما شجر بينهما، وقد بذل المحجوب جل وقته محاولاً التوفيق بين الأشقَّاء العرب في الوقت الذي كان فيه جنوب السُّودان يشتعل حرباً أهلية ضارية. وقد شهدنا أنَّ العرب يمَّموا وجوهم شطر الخرطوم العام 1967 م لعقد مؤتمرهم الشهير "بمؤتمر اللاءات الثلاثة" للتنديد بالعدوان الإسرائيلي على الدول العربيَّة المجاورة لها.  وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي - كذلك - أوفد زعماء الدول العربيَّة المجتمعون في القاهرة الرئيس السُّوداني الأسبق جعفر محمد نميري إلى الأردن لإحضار رئيس منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة - ياسر عرفات - إلى القاهرة لمصالحته مع العاهل الأردني - الملك حسين - بعد الأحداث الدمويَّة التي جرت بين المنظمة والمملكة الأردنيَّة الهاشميَّة.  وفي تلك الأثناء استفاد العرب من تهور وطيش نميري الذي كان في ذلك الزمان غريراً أرعناً، ومعيناً من طاقة لا ينضب، وإلاَّ ماذا يعني إيفاد رئيس دولة إلى دار حرب وسط دوي المدافع وأصوات الرصاص لاستصحاب أحد طرفي النزاع إلى طاولة المصالحة؟ وقد طلعت علينا الصحف السُّودانيَّة حينئذٍ بالعنوان البارز التالي: نجا الرئيس نميري من إطلاق النَّار بالأردن!  إذاً، هل الشخصيَّة السُّودانيَّة في شمال السُّودان مأزومة أم لا؟
إنَّ الشخصيَّة السُّودانيَّة في شمال السُّودان السياسي تعاني من "ازدواجيَّة الضمير" (Double consciousness).  إذ أنَّ هذه الازدواجيَّة تجعله ينظر إلى نفسه من خلال عيون عنصر آخر - وهو العربي.  وتشتمل هذه الازدواجيَّة على أنَّه شخصين متباينين، وروحين منقسمتين، وفكرتين متنازعتين في جسد واحد ذي بشرة سوداء.  وكما قلنا - سلفاً - فقد ساعدت الدَّولة في ابتناء هذه السياسة منذ عهد السلطنة الزرقاء في سنِّار العام 1405 م، وكذلك تحت السيادة الأجنبيَّة، حيث رُجِّحت العروبة كأداة سياسيَّة عسكريَّة لاستمرار الدَّولة وديمومتها.  ومما لا ريب فيه أنَّ "التركيَّة رجَّحت كفة العروبة عندما قرَّرت البحث عن رقيق قادر على حمل السلاح دون مقابل أو أجر، وفي تلك المرحلة بدت العروبة كما لو أنَّها المقابل للعبوديَّة اجتماعيَّاً واقتصاديَّاً وثقافيَّاً، فأضحت العروبة خطاً سياسيَّاً انتقائيَّاً للتعبير عن الحريَّة التي يتمتَّع بها أفراد لم يخضعوا لضرورات عبوديَّة الدولة".  وقد عزَّزت الإدارة البريطانيَّة-المصريَّة هذه الفكرة (1898 - 1956 م)، وسار على نهجهم دعاة الاستقلال وقادة الحكم الوطني إلى يومنا هذا.
فقبل أن يصبح رئيساً للوزراء في السُّودان في العام 1986 م، طاف السيد الصادق المهدي في دول شرق أفريقيا، وعندها وقف معلناً على الملأ - الذين اجتمعوا حوله - أن فشل الإسلام في جنوب السُّودان يعد إخفاقاً من قبل السودانيين المسلمين منهم، لأنَّهم لم يستطيعوا حمل راية الإسلام إلى العالميَّة.  وأضاف الصَّادق قائلاً: "إنَّ للإسلام بعثة مقدَّسة في أفريقيا، ويُعتبر جنوب السُّودان نقطة انطلاق لتلكم البعثة".  هذا ما ردَّده الدكتور غازي صلاح الدين العتباني حينما كان يترأس أحد وفود حكومة "الإنقاذ" في مباحثات السَّلام بين الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في نيروبي - حاضرة كينيا - مما أدهش رؤساء الإيقاد، الذين هم أفارقة، كما أنَّهم كلهم نصارى أجمعين أبتعين.  هذا هو حال السُّودان بما فيه من عصر الحكم الغشيم، والفتنة السياسيَّة، والتطرف الفكري، وأخذ الناس بالغيبة المكفوفة والرغبة الجامحة في تصدير القلاقل والتوتُّر إلى كل مكان قريب أو بعيد.  إنَّ اختلاف الآراء وتنازع المصالح ينشآن من عدة تناقضات؛ هذه التناقضات تتولَّد من حقائق جغرافيَّة واجتماعية، وقد تتكوَّن بأسباب دينيَّة، وتأريخيَّة واقتصاديَّة، وسياسيَّة، ونفسيَّة. وقد وجدنا كل هذه التناقضات في شخصيَّة الصَّادق المهدي وكان هو أحد المساهمين في تدمير هذا البلد غير الأمين.  إذ أنَّ الشخصيَّة القوميَّة تعني مجموع القيم والأنماط النفسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة، التي تتميَّز بها الأمة عن غيرها من الأمم.  عليه نجد أنَّه من العسير جداً أن نجد شخصيَّة سودانيَّة تحمل في أحشائها هذه المكوِّنات لكيما يلتف حولها الناس، وذلك نسبة للتعدُّد الدِّيني، والثقافي، والعرقي الذي يتصف به السُّودان.
سواءُ علينا إن شئنا أم أبينا فالسُّودان اليوم سقيم ومرضه يكمن في مخلفات تأريخ الرق، التي باتت تنتج نفسها بصورة مستبطنة تظهر نتائجها النتنة في التهميش الاقتصادي والاقصاء الثقافي وحرمان التمثيل المتكافئ في السلطة المركزيَّة وغيرها.  إنَّ السلطة السياسيَّة والاقتصاديةَّ والعسكريَّة، بهذه القسمة الضِّيزي، مكثت في أيدي أقليَّة محتكرة من شمال السُّودان النيلي (Riverain North) ردحاً من الزمان حتَّى أزرى بهم الدَّهر.  وهكذا استحوزت هذه الفئة على كل شئ على حساب الأغلبيَّة المهمَّشة.  إنَّها تتحكم في الاقتصاد، وتصدر القرارات رُخاء في الاستثمار والأجور وفي الشأنين القومي والعالمي، وتتربَّع على الجَّيش، وتسيطر على وسائل الإعلام والتَّعليم والحياة العامة.  وتسمَّى هذه الظاهرة الاحتكاريَّة للسُّلطة لدي علماء الاجتماع بمفهوم المحصلة الثابتة في السُّلطة (A constant-sum concept of power)، حيث تتركز المصالح الذاتيَّة في أيدي نفر من قابضي السُّلطان الذين هم في صراع دؤوب مع رعاياهم.  وهم على ما يفعلون - أو قل فيما يفعلون إن شئت - يؤثرون على أنفسهم دون أن تكون لهم شمائل خاصة أو صفات نفسيَّة تميِّزهم عن عامة النَّاس. وما نقول إلاَّ ما شهدنا.  ذلك مرض تم تشخيصه منذ زمان ليس بقصير، والذي يرفض رفضاً باتاً صرف الدواء هم أولئك الصفوة الحاكمة، لما في أنفسهم من ضغينة كثير توهماً بأن الوضع الجديد قد يذهب بكل ما استحصدوه من مال وجاه. وداء عضال أخر استفحل في هذا البلد هو التطرف الديني لدين واحد بعينه - الإسلام.  وقد ذهب غيري - ممن لهم بسطة في العلم والقلم - في التحليل لهذه الظاهرة مذاهب شتى، مما يغنينا عن الخوض فيه أكثر من ذلك، وقديماً قالوا: لا يُفتى ومالك في المدينة.
