عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

المبادرة المشتركة (الليبيَّة-المصريَّة).. ما لها وعليها

لا سبيل إلى الشك في أنَّ المبادرة الليبيَّة ما هي إلا ردة فعل لمبادرة دول "الإيقاد"؛ ولا ريب في أنَّ الموقف المصري المؤيِّد لهذه المبادرة الليبيَّة ما هو إلا تعبيراً للغيرة من مبادرة "الإيقاد" والخوف من انفراد ليبيا بالأجندة السُّودانيَّة، وكانت مصر ترى بأنَّها أولى بها بحكم الواقع التأريخي بين البلدين، والإرث الاستعماري، ومصالح مياه النيل وغيرها.  ومن جانبها سعت ليبيا لإشراك المصريين في هذه المبادرة التي قدَّمها الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي عقب الاجتماع بينه وبين نظيره المصري محمد حسني مبارك في مدينة مرسي مطروح في آب (أغسطس) 1999م، لأنَّ الليبيين شعروا بأنَّ مبادرتهم تجاه السُّودان لسوف لن تجد القبول والرضا من المجتمع الدولي، وذلك للعزلة التي كانت تعاني منها بلادهم وقتئذٍ.  عليه، نجد أنَّ المبادرة المشتركة (الليبيَّة-المصريَّة) قد بدأت بمحاولة من ليبيا لجمع كافة أطراف الصراع في السُّودان لإجراء حوار حول المشكل السُّوداني، وانضمت إليها مصر لاحقاً التي كانت تسير في سبيل تطبيع العلاقات مع حكومة السُّودان بعد فترة التوتر التي وصلت قمتها في أعقاب محاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في أديس أبابا العام 1995م.  ومن هنا جاءت المبادرة المشتركة كمبادرة عربيَّة موازية لأخرى إفريقيَّة في الوقت الذي كان فيه يعلم أصحاب المبادرة المشتركة أنَّ ثنائيَّة التعاطي مع القضايا المحوريَّة في السُّودان هي التي خلقت وأغلظت المشكل السياسي السُّوداني، وقد دلَّلنا بأمثلة عديدة في صفحات سابقة من هذا المبحث – نذكر على سبيل المثال - الثقافة العربيَّة والإفريقيَّة، العقيدة الإسلاميَّة والمسيحيَّة، واللغة العربيَّة وأخريات إفريقيَّة وهلمجراً.  هذا، فقد رأت الأحزاب الشماليَّة في هذه المبادرة المشتركة فرصة طيبة لأنَّها خاطبت بنوداً لو قُدِّر لأطراف النِّزاع السُّوداني الوصول إلى حلول حولها لسوف تنال هذه الأحزاب نصيباً من السلطة.  فكيف ومتى أُطلِقت هذه المبادرة المشتركة؟

تلبية لدعوة من الرئيس الليبي العقيد معمر القذافي انعقد اجتماع هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي في طرابلس في الفترة من 28 تموز (يوليو) – 1 آب (أغسطس) 1999م.  ففي هذا الاجتماع، الذي شاركت فيه كل فصائل التجمع الوطني الديمقراطي، تقدَّمت القيادة الليبيَّة بمبادرة حول الحل السياسي الشامل للأزمة السُّودانيَّة.  وبناءاً على هذه الدعوة عرضت الجماهيريَّة الليبيَّة العظمى على التجمع الوطني الديمقراطي المبادرة التالية:(189)

(1)    وحدة السُّودان أرضاً وشعباً.

(2)    المواطنة هي الأساس لممارسة الحقوق والواجبات.

(3)    الاعتراف بالتعدد العرقي والديني والثقافي لشعب السُّودان.

(4)    ضمان مبدأ الديمقراطيَّة التعدديَّة، استقلال القضاء، الفصل التام بين السلطات التشريعيَّة والتنفيذيَّة والقضائيَّة، وكفالة حريَّة التعبير والتنظيم لما نصَّ عليه القانون.

(5)    كفالة الحريات الأساسيَّة وضمان ممارستها، والالتزام بحقوق الإنسان وفقاً للمواثيق الدوليَّة المعتمدة والقيم السائدة في المجتمع.

(6)    إقامة نظام حكم لا مركزي في إطار السُّودان الموحد بما يكفل تحقيق التنمية المتوازنة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وقوميَّة القوات المسلحة والأمن الوطني للمجتمع والمواطنين.

(7)    سياسة خارجيَّة تراعي المصالح القوميَّة، وتؤكد على استقلال القرار الوطني وتحترم المبادئ والأسس الواردة في المواثيق الدوليَّة.

(8)    كفالة الدستور للتعدديَّة والحريات المدنيَّة والسياسيَّة وحقوق الإنسان، وتشكيل حكومة انتقاليَّة تعبِّر عن كافة القوى السياسيَّة، وتحديد موعد الانتخابات العامة وفقاً لما جاء في المؤتمر الدستوري (القومي).

(9)    الوقف الفوري والشامل للحرب، ونبذ الاقتتال بكافة أشكاله.

