عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


خلاصة

أما بعد، فنحن لم نكتب هذا الكلام في سبيل الاستكثار لمدح الموسيقار وردي في ذاته، أو لنسكب التقريظ في أعماله الفنيَّة، أو لنتغالى في وصف مواقفه النبيلة في البسالة، برغم مما كانت ستكلِّفه تلك المواقف على صعيد المكانة الفنيَّة والسلامة الجسديَّة. فلئن حاولنا الإقدام على كل هذا فقطعاً لسوف لم نفلح في ذلك مهما حاولنا ومهما اجتهدنا. كذلك إنَّنا لا نكتب عن سيرة وردي الحياتيَّة، ولا ندوِّن منتوجاته الفنيَّة. وإن طفقنا نتذكَّر شيئاً يسيراً من نشأته الأولى فإنَّ والدته بتول أحمد بدري (بت العمدة) بعد أن وضعته في قرية صواردة جنوب مدينة وادي حلفا بالمديريَّة الشماليَّة في 19 تموز (يوليو) 1932م توفيت مبكِّرة وما يزال الطفل محمد في المهد صبيَّاً لم يكد يبلغ عامه الأول؛ وإذا والده عثمان حسن صالح وردي ينتقل إلى جوار ربِّه مأسوفاً على فقده العام 1941م، وقد بلغ الصبي محمد آنذاك 9 سنوات من عمره؛ ثمَّ إذا الصبي محمد، الذي تيتَّم في الصِّغر، يتربَّى تحت كنف عمِّه، الذي أقبل على تعليمه منذ نعومة أظفاره. فإذا هو يبدأ حياته الدراسيَّة الابتدائيَّة في عبري، والتي انتقل منها لاحقاً إلى مدرسة وادي حلفا الوسطى العام 1945م. وبعد تخرُّجه من المدرسة الوسطى بدأ حياته العمليَّة مدرِّساً في مدرسة أوشيه جنوب صواردة، فمدرسة صواردة نفسها، ثم حلفا عقب إكمال دورة تدريبيَّة في مدينة عطبرة. ثمَّ إذا بوردي ينتقل إلى معهد التربية للمعلمين بشندي العام 1957م، ويقضي فيه عاماً قبل أن يذهب منقولاً – حسب رغبته – إلى مدرسة الديم شرق بحي السجانة في الخرطوم، ولقائه بالشاعر إسماعيل حسن في العام التالي كما أبنا آنفاً.
وكذلك إنَّنا لا نؤرِّخ لوردي هنا ولا نكتب سيرته الفنيَّة، ولكن هذه خواطر خطرت ببالنا، ونبعت من أفئدتنا، واعتملت في أنفسنا، ووددنا أن نبوح بها ونذيعها في "الناس القيافة" وللإنسان "سليم الذوق الذي لو يعرف الشوق"، وإلى الذين عاشوا في دنيا الصبابة، وفتحوا أبواب السعادة، ثمَّ استنشقوا عطر الرَّبيع الدافئ، وإلى الحبيب الذي بات يشكو "حرقة الوجد إليه"، وإلى الذي توسَّل ونذر العمر قرباناً لديه"، وذلك التماساً منهم أن يستظرفوها ويستلطفوها حينما يخلوا إلى أنفسهم، أو يتسامروا مع أقرانهم، أو يشتدُّ بهم الحنين إلى لواعج الحب وحرقة الشوق. وكذلك كتبنا لكم هذا كله حتى يتمدَّد غيرنا ويتوسَّد رسالة شوق، وينوم مرتاح خالي البال. هذا، فقد اخترنا لكم مختارات من عيون الغناء الوردي، وقذفنا بها على من فيهم من العيون الظامئات للهوى، وأشواقهم تسهر للذكرى.
أجل، ليس هناك من سبيل إلى الشك في أنَّ الأستاذ محمد عثمان حسن وردي الذي توفي في الخرطوم في 18 شباط (فبراير) 2012م، قد ترك للشَّعب السُّوداني في ماضيه وحاضره ومستقبل أجياله تراثاً زاخراً بأروع الألحان الموسيقيَّة في الغناوات العاطفيَّة والقصائد الوطنيَّة والأناشيد السياسيَّة. فسيظل هذا الإرث الوردي مغروساً في قلوب السُّودانيين، وكما جاء في كلمات شاعر إيراني "أنظر إلى إرث الشَّخص في قلوب الآخرين" (Look at the man’s legacy in the hearts of others)، أو كما جاء على لسان عثمان عوض ضرار بأنَّ "وعيه الإبداعي المبكِّر جعل منه مشروعاً فخيماً."
رحم الله الموسيقار وردي فسيظلُّ – كما كتب عثمان عوض ضرار – "شامخاً في كل جيل، وماثلاً في كل زمان ومكان، ضميراً للفن المهذَّب العبقري، ومنهلاً عذباً لأصحاب الذوق الرَّفيع والقادرين على الذهاب إلى جنته من المؤمنين بقدسيَّة الفن الرَّاقي البديع." ويضيف ضرار مستطرداً: "أنَّ وردي جمع في باقة واحدة وتخيَّر من بساتينهم أجمل ورودها، وأضاف عليها من عبق صوته ما جعلها أغنيات بطعم الحلم السَّعيد، ونكهة الأفراح الجزلة، وملمس النسمة في أمسيات الخريف." ومخطئٌ من ظنَّ أنَّ الحياة إقامة، فما هي إلا تنقُّلاً وترحالاً، حيث يقطع الإنسان في كل يوم مرحلة من مراحلها ويقترب من منهلها حتى يجيء يوم فيه يفارق دار منشئه وأيام طفولته وعهود شبابه وسنوات شيخوته، وينتهي به المقام إلى دار المعاد. فقد يسعد السَّعيد بحظوة طول الحياة، وقد يتنقَّل الشقي بين الشقاوة إلى أخرى. ومع ذلك، ينبغي علينا أن لا نأسف على فراق الدَّنيا، وعلينا أن ننشغل بما سنلقاه في أخرانا، ولا نبك إشفاقاً مما تركناه خلفنا، ولكن علينا أن نسكب الدُّموع إشفاقاً مما سوف نستقبله، ونتمنَّى من الله عزَّ وجل أن يحقِّق في رضاه رجاءنا لأنَّ رضاه أفضل ما يرجوه الإنسان؛ ولله در حازم القرطاجنِّي حين أنشد:
لَمْ يَدْرِ مَن ظنَّ الحياةَ إقامةً أنَّ الحياة تنقُّلٌ وترحُّلُ
في كل يوم يقطع الإنسان من دنياه مرحلةً ويدنو المَنْهَلُ
فإذا يُفَارقُ دار منشئه أمرؤٌ فلهُ إلى دار المَعَاد تنقُّلُ
ووجوده الثاني يبلِّغُه إلى ما لا يبلِّغُه الوجود الأوَّلُ
يَحْظَى السَّعيدُ بِه بطولِ سَعَادةٍ وأخو الشَّقاوةِ للشَّقاوةِ يُنقَلُ
لا تأسفنَّ لفرقة الدُّنيا فما تلقاهُ في أُخْرَاكَ عنها يَشْغَل
لا تبكِ إشفاقاً لِّما استدبرته وَلُتَبْكِ إشفاقاً لِّما تستقبلُ
يَا رَبِّ حَقِّقْ في رضَاك رَجَاءَنَا فرِضاك أفْضَلُ مَا رَجَاهُ الأفْضَلُ