وقد حمل الغلواء في المسائل التعبديَّة دولة أفريقيَّة أخرى - ألا وهي نيجيريا - إلى تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في بعض الولايات دون مراعاة حقوق مواطنيها غير المسلمين.  وكانت نتيجة هذا الطيش إزهاق أرواح بريئة في أعمال عنف احتجاجيَّة بين  صفوف المواطنين في الوطن الواحد.  غير أنَّ الشيخ إبراهيم ذكذاكي - أحد علماء الإسلام في نيجيريا - كان له رأياً مخالفاً لما وقع فيه الولاة النيجيريون أصحاب الغلو في الدِّين.  كان يجادل الشيخ ذكذاكي بأنَّ تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في دولة نظامها غير إسلامي سوف يجعل من الدِّين أداة لقهر المواطنين البسطاء، بينما يبقى الحكام والولاة فوق القانون.  وهذا ما يحدث في سودان البشير اليوم، كما حدث في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في الثمانينيات حينما أصبحت الشريعة الإسلاميَّة سوط عذاب مسلطاً على الفقراء والمساكين والخصوم السياسيين، وكان القاسم المشترك في كلا النظامين هو الدكتور حسن عبدالله التُّرابي.  كان حرياً بدعاة الإسلام السياسي في السُّودان أن يتركوا أمر انتشار الإسلام في المجتمع السُّوداني وماوراء حدود السُّودان أن ينساب بصورة تلقائيَّة وأن يأخذ منحى طبيعيَّاً لا حد السيف والتصريحات الهوجاء، كما شهدنا، لأنَّ الله قادر على حماية هذه الدعوة، وفعَّال لما يريد.  حيث أنَّ حركة تفاعل المجتمع كفيلة بتحديد مدى سرعة أو بطء حركة التغيير، كما حدث في بعض مجتمعات شمال وغرب السُّودان أثناء حقب تأريخيَّة مختلفة.  إنَّ محاولة تغيير أسلوب حياة الناس بالقوة قد يولد قوة مضادة ربما تكون أكثر عنفاً واقتداراً.  فكل شئ يحمل في صميمه جرثومة نقيضة، ويخوض المعركة مع النَّقيض، ويتطوَّر طبقاً لطبيعة الصراع.
ومما لا جدال فيه أنَّ لكل مجتمع محاسن ومآخذ.  وإنَّ هذه المحاسن والمآخذ مغروسة في نفوس الناس بواسطة الأسرة والتربية والعقيدة والبيئة والمفاهيم الاجتماعية.  فلا يعني هذا أنَّ الدين - كائناً ما كان - يمكن أن يكون مستودع المساوئ دون اعتبار العوامل الأُخر المذكورة أعلاه.  فتجارب الأمم وقصص الأولين والآخرين فيها تخابير مستفيضة في حق شخوص ناصروا أدياناً غير ذلك الذي يدينون له امتناناً على أصحاب الحق ورأفة بهم.  وفي هذا الصدد يقول فولتير (1694 - 1778 م): إنَّني لا أوافقك فيما تزعم، لكنَّني على استعداد للدفاع عن حقك - حتَّى الموت - في القول عما ترغب الإفصاع عنه (I disapprove of what you say, but I will defend to the death your right to say it) .  ففي السُّودان شرع المسلمون في بناء مسجد أم درمان الكبير، ثم انقطعت بهم النفقة، وظلَّ المسجد دون سقف، حتِّى مر بالمسجد شاعر مسيحي، أوجعه أن يعجز المسلمون عن إكمال مسجدهم، فأطلق قصيدة يعزِّي ويكفكف دموعه.  والقصيدة أطلقت دموع المسلمين فأكملوا مسجدهم.
ومثلما ألهب الشاعر السُّوداني المسيحي مشاعر المسلمين وأتموا بناء مسجدهم، انقذ الخليفة عمر بن الخطاب أضخم كنيسة عند النَّصارى- كنيسة القيامة - لتبقى في أيدي النَّصارى، ولا تذهب للمسلمين بعد أن أوشك النِّصارى أن يضيِّعوها.  وحينما زار القدس ومضى في جولة يتفقد أحوال مواطنيه، أدركته الصلاة وهو يزور كنيسة القيامة هذه.  فلما طلب منه القسيسون أن يصلِّى الظهر مكانه داخل الكنيسة رفض، وكان تبريره للرفض هو أنَّه إذا صلَّى فيها لا يمضي طويل زمان حتَّى يغلبكم عليها المسلمون، وهم يقولون: "صلَّى عمر هنا" ويجعلونها مسجداً.  وصلَّى عمر خارج الكنيسة، ولم يمض طويل زمان حتَّى أقام الناس مسجداً حيث صلَّى عمر وهو "مسجد عمر اليوم في فلسطين".  اعتبر عمر الخليفة كنيسة المسيحيين أمانة في عنق الدولة تحفظها الدَّولة المسلمة لأصحابها حتَّى إن فرَّط فيها أصحابها.  ويقوم تعامل الأديان بين الناس بمقدار "شخصيَّة أولي الأمر منهم" ومدى إيمانهم بالعدل والمساواة.  والخليفة العبَّاسي جلد طبيبه النَّصراني مائة جلدة لما قام الطبيب النَّصراني هذا بالبصق على رسم يمثِّل السيدة مريم العذراء. كان لعمر بن الخطاب رؤية، وذلك لدرايته بطبائع أهله المسلمين، الذين قد يستبد بهم الأمر ويحطِّمون الكنيسة لكي يبنوا محلها مسجداً.  ولنا فيما  جرى في الهند في التسعينيات عبرة حين هب الهندوز وثبة رجل واحد وهدُّوا مسجد أيودا ليشيِّدوا على أطلالها معبداً للإله رام، وقد زعموا أن المسجد - الذي كان يصلي فيه المسلمون حتى قبيل تحطيمها - هو في الأساس معبد قديم لهم إستبدله المسلمون المغول الغائرون مسجداً في زمن كانت الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة تمتد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولنا نحن في السُّودان كنيسة دنقلا التي قُلِبت مسجداً.  وقد أسفر عمل الهندوز هذا عن أعمال عنف طائفية راحت ضحيتها آلاف الأرواح.  ومهما يكن من أمر الهندوز والمسلمين في الهند، ففي السودان شهدت كنائس كُثر، لا كنيسة واحدة، تحطيماً مدمِّراً من قبل زبانية  نظام الفريق عمر حسن أحمد البشير في المدائن (الخرطوم بحري) والضواحي والأرياف.  ليس هذا فحسب، بل حُرِّقت مساجد ومصاحف في جبال النُّوبة بواسطة جموع المجاهدين، الذين يُرسلون لإخضاع أهالي هذه المنطقة بقوة السِّلاح، وفيما هم يقومون بذلك الحريق إذ يردِّدون قولتهم: أحرقوا مساجد العبيد!  هؤلاء هم النُّوبة المغلوبين على أمرهم، فلم يكد يحميهم شئ غير انطلاقهم إلى شَعَف الجبال فيتحرَّزون فيها خوفاً من معرِّة الجيش. هذا هو أمر النظام القائم في سبيل إخضاع الشعب على نحو بروكرستيزي (Procrustean).
فلو كان الإكراه بمقدوره أن يأتي بنتائج أيجابيَّة لأفلحت الحكومة النرويجيَّة أن تفرض اللُّغة النرويجيَّة على لابلاند، أي أرض الللاب، الذين يسمون أنفسهم ال(سامي)، وقد فشلت من قبل محاولات السُّلطة في إدخالهم في المسيحيَّة، وفضَّلوا البقاء على ديانتهم القديمة، التي تقوم على عبادة الطبيعة، وأهم آلهتم الشمس والقمر، وعندهم إله للرعد، وإله للعواصف، وإله للخصب وغير ذلك.  وفي القرن السابع عشر، حاول ملك النرويج، الملك كرستيان الرَّابع، أن يدخلهم في المسيحيَّة قسراً، ففرض عقوبة الإعدام على كل فرد منهم لا يعتنق المسيحيَّة، وأقام لهم كنيسة، فلم يجد ذلك نفعاً إلاَّ في حدود ضيِّقة.  وأخيراً اضطرَّت الحكومة أن تعترف بلغة ال(سامي) وثقافتهم، ومنحتهم نوعاً من الاستقلال الذاتي فكونت لهم برلماناً هو بمثابة مجلس استشاري، كما باتت تأخذ بمطالبهم وأعرافهم ومعتقداتهم بعين الاعتبار.