ليس هناك من ريب في أنَّ مهندسي المبادرة المشتركة قد قاموا باتصالات استكشفايَّة مع أطراف النِّزاع السُّوداني، وبخاصة الحكومة السُّودانيَّة ويتضح هذا في بعض العبارات الواردة في الوثيقة التي لا يخالجنا أدنى شك في أنَّ الألفاظ تعبِّر عن مصدرها في أوضح ما يكون التعبير – فعلى سبيل المثال "استقلال القرار الوطني"، وهو من شعارات حكومة "الإنقاذ الوطني" في الخرطوم.  أمَّا "المؤتمر الدستوري القومي"، والذي ظلَّت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان تدعو له منذ تفجيرها العام 1983م، لم تجد أذناً صاغية.  فإن كانت القوى السياسيَّة السُّودانيَّة لجادة في حل القضايا الخلافيَّة لعقدت هذا المؤتمر، وبخاصة في أول العهد بالحكومة الانتخابيَّة، وليس الانتظار والشروع فيه قبيل انقضاض العسكرتاريا الإسلامويين على السلطة.  فإنَّ المنطق السليم ليقتضي أنَّ أولى خطوات التعاطي مع الأزمة أيَّة أزمة هي الاعتراف بها والقبول بالأمر الواقع.  فقد أثبتت الدراسات أنَّ هناك كثراً من الناس لا يأبهون، بل يستمرِّون في الجحود في وجه الخطر الماثل أمامهم.  وهذا النكران تدفعه ظاهرة عقليَّة تسمى "الانحياز إلى حال السويَّة" (Normalcy bias).  ويقول علماء النفس إنَّ الذين لم يتعرَّضوا لتجارب حاسمة في حيواتهم الخاصة ليجدون صعوبة في الاعتراف بأنَّ هناك واحدة تبدو في الآفاق.  هذا، فالذين يقرُّون بالمشكلات ويعتبرونها تحدِّياً ويواجهونها هم أولئك الذين يفلحون في تجاوزها، وذلك عملاً ب"مفهوم الفعاليَّة الذاتيَّة" (Self-efficacy concept)، أمَّا الذين ينظرون إلى الخطوب بأنَّها مخاطر تهدِّدهم شخصيَّاً فهم أولئك الذين يرتبكون في التعامل معها، ونصيبهم منها في آخر الأمر الفشل والخذلان المبين.  أيَّاً كان من أمر هذه الطائفة أو تلك، فإن تعرَّض أولئك القادة وهؤلاء الحكام لتجارب شخصيَّة تنذر بالخطر فلا شك في أنَّهم اتَّخذوا القرار المصيري عند اللحظات الحاسمة.  أما في سبيل الوطن فهنا تتجلى اللامبالاة وعدم الاكتراث، وهذا التصرُّف يعود إلى سببين: إما أنَّهم لم يتبصَّروا ما هو قادم إليهم - أو عليهم – في السلطة، وانعكاساته على قضيَّة الحرب والسلم ومصير البلاد بصورة عامة، ومستقبل الجنوب بشكل خاص؛ أو كانوا يدركون ذلك، ولكنهم فضَّلوا ترك الأمور للأقدار، وهذا قمة اللامسؤوليَّة وانعدام الوطنيَّة، التي هم بها يتشدقون، ولم يرتقوا إليها سبيلاً.  والذين حكموا السُّودان قبيل "الإنقاذ" كانوا يدركون أنَّ السُّودان تعرَّض لكوارث سياسيَّة كبيرة من قبل، بل هم جاءوا إلى الحكم في الأساس لإزالة و"كنس آثار مايو"، لكنهم لم يفعلوا شيئاً في سبيل هذه الشعارات.  والمؤتمر الدستوري القومي، الذي كان يمكن أن يعبِّر عن إجماع الشعب السُّوداني إذا أُحسِن تدبيره بتمثيل قياداتهم السياسيَّة والنقابيَّة والمهنيَّة والفئويَّة والشيوخ والمرأة والشباب والطلاب والقوى الحديثة وغيرهم، كان واحداً من سبل علاج مشكلات السُّودان المزمنة.

على أيَّة حال، ففي أيلول (سبتمبر) 1999م طرحت دولتا المبادرة المشتركة (ليبيا ومصر) خمسة مبادئ لتفعيل مبادرتهما وهي:

(1)    الوقف الفوري لكافة العمليات العسكريَّة من جميع الأطراف، ووضع آلية لمراقبة ذلك.

(2)    الوقف الفوري لكافة الحملات الإعلاميَّة المتبادلة من جميع الأطراف.

(3)    الشروع في حوار مباشر بين الحكومة والمعارضة، عبر ملتقى عام للحوار الوطني السُّوداني، بهدف التوصل لحل سياسي شامل للمشكل السُّوداني يستند على وحدة السُّودان، ويؤمن الاعتراف بالتعدُّد العرقي والديني والثقافي للشعب السُّوداني.

(4)    تشكيل لجنة تحضيريَّة للملتقى بمشاركة ممثلين عن التجمع الوطني الديمقراطي وممثلين عن الحكومة برعاية الأخ القائد (معمر القذافي) تتولى الآتي:

-      تحديد مكان وتأريخ انعقاد الملتقى.

-      تحديد المدعوين للمشاركة في أعمال الملتقى.

-      تحديد جدول أعمال الملتقى.

(5)    تتولى الجماهيريَّة العظمى الاتصال بالدول التالية: مصر، إريتريا، إثيوبيا، أوغندا، وكينيا للتنسيق معها باعتبارها صاحبة مبادرات تتعلَّق بالشأن السُّوداني، ولبذل المزيد من المساعي الحميدة، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.

وكما تعلمون، لم تكن مبادرة "الإيقاد" هي المبادرة الوحيدة التي أُطلِقت لحل المشكل السُّوداني كما شهدتم، بل أمست القضيَّة السُّودانيَّة مسرحاً لإطلاق نداءات وإعلانات ومبادرات لحل المسألة السُّودانيَّة من قبل الأفراد والهيئات والأحزاب السُّودانيَّة والمنظمات الإقليميَّة والقوى الدوليَّة.  فكانت هناك الفاسدة من هذه المبادرات التي لم يكد يحتملها أحد كوثيقة مقنعة لانطلاق حوار جاد؛ وكانت هناك مما قبلها الطرفان بالتحفظ، أو قل قبلها طرف بينما رفضها الطرف الآخر؛ ثم هناك من هذه المبادرات التي قبلها الطرفان، ولكن استمرَّ الشجار بينهما في التفاصيل التي أفضت إلى التنافر الشديد.  لذلك، لم تكن مبادرة "الإيقاد" قد صادفت هوى في نفس الحركة الشعبيَّة – لأنَّها شخَّصت تأريخ المشكل السياسي - فحسب، بل وضعت أشراطاً للوحدة الوطنيَّة الجاذبة.  وهذه الأشراط هي التي أمست تنادي بها الحركة في أدبياتها المقروءة والمسموعة عبر نضالها الطويل في مشروع السُّودان الجديد القائم على العدل والمساواة والديمقراطيَّة وحقوق الإنسان والتنمية المتوازية والتوزيع العادل للسلطة السياسيَّة والثروة القوميَّة.  وفي حال الإيفاء بهذه الأشراط من قبل الطائفة الحاكمة في الخرطوم فعلى أهل الجنوب أن يختاروا - في حريَّة ونزاهة، وفي استفتاء عام - بين الوحدة أو الانفصال.  وعند المقارنة بين المبادرتين، ندرك أنَّ المبادرة المشتركة اختلفت عن مبادرة "الإيقاد" في النواحي التالية:(190)

(1)    إنَّها خاطبت كل أطراف الصراع (شماليين وجنوبيين)، ولم تقتصر على الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة، وسعت للحل الشامل لأزمة الجنوب وأزمة الحكم معاً.

(2)    إنَّها كانت إقليميَّة، ولم ترتبط بأيَّة دول أخرى، وإن رغبت في توسيع قاعدتها بإضافة دول إفريقيَّة جديدة.

(3)    إنَّها تمسَّكت بوحدة السُّودان، وبالتالي رفضت فكرة تقرير المصير، الذي يفضي للانفصال حتى ولو كان خياراً أخيراً.

(4)    إنها رأت دور الدولتين مصر وليبيا هو دور الوسيط الذي يوصل أطراف النزاع لمائدة المفاوضات دون أن يفرض عليهم أجندة محددة للحل، ولكن يمكن أن تساعد كلما استعصت الأمور، ولذلك للمبادرة "إعلان مبادئ"؛ غير أنَّها وضعت قواعد عامة هي:

(1)    وقف الحملات الإعلاميَّة.

(2)    الوقف الفوري لإطلاق النار تحت رقابة عسكريَّة.

(3)    الوصول لحل سياسي شامل للمشكل السُّوداني يقوم على الاعتراف بالتعدد العرقي والديني والثقافي.