إذاً، أين يقبع منبع ثقافة الاستعلاء العرقي هذه الذي ينتهجها الصفوة الحاكمة في السُّودان ودول أخرى في مناطق التماس العربي-الأفريقي؟  لا يساورنا أدنى شك - كما أشرنا سلفاً - أن جذور هذا السلوك غير السوي تعود إلى عصر تجارة الرِّق، وإن كان ذلك العصر لم يزل ماثلاً للعيان بصورة مباشرة وغير مباشرة.  وعلى الرَّغم من أنَّ التجارة بالبشر قد أُلغيت في العالم منذ زمن سحيق، إلاَّ أننا نجد دولة موريتانيا قد أقدمت على إلغائها في العام 1980 م، ولم يستطع هذا الإلغاء الرسمي الاسمي من وقف ممارستها في المجتمع الموريتاني حتى يومنا هذا، حيث لا يزال هنالك 40% من الحراتين - الرقيق المعتوق أو أحفادهم - من جملة سكان موريتانيا البالغ تعدادهم 2 مليون نسمة. وإنَّ كل المستعبدين من أصول زنجيَّة في الجنوب، والذين يقومون بالاسترقاق هم البيضان من شمال موريتانيا.  بيد أنَّ بعضاً من البيضان لهم بشرة سوداء نتيجة تزاوجهم أو اتخاذهم نساء زنجيات - من جملة العبيد الذين يملكونهم - أزواجاً لهم، وما صفة البيضان التي رانت على قلوبهم إلاَّ حالة نفسية.  وهناك اعتقاد شعبي شائع غرزه البيضان في عقول العبدان أنَّ الطاعة تؤدِّي بصاحبها إلى جنات الفردوس نًزلاً، أما المعصية فمؤداها جهنَّم خالدين فيها أبداً.  وهنا تأتي تسخير الدِّين أداة رائسة للسيطرة الأبديَّة على إثنية اجتماعية.  ومن يفعلون ذلك، فإنَّهم على وجه اليقين أشرار.  ومهما يكن من الأمر، فالحريَّة أغلى شئ في الوجود، ولذلك حرصت القوانين والأعراف على تأكيدها وصيانتها.  ويُحكى أنَّه حدث أن تنازع أثنان طفلاً، وكان أحدهما مسلماً والآخر ذميَّا، وادَّعى المسلم أنَّ الطفل ملك له (أي عبد أو رقيق)، بينما ادَّعى الذمي أنَّه ابن له، فحُكِم لصالح الذمي، لأنَّ تنشئة الطفل على الحرية وإن كان على غير دين الإسلام أفضل من تنشئته على العبوديَّة وإن كان على الإسلام.  إذ أنَّ حرية المرء وكرامته ترتبطان بانسانيته، فتسبقان دينه وتتقدمان عليه، فالحريَّة في غير الإسلام أفضل من العبوديَّة في الإسلام.
ثم ندلف إلى تأريخ السُّودان بماضيه المأساوي.  فها هو أحد منظِّري الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة في السُّودان، الدكتور حسن مكي، يطل علينا باستعراض لكتاب "النيل الأبيض (The White Nile)" لمؤلفه ألان مورهيد (Alan Morehead).  وقد كتب الدكتور حين خلا إلى نفسه: "أنَّ الرحالة والتجار العرب مثل أحمد بن إبراهيم الملقب بتيبوتيب - ويعني اللَّقب الرجل صاحب الرموش المتحركة سريعاً لعيب في عينيه - هم الذين قادوا الرحالة الغربيين".  وإنَّه لمن المعلوم أنَّ تيبوتيب هذا لم يكن برحالة، إنَّما تاجر رقيق كان ثمَّ متخصصاً في بيع الأفارقة في أسواق النخاسة.  وأضاف حسن مكي قائلاً: "إنَّ أحمد بن إبراهيم قريب الشبه بالزبير باشا رحمة، حيث استطاع تأسيس نفوذ ضخم في قلب الأقاليم الإستوائيَّة، إلاَّ أنَّه لم يصنع دولة كما فعل الزبير باشا رحمة، والذي يلفت الانتباه إلى هؤلاء الأبطال العرب في وسط أفريقيا الإستوائيَّة أنَّهم استطاعوا بمفردهم تقريباً إنشاء سلطنات ودول من خلال تحبيب سكان هذه المناطق فيهم ووضع ثقتهم وولائهم كذلك، والدليل على ذلك أنَّ الزبير باشا رحمة استطاع أن يقود جيشاً ضخماً من الاستوائيين ويحارب بهم أقدم سلطنة في المنطقة وهي سلطنة الفور". واستطر حسن مكي: "إنَّ إخلاص قبائل جنوب (السُّودان) في القتال ومسيرتها الطويلة خارج حدودها الجغرافيَّة في أجواء صحراويَّة لم تتعوَّد عليها لا يمكن أن يأتي بدافع القهر والخوف". وفيما ذكر حسن مكي أنَّ "التأريخ يحفل بصور الرقيق الحقيقي الذي امتلك القوة المادية في مرحلة من المراحل فانقلب على ساداته ومزَّقهم شر ممزَّق"، بيد أنَّ التأريخ حفي - كذلك - بسِيَر العبيد الذين اُستُعبِدوا حتى باتوا مخلصين لأسيادهم أي إخلاص، ولم يكن يملكون من أمرهم رشداً، فقاتلوا وماتوا في سبيلهم، وهذا ما كان من أمر أهل الجنوب الذين أذلَّهم وغواهم الزبير باشا رحمة، تاجر رقيق بالمهنة كما اعترف هو بذلك حين كان يروي سيرته الذاتيَّة في منفاه بجبل طارق للصحفيَّة البريطانيَّة فلورا شو في سلسلة مقالات نشرتها بمجلة مراجعات معاصرة (Contemporary Review) العام 1887 م.  إذاً، من العبث بمكان أن يحاول حسن مكي أن يسبغ الزبير بصورة ناصعة غير التي هو كان عليها.  كما علينا أن نذكِّر الدكتور - وإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين - أنَّ علماء الإجتماع غالباً ما يميِّزون بين نوعين من السلطان: سلطة تفويضيَّة (Authority) أو إكراه وإجبار(Coercion) .  فلم نجد من الوثائق ما تدلُّ أنَّ أهل الجنوب فوَّضوا الزبير باشا رحمة ليكون سلطاناً عليهم، غير أنَّه أفلح في تزويد الأترك-المصريين بالعبيد حتى أجازوه بلقب الباشا، وهو أرفع لقب بعد الخديويَّة. حقَّاً، إنَّ كتب التأريخ حُبلى بقصص الأرقاء الذين ثاروا وانتفضوا ضد جلاديهم، ودونكم وكتاب السكرتير العام للحزب الشيوعي السُّوداني، محمد إبراهيم نقد، في "علاقات الرِّق في المجتمع السُّوداني"، غير أنَّنا نعيب على الكاتب، محمد إبراهيم نقد، أنَّه لم يذكر في الكتاب شيئاً عن تجارة الرِّق في شرق أفريقيا، الذي كان رائجاً للتجار العرب من مسقط وعمان بعدما خاض واستفاض في الحديث عن هذه التجارة في غرب أفريقيا، الذي كان مستودعاً لتجار العالم الغربي.
وعندما يكتب حسن مكي "أنَّ أثينا القديمة (...) استذلوا مجموعات كاملة من البشير (لعلَّه يعني البشر وليس البشير الذي يعرفه السُّودانيون) وجلهم من الأفريقانيين، انقلبوا على سادتهم الأوربيين وكوَّنوا جيشاً ضخماً خرَّب المدن اليونانيَّة القديمة، وحطَّم حضارتها إلى الأبد".  وقد إلتهمنا أسفار الأولين والآخرين إلتهاماً فلم نعثر على هذه الفرية، التي تقول إنَّ أغلب الأرقاء عند الإغريق كانوا أفارقة، ولم نهتدي إلى ذلك سبيلاً، وليت حسناً قد ذكر المصدر للاستوثاق واستجلاء الحقيقة. أما إذا أراد كاتبنا أن يستغفلنا بأن تجارة النخاسة كانت مقصورة على الأوربيين دون العرب، كما يردِّد ذلك أخرون، فهذا قول مردود.
وحين يسترسل حسن مكي في القول أن ألان مورهيد في تأليفه "النيل الأبيض"، حاول "أن يسمِّم العلاقة المستقبليَّة بين العرب والأفارقة بحديثه عن تجارة الرقيق، وكيف أنَّ العرب الأشرار دمَّروا كل صور الحياة هناك بفعل شراهتهم للرقيق، وكيف أنَّهم مارسوا القسوة المتناهية مع السكان المحليين (...)"، نجد أنَّه لم يكن حصيفاً وكان للحقيقة متجاوزاً، لأنَّ التَّسميم - في حقيقة الأمر - هو الإتيان بهذه الأعمال المنكرة التي تقشعر منه الأبدان ويشيب عنها الولدان دون الاعتذار عنها وطلب العفو والمغفرة والصفح، وليس تذكير الناس بالتأريخ المأساوي على حقيقته وعلاته، الذي أقدم عليه العرب وفعلوه شر فعلة، من التسَّسميم من شئ.  ومن واجبنا تذكير الشَّعب السُّوداني بهذه الحقائق الدَّامغة - الغابرة والمعاصرة معاً - وخاصة تلك التي لا تعرف عنها الأجيال المعاصرة إلاَّ لماماً.  وإذا اعتبرنا ما حدث كان من ماضٍ استعماري يشوبه الكثير من الشوائب القميئة - كما يحلو لبعض السُّودانيين النأي بالحديث عن الرِّق وتعليق كل شئ على الاستعمار، قميص عثمان - غير أنَّ الحرب الأهليَّة التي تدور رحاها اليوم في السُّودان أفرزت تجارة الرِّق مرة أخرى، وكان أصحابها تجار عرب سودانيين.  ولعلَّ من نافلة القول أن نذكر أنَّ وصف حسن مكي لشخصي الزبير باشا رحمة وتيبوتيب "بالأبطال العرب في وسط أفريقيا الإستوائيَّة" ونعته لتيبوتيب "بالمجاهد الإمام الأثيوبي المسلم أحمد بن إبراهيم" لهو إساءة بليغة للأفارقة، وإنَّ حسناً هذا قد أخذته العزة بالإثم.
في الحق، لا نكاد نصدق من يزعم لنا أنَّه يضع تأريخ السُّوداني السياسي بالمعنى الصحيح لكلمة التأريخ.  إنَّ لفظ التأريخ نستعمله نحن الآن فيما يستعمل فيه الأجانب لفظ (Histoire).  وأصل هذه الكلمة الوصف، كما فهمه أرسطاطاليس عندما كتب تأريخ الحيوان.  ومن أراد أن يصف شيئاً من الأشياء - أو يدوِّن حدثاً تأريخيَّاً - وصفاً علميَّاً فنيَّاً صادقاً يعطيك صورة مشابهة أو مقاربة، فلا بد من العلم بما يصف.  وما رأيك فيمن يصف ما يجهل؟  هو إما كاذب أو صاحب خيال.  والحق أنَّ كثرة الذين يكتبون في تأريخ السُّودان من السُّودانيين يكذبون ويتخيَّلون. فليس بين أولئك وهؤلاء الذين يتهالكون على تدوين تأريخ السُّودان، ويتنافسون فيه، ويحتكرون تعليمه والكتابة فيه من له فهم أو فقه في درس التأريخ والنقد التحليلي، وهم - بعد ذلك - ذوي نوايا سيئة وأصحاب غلو في العقيدة والعرق، فغلوا في تحقير غيرهم وإصغارهم، فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضاً.  وهل فعل الدكتور حسن مكي غير هذا؟
ومثلما اعتذر الغرب عن تجارة الرق واعتذروا - أيضاً - عن دورهم في الحروب الصليبيَّة، وقالوا لا تؤاخذوننا بما فعل أجدادنا الغابرين، كنا نتمنَّى أن يعتذر العرب عن دورهم الرائس في هذه التجارة غير الإنسانيَّة، وأقصد بالتَّمني الذين امتهن ذويهم هذه الصنعة، حيث ما زال أحفادهم - وهم كُثر - يصولون ويجولون.  فبدلاً أن يتواروا خجلاً عما فعل أنسابهم، أخذوا يؤلفون الكتب، وهم فيها يمجِّدون أفعالهم ويصفونهم بالأبطال، ويمكرون مكراً كُبَّاراً. ونذكر، على سبيل المثال، خليفة عباس العبيد وهو يقول في نسبه الزبير باشا رحمة:
سموك الزبير فارساً تشد الحيل
سموك الزبير فارساً تصد الخيل
سموك الزبير صالحاً تقيم الليل
سموك الزبير بتغير هوية ليل
لقد كان موقف السكرتير العام للحزب الشيوعي السُّوداني، عبدالخالق محجوب، مشهوداً حين وقف في مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم العام 1965 م معتذراً لأهل الجنوب، حيث قال - فيما قال: "نعم، نحن أحفاد الزبير باشا رحمة، تاجر الرقيق، غير أنَّنا نطلب العفو ونرجو المغفرة، بل نود أن نفتح صفحة جديدة من العلائق التصالحيَّة بين أهل الشمال والجنوب من أجل السُّودان الواحد".  ومن ثَمَّ ذهب إلى أهله (أهل الشمال)، فتشاوروا فيما بينهم، حتى أجمعوا على أمرهم، وجاءوا بالدكتور حسن عبدالله التُّرابي - زعيم جبهة الميثاق الإسلامي - ناطقاً رسميَّاً باسم أحزاب الشمال (يمينيَّة ويساريَّة وقوميَّة عربيَّة) ضد أهل الجنوب.  تُرى ماذا قال الدكتور التُّرابي عن "واقعة المائدة المستديرة" هذه لاحقاً؟  ذكر الترابي في التسعينيات في إحدى الدوريات العربيَّة التي تصدر في لندن أنَّ أحزاب الشمال - باستثناء جبهة الميثاق الإسلامي - لم تكن تملك مبادرة سياسيَّة لحل ما كانت تسمى - وما زالت تسمى خطأً - "بمشكلة الجنوب".  أما جبهته، والحديث للدكتور التُّرابي، فكانت لديها مبادرة مستوحاة من عهد (ميثاق) الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة.  إنَّ في هذا القول إساءة - في حق مواطنين وُجِدوا في البلاد قبل دخول العرب إلى السُّودان - لهو أوجع من لدغة الحية الرقطاء.  هذه الأقوال هي التي تعكِّر العلاقات بين أهل الشمال والجنوب، مما يصعب معها حل المشكل السُّوداني.
وتجدر الإشارة هنا إلى أمر الأدباء في العالم الغربي لما في الأمر من صلة بمسألة الرِّق.  فخلال حقب تأريخيَّة خلت ظلَّ بعض الكتاب المشاهير يكرِّسون جهدهم لظاهرة الاستعلاء العرقي، وذلك في منتدياتهم الأدبية وتأليفاتهم المتعدِّدة كما يفعل الدكتور حسن مكي حاضراً في الخرطوم.  فحين تمرَّد العبيد السُّود في خليج مورانت على الساحل الشرقي في جزيرة جامايكا - المستعمرة البريطانيَّة يومئذٍ - العام 1865 م، فرض الحاكم الإستعماري، آير، قوانين عرفيَّة، وللتو أعدم 450 متمرِّداً من العبيد، وجلد 600 رجلاً وإمرأة، وحرق 1000 منزلاً. ثم أخذ جمهور الأدباء في بريطانيا يتجادلون فيما بينهم في أمر الزُّنوج.  فمنهم من اعتقد، باطلاً، أنَّ السُّود ليسوا كمثل البيض، ولا ينبغي معاملتهم على السواء.  وقد ذهب في هذا المنحى توماس كارلايل في مقالة مناسبيَّة في مسألة الزُّنوج، وكتب - فيما كتب - أنَّهم جنس آخر محصور في بشرتهم السَّوداء وفي دونيتهم.  وسار على نهج كارلايل كل من تي إتش هوكسلي، وشارليس داروين (صاحب نظريَّة التطور)، وشارليس لايل، وجون روسكين، وشارليس تينيسون.  غير أنَّهم أبدوا قلقهم على الشرعيَّة لا الجنس البشري الآخر، فرأوا أنَّ رعايا بريطانيين (بحكم الاستعمار) قد حُرموا من حكم القانون، فالمشكل يكمن في القانون العرفي (الذي استنه الحاكم آير)، كما كتب هوكسلي، وليس هو بمحبٍ للزُّنوج.  وأضاف تينيسون أنَّ هناك فوارق فطريَّة (بين السُّود والبيض)، ونزعات وراثيَّة التي تتجاوز التربية، وأردف أنَّه ليس بمالكٍ للعبيد من القلب، لكنه لا يحب الزُّنوج.  وفي هذا الجدل الأدبي المقيت، انبرى شارليس ديكينز - من أعظم كُتَّاب الرواية التي كانت تعالج المشاكل الاجتماعيَّة في العهد الفيكتوري في بريطانيا - حاملاً رأياً متأرجحاً بين الإساءة وتأييد وضعية العبيد، وعلى وجه التخصيص إبَّان الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة.  ففي كتابه "مذكرات أمريكيَّة (American Notes)"، صنَّف ديكينز ملاك العبيد في أمريكا إلى قسمين: المعتدلين العقلانيين أصحاب الماشية البشريَّة، والقسم الآخر الذين لهم حق استمراريَّة مؤسسة الرِّق، بما فيها من الجلد والسخرة والتعذيب، دون أن تستوقفهم سلطة بشرية.