(4)    أن يأتي الحل في إطار وحدة السُّودان.

ولئن كان هناك ثمة حزب سياسي أفاض في الأدبيات السياسيَّة في المشكل السُّوداني فليكن حزب الأمة تحت زعامة السيد الصَّادق المهدي.  فلم يفتأ الحزب يطلق مبادرات وتحذيرات في شأن القضيَّة السُّودانيَّة.  ونحن نحتار لماذا اقترح حزب الأمة مبادئ جديدة بعد أن أقرَّ الحزب بمبادئ المبادرة المشتركة؟  فما لهذا الحزب لا يرغب في أن يستقر على حال!  مهما يكن من شأنه، فقد نشر حزب الأمة ورقة حول الحل السياسي الشامل في السُّودان مؤكداً أهميَّة تبني أطراف النزاع السُّوداني المبادئ التالي:

1)     المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات الدستوريَّة.

2)     الفصل بين المؤسسات السياسيَّة والدينيَّة.

3)     لا تنال أيَّة مجموعة امتيازات لانتمائها الديني والثقافي والأثني.

4)     أن تراعى المواثيق الدوليَّة الخاصة بحقوق الإنسان.

5)     التعدديَّة الدينيَّة والثقافيَّة والأثنيَّة في السُّودان.

6)     حكم السُّودان على أساس فيديرالي حقيقي وتوزيع السلطات بين المركز والولايات (الدولة الديمقراطيَّة والدولة الفيديراليَّة).

7)     المشاركة الفاعلة في السلطة بكافة مستوياتها واقتسام عادل للثروة.

8)     إعادة هيكلة مؤسسات الدولة المعترفة بالتنوع في السُّودان، وإزالة آثار الحرب.

9)     يظل الجنوب بحدود العام 1956م ليختار في الاستفتاء بين الوحدة الطوعيَّة ضمن الفيديراليَّة أو الكونفيديراليَّة أو استقلال، كما تحظى مناطق جبال النُّوبة وأبيي والأنقسنا بإصلاحات سياسيَّة واقتصاديَّة وإداريَّة أثناء الفترة الانتقاليَّة، وكذا يتم استفتاؤهم؛ وتحقِّق الفترة الانتقاليَّة، والتي لا تتجاوز العامين، المهام التالية:

1)     تطبيق البرنامج المتفق عليه.

2)     إعادة هيكلة أجهزة الدولة.

3)     إجراء استفتاء لتقرير المصير.

4)     إجراء الانتخابات العامة، وتسليم السلطة للحكومة المنتخبة.

المبادئ الواردة أعلاه في ورقة حزب الأمة حول الحل السياسي الشامل ما هي إلا تلخيصاً لقرارات التجمع الوطني الديمقراطي في أدبياته السياسيَّة، وإعادة لصياغة بنودها.  إذ نفخ فيه حزب الأمة من روحه، ودمغه بعلامته التجاريَّة الكلاسيكيَّة (Its classic trademark).  فالمواطنة كأساس للحقوق والواجبات الدستوريَّة، وفصل الدين عن الدولة، ومراعاة المواثيق الدوليَّة الخاصة بحقوق الإنسان، كل هذا ما هو إلا تفسيراً لإعلان نيروبي في 17 نيسان (أبريل) 1993م؛ وتعدديَّة السُّودان الدينيَّة والثقافيَّة والأثنيَّة، والمشاركة في السلطة السياسيَّة، والتوزيع العادل للثروة القوميَّة، هي ما ظلَّت تنادي بها الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وتبناها التجمع الوطني الديمقراطي في ميثاقه ومقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة في حزيران (يونيو) 1995م؛ أما مقترح التعامل مع مسألة الجنوب والمناطق الثلاث (أبيي، جبال النُّوبة، والأنقسنا)، فما هو إلا إعادة لقراءة قرار التجمع في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة حول الحكم بعد إسقاط النظام "الإنقاذي"، وقرار حول حق تقرير المصير ووضع المناطق الثلاث.  وإذا كان الأمر كذلك فإنَّنا لنندهش أيما الاندهاش لماذا غادر حزب الأمة التجمع غير أسيف على هذه المغادرة، ودون أن يأتي بجديد عجز نظراؤه في هذه المؤسسة الإئتلافيَّة عن الإتيان به!  ومع ذلك، كان لا بد لحزب الأمة أن يكون له رأي حول المبادرة المشتركة كما هي العادة دوماً.  ففي آب (أغسطس) 2001م قدَّم حزب الأمة ورقة توضح رؤية الحزب عن المبادرة المشتركة في النقاط التالي:

1)     عقد ملتقى خلال شهر بعد التشاور مع الأطراف.

2)     يقرر الملتقى تأريخ ومكان المؤتمر الدستوري القومي، ورشحت ست عواصم.

3)     استمرار الحكومة الانتقاليَّة لمدة أربع سنوات من تشكيلها وبمشاركة القوى السياسيَّة الموقعة على الاتفاق.

4)     إنَّ هذه المبادرات المطروحة لا تعد أجنبيَّة خالصة للجهد الواضح للقوى السياسيَّة السُّودانيَّة.

5)     إنَّ المبادرات الوطنيَّة لا تجد حقها في البذور لافتقار عنصر الضغط الجماهيري.

وحين ألقينا نظرة على ورقة حزب الأمة التي فيها يوضِّح الحزب رؤيته عن المبادرة المشتركة استرعت انتباهنا نقطتان هما: "إنَّ هذه المبادرات المطروحة لا تعد أجنبيَّة خالصة للجهد الواضح للقوى السياسيَّة السُّودانيَّة"، و"إنَّ المبادرات الوطنيَّة لا تجد حقها في البذور لافتقار عنصر الضغط الجماهيري".  ولعل تناول بعض القوى السياسيَّة لمسألة النفوذ الأجنبي وتدخل الدول الغربيَّة والمجتمع الدولي في الشأن السُّوداني فيه شيء من الغرابة كثير.  وفي هذه المسألة تلتقي مقاصد الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة أو المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) مع صرخات حزب الأمة، ولئن أسمى كل منهما هذا التأويل باسم مختلف.  إذ ظل النظام "الإنقاذي" يرفع شعارات "المشروع الحضاري"، و"استقلال القرار الوطني"، و"السيادة الوطنيَّة"، و"نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" – وأضاف بعض الظرفاء "ونضحك مما نسمع"، بينما بات حزب الأمة يردِّد وينذر الناس بما أسماه "خطر تدويل المشكل السُّوداني".  والمهم في الأمر أن نتوقف هنا قليلاً لنتساءل: ماذا يمكن أن نسميه حين اشترك حزب الأمة بزعامة السيد الصَّادق المهدي في حملة عسكريَّة تحت مظلة الجبهة الوطنيَّة المتحدة ومنطلقة من ليبيا ضد الخرطوم في 2 تموز (يوليو) 1976م؟  أفلم يكن هذا تدويلاً للقضيَّة السُّودانيَّة؟  بلى!  وأين كانت تعسكر وتنطلق قوات حزب الأمة – مهما كان نصيبها من النضال الهامشي – ضد سلطة "الإنقاذ" في التسعينيَّات؟  أفلم تكن تعسكر وتنطلق من إريتريا؟  بلى!  والعواصم الست التي اقترحها حزب الأمة في ورقته إياها لا ريب في أنَّها عواصم أجنبيَّة، لأنَّ للسُّودان عاصمة قوميَّة واحدة هي الخرطوم كما نعلم، لذلك كان هذا الاقتراح ضرباً آخر من التدويل.  إذن مسألة التدويل التي يصطك بها آذاننا أولئك وهؤلاء لا مكان لها من الإعراب، لأنَّ مواد الإغاثة التي بدأت تصل إلى جنوب السُّودان منذ بداية "عمليَّة شريان الحياة" (Operation Lifeline Sudan) إبَّان حكومة السيد الصَّادق المهدي (1986-1989م) باتت تأتي من الدول الغربيَّة، حتى المشرفين عليها كانوا من الأجانب.  وفي ذاك العهد لم تعمل حكومة الصَّادق على تدويل الصراع السُّوداني فحسب، بل ساعدت في تدويل المشكل التشادي، وإلا ماذا يعني وجود قوات الفيلق الإسلامي – وهي قوات مرتزقة ليبيَّة – والمعارضة التشاديَّة في دارفور في ذلك الحين من الزمان.  أمَّا الآن، فالعالم لم يكد يحتمل العبث بأرواح الناس وحقوق الإنسان تحت أي اسم أسميها "التوجه الحضاري"، أو "استقلال القرار الوطني"، أو "السيادة الوطنيَّة" أو غيرها.  فإذا عجزت القوى السياسيَّة الوطنيَّة في حل مشكلات البلاد المصيريَّة؛ وإذا أخفقت جماهير الشعب السُّوداني في إحداث التغيير المرغوب؛ ثم إذا لم تحقق الحرب الأهليَّة النتائج المرجوة بالسرعة الفائقة، فما الذي يضير إذا جاء هؤلاء الأجانب – بما فيهم أصحاب المبادرة المشتركة التي ارتضت بها الحكومة وحزب الأمة ذاته - بالحلول الوسط، وحاولوا المساهمة في وقف نزيف الدم!  ولكن يبدو أنَّ حزبي المؤتمر الوطني والأمة يعتبران تدخل الدول العربيَّة خارج مظلة التدويل، وذلك بحكم الارتباط الديني والعرقي مع أهل الحكم في الخرطوم، أو تدخلها يقع في تصنيف "التدخل الحميد"، باستخدام تعبير السيد الصَّادق المهدي.

والجدير بالذكر، فقد سعت مصر لإسقاط بند حق تقرير المصير للجنوب في المبادرة المشتركة، والذي بات حقاً أصيلاً في كافة المبادرات الدوليَّة والإقليميَّة والداخليَّة، وذلك لارتباط هذا البند بنطاق الأمن القومي المصري.  لذلك رأى أبناء الجنوب بأنَّ هذه المبادرة المشتركة لا تلبي طموحاتهم، فضلاً عن وقوف كافة القوى الدوليَّة والإقليميَّة والمحليَّة ضدها؛ إذ أنَّ بعض شركاء "الإيقاد" – ولأسباب خاصة بهم – أرادوا تحجيم الدور الليبي في إفريقيا، ولذلك رفضوا الربط بين مبادرة "الإيقاد" ومبادرة أخرى أمست ليبيا طرفاً فيها.  ومن ثمَّ أصدرت الحركة الشعبيَّة – بعد اجتماعاتها في كبويتا في الفترة ما بين 24-31 تموز (يوليو) 2001م – قراراً جاء فيه أنَّ "الإيقاد" هو الأساس للحل السلمي لقضيَّة السُّودان، لأنَّها تشتمل على فصل الدين عن الدولة، وحق تقرير المصير، والدعوة إلى تشكيل حكومة انتقاليَّة وفقاً للدستور الانتقالي، فضلاً عن التقسيم العادل للثروة والسلطة واستقلاليَّة القضاء.  ودعت الحركة مصر وليبيا لأخذ نقطتي فصل الدين عن الدولة، وحق تقرير المصير كما جاء في مقررات أسمرا للقضايا المصيريَّة العام 1995م، وتوحيد منبر التفاوض والتنسيق بين المبادرتين.  كما أنَّ القوى السياسيَّة الجنوبيَّة الأخرى – بما في ذلك التي وقَّعت اتفاقات مع حكومة "الإنقاذ" (جماعة رياك مشار ووال واني) – قد اعترضت على المبادرة المشتركة.  وفوق ذلك،  كانت هناك رؤية جنوبيَّة مؤداها أنَّ المبادرة المشتركة ما هي إلا محاولة عربيَّة منحازة للشمال العربي طُرِحت في مواجهة مبادرة الإيقاد "الإفريقيَّة"، ومن ثَمَّ نما رأي جنوبي عام معارض للمبادرة المشتركة، فضلاً عن غياب حق تقرير المصير في المبادرة المشتركة، والذي اعتبره الجنوبيُّون مكسباً تأريخيَّاً لا يمكن التفريط فيه.  أما رؤية منبر شركاء "الإيقاد" حول المبادرة المشتركة فقد جاءت عقب اجتماعات أوسلو في الفترة ما بين 18-20 حزيران (يونيو) 2000م، وبمشاركة 25 دولة أوربيَّة وإفريقيَّة ومنظمة، ولم يشارك فيها السُّودان، بل شاركت مصر فقط.  إذ أقرَّ المجتمعون فشل التوصل في الاتفاق حول التنسيق بين مبادرتي "الإيقاد" والمشتركة، وقرَّروا اعتماد مبادرة "الإيقاد" كأساس لحل إشكاليَّة السُّودان، وذلك لشمولها لتأريخ القضيَّة، بينما المبادرة المشتركة تعالج خلاف الحكم بين الحكومة السُّودانيَّة والأحزاب المعارضة.  ومع ذلك، فقد أخفق أصحاب المبادرة المشتركة لأنَّهم اتَّصفوا "بالتباطؤ والتلكؤ، وتغليب الأجندة الوطنيَّة لدولتي المبادرة المشتركة (ليبيا ومصر) على البعد القومي، والنظرة الإستراتيجيَّة الأشمل.  وفيما كان الأمر كذلك، لم تُوضع للمبادرة أيَّة آليَّة للتنفيذ أو التنشيط، واتجه الكل نحو المكاسب الآنيَّة في بروتوكولات التعاون بين أجهزة الأمن، وبروتوكولات مكافحة ظاهرة التطرف، والحصول على بعض المكاسب القطريَّة الضيقة، والتطبيع الشكلي بين النظم الحاكمة."(191)