أما كرام الكاتبين الفرنسيين، مثل كادمي-كوهين، مؤلف "المقت الأمريكي (The American Abomination)"، وأندريه سيجفريد، وأندريه تارديو، وجرجس دوهاميل فلم يكتفوا بتصويب سهامهم على "الوحش الأمريكي" بعد أن توجَّسوا خيفة منه بما امتلك من القوَّة الاقتصاديَّة والعسكريَّة والنفوذ الاجتماعي والثقافي، وبات يشكل خطراً ماثلاً على الحضارة الأوربيَّة. بل طفق هؤلاء الكُتَّاب يضربون على الحلقة الضعيفة في صراع العمالقة - أي الزُّنوج الأرقاء الذين لا حول ولا قوة لهم.  فهاجم دوهاميل الأفلام الأمريكيَّة مدعياً أنَّها أداة رائسة لمضيعة وقت العبيد، وعنصر تسلية للأمي، والمخلوقات الفقيرة التي تخدَّرت بالعمل والقلق؛ إنَّها - أي الأفلام الأمريكيَّة - حصان طروادة لأمركنة (Americanise) العالم.  ووسط هذه الحملة الشعواء على الزُّنوج الأرقاء وقف جون ستوارت ميل، بعد وفاة وليام نيب العام 1845 م، لنصرة الزُّنوج العبدان من براثن طغيان البيضان.  مما مضى من جدال يبرز السؤال التَّالي: هل نأخذ العرق كمبتدأ لفهم العالم من خلال التجارب الفرديَّة أم نجعله منشوراً زجاجياً حيث من خلاله يمكن النظر إلى العالم وفهمه؟ ويقودنا هذا السؤال إلى التحكيم بين الناس عما يفعلون وليس يمعايير الأعراق البشريَّة.  وقد تطوَّرت الدول الغربيَّة - في حدود القانون والممارسة العامة عل الأقل - في تجاوز التظلُّمات بسبب التفرقة العنصريَّة في تشريع قانون الحقوق في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة(The Bill of Rights) ، وتطبيق سياسة تساوي الفرص في بريطانيا(Equal Opportunities Policy) ، وعلينا - نحن معشر السُّودانيين - أن نحذوا حذوهم.
وعلى صعيد آخر نذكر في الكتاب أديباً ذاع صيته في الأمصار وفي دول ما وراء البحار، ذلكم هو الطيَّب صالح. وإذ نقول ذلك وبين أيدينا روايته "موسم الهجرة إلى الشمال". وقد فكَّرنا مليَّاً علام أقبل العرب على روايات الطيب صالح يبجِّلونها تبجيلاً، وقادنا التفكير إلى وجود وجه الشبه بين ما تحويه روايته المذكورة من قصص جنسيَّة خليعة والأدب العربي المتمثل في "أخبار النساء" لإبن عبد ربه، و"أخبار النساء" لابن قيم الجوزية، و"أخبار النساء" لأبي الفرج الأصفهاني.  وفي هذا الشأن أكتفي بإيراد هذا التعليق الذي عثرنا عليه في "آخر ورقة" في الكتاب، الذي اكتفي المعلِّق بذكر اسمه على النحو التالي: د. قاسم (؟). فماذا دون الدكتورقاسم؟ قال الدكتور إنَّ هذا العمل "تبديد... تبديد... وثم تبديد لطاقات كامنة كان من الأولى أن تتحوَّل إلى شئ مفيد.  الكتاب عبارة عن خيالات شيطانيَّة وهيهات فهيهات خُلقت للتسلية اللَّحظيَّة التي تختفي بسرعة البرق كما التمتع بها، هذا إذا حدث!!!  وأكيد يتم حدوثه لرواد وعاشقين أمثال هذه الروايات.  أين الرسالة ومعالجة الموضوع يا صالح، الذي بدأت به القصة بعد انتظار على الجمر "سبع سنوات" من عودته؟؟؟  انتظار البلد الفقير لأدنى المجاهدة بمساندة العلم الذي جناه مقابل احتراق شمعات شبابه... هل أتى ليُنفِّر الخلق من صحرائهم الظامئة التي تحيط بهم؟ أم البؤس الذي استنكره في وضعه؟ أم كان هذا تقرباً لهم بالخمر وندمائه لقتل الوقت... دعايات بارعة مستمدة من إعلام غربي فاشل، ما أبشع الصور هي عندما تخلى عن كينونته الدينيَّة والعربيَّة بحرق المخطوط العربي والمصلاة... يا بئس ما ساوم به تلك (...) وكشف عن ضعف بدين في أحشائه، يا لهزيمة الرجل المتعلم، المسلم، العربي، الأفريقي الراشد.  كان من باب أولى أن يهدف إلى إكمال القصة بعكس انتصارات فكريَّة، علمية تجوب عطاءاً لطين البلد الذي نشأ منه، لكن هذه هو جزاء السُّودان في النهاية.  كان يمكنه أن يبني حلقة وصل مع محجوب لإتمام بناء مشروع زراعي، مستشفى، مدارس... إلخ.  لكنه هرب بخياله الشَّارد تحت وطأة التأثُّر بالانجليز ولم يفد أو يغذي عقلنا بشئ من حضارة الغرب التكنولوجيَّة.  الغرب يتألَّق يوماً بعد يوم، ونحن نخضع إن دلَّ هذا على شئ، إنَّما يدلُّ على التقاعد ومن ثّمَّ استعمار جديد أخطر من الأول (استعمار معنوي)".  فليس بالضرورة أن نتفق مع كل ما أورده الدكتور قاسم لفظاً ومعني، وإن وجدنا قواسم مشتركة بيننا وبينه فيما ذهب إليه تعليقاً على رواية الطيب صالح.
وفي أحدى صفحات الرواية وعلى لسان مصطفى سعيد (عثمان)، تلك الشخصية الأسطوريَّة التي دارت حولها الرواية، يقول الروائي الطيب صالح: "أنا مثل عطيل. عربي أفريقي (...) نعم. هذا أنا. وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة".  ثم يمضي الرَّاوي، الطيب صالح، فيضيف: "كنا واثقين أنَّ مصطفى سعيد سيصير له شأن يذكر.  كان أبوه من العبابدة، القبيلة التي تعيش بين مصر والسُّودان.  إنَّهم الذين هرَّبوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين استعاد فتح السُّودان.  ويقال إنَّ أمه كانت رقيقاً من الجنوب.  من قبائل الزاندي أو الباريا، الله أعلم.  النَّاس الذين ليس لهم أصل، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز".  ويستطرد الطيب صالح: "وقد استخدمته وزارة الخارجيَّة البريطانيَّة في سفارات مريبة في الشرق الأوسط.  وكان من سكرتيري المؤتمر الذي انعقد في لندن سنة 1936 م.  إنَّه الأن مليونير، ويعيش كاللوردات في الريف الإنكليزي".