وفي إطار المحادثات التي كانت تجري في ضاحية مشاكوس الكينيَّة عرض الوسطاء والرقباء مقترحات لطرفي النِّزاع السُّوداني، وأمست هذه المقترحات أساساً للتفاوض في شأن مؤسسات الحكم المركزي التي تشمل رئاسة الدولة ومجلس الوزراء والبرلمان (ملحق رقم (16)).  وبالطبع، أخذت هذه الوثيقة زمناً طويلاً في الجدال والسجال تارة، وبات شركاء "الإيقاد" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيَّة يلوِّحون بالحوافز والعقوبات من أجل تسريع المفاوضات تارة أخرى.  ولعلَّ واحداً من البدائل التي طرحها الوسطاء والرقباء على طرفي النِّزاع لمعالجة قضايا اقتسام السلطة والثروة والترتيبات الأمنيَّة هو ما بات يُعرَف ب"وثيقة ناكورو".  إذ لم تكتف الحكومة السُّودانيَّة برفضها فحسب، بل هيَّجت القوى السياسيَّة الجنوبيَّة المتحالفة معها لرفضها.  ومن ثَمَّ أمست هذه القوى شماليَّة أكثر من أهل الشمال المتزمِّتين أنفسهم، وهدَّدت هذه القوى "برفع السلاح حال قبول الحكومة (السُّودانيَّة) بسلام يقوم على أساس "مسودة ناكورو"، لأنَّ قبولها سيشعل الحرب بين الجنوبيين أنفسهم، وطالبت في الوقت نفسه بمزيد من التمثيل للجنوبيين في الحكم."(192)  وقد ذهب أحدهم أبعد من ذلك، حيث لم يقتصر استهجان وليم دينج – وزير الثقافة والإعلام، والناطق الرسمي باسم مجلس تنسيق الولايات الجنوبيَّة – على "وثيقة ناكورو"، التي قال عنها إنَّها أكَّدت انحياز وسطاء "الإيقاد" للانفصال، فحسب، بل اتَّهم الوسيط الكيني الجنرال لازرس سيمبويو بعدم الحياد في القضيَّة السُّودانيَّة.  ومن جانب آخر، أكَّدت الحركة الشعبيَّة "قبولها لهذا الإطار المقترح بحسبانه أساساً للمفاوضات مع حكومة السُّودان حول القضايا المضمَّنة في قسمة السلطة، والثروة، والترتيبات الأمنيَّة، والمناطق الثلاث (أبيي، جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق) (ملحق رقم (17))."  ونتيجة لذلك جرت تعديلات للوثيقة الأصليَّة نزولاً لرغبة طرفي النِّزاع.  إذ تعدَّى موعد الانتخابات للمجلس الوطني 18 شهراً بعد بدء تنفيذ اتفاق السَّلام، ولم يكن هناك نائب واحد للرئيس، بل نائبين أحدهما النائب الأول من الحركة الشعبيَّة والثاني من المؤتمر الوطني.  إلا أنَّ أهل الشمال – علواً وكبرياءاً منهم – لم يرضوا باسم "النائب الثاني"، لذلك ظل منصبهم هذا يُعرَف باسم "نائب الرئيس"، وكان هذا النائب الثاني – أو نائب الرئيس تحديداً – هو النائب الفعلي في غياب الرئيس، وباتت مؤسسة الرئاسة (المكونة من الرئيس ونائبيه) غير محكومة بضوابط الاتفاق، كما نصَّت عليها بنود تقاسم السلطة.

ولعلَّ موافقة النظام على توقيع اتفاقيَّة السَّلام لم تكن مبنيَّة على نوايا صافية، بل كان مضطرَّاً كل الاضطرار إلى الإذعان لها، وكان دوماً يراهن على انقسام يمكن أن يحدثه وسط من اتفق معه، وعلى التلكؤ الذي لسوف يتعمَّده في تنفيذ تلك الاتفاقيَّة، وعلى تفسير مختلف تشبث به في بعض بنودها.  وفي هذا الشأن يقول حسن أحمد الحسن إنَّه من خلال الجولات والاتصال والمباحثات التي شارك فيها النظام "الإنقاذي" يتضح أنَّ الإستراتيجيَّة التي درج على الانطلاق منها في مفاوضاته مع الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان تتلخص في النقاط التالية:(193)

(1)    تعميق سياسة فرِّق تسد بين الجنوبيين.

(2)    يمكن إيجاد أيَّة تسوية في الجنوب، بما في ذلك تعطيل القانون العام في إطار فيديرالي بصلاحيات واسعة مقابل أن تنحصر مطالب الجنوبيين فقط في نطاق الجنوب دون الحديث عن تعدديَّة سياسيَّة أو ديمقراطيَّة في الشمال، ولا يمانع النظام من مشاركة رمزيَّة في السلطة المركزيَّة.

(3)    لا مانع من إعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير دون أيَّة تحفظات وقبول الانفصال – عرض فرنكفورت – مقابل عدم الحديث عن سودان جديد موحد يحكمه دستور واحد ينطلق من حقوق المواطنة المتساوية.

(4)    كسب الوقت من خلال المفاوضات من أجل تصعيد شامل على أرض العمليات لحسم القضيَّة عسكريَّاً من خلال إعلان التعبئة العامة من ناحية، والظهور أمام المجتمع الدولي والإقليمي بمظهر الباحث عن السَّلام عن طريق المفاوضات السلميَّة (من ناحية أخرى).

(5)    استخدام سلاح الإغراء المادي لاستمالة بعض السياسيين الجنوبيين، وبخاصة المنشقين عن الحركة الشعبيَّة بإثارة التناقضات العرقيَّة والقبليَّة.

(6)    تسليح ودعم العناصر المنشقة وتوجيهها لمساندة القوات الحكوميَّة ضد الفصيل الرئيس، والقيام بعمليات تصفية القيادات الجنوبيَّة داخل الحركة الشعبيَّة، وقد قامت فعلاً بمحاولات عديدة في هذا الصدد نجحت في بعضها وفشلت في البعض الآخر، واستهداف العناصر الوحدويَّة داخل الحركة بالإضافة لارتكاب المجازر البشعة ضد المواطنين في القرى الآمنة.

بالطبع والطبيعة – وكأي اتفاق سلام في الدنيا – لم تخل اتفاقيَّة السَّلام الشامل الموقَّعة بين الحركة الشعبيَّة والحكومة السُّودانيَّة (المؤتمر الوطني) العام 2005م من انتقادات وانتقاصات.  إذ جاءت هذه الانتقادات من عدة طوائف من الشعب السُّوداني.  فهناك طائفة من أنصار النظام المسرفين الذين لم يرتضوا بهذا الاتفاق، ورأوا فيه استسلام المؤتمر الوطني للحركة الشعبيَّة، وطفقوا يكتالون على الجنوب مسرفين.  فقد قال أصحاب هذه الفئة إنَّ الجنوب قد نال أكثر مما يستحق سلطة وثروة، وزعموا أنَّ هذه التسوية ما هي إلا قسمة ضيزى، وطالبوا في أغلظ ما تكون المطالبة بانفصال الشمال عن الجنوب، وأسموا أنفسهم ومن والاهم ب"منبر السَّلام العادل"، ووقف على رأس هذه الطائفة المهندس الطيب مصطفى.  وهناك طائفة أخرى من أهل التجمع الوطني الديمقراطي التي رأت أنَّ الاتفاقيَّة ما هي إلا عمليَّة ثنائيَّة لتقاسم السلطة والثروة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبيَّة؛ وللثنائيَّة – ولئن لم تكن بهذا التحديد والتأطير – أسباب.  فقد أوضحنا قصور التجمع الوطني الديمقراطي في سبيل تفعيل العمل العسكري، وكانوا يعلمون حق العلم أنَّ النظام "الإنقاذي" لم يتفاوض إلا مع حملة السِّلاح.  وفي نهاية الأمر كان التقاسم في السلطة والثروة بين أصحاب البندقيَّة الطويلة أو "الذراع الطويلة"، كما جاء في وصف أحد الكتاب الذي لم يفتر قط في الاهتمام بالشأن السياسي السُّوداني، و"على قدر أهل العزم تأتي العزائم".  بيد أنَّ هناك طائفة ثالثة من الناس لم تكن مع التجمع الوطني الديمقراطي في نهاية الأمر ولئن كانت معه في بادئ الأمر، ثم لم تكن هذه الفئة خارجة لتوها من بطن الحركة الشعبيَّة، بل اختارت لنفسها أن تغرِّد خارج جميع الأسراب، ومن وراء الجُدُر السياسيَّة المألوفة في ذلكم الحين من الزمان، واجتهدت في أكثر ما يكون الاجتهاد في الانتقاص من الاتفاق لأنَّها لم تكن شريكة فيه، وكان لها حق معلوم فيما أرادت أن تقول.  وقد اعتاد زعيم هذه الفئة على مثل هذا النمط من التشاكس السياسي، واختلاق معارك ليس مع الأعداء الحقيقيين، بل مع الذين يُفترَض أن يكونوا حلفاءه، وهو السيد الصَّادق المهدي، رئيس حزب الأمة وإمام الأنصار، الذي بات يردِّد من قبل أنَّ الحركة الشعبيَّة تسعى إلى الحل العسكري للمشكل السُّوداني.  ولكن حين استدرك الصَّادق أنَّ الحركة الشعبيَّة لم ترد "الحل الحربي في الأساس"، ووقعت مع الحكومة السُّودانيَّة "إعلان المبادئ" العام 1994م، وبروتوكول مشاكوس الإطاري العام 2002م، واتفاق الإجراءات الأمنيَّة العام 2003م، وبروتوكولات تقاسم السلطة والثروة وأبيي وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق العام 2004م بدأ الحقد والموجدة يأخذان سبيلهما إلى نفس الصَّادق، لأنَّه لم يكن طرفاً في هذا كله.  ونستطيع أن نفهم هذا كله باسترجاع الذاكرة إلى العام 1988م حين وقع السيد محمد عثمان الميرغني مع الدكتور جون قرنق مبادرة السَّلام السُّودانيَّة.  ففي خطابه أمام المصلين بعيد الأضحى المبارك في مدينة أم درمان العام 2004م حذَّر الصَّادق المهدي منتقداً الاتفاقات التي وقَّعتها الحكومة السُّودانيَّة مع الحركة الشعبيَّة.  وقد جاء في تحذيرات الصَّادق ما يلي:(194)

(1)    إنَّ تقرير مصير الجنوب عبر الاستفتاء بعد فترة انتقاليَّة تستمر ست سنوات "ستفتح الباب أمام تمزيق السُّودان إذا أدَّى إلى الانفصال."

(2)    إنَّ اتفاق قسمة الثروة "سيعزِّز حجة الانفصاليين في الجنوب حتى يفوزوا بكل عائدات النفط بدلاً من نصفها."

(3)    إنَّ اتفاق الترتيبات الأمنيَّة "سيخلق عدداً ضخماً من الميليشيات يبلغ (تعدادها) 32 فصيلاً، مما يشكِّل خطراً كبيراً على مستقبل الدولة."

(4)    إنَّ ثنائيَّة الاتفاق بين الحكومة والحركة "ستعرضه لخطر كبير، لأنَّه سيواجه تحفظات وتحدِّيات حتى داخل طرفي الاتفاق وخارجهما."

وبما أنَّنا لا نرغب في الإطالة والإملال، كان لا بد أن نقف عند هذه النقاط التي أثارها الصَّادق، ولو سراعاً.  ففي أمر حق تقرير المصير كان حزب الأمة قد وقع إعلان شُقدوم مع الحركة الشعبيَّة العام 1994م كما ذكرنا سابقاً وفي صفحات سابقة، واشتمل الإعلان – فيما اشتمل – على حق تقرير المصير لشعب جنوب السُّودان.  أفلم يدرك حزب الأمة حينئذٍ أنَّ حق تقرير المصير الموقع بينهما هذا قد يؤدِّى إلى انفصال الجنوب أرضاً وشعباً؟!  وليس لنا من سبيل إلى التقصي عن كيف اقتدى الصَّادق في بحثه إلى ما كتب، وهو وإن كان قد أخطأ فيما كتب، إلا أنَّ الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء، وتعمُّد الخطأ المصحوب بنيَّة التعدِّي شيء آخر.  أما الانفصاليين الذين يتحدَّث عنهم الصَّادق فلم تكن لهم الغلبة في المحادثات التي أفضت إلى السَّلام، وإلا لما ارتضوا بالاتفاق على النحو الذي وقِّع.  ولكن إن كان يري الصَّادق أنَّهم لسوف يطمحون في أخذ النصف الآخر من قسمة الثروة مستقبلاً فما هو المشكل في ذلك إن انفصل الجنوب وذهب إلى سبيله، أما إذا لم يتم الانفصال واستجدت الأمور على نحو غير متوقع فهذه الجدة ما تزال من المجاهل، وما وصل إليه الصَّادق من استكشافات لا ينير الطريق، وإنَّما الذي نريد أن نسجِّله هنا هو أنَّه بنى أحكامه على أساس ما زال مجهولاً، وتورَّط في بحثه عن تخيُّل ما ليس بحق أو ما لا يزال في حاجة إلى إثبات أنَّه حق.  أما عن قضيَّة الميليشيات البالغ عددها 32 فصيلاً، فإنَّنا نندهش الدهشة كلها من أين جاء الصَّادق بهذا الرقم؟  ففي اتفاق الإجراءات الأمنيَّة تمَّ اعتماد قوات الحكومة السُّودانيَّة والجَّيش الشَّعبي والقوات المشتركة بين الجيشين.  أما أمر الميليشيات فقضى الاتفاق على أنَّه ينبغي على كل طرف من طرفي النزاع احتواء ميليشياته، مع علمنا حق العلم أنَّه لم يكن للجيش الشَّعبي ميليشيات.  كل الميليشيات كانت تتبع للحكومة السُّودانيَّة، ولم تبلغ 32 فصيلاً، ولم تكن طرفاً في الاتفاقيَّة الأمنيَّة، حتى الميليشيات الجنوبيَّة التي وقعت ميثاق الخرطوم للسَّلام العام 1996م كانت حوالي ست فصائل، وكان جزء منها يمثِّلها أفراد فقط تألَّفت حكومة "الإنقاذ" قلوبهم بالمال الذي يجعل أفئدة من الناس تهوي إليها.  وإذا كان الصَّادق صادقاً فيما كان يزعم كان ينبغي عليه أن يلح على الحكومة السُّودانيَّة أن تسرِّح ميليشياتها، وألا يتحامل على الاتفاق جملة وتفصيلاً، ويرمي الطرف الآخر بما ليس له فيه من شيء.  أما النقطة الرابعة فما من اتفاق سياسي – أي اتفاق سياسي – يمكن أن ينال رضا كل مكوِّنات طرفي الاتفاق، ولكن حين ترضى الغالبيَّة من الجانبين يتم التوقيع، وعلى الآخرين القبول بنتيجة ما وقعته مؤسساتهم السياسيَّة والالتزام بها، وهذا ما تمَّ في إطار اتفاقيَّة السَّلام الشامل بين الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة العام 2005م.