إنَّ وصف طفولة الطفل الأفريقي بالشر فيه غلواء، وعلمنا دوماً أنَّ الطفولة براءة، وقد يكون هنالك شر حول هذه الطفولة ولا يكون للطفل دوراً فعيلاً في هذا الشر، وقد يكون الشر ناتجاً من عدوان تجار الرقيق فيري الطفل، الذي لم يبلغ الحلم، أبواه  يُقتلان أمامه وإخوته يُقتادون إلى العبوديَّة، وقد لا يراهم منذئذٍ أبداً.  ثم طفق أديبنا يصف قبيلة والد مصطفى سعيد، أي العبابدة، بالخيانة الوطنيَّة لأنَّهم هرَّبوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين غزا السُّودان.  السُّودان - في حد ذاته - ملئ بسودانيين قاموا بدعوة ونصرة الغزاة.  فهناك المك نصر الدين، أحد أفراد العائلة المالكة في الميرفاب في بربر، الذي توسَّل إلى محمد علي باشا، والي الحكومة التركيَّة في مصر، لمساعدته ضد إخوانه الذين نافسوه في السلطة.  كما أنَّ السيد على عثمان الميرغني قد جاء مع كتشنر بصفته ضابطاً سياسيَّاً انتقاماً لما تعرَّضت له طائفته الختميَّة من المهديَّة، وظل يخدم "الاستعمار ودولة الاستكبار" حتى المعاش، وكان له نصيباً معلوماً من خزينة الدولة حيث به استطاع بناء حزبه الطائفي، وتمويل نشاطه الديني السياسي.  أما مسألة الرق في والدة مصطفى سعيد فحدِّث ولا حرج، ويقودنا الحديث إلى إطراح السؤال التَّالي: هل الشخص المستعبد مجرم أم ضحية؟ بالطبع، إنَّه ضحية فلا يمكن ولا يُعقل أن نزيد في عذابه وإيلامه، لأنَّه ليس لديه دور فعول في عمليَّة الاستعباد هذه، وإن نفعل ذلك نكون قد غرسنا طعنة نجلاء في جرح غائر لم يلتئم بعد، أو كما تقول الفرنجة(To add insult to injury)، فلو كان يملك المولى من أمره شيئاً لما اختار أن يكون مملوكاً، حيث أنَّ الحريَّة درة الحياة.  يقودنا هذا الجدال إلى أهل شمال السُّودان، الذين ما فتأوا ينعتون أهل الجنوب والنُّوبة والأنقسنا بالعبيد، متناسين أنَّ سكان أحراش الجنوب وجبال النُّوبة وتلال الأنقسنا هم أحفاد الأجداد الذين وقفوا وقفة رجل واحد ضد حملات الرِّق في عصر بداية توغل العرب إلى أفريقيا، وبلوغ تجارة النخاسة أوجها في العهد التركي-المصري.  أما إخوتنا في شمال السُّودان المستعرب، الذين أسرفوا على أنفسهم ضد السُّودانيين الأفارقة، فهم ذلكم الخليط الهجين من العرب القادمين من حيث أتوا والرقيق المريض، مع العلم بأنَّ الرقيق القوي الشديد كان يتم تصديره إلى الخارج حسبما تشترط "مواصفات ضبط الجودة (Slave quality control)" في أسواق الرِّق العربيَّة والغربيَّة، لأنَّ ظروف الرحلة الطويلة مشياً على الأقدام فضلاً عن حمل الأمتعة والبضائع، وهم موصدين بالسلاسل والشُّعب.  كما أنَّ الأسعار الباهظة للرقيق السليم القوي هي التي أملت شروط هذه الجودة.
ثُمَّ نأتي إلى قول أديبنا الروائي، الطيب صالح، إنَّ "الناس الذين ليس لهم أصل، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز". هذا قولٌ عار من الحقيقة، فقد علمنا علم اليقين أنَّ هؤلاء، الذين وصفهم الكاتب بمن ليس لهم أصل، هم أولئك الناس الذين بحثت في جذورهم الدكتورة اليابانيَّة، يوشيكو كوريتا، وأطلقت عليهم لفظة المنبتين (Detribalised) ، وعلى رأسهم البطل السُّوداني علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ. وقد حدا بهم مغني السُّودان الصدَّاح  الموسيقار محمد وردي: سيذكر التأريخ أبطالاً لنا، عبداللطيف وصحبه وكل من خط على التأريخ سطراً بالدماء، وكل من صاح بوجه الظلم لا.  ولا ريب أن علي عبداللطيف قد واجه المستعمر بصلابة وجسارة، وفي أروع ملحمة نضاليَّة عرفها تأريخ الشعوب والأمم، ولم يتبوأ منصباً سياسيَّاً أيام الإنكليز.
إنَّ فشل الكاتب في مواجهة الصورة العقليَّة، التي يشترك في حملها أفراد أو جماعة وتمثل رأياً مختزلاً إلى حد الإفراط المشوه أو موقفاً عاطفيَّاً من عرق أو قضيَّة، تمثل عين الإخفاق نفسه وفشل الروابة في تأدية الرسالة التربوية التصحيحيَّة.  هذا إذا فرضنا أنَّ الكاتب كان صافياً في نواياه وحاول بعمله الروائي عكس التقاليد الموروثة بما فيها من شوائب ونوائب الدهر.  إنَّ الكتابة الأدبيَّة التي تروي حقبة تأريخيَّة ينبغي أن يبحث صاحبها في الحياة السياسيَّة والجوانب الاجتماعيَّة إبَّان ذلك العصر دون محاباة أو مغالاة.  ومن يفعل ذلك دون فهم أو فقه، فمثله كمثل الذي يريد أن يفهم خمريَّة من خمريات أبي نواس دون أن يتعمَّق في فلسفة المعتزلة، ودون أن يدرس التَّوحيد واختلاف أهل السُّنة والمعتزلة فيه.  وقد علمنا أنَّ الجاحظ كان أديباً لأنَّه كان مثقَّفاً قبل أن يكون لغويَّاً أو بيانيَّاً أو كاتباً.  لذلك كنا نأمل أن يكون في رواية الطيب صالح موضوعية العلم كما فيه من ذاتيَّة الأدب.
وكما ذكرنا سلفا،ً فإنَّ أحد عوامل الصراع الدموي في السودان يعود إلى التهميش الثقافي، الذي بلغ مداه بحيث أمسى الحكام الخرطوميون يجدُّون ويجتهدون ثم يجاهدون من أجل محو الآخر من الوجود حتى لا يبقى هناك بشر يتعللَّ بالمساواة والتكافؤ الثقافي.  وبات الوطنيون المهمشون لهم خيار واحد لا ثاني له: خذوا هذه الثقافة الإسلاموعربيَّة لا غير.  "فإنَّ صفة قوميَّة الثقافة السُّودانيَّة لا يمكن خلعها في وقتنا الحاضر على شريحة لثقافة واحدة من أنماطه الثقافيَّة المختلفة، حتى لو كان تلك الثقافة قد أكَّدت منعتها وسيادتها على أجزاء كبيرة من الوطن".  وعندما احتجَّ أبناء الجنوب ضد سياسة تعريب المناهج التعليميَّة رد عليهم الدكتور خالد المبارك بأن يبقوا في جامعة جوبا فإنَّ لهم فيها ما طلبوه. ما هكذا تُورد الإبل يا خالد!  هذه الجامعات منذ تأسيسها ظلَّت قوميَّة، ولعلَّ جامعة جوبا، التي يوصي بها الدكتور المبارك أهل الجنوب أن يبقوا خالدين فيها، مكتظة بأبناء الشمال، إدارة وطلبة.  ولم يقل لهم أهل الجنوب إذهبوا إلى جامعة أم درمان الإسلاميَّة لتغترفوا منها العلوم باللُّغة العربيَّة وتنهلوا من معينها الإسلام، بل تعايشوا معهم إخوة وخلاناً، إيماناً منهم بأنَّ الوطن المسمى السُّودان، مهما جار وضنى عليهم، فهو واحد حتَّى إشعار آخر.