أما بعد، فلسنا بصدد التعريف بالبروتوكولات الستة التي كوَّنت "الهيكل العظمي" لاتفاقيَّة السلام الشامل للعام 2005م بين الحكومة السُّودانيَّة من جهة، والحركة الشعبيَّة من جهة أخرى؛ فنصوصها واردة ومدونة في كتاب الاتفاقيَّة، فمن شاء أن يدرك مدلولاتها أن يرجع إلى ذلكم المصدر ليقرأ ما بين ثناياه.  ومن جانب آخر، تناول كثرٌ من الكتَّاب المهتمين بالشأن السُّوداني الاتفاقيَّة تفسيراً وتحليلاً ونقداً.  بيد أنَّ وسط هذه الكثرة الكاثرة من الكتَّاب والمحللين السُّودانيين والأجانب تقف جهود الدكتور منصور خالد شامخة.  فالرجل لم يكن عضواً فعيلاً في الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان فحسب، بل كان مستشاراً لزعيم الحركة الشعبيَّة الدكتور جون قرنق دي مابيور؛ إذ شارك الدكتور خالد في كثير من محادثات السلام بين الحركة الشعبيَّة من جهة، والحكومات السودانيَّة من جهة أخرى، وكذلك في الإعلانات الصادرة، أو البيانات المشتركة بين الحركة الشعبيَّة من ناحية، والقوى السياسيَّة السُّودانيَّة من ناحية أخرى، وذلك بصفته الاستشاريَّة.  ففي مقال طويل بعنوان "عجبي ممن يؤثر العوراء على العيناء" – استهلالاً لكتابه الذي اختار له عنواناً متشائماً على حد قوله "السُّودان: أهوال الحرب وطموحات السَّلام (قصة بلدين)" – أشار الدكتور خالد إلى المنشأ التأريخي للمشكل الذي أخذ يُعرف باسم "مشكلة جنوب السُّودان"، وذكر أدوار النخب الحاكمة ودورها في تأزيم المشكل في المراحل المختلفة من حكومات السُّودان الوطنيَّة المتعاقبة على سدة الحكم في الخرطوم.  وفي هذا المقال – كذلك – رد الدكتور خالد على بعض الغلاة الإسلامويين، والعتاة العنصريين من أهل الشمال.  وقد قلب الدكتور خالد المنضدة على طارقي طبول الانفصال من أهل الشمال والجنوب معاً؛ إذ اتخذوا ما اتخذوا من مواقف وكأنَّما البلسم الوحيد الشافي لداء الوحدة الوطنيَّة هو الانفصال، أي كأنما ليست هناك طريقاً ثالثة.  وذكر الدكتور خالد من أولئك وهؤلاء، الأحياء منهم والأموات، فعلى سبيل المثال ذكر من أهل الشمال: الطيب مصطفى، والشَّاعر المهندس يوسف مصطفى التني (من أقطاب مؤتمر الخريجين)، وحسن محجوب (عضو اللجنة الاستشاريَّة للمجلس الوزاري لشؤون الجنوب العام 1956م)، وزعيم آخر من أهل الجنوب هو أقري جادين، والذي أسمع الشماليين رأيه عن انفصال الجنوب في مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم العام 1965م.  وفي الحين نفسه تصدى الدكتور خالد لكتابات بعض الإسلامويين الذين انتخبوا أنفسهم ناطقين باسم حقوق أهل الشمال، ومنهم الدكتور الطيب زين العابدين.  كما لم ينج الدكتور حسن مكي محمد أحمد من لسعات الناقدين وتفنيد المفنِّدين لكتاباته، والتي تعج بالعنصريَّة العفراء.  إذ ظل الدكتور حسن مكي يكتب ويومئ إلى أصحاب السلطان بعمل شيء راديكالي ما تجاه المهمَّشين من أهل التخوم الذين سكنوا الخرطوم، وبات - هو وكتاب كثر - يصفونهم ويصمونهم  بالحزام الأسود الذي أمسى يحيط بالعاصمة ويهدِّد أمن أهلها، وكأنَّما الخرطوم جزء من الجزيرة العربيَّة الأم استقطعه الله الواحد القهار بواسطة البحر الأحمر أو الأخدود العظيم ليرمي به في إفريقيا.  وقد أبنا من أمر هذا الرجل بما فيه الكفاية في قسم سابق من هذا المبحث.

وجاء في مقال آخر للدكتور خالد – بعنوان "مشاكوس خارطة الطريق الوحيدة لقبول النظام وطنيَّاً وتطهيره دوليَّاً" - حاوياً ما تضمَّنته ديباجة بروتوكول مشاكوس الإطاري، قضية السلام العادل، تأريخ حق تقرير المصير في الصراع المسلح في السُّودان، وتفاصيل أجندة المفاوضات، بدءاً بالتي اعتصى أمرها واشتدَّ (الإجراءات الأمنيَّة، العاصمة القوميَّة، ووضع المناطق الثلاث المهمَّشة)، ثم التي بدرجة أقل استعصاءاً (قسمة السلطة على المستوى الاتحادي، وتوسيع قاعدة المشاركة في الفترة الانتقاليَّة)، توحيد الجيش الوطني، فرية العلمانيَّة وما أدراك ما هي، وأخلاقيات التفاوض والنكوص عن العهود.  ثم مضى الدكتور خالد موضحاً "ملاحظات قانونيَّة على بروتوكول مشاكوس"، وشارحاً مواقف الحركة الشعبيَّة في المفاوضات، وذلك بعد اندفاع بعض أعضاء التجمع لإصدار أحكام قاطعة حول موقف الحركة الشعبيَّة في المفاوضات واتهامهم لها بالتآمر مع النظام وراء ظهر التجمع بأسلوب يحوي بالتحريض عليها.  وفي هذه المذكرة التعقيبيَّة شرح الدكتور خالد المواقف التي تقدَّمت بها الحركة الشعبيَّة حول القضايا التي أثارتها مفاوضات مشاكوس، بدءاً بالدستور والحكومة الاتحاديَّة وحكومة الكيانين (الشمالي والجنوبي) ومبادئ الحكم، قانون السلوك والأخلاق، حقوق الإنسان والقضاء، الدين والدولة، مروراً بالديباجة والمبادئ المتفق عليها، ثم ترتيبات الفترة الانتقاليَّة.(195)