بيد أن ذلكم النهج الاعتسافي لم يكن هو ذوق عموم أهل السُّودان، وإلا لما عجز حكام الخرطوم بالجدال والنضال بالنقاش حتى اختاروا طريق الحرب وهي طريق التهلكة للجميع، ونقصد بالجميع هنا ضياع القطر المسمى السُّودان في خاتمة المطاف إذا لم يستدرك السادة الحكام الأمر.  إنَّ مسألة الثَّقافة في السُّودان، إذاً، في حاجة إلى معالجة.  وقد كان الأستاذ عبدالله عبدالوهاب ذكيَّاً أريباً حين طرح سؤالاً في ورقته "مقدمة في سؤال المسرح السُّوداني، وامتداداته في رقعة السُّودان القديم" عن دواعي مشاركة المسرح السُّوداني في الاحتفالات الحوليَّة التي تُقام في بغداد، ودمشق، والقاهرة، والرباط تحت اسم "المسرح العربي".  ونفى الأستاذ عبدالوهاب وجود ثمة علاقة بين المسارح العربيَّة وتراثياتها، والمسرح السُّوداني، وذلك من خلال ثلاث مستويات: عدم وجود أيَّة علاقة بين الموضوعيَّة التُّراثيَّة التي يشتغل عليها المسرح السُّوداني والمسرح العربي، وعدم وجود علاقة بين الشخصية الذاتيَّة التي يتحدَّث خلالها المسرح السُّوداني والمسرح العربي، وأخيراً غياب علاقة اللُّغة التراثيَّة التي يتمثَّل بها المسرح السُّوداني والعربي.  وذكر نماذجاً من الموضوعيَّة التُّراثيَّة السُّودانيَّة في ممالك النُّوبة القديمة، وتتويج رث الشُّلك، ومملكة المسبعات في كردفان، وسلطنة الفونج في سنار، ومملكة تقلي، وممالك دارفور، والزَّاندي وغيرها.  كما لا يمكن للجمهور العربي أن يتفاعل مع شخصيات سودانيَّة مثل إسماعيل صاحب الربابة أو سليمان الطوالي الزغرات مثلما يتفاعلون مع مسرحيَّة تراثيَّة عربيَّة اُستلهمت من عنترة بن شداد، أو الزير سالم، أو زهير بن أبي سلمى، فضلاً أنَّ لفظة "سوداني" تعني "عبد" في كل تفاسير الرحالة العرب من ابن حوقل وحتى ابن بطوطة.  وجاء في كتاب طبقات ود ضيف الله عند حسن ود حسونة "جاني السُّوداني الكلب"، و لفظة كلب تعني عبد.  وفي اللُّغة العاميَّة السُّودانيَّة نجد أنَّ الدكتور عون الشَّريف قاسم قد استطاع أن يحصر العديد من الكلمات العاميَّة السُّودانيَّة ويرجعها إلى أصولها، فوجد أنَّها إما بجاوية قديمة، أو نوبيَّة قديمة، أو فوراويَّة قديمة أم من جبال النُّوبة ... إلخ.
إنَّ الدكتور عون الشريف قاسم هو ذلك الرَّجل المتخصص في الجغرافيا اللُّغويَّة (دراسة الفروق المحليَّة والإقليميَّة الخاصة بلغةٍ ما - (Linguistic geography، الذي عاد إلينا ضحى لكي يحدِّثنا أنَّ الإسلام "أنشأ لغات إسلاميَّة جديدة مثل السواحيليَّة في أفريقيا، والأرديَّة في آسيا، والمالطيَّة والمجريطيَّة في أوربا".  ولا نحسب أنَّ الدكتور قد أصاب إذا اعتبر هذه اللُّغات إسلامية لأنَّ فيها كلمات عربيَّة وإن أصابها تصحيف.  فهل، بالمقارنة، تصبح اللُّغات النُّوباويَّة أو كل اللغات السُّودانيَّة بعدما دخلت إليها كلمات عربيَّة لغة الإسلام كذلك، وإن ظل المتحدثون بها نصاري أو معتنقي الأديان الأفريقيَّة أو ما يسمى في الدساتير السُّودانيَّة (المعدَّلة منها والدائمة، وما الدَّوام إلاَّ لله وحده لا شريك له) بكريم المعتقدات (Noble Religions)؟ ما لهم كيف يحكمون!  وقد وجدت مفردات عربيَّة سبيلها إلى لغات أجنبيَّة أخرى، لأن الاقتراض اللغوي ظاهرة طبيعيَّة في جميع اللُّغات ليقوم بدورها التواصلي والنفعي داخل نسيج المجتمع الواحد وبين الكيانات الثقافيَّة المتباينة.  ويحدِّثنا سيف الدين الماحي أنَّ "القرآن الذي نزل حاوياً من الحكمة والبيان ما لم تحويه كل البلاغات العربيَّة السالفة، نجده قد احتوى على كثير من المفردات الفارسيَّة والهنديَّة والحبشيَّة والعبريَّة والحورانيَّة والسريانيَّة والروميَّة وغيرها".  ولعلك واجد في لغة العرب الكثير من المفردات التي عُرِّبت حتى يُخيَّل للمرء أنَّها عربيَّة قحة وما هي بذلك.  فاللُّغة العبرانيَّة ساميَّة، واللُّغة الفينيقيَّة ساميَّة، ولغة الكلدانيين ساميَّة، واللهجات الآراميَّة كلها ساميَّة، وبينها وبين اللُّغة العربيَّة من التشابه القوي حيناً والضعيف حيناً آخر مثل ما بين اللُّغة العربيَّة ولغة البابليين في عصر حمورابي ولغة الحميريين والسبئيين والحبش والأنباط.  وإذن، فلم لا تكون العبرانيَّة والسريانيَّة والكلدانيَّة ولهجات الآراميين كلها إسلاميَّة لما بينها وبين العربيَّة من تشابه؟
وعلى جانب آخر، نجد ألفاظ "فتوى" (Fatwa)، و"جهاد"(Jihad) ، و"انتفاضة"(Intifada) ، و"سفري"  (Safari)العربية مشاعة في استخدامات اللُّغة الإنجليزيَّة.  وكما أسلفنا، فإنَّ اللُّغات لتتلاقح مع بعضها بعضاً لتتوالد حفظاً للبقاء مثلها كمثل الكائنات الحيَّة، وإذ يستفيد منها الناس في التخابر ونقل المعرفة ولا مناص من ذلك إلاَّ من أبى وتكبَّر وكان للحقيقة لكنود.  وقد ساعدت عوامل الاختلاط بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتجارة في أمر هذا اللقاح اللغوي المبين، فنجد في البرتغالية شيئاً من الأسبانيَّة، وفي الإيطاليَّة شيئاً من الأسبانيَّة، والإنجليزيَّة شيئاً من الفرنسيَّة وهلم جراً.  كما أنَّ للعدوان أثر بليغ في إعارة كلمات أجنبيَّة للغات المعتدي عليه، ففي السُّودان نجد مفردات مثل "اسبتالية"، و"شفخانة"، و"سلخانة"، و"جبخانة"، و"أدبخانة"، وتعني هذه الألفاظ - على التَّوالي - "مستشفى"، و"عيادة"، و"مسلخ"، و"ذخيرة حربيَّة"، و"مرحاض"، التي أتت إلينا نتيجة الاستعمار التركي-المصري الذي جثم على البلاد من العام 1821 - 1885 م.  بيد أنَّ للعولمة (Globalisation) - أو كما يسميه الصًّادق المهدي  الكوكبيَّة (Globality)، وإنَّ صادقنا هذا لشغوف بالمفردات - فضل عظيم في التداخلات اللغوية-الاجتماعيَّة.  هذه هي سنن الحياة، فقد تراضى الناس وتصالحوا مع أنفسهم أن تسير على هذا النهج، وما عسى أن يكون للدِّين الإسلامي من أمر هذه المسائل من شئ، إلا الذين أسرفوا على أنفسهم في الغلواء واستغلوا عقول الدهماء من الأقوام لتضليلهم.  هذا خلل يجب أن نتداركه، فهل نجسر؟
وفي الختام، نطرح السؤال الاستنكاري التَّالي، هل السُّودانيين الأفارقة مستاءون؟ ومم؟ ظلَّ السّودان مستودعاً لإشباع رغبات العرب بالرَّقيق منذ القرن السَّابع عشر فيما عُرف باتفاقية البقط.  كما أنَّ القبائل العربيَّة قد تحالفت فيما بينها وانقضوا على مملكة علوة في سوبا، وحين جاء جند إسماعيل باشا لغزو السُّودان كان العرب أدواتهم في تمويل الرِّق، ودونكم والزبير باشا رحمة في جنوب السُّودان ودارفور، وبدوي أبو صفيَّة في جبال النُّوبة - حيث كان يتَّخذ من الأبيض نقطة لانطلاق غزواته ثم مركزاً تجاريَّا لبيع الرقيق المجلوب - والست آمنة وزوجها خوجلي الحسن في جنوب النيل الأزرق (مناطق الفونج).  وحين أعلن المهدي حركته ضد الاستعمار التركي المصري العام 1882 م أواه أهالي النُّوبة حيث كان سكان الشمال البحري ينأون بأنفسهم، لواذاً، ويقفون على الأعراف - وهي منطقة وسطي بين هذا وذاك -  بعيداً عن مساعدة المهدي خوفاً من بطش الحكومة وتشككاً في مقدرته على منازلة السُّلطة. وما أن انتصر المهدي على الغزاة في الأبيض حتى أقدم على اعتقال المك آدم أم دبالو - مك تقلي - مع أهله وعشيرته وأعوانه، ومات المك أم دبالو وهو في الأسر ومقيَّد بالسلاسل في شبشة بالنيل الأبيض عندما كان المهدي زاحفاً نحو الخرطوم.  هذا هو جزاء الرجل الذي تبرَّع بابنه - فلذة كبده - للمهدي ليُعلِّمه أصول المهدية ويكون معه رفيقاً في السلاح، فضلاً عن المال والبنون الذي وجده المهدي لدي أهالي جبال النُّوبة لتقوية شوكة حركته. واآدماه! وفَّيت، وفي بعض الوفاء مذلَّة، لأُناس شيمتهم الغدر. ثم جاءت حملات المهدية على أهالي النُّوبة قتلاً واغتصاباً وتشريداً وحرقاً لديارهم دون حق، وآية ذلك الدَّمار إفراغ قرى كانت آمنة بأكملها مثل جبال كاو-نيارو وهلم جراً.