فكما ذكرنا فإنَّ النظريَّة التي بُنيت عليها اتفاقيَّة السلام الشَّامل هي "دولة واحدة بنظامين"، حيث تكرَّس ذلك المفهوم في الترتيبات السياسيَّة والقانونيَّة والأمنيَّة.  إذ أصبح جنوب السُّودان كياناً سياسيَّاً، وله حكومة وبرلمان ودستور مستقل يحكم به نفسه، كما له نظام مصرفي تقليدي مختلف عن شمال البلاد، الذي يعمل بنظام المصارف الإسلاميَّة، وللجنوب أيضاً جيشه وهو الجيش الشعبي لتحرير السُّودان، إلى جانب قوات مشتركة من الجيش الشعبي والجيش الحكومي.  وإضافة إلى ذلك، له نصيبه من عائدات النفط (50%)، وتبدَّلت أيضاً عملة السُّودان من الدينار إلى الجنيه الذي بدأ متداولاً في حزيران (يونيو) 2006م.  إذ بدأت أولى خطوات تنفيذ الاتفاق بوقف إطلاق النار الشامل، وقد قُسِّمت عمليَّة وقف إطلاق النار الشامل في الاتفاق إلى مراحل وتتضمن: إعادة انتشار القوات الحكوميَّة من الجنوب إلى الشمال، وكذلك إعادة انتشار الجيش الشعبي لتحرير السُّودان من شرق السُّودان وجنوب كردفان والنيل الأزرق إلى داخل الجنوب، وعمليَّة نزع السِّلاح من الميليشيات المسلحة الأخرى.  وتبدأ المرحلة النهائيَّة بنهاية السنة السادسة الأخيرة للفترة الانتقاليَّة، وتستمر لمدة ستة شهور، وتتضمَّن تأسيس جيش سوداني وطني موحَّد في حال الوحدة.  وبحسب الاتفاق، أُقِرَّ دستور جديد للبلاد، ثم تشكيل مجلس وزراء جديد لفترة ما قبل الانتخابات العامة، ويتألَّف المجلس من 30 وزيراً و34 وزير دولة.  وقُسِّمت حقائب مجلس الوزراء وفق معادلة عامة يشغل بموجبها الشماليُّون 70% والجنوبيُّون 30%.  وجرى أيضاً تشكيل البرلمان من غرفتين: الأولى مجلس وطني من 400 عضواً بالنسب نفسها التي شكلت مجلس الوزراء، والأخرى مجلس الولايات من 50 عضواً يمثِّلون ولايات البلاد ال25.  ولكن بقيت عدة قضايا عالقة تم تجاوز جزء منها، وأمسى الجزء الأخر موضوع نزاع مستمر.  نذكر على سبيل المثال لا الحصر: إدارة العاصمة القوميَّة (الخرطوم) من طرفي اتفاق السَّلام، وذلك للتأكيد على حماية حقوق غير المسلمين، تشكيل الأجهزة الأمنيَّة، تعديل أكثر من 60 قانوناً، إدارة منطقة أبيي الغنيَّة بالنفط وإعادة ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، وقانون استفتاء الجنوب حول تقرير المصير، وقانون المشورة الشعبيَّة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، والمفوضيات المختلفة بما فيها مفوضيَّة الأراضي في جنوب كردفان.(196)

وفي نافلة القول نود أن نتساءل: هل يمكن أن تكون للحرب أيَّة حرب دوافعها ودواعيها؟  الإجابة بالإيجاب ليست من باب الدعوة إلى السخريَّة، بل لأنَّ القوة قد تكون مطلوبة أحياناً لأنَّها اعتراف بالتأريخ، فالحركة السلميَّة ما كانت باستطاعتها إيقاف جيش هتلر وجماعته النازيَّة إبَّان الحرب العالميَّة الثانية (1939-1945م)، ولا أن تسهم في إزاحة أعتى الطغاة من السلطة، ولا استمالة نظام طاغوتي كحكومة "الإنقاذ" وجرها إلى مائدة المفاوضات.  ففي خطابه عند استلام جائزة نوبل للسَّلام في العاصمة النرويجيَّة – أوسلو – في يوم 10 كانون الأول (ديسمبر) 2009م عدَّد الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأحايين التي فيها يمكن تبرير الحرب، وهي: في حال الدفاع عن النفس، مساعدة دولة وقعت ضحية الاحتلال الأجنبي، الحرب في سبيل الأغراض الإنسانيَّة، وحين تنذر الحرب الأهليَّة أن تشمل الإقليم بأكمله.  فالحرب الأهليَّة الأولى في السُّودان (1955-1972م) هي التي أعطت أهل الجنوب الحقوق السياسيَّة والترتيبات الدستوريَّة والأمنيَّة التي خرج بها المتحاورون في شكل اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م.  والحرب الأهليَّة الثانية (1983-2005م) هي التي أفضت إلى هذا الاتفاق الذي أمامنا أو بين أيدينا، والاتفاق في حد ذاته وضع قنابل موقوتة تتمثَّل في تطبيق بنوده، وذلك لأنَّ أغلب البنود تحتمل تفسيراً مغايراً لدي الطرف الآخر.  ومن هنا قد تنشأ مزايدات وانفجار الوضع من جديد والعودة إلى المربع الأول، وبخاصة في القضايا المصيريَّة التي تحدِّد مستقبل السودان عامة والجنوب بشكل خاص، كقانون الاستفتاء على تقرير المصير والاستفتاء نفسه، وما يمكن أن تؤول إليه المشورة الشعبيَّة في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق؛ ومن هنا أيضاً تأسست مفوضيَّة تقويم الاتفاق من طرفي الصراع والرقباء الذين رعوا الاتفاق حتى اكتمل واستوى على سوقه يعجب صُنَّاعه؛ ومن هنا كذلك احتفظت الحركة الشعبيَّة بقواتها العسكريَّة لصيانة الاتفاق؛ ثم من هنا كذلك بعثت الأمم المتحدة بقواتها لحفظ السَّلام في السُّودان.  ولكن كان أكبر امتحان تعرَّض له الاتفاق هو مسألة أبيي وسنشرح كيف في ثنايا الصفحات القادمة.