ثم انتفض السُّودانيون تحت راية اللواء الأبيض بقيادة البطل على عبداللطيف وصحبه ضد الاستعمار البريطاني-المصري، فنعتهم أهل الشمال العربي "بالناس الذين ليس لهم أصل"، وأساءوا إليهم في نسبهم وحسبهم، دون أن يسألوا أنفسهم عن الأسباب التي أدَّت إلى ضياع أصلهم. بالطبع، الإجابة تكمن في أزمة الرق الذي كان الشمال العربي سيدها. وظهر الدكتور محمد آدم أدهم على رأس الغلابة في العاصمة المسماة جوراً وبهتاناً بالقوميَّة، فنعتوه بالعنصرية.  هذا هو حال الأفارقة في السُّودان، فكلما أسرفوا في الإخلاص إلى العرب أي إخلاص اُضطُهدوا وزُجِروا.  فحقاً، إنَّ الذي بينهم وبين العرب لمختلفٌ جداً.  إنَّ أبيات الشاعر ابن المقفع الكندي لهو أصدق تعبير لحال السُّودانيين الأفارقة.
وإنَّ الذي بيني وبين بني أبي        وبين بني عمِّي لمختلفٌ جدَّاً
فإن هم أكلوا لحمي، وفَّرت لحومهم    وإن هدموا مجدي، بنيت لهم مجداً
وإن ضيَّعوا غيبي، حفظت غيوبهم    وإن هم هووا غيي هويت لهم رُشداً
وإن زجروا طيراً بنحساً تمر بي        زجرت لهم طيراً تسرُّ بهم سعداً
وفي السُّودان الظليم، وتحت رايات الحكم الغشيم، كلما طلب السواد الأعظم (سكان المناطق المهمَّشة بلغة العصر) نصيبهم في التمثيل السياسي، والخدمات الاجتماعية، والاعتراف الثقافي لم يجدوا غير وصفهم بالعنصريين الانفصاليين.  فماذا تعني لفظة العنصرية (Racism)؟  إنَّ كلمة العنصرية، التي ما فتأ أهل الشمال الحاكم يطلقونها على طلاب العدالة والمساواة، لهي مختزلة في المعنى والمدلول. العنصرية صفة لازمة لمن يرى في نفسه، أو لمن يروا في أنفسهم بالباطل، أسباب التفوق بسبب لون البشرة أو الجنس البشري، أو بما يمتاز به من تجاعيد الشعر وشكل الأنف والفم وهلم جرًا.  فافتخر العرب بلون بشرتهم واحتقروا الأفارقة شعراً ونثراً، واشتط أدولف هتلر بجنسه الآري وحسب أنَّ نسبه أسمى عرق خلقه الذي يبدئ ويعيد، وظنَّ العبريون بأنهم شعب الله المختار، لذلك جرى التصادم الاستئصالي لهم في ألمانيا الآريّة لأنَّه في حالة وجود، أو إدِّعاء وجود، قوتين عظميين فلا بد لأحدهما أن يسود في نهاية الأمر.  وكذلك اعتبر البيض أسياد الوجود فبغوا على الهنود الحمر في الأمريكيتين، وقضوا على الأروميين (سكان أستراليا الأصليين Aborigines -)، فنشروا الأوبئة والأمراض الفتاكة.  وصدق من قال ما أن حطَّ الاستعمار في الأمصار حتى نزل البلاء وعم الوباء يحصد أرواح المواطنين حصداً فيذرهم قاعاً صفصفاً.  وفي جنوب أفريقيا انتهج المزارعون الهولنديون (Boers) سياسة التفرقة العنصريَّة (Apartheid) وأذلُّوا سكان البلاد الأصليين لأكثر من ثلاثة قرون، حتى جاء الحق في العام 1990 م لحظة إطلاق سراح الزعيم الأفريقي - نيلسون مانديلا - وذهق الباطل إنَّ الباطل كان ذهوقاً.  وفي خضم هذه الادِّعاءات بالنقاء العرقي وسمو الحسب والنسيب، لم نسمع يوماً قط أن الأفارقة في السُّودان، أو في العالم كافة، قد تطاولوا على غيرهم عنصراً وتصايحوا فيهم بالباطل، بل كل ما نقموا من غيرهم هو العدل والمساواة وتكافؤ الفرص في التَّعليم والصحة والتنمية والتمثيل السياسي لا أكثر ولا أقل.  فليس هذا من العنصريَّة في شئ.  إنَّ محصلة هذه القسمة الضِّيزى هي سبب استعار الحرب الأهلية الأولى في السُّودان، وما الحرب الثانية التي تدور رحاها اليوم إلاَّ امتداداً للأولى. إذ أنَّ لكل حرب في التأريخ بقية معلَّقة من حرب سبقتها!  فمعاهدة فرساي للسَّلام التي انتهت بها الحرب العالميَّة الأولى كانت هي بذاتها خميرة وبذرة الحرب العالميَّة الثانية! والنتائج التي انتهت إليها معركة السويس العام 1956 م كانت هي بذاتها مقدمات الإعداد لمعركة سيناء العام 1967 م.
وإذا أخذنا السُّودان حسب النظريَّة الوظيفيَّة (Functionalism Theory) في علم الاجتماع، يمكننا اعتباره صرحاً أو جهازاً اجتماعيَّاً غير متجانس، ويحوي في أحشائه الشروط الوظيفيَّة (الانتفاعيَّة) الآتية: الثقافات المتنوعة، والقوميات المتعددة، واللُّغات المتباينة، والدِّيانات السماويَّة وغير السماويَّة.  فما المطلوب إذاً؟  ليس هناك أدنى شك أنَّ المطلوب هو توفير حدٍ من الإجماع القِّيمي (Value consensus) لكيما يتم الاعتراف بهذه الفوارق الاجتماعيَّة والروحيَّة والثقافيَّة، بل وتشجيعها وتنميتها.  هذا إذا تصالحت الصفوة الحاكمة مع أنفسهم، وكفوا عن التهالك على السلطة والتنافس فيه، ورأوا أن يكون للسُّودان من عوامل النمو ودواعي البقاء والرُّقي.  فلم نجد أبلغ من بيت الشعر المنسوب إلى أمير الشعراء - أحمد شوقي - الذي فيه ينشد إرساء قيم العلاقات الاجتماعيَّة المبنيَّة على التكافل الإنساني والتعايش السلمي بعيداً عن الغلاة الدِّينيين و محاباة الساسة وغيرهم:
أنا شيعي وحبيبتي أمويَّة        واختلاف الرأي لا يفسد للود قضيَّة
أما إذا لم يرض الصفوة الحاكمة أمر إيلاء هذه الشروط اعتبارات قصوى، فإنَّ الخلل السياسي والاقتصادي والتعليمي والتنموي والخدمي، الذي بدأ منذ فترة غير قصيرة في طريقها إلى حسم الصراع عن طريق تغيير الأجهزة التشريعيَّة والتنفيذيَّة والعسكريَّة، التي انتفعت به فئة قليلة ردحاً من الزمان.  فعلينا، إذاً، أن نذكِّر أولئك الصفوة المنتفعين أن المهمَّشين قادمين، وبعدئذٍ سيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

الدكتور عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج