عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   

مبادرة "الإيقاد".. مواريث المواجهة وفرص الحوار 

تأسست منظَّمة الهيئة الحكوميَّة للتنمية ومحاربة التصحُّر المعروفة باسم "إيقاد" – من الألفاظ الإنكليزيَّة (Inter-Governmental Authority on Drought and Development – IGADD) - العام 1987م بمبادرة من السُّودان لمساعدة الدُّول الأعضاء في مكافحة الجفاف والتصحُّر، وتقديم الاستشارات الفنيَّة في مجال درء الكوارث واستشعارها عن بعد (Early warning).  وفي حين لاحق أسقطت الهيئة كلمة التصحر لتكتفي بالتنمية (Inter-Governmental Authority on Development – IGAD).  وتضم هذه المنظمة كلاً من السُّودان وأثيوبيا وجيبوتي وأوغندا وتنزانيا وكينيا والصومال إضافة إلى إريتريا، التي انضمَّت إليها بعد استقلالها عن إثيوبيا العام 1993م، وتتخذ المنظمة جيبوتي مقراً لها.  فبعد فشل المبادرات السَّابقة لإحلال السَّلام في السُّودان، هيئويَّة كانت أم فرديَّة، انعقدت قمة منظمة الهيئة الحكومية للتنمية ومحاربة الجفاف في مطلع تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1993م في العاصمة الأوغنديَّة – كمبالا - وأبدت رغبتها في التَّوسط لحل الأزمة السُّودانيَّة، وذلك بعد أن طلب الرئيس السُّوداني عمر البشير – في هذا الاجتماع - أن يستعمل رؤساء دول "الإيقاد" مساعيهم الحميدة لحل النزاع بين الحكومة السُّودانيَّة من جهة، والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان من جهة أخري.  وقد قبل الرؤساء الدعوة، وشكَّلوا من بينهم لجنة رباعيَّة (تضم كينيا، أوغندا، إثيوبيا، وإريتريا) للقيام بهذا العمل.  وفي خلال اجتماع وزراء خارجيَّة منظمة "الإيقاد" مع وفدي الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة في نيروبي كشفت المنظمة عن "إعلان المبادئ" في يوم 20 أيار (مايو) 1994م ليشكل الأساس لحل النِّزاع في السُّودان.  ومن ثمَّ عُقِدت عدة جولات حول مفاوضات السَّلام في السُّودان بين طرفي النِّزاع، تحت مظلة هذه المنظمة وباسم "مبادرة الإيقاد".(164)  ولكيما تبقى مبادرة "الإيقاد" حية تشكَّلت في وقت لاحق مجموعة أصدقاء "الإيقاد" من الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، النرويج، كندا، إيطاليا، هولندا، وسويسرا من أجل دفع هذه المبادرة إلى الأمام وتفعيلها.  فما هي بنود المبادئ التي جاء بها "إعلان دول "الإيقاد"؟  لقد جاء في الإعلان ما يلي:

1- تأريخ وطبيعة النِّزاع السُّوداني تدمغ فشل الحل العسكري لتحقيق السَّلام.

2- الحل السِّلمي والسياسي العادل هو هدف أطراف النِّزاع.

3- التأكد من حل النزاع يعطي الأولويَّة للحفاظ على وحدة السُّودان، ولكن بشرط ضمان المبادئ التالية في البنية السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.

3-1 السُّودان مجتمع متعدِّد الأجناس والأعراق والديانات والثقافات، ويجب التأكيد على الاعتراف بهذا التنوع.

3-2 ضمان القانون للمساواة السياسيَّة والاجتماعيَّة الكاملة لجميع المواطنين.

3-3 تأكيد حق مختلف المواطنين في السُّودان في حكم أنفسهم على أساس الفيديراليَّة، وحق الحكم الذاتي.

3-4 إقامة دولة علمانيَّة وديمقراطيَّة في السُّودان لمنح الحريَّة الكاملة لجميع المواطنين في المعتقدات والعبادة وممارسة الشعائر الدينيَّة، والفصل بين الدين والدولة، والدين والعرف.

3-5 تحقيق القسمة العادلة للثروة وسط مختلف مواطنين السُّودان.

3-6 نصوص القانون الدولي لحقوق الإنسان جزء لا يتجزأ من الإعلان، وأن يتضمن في الدستور.

3-7 ضمان استقلاليَّة القضاء في دستور وقوانين السُّودان.

4- في حال عدم الاتفاق على المبادئ أعلاه والمشار إليها في الفقرات "3-1" إلى 3-7" يتم الاستفتاء لتحديد مستقبل البلاد.

5- الاتفاق على الفترة الانتقاليَّة ومدتها ومهامها.

6- وقف إطلاق النار يدخل حيز التنفيذ كجزء للتسوية الشاملة بالسُّودان. 

 

في مسالة الدين والدولة .. وحق تقرير مصير الهامش

 

كان أبرز ما جاءت به "مبادرة الإيقاد" هو حق تقرير المصير وفصل الدِّين عن الدولة.  إذ فسَّرت الحكومة بند تقرير المصير أنَّ دول "الإيقاد" تشجع فصل جنوب السُّودان، بينما أصرت دول "الإيقاد" على أنَّها تهدف إلى خلق نوع من الفيديراليَّة أو الكونفيديراليَّة.  ولعلّ بيت القصيد كان يكمن في مسألة إقحام الدِّين في السياسة وهي العمود الفقاري لحزب الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة، فإذا تخلَّت عنها ذهبت كل صرخاتها أدراج الرِّياح.  وفي هذا الأمر كتب الأكاديمي والمفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري قائلاً: "إنَّ العلاقة بين الدين والدولة في المرجعيَّة التراثيَّة الإسلاميَّة لا تجد تحديدها لا في القرآن ولا في السنة، بل تجدها في الحقائق التأريخيَّة (...) والمرجعيَّة أو المرجعيات التي اعتمدها أهل الحل والعقد قبل أن تصير الحلول التي اختاروها حقائق تأريخيَّة."  وبذا أصبح كل حزب وكل فرقة وكل حاكم يروي من الأحاديث ما يضفي به الشرعيَّة على موقفه السياسي؛ وهكذا راجت أحاديث ظاهرة الوضع تمدح أو تذم هذا الشخص أو ذاك، هذه الفرقة أو تلك، وأمست هناك أحاديث صحيحة السند وأخرى غير صحيحة السند، حسب مقاييس وضعها رجال الحديث أنفسهم.  أما رجال السياسة والدعاة والخطباء والوعاظ والقصاص فقد كانوا يروِّجون للحديث بسند أو بغير سند، والمهم عندهم هو توظيف مضمونه في أغراضهم السياسيَّة.  ومن هنا نستطيع أن نقول إنَّ الحديث الموضوع لم يقل تأثيراً عن الحديث الصحيح، بل ربما كان أكثر تأثيراً لأنَّ واضعه يصوغه بالشكل الذي يخدم قضيَّته مباشرة، هذا فضلاً عن توظيف ما صح سنده من الحديث توظيفاً يخرج به عن نطاق دلالته الأصليَّة، عن مجال "أسباب نزوله" إلى نطاق آخر، ومجال آخر، وذلك من خلال التعميم والتأمل والمماثلة وغيرها.  ومن هنا يتضح أنَّ الإسلام دين في أساسه ومقاصده، والحكم سلطة يقوم بتنفيذها حاكم، وهذه السلطة مسألة دنيويَّة مصلحيَّة اجتهاديَّة متروكة لاجتهادات الساسة.  ولا شك في أنَّ الدليل القاطع على ذلك اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة بالمدينة إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلَّم بقصد المداولة في موضوع ولي الأمر منهم من بعده.  فلو كان الإسلام قد بيَّن شكل الحكم وطريقته لما اختلف هؤلاء الصحابة حول من يخلف النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولما اختلفت طرق تعيين الخليفة ومن الخلفاء الراشدين أنفسهم.(165)  فعلى سبيل المثال اجتهد كل من الشافعي وابن حنبل أنَّ من غلب على الخلافة بالسيف، واجتمع الناس عليه، وكان من قريش فهو خليفة.  هذه دعوة صريحة إلى استخدام العنف للوصول إلى السلطة (انقلاب عسكري في لغة اليوم)، وفكرة ربما وجد الملتفون حولها فرصة لادِّعاء الانتماء إلى قريش بحق أو بغير حق، وممارسة التسلُّطيَّة باسم آل البيت القرشي.  وكذلك اجتهد الماوردي والباقلاني والبغدادي والأشعري وحاولوا أن يقدِّموا نظريات في شرعيَّة وضع الخلافة.

أمَّا في العصر الحديث فتُصنَّف أركان الدولة – كما عبَّر عن ذلك الفيلسوف الفرنسي منتسكيو – إلى ثلاث سلطات عضويَّة هي: السلطة التشريعيَّة، والسلطة التنفيذيَّة، والسلطة القضائيَّة.  إزاء هذا التقسيم عمدت النظم البرلمانيَّة الغربيَّة إلى اللجوء إلى مبدأ الفصل بين هذه السلطات حتى يتسنَّى بذلك صون الحريَّة، ومنع الاستبداد وتحقيق شرعيَّة الدولة.  وقد حملت ديباجة المبادئ الدستوريَّة الأساسيَّة في الأنظمة الديمقراطيَّة النيابيَّة هذا الشرط كسد منيع ضد السلطة المطلقة التي قد ينفرد بها الجهاز التنفيذي ليصبح سلطة فرد.  وهذا السياج الوقائي ضد تسلط الفرد تحدِّده الشرعيَّة.  وفي هذا الشأن يقول الدكتور منصور خالد: "(إنَّ) مفهوم الشرعيَّة يحوطه الكثير من اللبس في التعبير العربي.  فللشرعيَّة وجهان: وجه إجرائي والثاني جوهري، يعبر عنهما في اللغات غير العربيَّة بمفردتين مختلفتين.  فالشرعيَّة بمعنى (Legality) تشير إلى قيام النظام على قواعد قانونيَّة (دستوريَّة) متفق عليها مسبقاً، ومتى ما توفَّرت تلك القواعد اكتسب النظام شرعيته.  مثال ذلك أن يحكم النظام وفق دستور متفق عليه، وأن يصل إلى الحكم عبر أسلوب مقنن ومتفق عليه أيضاً مثل الانتخابات.  المعنى الثاني (Legitimacy) يشير إلى شرعيَّة أخلاقيَّة لا تُستمَد من الدستور أو القانون فحسب، وإنَّما أيضاً من الالتزام بقيم إنسانيَّة، سياسيَّة واجتماعيَّة اتسمت بالعالميَّة، أو بقواعد سلوكيَّة أجمع عليها الناس.  من ذلك احترام حقوق الإنسان بمعناها الواسع، سيادة حكم القانون، التزام قواعد الحكم الصالح (Good governance) ومنها الصدق والشفافيَّة.  فعندما يقول المحلِّلون السياسيُّون في بريطانيا إنَّ (رئيس الوزراء البريطاني السابق) توني بلير فقد شرعيَّته فإنَّ هذا لا يعني مطلقاً فقدانه الشرعيَّة بالمعنى الإجرائي (Legality)، وإنَّما بالمعنى الأخلاقي (Legitimacy)، لأنَّه قاد بلاده لحرب لم تكن في حاجة لخوضها، ولم يكن صادقاً، في تقدير شعبه، في تبريره تلك الحرب حتى ألصق به بعضهم تهمة المخادعة وتزييف الحقائق."(166)

غير أنَّ الكتاب الإسلاميين يرون أنَّ الوازع الديني وحده هو العوض عن مبدأ فصل السلطات الذي لم يستطع الأخير – حسب زعمهم – أن يكون درعاً ضد إساءة السلطة ومنع الاستبداد، على عكس ما حققه الوازع الديني.  وقد قالوا عن أهل الشورى الذين يمارسون التداول في أمر اختيار ولاة الأمر يقومون بذلك من منطلق أنَّ الاختيار أمانة عظيمة، وإلا كان سوء الاختيار خيانة وتفريطاً وجرماً عظيماً، وذلك عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلَّم: "من استعمل رجلاً من عصابة – جماعة – وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين."  هذا التنبيه التحذيري لا يمنع الفساد الذي يمكن أن يتبع في أساليب الاختيار وتأتي النتائج بمن هو أقل كفاءة لتولي مناصب عليا في الدولة، وقد شهدت العصور القديمة والحديثة في مراحل الدولة الإسلاميَّة، وبخاصة في أواخر عهد الخلفاء الراشدين، وسائل دمويَّة لاختيار أمراء المؤمنين، واستحالت الحال إلى شأن سياسي عارم ليس للدين فيه نصيب، إلا الاستغلال السيئ له للوصول إلى مآرب ومآل دنيويَّة بواسطة الساعين إلى السلطة.  إذ وصل معاوية بن أبي سفيان إلى الحكم بالقوة، وأدخل فكرة الوراثة بحجة تحاشي الفتنة، إضافة إلى حفظ الملك في أسرته.  وواجه هذا الاتجاه مقاومة شديدة، واشتعلت ثورتان باسم الشرعيَّة والشورى اللتان لم يكن لهما وجود في ذلك الحين برغم من إسلاميَّة الدولة.  ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول إنَّ الدين لا يمكن أن يكون وحده لا شريك له وازعاً ضد دكتاتوريَّة الفرد.  إذ أنَّ هذا تعميم يجافي الحقائق والوقائع التأريخيَّة في عهود الدولة الإسلاميَّة المختلفة.  فهل هناك من يشك في إسلام مروان بن الحكم – عامل المدينة في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان في ظل الدولة الأمويَّة؟  ومع ذلك لم يردعه إسلامه من الجور على رعيته، بما في ذلك انتزاعه لزوج رجل إعرابي من بني عذرة، وهي إحدى القبائل اليمانيَّة المشهورة بالعشق والعفة، حتى سار الإعرابي إلى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان في دمشق بالشام طالباً العدل، وذلك بعد أن ضاق به في الأرض مذهبه من جور مروان.  وقد أعاد أمير المؤمنين للرجل زوجه بعد أن هام بها هو الآخر حتى طلب منه أن يتنازل له عنها، إلا أنَّ الرجل أبى وأصرَّ عليها.  أو لم يفعل مروان هذا وكان يعلم ويقرأ حديث رواه أحمد ومسلم عن عقبة بن عامر أنَّ رسول صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل له أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر (أي يترك)"؛ ولئن لم تكن هذه الفعلة "المروانيَّة" خطوبة، بل زواج فوق زواج أخيه؟  بلى!  ذلكم هو مروان بن الحكم صاحب الخطاب المزوَّر والذي مهَّره بتوقيع الخليفة عثمان بن عفان وكان سبباً رائساً في نشوب الفتنة الكبرى.  وما ظنكم بالقصص الذي ورد في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وذلك بما فيه من ذكر لقضاة كانوا يعاقرون الخمر بالليل ويجلدون شارب الخمر في الصباح، وهناك من كان يزني ويحد الزناة في المحاكم الحديَّة!  وما قولكم في ليالي هارون الرشيد وماذا كان يتم في هذه الليالي!  وقد فصل الدكتور منصور خالد في بحثه القيم "الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة" تفصيلاً يغنينا من الخوض في هذا الأمر، ومع هذا لا بد من القول من ابتغى منهلاً قراحاً لا ينضب في هذا المجال فعليه الاستعانة بهذا الكتاب العليم.(167)  وما قولكم في صنوف التعذيب التي مارسها الولاة المسلمون في عهدي الدولة الأمويَّة والعباسيَّة على المعارضين السياسيين!  كان هؤلاء الولاة يعذِّبون المعارضين لحكمهم وينكلون بهم في أشد ما يكون التنكيل وهم يتلون من آيات الله البينات: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إنَّ الله يحب المتوكلين" (آل عمران 3/159).(168)

لكن – وهذا هو الأهم - اشترط علماء الإسلام ما يلي من الأشراط الرئيسة في سبيل اختيار الخليفة وهو بمثابة الرئيس الأعلى للدولة على أن يكون ذا ولاية تامة، أي بأن يكون مسلماً، حراً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً، سليم الحواس والأعضاء.  واشترطوا الإسلام في الولاية لأنَّه شرط الشهادة، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: "ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً" (النساء 4/141).  وقالوا إنَّ اشتراط الحريَّة هو وصف كمال، والذكورة لأنَّ عبء المنصب يتطلب قدرة كبيرة وطاقة قوية لتحمل أعباء الولاية الجسيمة في حال السلم والحرب والأزمات المختلفة، واستندوا إلى ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنَّ فارس ملكوا عليهم بنت كسرى: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة."  أما الأشراط الأدبيَّة لاختيار الرئيس فتتمثل في صلابة الصفات الشخصيَّة كالعلم، والنزاهة والعدالة، والجرأة أو الشجاعة، وحصافة الرأي، والنجدة المؤدية إلى حماية كيان البلاد، وجهاد الأعداء، وإقامة الحدود (العقوبات المقدرة)، وإنصاف المظلوم من الظالم، وتنفيذ الأحكام الإسلاميَّة، والاجتهاد في قضايا المسلمين، والائتمان على أموالهم وحقوقهم، وممارسة القيادة العليا، وتوجيه السياسة وتدبير الأمور.(169) 

ففي الأشراط المذكورة أعلاه سوف لا يجد الجنوبي أو النوباوي المسيحي، أو المرأة، أو المعاقون جسديَّاً فرصة لتولي أعلى مراتب السلطة ما دامت هذه الأشراط تقف في طريق توليهم أي دور قيادي في السُّودان، فضلاً عن أنَّها تلغي مبادئ هامة لقيم حقوق الإنسان وهي مبدأ تكافؤ الفرص، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو اللون أو الدين أو الانتماء إلى مجموعة اجتماعيَّة بعينها أو غيرها.  ومن المؤلم حقاً أن يكون هذا المواطن الجنوبي أو النوباوي من سكان الوطن الأصليين، وليس بوصف "الأقليَّة" التي أخذ الساسة في السُّودان يردَّدونها بشيء من جهل شديد لمضمونها السياسي، أو تعمداً لإساءة الأغيار وبذا تُهضم حقوقهم السياسيَّة والمدنيَّة.  أفلم تكن هذه الأشراط نكراناً مبيناً لأدوار نساء خالدات باسلات في السُّودان – كما في مناطق أخرى من العالم - قدمن أنفسهن فداءاً في سبيل الحريَّة، ولم تنتقص أنوثتهن من الاستبسال شيئاً؟!

ولعلَّ أكثر الأمور جدلاً هو خلط المصطلحات الدينيَّة مع الدنيويَّة؛ إذ ربط الباحثون الإسلاميُّون "الشورى" ب"الديمقراطيَّة"، و"مجلس الشورى" بمعنى "مجلس النواب" أو "مجلس الشيوخ".  ولكي يكون الحكم أكثر إسلاميَّة اعتمد دستور الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة الشورى فعبَّر عن نظامها التشريعي ب"مجلس الشورى الإسلامي"؛ ومع أنَّ مصطلح الشورى ذاته إسلامي، فإنَّ إضافة لفظ "إسلامي" لزائدة لا محل له في الإعراب عن شيء جديد.  بيد أنَّ تحديد المفاهيم أمر في غاية الأهميَّة.  ف"الشورى" لفظ عربي من "شار" و"شور" وهو العسل؛ و"الشوار" هو الحسن والجمال، و"استشارت" الإبل: أي حسنت وسمنت.  و"أشار" ومنها الإشارة وتكون بالكف والعين والحاجب.  و"أشار" عليه: أي أمره، ومنها الشورى والمشورة.  أما لفظ "الديمقراطيَّة" فهو مشتق من اللفظ اليوناني الشهير "ديموس" (Demos) أي الشعب أو الدهماء، و"كراتوس" (Cratos) أي القوة أو السلطة، ويعني اللفظ المركب السلطة للشعب.  فالحكومة التي تأتي عن طريق هذه الديمقراطيَّة، شريطة أن تكون الانتخابات التي اتُّبِعت في سبيل ذلك حرة ونزيهة (Free and fair elections)، هي التي قال عنها الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكيَّة (1861-1865م) إبراهام لنكولن (1809-1865م): "حكومة الشعب، بواسطة الشعب، وللشعب."  ومن هنا نرى أنَّ الشورى تبادل في الرأي، وإنَّه لتصور كيفي للحياة.  بينما الديمقراطيَّة عبارة عن سلطة بديلة عن سلطة الحاكم الفرد، وإنَّه لتصور كمي للحياة طبقاً للرؤية الماديَّة للحضارة الغربيَّة.  وفي هذا الصدد يقول الأكاديمي العراقي بشار عواد معروف: "لما كانت الشورى بطبيعتها غير إلزاميَّة، فإنَّ ربطها (أو مساواتها) بالبرلمانات في عصرنا فيه تقليل من شأن هذه المؤسسات الضروريَّة في أي نظام حكم، وتحريف لها عن مهماتها في مراقبة السلطة التنفيذيَّة، فالمعروف في مثل هذه المؤسسات أن تكون قراراتها ملزمة، كما أنَّ ربط الشورى بالمجالس التي تقترح (أو تشرِّع) القوانين وتصادق عليها فيه تقليل من شأن هذه المجالس."(170)

وكذلك حاول الفكر الإسلامي الحديث أن يطوِّر "مفهوم الحاكميَّة" بأن يجعل السيادة لله أو للشريعة، وأن يجعل السلطان للشعب أو الأمة، كما هو حال حركة الأخوان المسلمين وحزب التحرير وغيرهما.  وذهب البعض في معر ض التمييز بين "الدولة الدينيَّة" و"الدولة الإسلاميَّة" بقوله: "الفارق الأساس بين الدولة الدينيَّة والدولة الإسلاميَّة هو أنَّ الأولى تقوم على فكرة أنَّ الله هو مصدر السلطة، بينما في الثانية – أي الدولة الإسلاميَّة – فإنَّ الله هو مصدر القانون، بينما الأمة هي مصدر السلطة.  ومن ثمَّ فلا حصانة ولا عصمة لحاكم، وإنَّما القانون فوق الجميع والحاكم في المقدمة منهم."(171)  وإنَّ بعضاً من البحَّاث الإسلاميين ظنوا – خطأً – أنَّ "الشريعة" هي ما كتبه الفقهاء في الأحكام.  إذ أنَّ ما ارتأه هؤلاء المنظرون الإسلاميُّون في العصور الإسلاميَّة في أساليب الحكم وفنون الإدارة – مثل أبي يوسف والماوردي (الشافعي) وأبي يعلي (الحنبلي) والباقلاني والبغدادي والقلانسي والمقريزي والأشعري والجويني والغزالي وابن تيمية وابن خلدون وجمال الدين الأفغاني والشيخ يوسف القرضاوي وغيرهم – يقع في باب الفكر وليس الشريعة، لأنَّ الفقه بمجمله فكر، وأنَّ تلك النظريات هي أفكار وليست شريعة واجبة الإتباع.  وقد جاء هؤلاء العلماء النجباء بأفكارهم هذه نتيجة لاجتهادات فرديَّة، وهذا يعني أنَّ الباب ما زال مفتوحاً لاجتهادات أخرى من علماء آخرين تشرَّبوا بالعلم وبلغوا مراتب عليا كغيرهم، "وفوق كل ذي علم عليم" (يوسف 12/76).  وعند النظر إلى البحوث التأصيليَّة والتأريخيَّة والمقارنة نخلص إلى أنَّ "هناك ثلاث مسائل يركِّز عليها المنفتحون أو المراجعون، الأولى، مصدر السلطة، والثانية: طبيعة السلطة السياسيَّة، والثالثة: وظائف السلطة.  وفي مجال مصدر السلطة، توصَّل الإصلاحيُّون الجدد إلى التفريق بين المرجعيَّة العليا والتدبيريَّة.  فالمرجعيَّة العليا للشريعة (ويريد الليبراليُّون جداً قصرها على القرآن والسنة)، أما القضايا التدبيريَّة فيقولون إنَّ المرجعيَّة فيها للمجتمع أو الجماعة بالمصطلح القديم.  ومن هذا المنزع يصلون إلى القول بالتلاقي بين الشورى والديمقراطيَّة، لا يعتبرونها نظاماً مثاليَّاً لتدبير الشأن العام، لكنه أفضل الموجود.  وفي مسألة طبيعة السلطة، يقولون - كما قال الإصلاحيُّون الأوائل - إنَّها مدنيَّة بمعنى أنَّه لا تتوفَّر لها القداسة أو العصمة شأن السلطة الثيوقراطيَّة، كما أنَّ الناس العاديين هم الذين يشكِّلونها، وهم الذين يمارسون التفاوض والتنافس بالمشاركة فيها، وبتداولها، وبسن التشريعات البنائيَّة (وليست التأسيسيَّة) التي تنظِّم ذلك التداول، وتلك الإدارة.  وفي مسألة وظائف السلطة يقول الإصلاحيُّون الجدد إنَّها تتناول تدبير الشأن العام وإدارته بما يصلحه، فيصون الوجود الوطني، والمصالح الوطنيَّة، بعد أن يكون ذلك الاجتماع السياسي بالتفاوض وبالتنافس وبالمشاركة قد حدَّدها، وحدَّد الطرق والوسائل الكفيلة بالوصول إليها."(172)

أفلم يكن كل هذا الذي ذهبنا إليه وفسرنا أمره مصدر قلق وخوف لغير المسلمين من أهل السُّودان، وبخاصة الشعوب الأصليَّة منهم والذين رأوا حقوقهم المدنيَّة تُهدر باسم الإسلام تارة، وباسم العروبة تأرة أخرى مهما كان أمرها؟  بلى!  فلا غرو إذن إن أخذ موضوع التمييز بين الدين والدولة، أو بين الدعوة والدولة، أو فصل الشأن الديني عما هو دنيوي، أو عدم تديين السياسة، أو تسييس الدين – سمها كما شئت – نقاشاً مستعراً وزمناً طويلاً لحسمه لصالح الوطن وليس لفئة بعينها.  فإنَّ التمادي في تطبيق الشريعة على النحو الذي يصر عليه المسرفون المغالون قد يصبحون يوماً ولا يجدون دولة اسمها السُّودان بحدوده المعروفة ومجتمعاته المألوفة وطرائقه السائدة وهيهات هيهات لا منقذ من بعد.  هذا التنادي بتديين السياسة، وأسلمة الدستور، وتطبيق الشريعة في السُّودان ظل يتضرَّر منه المعسور الذي لا يكاد يستطيع أن يجد قوت يومه لنفسه ولعياله؛ أو الذي يموت عطشاً في بلد يجري فيه واحد من أطول أنهار العالم، أو الذي يشرب الآجن من الماء، وهو الماء الذي تغيَّر طعمه ولونه بسبب الأدران؛ أو الذي لا يملك ما يسدِّده كمصاريف مدرسيَّة لأبنائه في المدارس؛ أو من لم يستطع شراء دواء لداء أودى بحياة من عزَّ عليه فراقه، أو البائس الذي يرنو إلى المعروضات ولسان حاله يقول: "الشيء موجود والجيب مقدود"، وأولئك وهؤلاء كثر في السُّودان؛ أو المسكين ذو متربة الذي يقضي يومه نحيباً والذي آده أمر الحياة أوداً – أي بلغ منه مجهوده – وليس على جسده غير الأهدام، والأهدام جمع هدم (بكسر الهاء)، وهو الثوب البالي، ويُجمع هدوم بعربي أهل السُّودان.  وفي شأن الشريعة هذه تفرَّق الشعب السُّوداني إلى طوائف: طائفة استنكرها في أشد ما يكون النكران، وذلك من بعد أن رأت ما في تطبيقها من انتقاء، فأخذوا بالضعيف بها وتركوا القوي حراً مستبشراً؛ وطائفة أخرى أصرَّت عليها بما فيها من كل هذا وذاك، وذلك لمصالح ذاتيَّة هم فيها يرغبون مثل أكل أموال الناس بالباطل وهم يعلمون؛ وطائفة ثالثة أصبحت في حيرة من أمرها (الشريعة) ولا تكاد تبين أمر نفسها شيئاً.  ومن الطائفة الأولى خرج منهم نفر يجوبون شوارع الخرطوم في يوم ذي مسغبة وحين ضاقت بهم الأرض بما رحبت: "الأمريكان ولا الأخوان"؛ وبعد أكثر من حقبة خرجوا مرة ثانية يردِّدون الهتافات: "رجال الدين سرقوا البنزين"، و"عاش كفاح الشعب السُّوداني."  إذ كانوا يطالبون بسحب الزيادات التي فرضتها وزارة المالية على أسعار المحروقات والسكر، لذلك لتجدنَّهم قد طالبوا بإقالة وزيري المالية والطاقة، والتنديد بسياسة الحكومة الاقتصاديَّة.  وهذه آيات بيِّنات عن حجم الأزمة السياسيَّة والضائقة الاقتصاديَّة والتدليس باسم الدين التي وصمت العهد الظلامي، وما زلنا نجني ثمارها المر حتى في ظل ما أسميناه حكومة الوحدة الوطنيَّة.

وكذلك إنَّ ثمة شيئاً آخر جعل المجموعات السكانيَّة غير العربيَّة يرتابون من الدين الإسلامي، حيث ارتبطت العقيدة الإسلاميَّة في أكثر ما يكون الارتباط بالثقافة العربيَّة.  فالمسلمون من غير العرب – وبخاصة الأفارقة منهم - كثيراً ما يعانون من التمييز العرقي بسبب أثنيَّتهم قديما وحديثاً حتى في الجزيرة العربيَّة نفسها مهبط الإسلام وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.  هذا التوجس من المساس بالحقوق السياسيَّة والاجتماعيَّة والمدنيَّة باسم الدين هو الذي دفع الآخرين على التشدُّد في التمييز بين "المراتب الدينيَّة" و"المراتب السلطانيَّة".

وفي الحين نفسه لم تكن مقاصد نشر الإسلام السياسي مقصورة على السُّودان، بل تعدَّت ذلك إلى دول الجوار الإقليمي.  إذ شرع النظام "الإنقاذي" في السُّودان في زعزعة الأمن والاستقرار في دولة إريتريا الوليدة، وذلك عن طريق تحريض ودعم "حركة الجهاد الإسلامي" (جناح الأمير عرفة أحمد عرفة)، حتى تطوَّر الدعم ليشمل كل من "جبهة التَّحرير الإريترية" (المجلس الثوري)، و"جبهة التحرير الإريترية" (جناح عبد الله إدريس).  وفي إثيوبيا استمرَّ الدَّعم السُّوداني يتدفَّق على الجماعات الإثيوبيَّة المسلحة والمعارضة للحكومة في أديس أبابا وهي: "جبهة تحرير أرومو"، "الجبهة الإسلاميَّة لتحرير أروميا"، "حركة تحرير شعب قمبيلا"، و"جبهة تحرير بني شنقول"؛ وكذلك امتدت المساعدات السُّودانيَّة ل"الاتحاد الإسلامي"، والذي كان ينطلق من الصومال ويسعى لإسقاط حكومة الرئيس الإثيوبي ميليس زيناوي.  بيد أنَّ العلاقات السُّودانيَّة-الإثيوبيَّة قد وصلت قمتها في التدهور السياسي بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري محمد حسني مبارك في أديس أبابا في يوم 26 حزيران (يونيو) 1995م.(173)  وفي هذه الأثناء كان ما أغضب أحد أعضاء "الإيقاد"، أي الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، هو انغماس حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في الخرطوم في إغواء وليام نيون باني - أحد منشقي الحركة الشَّعبية - لتمويل مقاتلي جوزيف كوني (جيش الرب الإلهي) وجبهة ضفة غرب النيل، الذين كانوا يخوضون حرب عصابات في شمال أوغندا ضد حكومة الرئيس الأوغندي موسيفيني.  ولعلَّنا قد أبنا في أمر العلاقات السُّودانيَّة مع دول الجوار الإفريقي في صفحات سابقة وقسم سابق من هذه الدراسة بما فيه الكفاية.  هكذا أساءت حكومة الخرطوم علاقاتها مع إريتريا وإثيوبيا وأوغندا، واعتبرت كينيا الجارة الوحيدة المحايدة.  وبرغم مما حاق بهذه الدول من جور الجار، استخدم رؤساء هذه الدول نواياهم الطيبة تجاه أهل السُّودان في سبيل التوسط لإنهاء النِّزاع المسلَّح في هذا البلد حتى ينعم المواطنون بالرفاهيَّة ويتفرَّغوا لقضايا التنمية والتعليم ومحاربة الجفاف والتصحر والأوبئة وهلمجراً.  لذلك لم يأل أولئك الزعماء هؤلاء الرؤساء جهداً باسم منظمة "الإيقاد" من توفير منابرهم في ضيافة وتأمين وفود هذين الخصمين الذين اختصموا في أمورهم السياسيَّة إلى حد الاحتراب في ذلك الرَّدح من الزمان.

من خلال السرد الإيجازي إيَّاه نستطيع أن نفهم لماذا أمست قضيَّة الدين والدولة حجر عثرة في جميع مفاوضات السَّلام التي جرت بين الحركة الشعبيَّة والقوى السياسيَّة، أو بين الحركة الشعبيَّة والحكومات السُّودانيَّة؛ ومن خلال ذلكم التوضيح أيضاً نستطيع أن ندرك لماذا دفعت هذه القضيَّة الحركة الشعبيَّة – بعد أن رفض نظام الخرطوم "الإنقاذي" كل الحلول الوسطى – بأن تطالب بحق تقرير المصير كسقف أعلى، ومن ثمَّ أصبح هذا الحق طلباً مشاعاً لدي المناطق الأخرى في السُّودان، والتي تعرَّضت لما تعرَّض له أهل الجنوب، وبخاصة أولئك الذين وقفوا في خندق واحد مع أهل الجنوب نضالاً واستبسالاً في ساحات الوغى في سبيل استرداد الحقوق المسلوبة.  فلا ريب إذن في أنَّ نظام الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة هو الذي بات العقبة الكأداء في سبيل تحقيق السَّلام في السُّودان؛ وقد قال العقيد/الدكتور جون قرنق: "إنَّ الوحدة ما برحت الخيار الأول للحركة (الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان) منذ العام 1983م (...) وأسلوب تحركنا بين هذه الخيارات الثلاثة - الفيديراليَّة التي نرفضها، والكونفيدراليَّة، وحق تقرير المصير - تمليه علينا سياسة الحكومة المركزيَّة في الشمال."(174)  وفي سبيل هذا الحق أصرَّ تضامن أبناء النُّوبة بالخارج، بكل قوة وصلابة، وبرغبة ملحة عارمة، على منح منطقتهم حق تقرير مصيرها واعتبروا هذا الحق ورقة خلاص - أو على الأقل - فرصة لإثبات حق شرعي سليب منذ سنوات بعد انعدام كل ما يشير إلى، أو يعطي، مجرد بصيص أمل على أنَّهم يمكن أن يكونوا في وطن واحد متساويين في الحقوق والواجبات.(175)  وفي رسالة وجهها رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج، السيد سليمان موسى رحال، إلى الرؤساء الأربعة في منظمة "الإيقاد" (الكيني دانيال أراب موي، والأوغندي يويري موسيفيني، والإريتري أسياس أفورقي، والإثيوبي ميليس زيناوي) ورئيس وزراء بريطانيا جون ميجور، والرئيس الأمريكي بيل كلينتون، والرئيس الزيمبابوي روبرت موقابي، ووزيري خارجية النرويج وهولندا، ووزير العمل الإنساني الفرنسي، وعدد من السياسيين وزعماء المعارضة الغربيين، أوضح فيها "أنَّ النُّوبة ليسوا على استعداد للمشاركة في سودان موحد إلا إذا أُقيم فيه نظام سياسي يجمع شمل كل أفراد الشَّعب، ويعترف بالتنوع الثقافي، والتطلعات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة لجميع السُّودانيين على اختلاف مشاربهم.(176)  وقد رَّحب سكان جبال النُّوبة بإعلان واشنطن في 22 تشرين الأول (أكتوبر) 1993م الذي دعا إلى منح الجنوب وجبال النُّوبة والمناطق المهمَّشة الأخرى حق تقرير مصيرها. 

 

مفهوم تقرير المصير عند أهل الحكم في الخرطوم

 

ما أن علمت الحكومة السُّودانيَّة بمقرَّرات "الإيقاد" حتى قام الرئيس البشير يومئذٍ خطيباً في النَّاس؛ وشدَّد على أنَّ حكومته "مستعدة للحوار في شأن كل المواضيع عدا فصل الجنوب تحت شعار تقرير المصير، وفصل الدين عن الدولة مع ترحيبنا بمناقشة علاقة الدين بالدولة".(177)  لقد اتخذ النظام موقفاً مسبقاً ألا وهو عدم الخوض في موضوع فصل الدِّين عن الدولة، ليرجع ويناقض نفسه بنفسه بأنَّه على استعداد مناقشة علاقة الدين بالدولة.  لماذا يفهم السادة الحكام بأنَّ "حق تقرير المصير" مصطلح يعني شيئاً واحداً هو انفصال الجنوب وجبال النُّوبة وكل المناطق المهمَّشة الأخرى؟  فإنَّ هناك خيارات أخرى تنضوي تحت هذا الشعار وهي: الحكم الفيديرالي – قطعاً ليس على النَّهج الجبهوي - الحكم الكونفيديرالي، الحكم الذاتي، الحكم الإقليمي، ثمَّ أخيراً الانفصال التام عندما تتعسَّر كل الخيارات السَّابقة.  فعندما ينادي أهل الجنوب أو النُّوبة في جبال النُّوبة أو قبائل الفونج في تلال الأنقسنا أو البجة في جبال البحر الأحمر أو غيرهم "بحق تقرير المصير"، ليسوا بالضرورة مدفوعين بتحديات أثنية أو عرقية لأسباب تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية أو دينية، أو لمجرد أنَّهم مختلفون مع حكامهم سياسيَّاً فحسب، وإنَّما يرجع السبب إلى الإبادة الجماعية التي أصبحت تهدِّد بقاء القوم على البسيطة، وإطلاق هذا الشعار هو الوسيلة الوحيدة لإبقائهم أحياء عند ربهم يرزقون.  ففي آخر ندوة عامة قدَّمها الدكتور جون قرنق بواشنطن العام 2004م قال الدكتور قرنق – من بين ما قال: "هناك نقاشاً محتدماً حول حق تقرير المصير في الجنوب.  إذ يظن البعض أنَّ تقرير المصير هو هدف في حد ذاته، ويرون أنَّ قرنق لا يريد الذهاب إلى أخذ "قفة" (سلة) حق تقرير المصير من الخرطوم أو لندن أو واشنطن.  فأنا لم أجد قفة اسمها تقرير المصير حتى أحمله من هذه العواصم.  فهذا الحق عبارة عن معادلة لا بد من تحقيقها رياضيَّاً.  كما إنَّ حق تقرير المصير لن يأتي إلا من خلال فوهة البندقيَّة، وذلك بالربط بين مواصلة النضال المسلح وحق تقرير المصير.  ذات الشيء الذي حصلت عليه البوليساريو التي وجدت اعترافاً وحقاً من مجلس الأمن ومنظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً)، وهو كسب أعلى من الذي حققه الجنوبيُّون، وقد أثبت ملك المغرب – الملك الحسن – أنَّه رجل عاقل، إذ قبل حق تقرير المصير مقابل إيقاف الكفاح المسلح، وهو قد بدأ الآن في شراء القادة بالمال والوظائف، واستطاع أن يخترق جبهة البوليساريو، ولكن برغم من هذا الكفاح الطويل، فإنَّ مواطني البوليساريو لو أجروا استفتاءاً الآن لفقدوه، لأنَّ 60% من السكان هم مغاربة، والنقاش الآن هو من له حق التصويت من سكان الصحراء الغربيَّة، وبالتالي لم تعد القضيَّة هي حق تقرير المصير؛ وهو نموذج واضح لما قد يقود إليه مشكل تقرير المصير."  ووصف الدكتور قرنق الذين يريدون للحركة أن تقبل بحق تقرير المصير على هذا النحو بالبساطة والسذاجة، وقال إنَّهم ليريدون المخاطرة ب"بلسرة (من البوليساريو) حركة التمرُّد" (They are risking the polesarioisation of the SPLA) .  ونحن لا يمكن أن نقبل بذلك، ولا بد ّ من مواصلة الكفاح المسلح مع حق تقرير المصير، لأنَّ حق تقرير المصير هو نتيجة طبيعيَّة للكفاح المسلح، ويجب ألا نقبل المفاصلة بينهما، لأنَّنا إذا أوقفنا الكفاح المسلح فلن نحصل على حق تقرير المصير.(178)

فبينما كانت مبادرة "الإيقاد" في قيد البحث، أعلن وزير خارجية السُّودان يومئذٍ - الدكتور حسين عثمان أبو صالح - في الخرطوم "أنَّ مبادرة "الإيقاد" هي المظلة الكبرى لأي عمل يسير لإحلال السَّلام في السُّودان."  ألا ليت هذا التعلُّق بالآمال أن يستمر ويتحقق، ولكن تبيَّن لاحقاً بأنَّ هؤلاء الحكام المتفائلين هم الذين وأدوا المبادرة ودفنوها في الحافرة، وذلك قبل إعادة النظر فيها مرة ثانية.  مهما يكن من الأمر، فبدلاً من أن تسعى حكومة السُّودان بجديَّة لإيجاد سلام حقيقي ودائم باتت تدور حول نفسها، وتعقد اتفاقات سلام مع حلفائها، وتزعم أنَّها تصنع "السَّلام من الداخل".  وبناءاً على هذا الزعم عقدت الحكومة السُّودانيَّة في أيار (مايو) 1994م ما يسمى ب"ملتقى جوبا السياسي"، والذي هدف إلى حشد الجنوبيين المتعاونين مع الحكومة "الإنقاذيَّة" في خندق واحد لرفض انفصال الجنوب.  وقد ادَّعت الحكومة – من خلال هذا الملتقى الغريب – أنَّها "سعت للتفاوض مع الأغلبيَّة الصامتة من الخريجين بالولايات، واستقبال وإيواء العائدين، وإنشاء قرى السَّلام بالجنوب (...) بتجمع ألف مواطن بينهم 640 من ولايات الجنوب، ووفود (من) بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، (حتى) أثمرت الاجتماعات والندوات عن وحدة السُّودان والفيديراليَّة والتنمية؛ وجاء في إعلان جوبا النظام الاتحادي ونقل السلطة للولايات، والمشاركة الفاعلة لنجاح التجربة، (...) وكان أهم البنود: التمسك بوحدة الوطن، النظام الفيديرالي، والتقدم والبناء."  بغض الطرف عن هول الأرقام ولغة الإعلام، فإنَّ كل ما حرصت عليه الحكومة هو تعزيز شعاراتها الجوفاء حول الوحدة الوطنيَّة المزعومة، والفيديراليَّة، والتنمية التي لا وجود لها، وبخاصة في مناطق الحرب الدائرة يومئذٍ.

والجدير بالذكر أنَّه طيلة سنوات الحرب الأهليَّة في السُّودان منذ العام 1955م لم تجرؤ منظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً)، أو القادة الأفارقة – سواء على انفراد أم مجتمعين – على دعم إخوتهم المغلوبين على أمرهم في السُّودان، وذلك برغم من حصول السلطات الحاكمة في الخرطوم على دعم غير محدود من الدول العربيَّة والإسلاميَّة في مجالات المال والعتاد الحربي وطيَّارين عرب وطائرات حربيَّة (في معارك استرداد الكرمك وقيسان العام 1987م).  وقد سأل أحد المؤرخين قادة الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشعبي لتحرير السُّودان عن الدعم الذي يلقونه من رصفائهم الأفارقة، فكان رده: "لم نتلق أي شيء منهم حتى كلمات الاستهجان، وذلك أضعف الإيمان."  إنَّ العرب ليستخدمون نفطهم في ابتزاز الأفارقة، وإجبارهم على التصويت من أجل مصالحهم القوميَّة، وعلى سبيل المثال، مشكل فلسطين.  ولكن عندما انبرى أحد القادة الأفارقة، الذي شذَّ عن القاعدة العامة، وطالب بدعم الأفارقة الذين يتعرَّضون للموت في جنوب السُّودان، قام رجال الإعلام العرب والمستعربون منهم مستنكرين ذلك.  فمن هو ذلك القائد الفذ الذي شذَّ عن المألوف؟  ذلكم هو الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، الذي قطع العلاقات الديبلوماسيَّة مع الحكومة السُّودانيَّة، وطالب منظمة الوحدة الإفريقيَّة باعتبار شمال السُّودان مستعمراً لجنوبه، مما يستوجب استنهاض همم الدول الإفريقيَّة لمساندة ثوار جنوب السُّودان حتى يتحرَّروا من الاستعمار العربي الذي يريد فرض الإسلام واللغة العربيَّة على المسيحيين السُّود."  وحينئذٍ انطلق الصحافي محمد الحسن أحمد – رحمه الله – واصفاً ذلك النداء "بتجاوز الحد المعقول في خصومته مع الحكومة السُّودانيَّة (...)."(179)  فما هو المعقول واللامعقول في الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان؟  هل من المعقول أن يتم تقتيل وتهجير شعب لأكثر من ثلاثة حقب دون رقيب أو عتيد؟  وهل من المعقول السكوت عن تجاوزات حقوق الإنسان، وتجويع المواطنين حتى الموت، وترويعهم في عقر دارهم؟  كل هذه الأسئلة وغيرها يجعل المرء يتساءل عن الكيفيَّة التي يتناول بها صحافيو السُّودان من أهل الشمال المشكل السُّوداني.  وقد حاول كتاب كثر من الوطن العربي أن يلجوا إلى مجاهل المشكل السُّوداني، ونذكر - على سبيل المثال - فهمي هويدي وكريم بقرادوني، وكان لهما مما أرادا عندما رد كيدهما الدكتور منصور خالد بعشر مقالات جياد في صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنيَّة، وعاد السحرة من حيث أتوا.(180)  غير أنَّ الذي شذّ عن هذه القاعدة العربيَّة المعهودة هو حلمي شعراوي (رئيس مركز الدراسات العربيَّة والإفريقيَّة – القاهرة).  إذ كتب شعراوي – من بين ما كتب - قائلاً: "أعرف أنَّني اختلف مع كثير من أصدقائي السُّودانيين في الشمال حين قلت كثيراً إنَّني لأشعر مع أيَّة متابعة متواضعة أنَّ الجنوبيين عند اللحظات الحاسمة أبدوا مواقف إيجابيَّة تجاه الوحدة الوطنيَّة على عكس ما يُشاع، بل وما حدث من كفاح مسلح عقب ما اعتبروه نكوصاً من قبل القوى الحاكمة، أو المتحكِّمة في الشمال؛ هكذا بدا لي الأمر مع الجنوبيين – منذ مؤتمر جوبا العام 1947م، كما بدا بعد انتفاضة تشرين الأول (أكتوبر) 1964م، ونيسان (أبريل) 1985م، ثم تجسَّد ذلك في انقلاب "الإنقاذ" في حزيران (يونيو) 1989م.  وهو ما أسماه الحكيم الجنوبي الليبرالي (أبيل ألير) بالاتفاقات المجهضة (...)."(181)  وفي الحق، لقد صدق مصطفى لطفي المنفلوطي حين كتب في "العبرات" قائلاً: "إنَّ العهود التي تكون بين الأقوياء والضعفاء إنَّما هي سيف قاطع في يد الأولين، وغل ملتف على أعناق الآخرين."

بيد أنَّ الذي بات يؤرقنا في هذا كله هو قضيَّة حقوق الإنسان في السُّودان.  فبعد التوقيع على "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 1948م أعلنت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة – ولأول مرة في التأريخ – أنَّ لكل إنسان حقوق ثابتة، وتعهدت هذه الدول باحترام هذه الحقوق ليس في بلدانها فحسب، بل في جميع بلدان العالم.  ومع ذلك رفضت دولتان التوقيع على الإعلان هما: جمهوريَّة جنوب إفريقيا والمملكة العربيَّة السعوديَّة، بينما امتنعت ثمان دول عن التصويت.  فقد أصبحت قضيَّة حماية حقوق الإنسان، بغض الطرف عن انتماءاتهم العرقيَّة أو الدينيَّة، أمر من أهم المبادئ الرئيسة للنظام الدولي.  وإنَّ الغرض النهائي لوجود الدولة لهو حماية ودعم الحقوق الطبيعيَّة للمواطنين، وذلك على خلفيَّة نظريَّة العقد الاجتماعي لهوبز وجان جاك روسو ومنتكيو.  ونتيجة لهذا العقد الاجتماعي فالحكومة أيَّة حكومة تتورَّط في خرق حقوق الإنسان الأساسيَّة تكون بذلك قد خانت الغرض الأساس من وجودها، وبالتالي تسقط شرعيتها.  وفي الحق، لقد ظلَّت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان تولي مسألة حقوق الإنسان اهتماماً بالغاً، وشرعت تعامل أسارى الحكومات السودانيَّة المتعاقبة حسب روح ونص معاهدة جنيف للتعامل مع الأسارى، حيث سمحت للجنة الدوليَّة للصليب الأحمر بزيارتهم وحمل الرسائل من وإلى ذويهم في شمال السُّودان.  وكذلك كانت الحركة تطلق سراح بعضهم في مناسبات عدة، سواء بعد توسل أعضاء التجمع الوطني الديمقراطي، أو في أعقاب توقيع بروتوكول ما مع الحكومة السُّودانيَّة أو غيرهما، وكان آخر فوج من الأسارى تم الإفراج عنهم قبيل توقيع اتفاقيَّة السلام الشامل في نيروبي في 8 كانون الثاني (يناير) 2005م.  كانت الحركة الشعبيَّة تبدي حسن نواياها تجاه هؤلاء الأسارى لأنَّهم في نهاية الأمر أبناء السُّودان الذين خدعتهم الحكومات المتعاقبة، وقذفت بهم في أتون حرب باتوا في ناهية الأمر ضحاياها، وذلك لحماية الأنظمة المتعاقبة على دست السلطة في الخرطوم.  وحين شرعت صحيفة "الخرطوم"، والتي كانت تصدر في القاهرة يومئذٍ في التسعينيَّات من القرن المنصرم، في دبِج كتابات عدة عن أولئك وهؤلاء، وقامت بحملة مسعورة في سبيل إطلاق سراح كافة أسارى الحكومة السُّودانيَّة لدي الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، لم يرتفع صوت واحد للحديث عن أسارى الجيش الشعبي لدي الحكومة السُّودانيَّة.  إذن، أين أسارى الجيش الشعبي الذين كانوا يقعون في قبضة القوات المسلحة السُّودانيَّة وميليشياتها المسلحة طيلة سنوات الحروب الأهليَّة؟  لقد ظلَّت حكومات الخرطوم تصفي جسديَّاً كل من يقع أسيراً في يدها من قوات الجيش الشعبي لتحرير السُّودان فوراً، وتعرضهم للتعذيب المميت تارة أخرى، حتى أمست صورة هؤلاء الجنود "الإنقاذيين" عبارة عن رجال شعث غبر يمتهنون إراقة الدماء، لذلك خلت معتقلات القوات المسلحة السُّودانيَّة من أسارى الحرب الأهليَّة.  هذه هي حال الحكومات التي لم تتورَّع في قتل وتعذيب كل من اتِّهم بأنَّه يناصر الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان فيما عُرِف في الأدب السياسي السُّوداني ب"الطابور الخامس"، وبئس الأدب لو كنتم تعلمون.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أنَّ عادة إساءة معاملة سجناء الحرب شرقيَّة، فكان الأشوريُّون في زمانهم معتادين على إماتة الأسارى بالخازوق، وسلخ جلودهم وهم أحياء.  وكان القائد المغولي جنكيز خان يغلي أعداءه المأسورين في المراجل.  أما المصريين القدماء (الأفارقة) – تحت رعاية رجال دينيين ومستنيرين – فكانوا شعباً عظيماً ذا أخلاق عالية ومثل رفيعة.  ألم تروا كيف كانوا يبجِّلون أولئك الذين كانوا يحاربونهم ببسالة؟  بلى!  وكانت عقوبة من يقتل العبد الإعدام، وكان هذا القانون السامي – الذي لم يكن له نظير في الأزمنة القديمة والحديثة معاً – سائداً في سنوات الرق المظلمة.  وتعامل الحكومة السُّودانيَّة مع أسارى الجيش الشعبي لتحرير السُّودان – كم سبق الذكر – يكشف عن أمر غير مألوف في الحروب الإفريقيَّة قديماً وحديثاً، وقبل تلوثها ببعض الأفكار الغريبة عن الإنسانيَّة لدي "جيش الرب الإلهي" في شمال أوغندا تحت رعاية حكومة "الإنقاذ" في الخرطوم، وأمراء الحرب الأهليَّة في سيراليون وليبيريا.  ففي الحروب الإفريقيَّة القديمة كان المتحاربون يطلقون صراخاً مدويَّاً ويضربون الطبول ضرباً شديداً لإخافة العدو وترويعه إلى حد الفرار من ساحة المعركة دون القتال.  وإذا حدث ذلك لا يُضرَب الهارب من الخلاف لأنَّ مثل هذه الفعلة ضرب من الجبن، وكان الأسارى جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الذي يجد فيه الأسير نفسه أسيراً، يأكل معهم الطعام ويمشي في أسواقهم ويتزوج منهم دون أن يحس بفارق اجتماعي كبير.  فعلى سبيل المثال كان مواطنو الكونغو في غرب إفريقيا مصنَّفين إلى طبقتين: طبقة "المفوفو" (Mfumo) – أي الأحرار، وطبقة "الموليكي" (Muleque) – أي الموالي.  وكان بإمكان الشخص الذي ينتمي إلى المفومو أن يتزوَّج من مواليه، أو توابعه، أو مستخدميه – إذا صح هذا التعبير متصلاً مطَّرداً، ويصبح الأبناء الذين يولدون له أحراراً.  ولفظ العبد هنا قد لا يُحسن استخدامها، لأنَّ المسترق (بفتح الراء) – في حقيقة الأمر – رجل أكثر حريَّة من الأمير نفسه.  إذ كل ما يملكه الأمير – باستثناء أزواجه – يقع تحت تصرف المسترق.  فالعبد،  بلا شك في ذلك، هو الحارس الشخصي للمفومو؛ أما فيما يختص بالعمل فإنَّ له مطلق الحريَّة أن يفعل ما يشاء ومتى ما يشاء وكيفما يشاء: أي ينوم متى اختار ذلك، ويقضي حوائجه الخاصة متى رغب ذلك، ولم يكن هناك فارق كبير في حياته الأولى التي كان يحياها من قبل وبين ما هو عليه الآن إلا فقدان الأقارب والأصدقاء، وإذا وجد السيد خطأ ما في سلوكه، تكون الفرص المتاحة له – إن لم يكن بلده الأصلي بعيداً عن دار العبوديَّة – أن يتخلى عن سيده، ويبذل جهداً ليصل إلى مسقط رأسه.  فلم نذهب قصيَّاً إلى غرب إفريقيا ولكم في الحرب التي استعرت بين مملكتي تقلي والفونج في السُّودان أسوة لمن أراد أن يتبصَّر الدروس والعبر، وأشرنا في دراسة سابقة عن مملكة تقلي كيف كان جندها يكرمون وفادة الجيش المهاجم من مملكة سنار حين يجن الليل باعتبارهم ضيوفاً لهم ويحاربونهم إذا أصبح الصبح.(182)

أيَّاً كان من أمر معاملة الأساري في العهد القديم، فقد مارس الجيش الشعبي لتحرير السُّودان سياسة مراعاة ظروف مواطنيها، وكان الدكتور جون قرنق يردِّد دوماً أنَّهم في الجيش الشعبي لتحرير السُّودان لا يسعون لقتل جند الحكومة السُّودانيَّة، لكنهم يحاولون ما وسعتهم المحاولة إحالتهم عاجزين عن القتال، وذلك بإجبارهم على وضع السلاح، ومتى ما تمَّ ذلك نكف عن قتالهم، لأنَّ قتالهم في هذه الحال يعتبر اغتيال، بل نأسرهم ويخضعون للمعاملة التي نص عليها بروتوكول جنيف لمعاملة أسرى الحرب.  ولعلّ أصدق مثال على ما نقول ما حدث في أمر ملازم من أولاد الشوابنة في جبال النُّوبة.  فقد حدث أن ضربه إخوانه ضرباً مجرحاً وتركوه في العراء يتأذَّى من الألم الأليم، حتى وجده أفراد من قوات الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان وحملوه إلى رئاستهم، وقاموا بإسعافه.  وبعد أن تماثل للشفاء خيَّروه في أن يبقى معهم أو يذهب إلى أهله وعشيرته، فاختار الذهاب إلى ذويه، ووصَّلوه إلى حدود قوات الحكومة فاتخذ سبيله إليها في الخلاء سَرَباً. 

 

فرص الحوار تحت مظلة "الإيقاد"

الجدير بالذكر أنَّه تحت مظلة منظمة "الإيقاد" عُقِدت الجولة الأولي من المحادثات بين طرفي النزاع المسلح (الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة) في نيروبي في الفترة ما بين 17-23 آذار (مارس) 1994م، والثانية في الفترة ما بين 17-20 أيار (مايو) 1994م، حيث شهدت هذه الجولة الثانية ميلاد "إعلان مبادئ الإيقاد"، وذلك بعد تناول القضايا الأساسيَّة للمشكل السُّوداني.  إذ ترأس وفد الحكومة السُّودانيَّة في هذه الجولة الثانية العقيد محمد الأمين خليفة، والحركة الشعبيَّة (الفصيل الرئيس) القائد سيلفا كير ميارديت، والحركة الشعبيَّة (الفصيل الموحد) الدكتور ريتشارد مولا.  أما الجولة الثالثة من المفاوضات بين وفد الحكومة السُّودانيَّة من ناحية، ووفد الحركة الشعبيَّة من ناحية أخرى فقد عُقِدت في الفترة ما بين 19-29 تموز (يوليو) 1994م بنيروبي.  وفي خلال الستة أيام الأولى من هذه الجولة لم تُعقد أكثر من جلسة عمل واحدة غير الجلسة الافتتاحيَّة التي خاطبها الرئيس الكيني حينئذٍ – دانيال أراب موي – والتي فيها حدد الاتجاه المطلوب لمسار المباحثات في إطارين أساسيين هما:

(1)    الوقف الفوري لإطلاق النار.

(2)    اعتماد المبادئ الستة التي قدَّمتها دول "الإيقاد" كأساس للمفاوضات.

أما فيما يختص بالنقطة الأولى فقد تعلَّل الوفد الحكومي بأنَّه غير مخول بهذا الأمر، ولكن بالتشاور مع قيادتهم في الخرطوم صدر إعلان من رئاسة الجمهوريَّة في 22 تموز (يوليو) 1994م بوقف إطلاق النار، حيث كان الأمر مسرحيَّة ملهاة كما عرفناها وعهدناها من قبل.  إذ لم يلتزم النظام بمثل هذه القرارات في الماضي.  ولقطع الشك الذي كان يراود الحركة الشعبيَّة تجاه عدم جديَّة النظام "الإنقاذي" في قرار وقف إطلاق النار طلبت الحركة رسميَّاً من "الإيقاد" رعاية اتفاق وقف إطلاق النار من خلال تشكيل مراقبين.  ففيما وافقت الحركة على مبادئ "الإيقاد" الستة، رفض الوفد الحكومي هذه النقاط كأساس للتفاوض، وتحفَّظ على "حق تقرير المصير" و"الدولة العلمانيَّة" و"الديمقراطيَّة التعدديَّة".  لقد طرح وسطاء "الإيقاد" إعلاناً للمبادئ تقوم على أساسه المفاوضات، وكانوا في هذا الأمر واضحين كل الوضوح عندما أعلنوا بأنَّ الخيار الأفضل للسُّودان هو أن يبقى القطر موحداً تحت دستور ديمقراطي علماني، فإنَّ تعذّر هذا يقرِّر الشمال – أي الحكومة التي تفاوض باسم أهل الشمال – بحق تقرير المصير للجنوب.  ومن أجل إحراز تقدم في المفاوضات، قبلت الحركة الشعبيَّة بهذا المبدأ برغم من تحفظهم على بعض القضايا مثل التركيز على حق تقرير المصير للجنوب وحده، إلا أنَّ نظام "الإنقاذ" ظلَّ رافضاً للخيارين، بل ذهب إلى حد القول بأنَّ رسالته الحضاريَّة تتحتم عليه ليس فقط إقامة دولة دينيَّة في السُّودان فحسب، بل نشر الدين الإسلامي في كافة أنحاء إفريقيا، كما جاء على لسان الدكتور غازي صلاح الدين العتباني في إحدى جلسات "الإيقاد" في نيروبي حين كان يترأس الوفد الحكومي.  وفيما يختص بتقرير المصير فإنَّ الأمر قد بدا محيراً في بعض جوانبه عند بعض القوى السياسيَّة في الشمال، فكيف يطالب أهل الشمال بالديمقراطيَّة وبنظام تعددي واحترام لإرادة الناس عبر صناديق الاقتراع، وفي الآن نفسه يصادرون – أو يحاولون مصادرة – حق تقرير المصير لأهل الجنوب والمناطق المهمَّشة الأخرى.(183)  إنَّ الديمقراطيَّة لكتلة واحدة لا تتجزأ، وبالتالي فإنَّ المطالبة بحق الناس بتقرير مصيرهم عبر صناديق الاقتراع، ومصادرة هذا الحق في الجنوب ومناطق أخرى يبدو متناقضاً تماماً!

يا تُرى كيف ذهب البعض من أهل الشمال مذهباً غريباً في أوصاف وتصاوير الجنوب وأهله الذين يطالبون بحق تقرير المصير!  فإنَّ هناك فئة من الناس من باتوا يتحدَّثون عن انعدام مقومات الدولة في الجنوب، وهناك آخرون أمسوا يقولون إنَّ خيرات السُّودان توجد في الجنوب ولا ينبغي الاستغناء عن هذا الجزء من الوطن، ثم هناك فئة ثالثة تزعم أنَّ أهل الجنوب لسوف ينقرضون بسبب حروب أهليَّة قد تشتعل بينهم بعد الانفصال عن الشمال.  فلِمَ يحرص أهل الشمال كل الحرص على أهل الجنوب بعد انفصالهم ويتَّخذون لأنفسهم عليهم هذا الدور الأبوي (Patriarchal role)؟!  ثم هل يُعقَل الإبقاء على الجنوب بالقوة كجزء من السُّودان لنتمتَّع بخيراته؟!  والغريب في الأمر أنَّه متى ما ذُكر "حق تقرير المصير" يقفز العقل الشمالي إلى الانفصال مباشرة.  إذ أنَّ في هذا الحق يمكن أن يتبنَّى الشعب نمطاً آخر من أنماط الوحدة.  فلا ريب في أنَّ هذا الحق قد يفضي إلى الكونفيديراليَّة إذا اختار الناس ذلك، وإنَّ الكونفيديراليَّة لضرب من ضروب الوحدة لو كنتم تعلمون.  فعندما طرح الجنوبيُّون صيغة الفيديراليَّة في الخمسينيَّات من القرن المنصرم فسَّر أهل الحل والعقد في الخرطوم ذلك الطرح بأنَّه موقف انفصالي، وحينما طرحت الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان الكونفيديراليَّة كنتيجة حتميَّة لتمسك الخرطوم بتديين السياسة فُسِّرت هذه الكونفيديراليَّة بأنَّها دعوة للانفصال، ثم كذلك رأى أولو الحكم في الخرطوم بأنَّ طرح الحركة الشعبيَّة لحق تقرير المصير يعني أيضاً الانفصال.  لا يمكن أن تتساوى كل هذه الألفاظ في المدلول السياسي.  إنَّ هناك، بالطبع، ثمة خطأ ما في التفكير السياسي وارتباك في الفهم العقلاني في السُّودان.  فقد أكَّدت الحركة الشعبيَّة مراراً – أمام وسائل الإعلام المرئيَّة والمسموعة والمقروءة – بأنَّ خيارها الأول والمفضل هو وحدة البلاد القائمة على المواطنة والتعدد العرقي والديني والثقافي، وفصل الدين عن السياسة، وسيادة حكم القانون، وتأسيس كل ذلك على مبادئ ومعايير حقوق الإنسان الدوليَّة، إلا أنَّ هذا التأكيد لم يجد مستقراً في أذهان أهل السلطة.  وإلا ماذا يعني قبول النظام "الإنقاذي" لحق تقرير المصير لجماعة الدكتور رياك مشار – كما جاء في اتفاقيَّة فرانكفورت بألمانيا العام 1992م، والذي قد ينتهي بالانفصال – ويرفض مبدأ الكونفيديراليَّة التي دعت إليها الحركة الشعبيَّة (الفصيل الرئيس)؟!  إذن، لا بدّ أنَّ النظام يكذب على نفسه ويخادع الآخرين.

بيد أنَّ الذي يسعى لهدم البناء وعقد عزمه على ذلك قد لا يحتاج إلى أدنى سبب، أو لربما تعلَّق بأسباب واهنة كخيط العنكبوت والتي لا ترقى إلى الحقيقة في شيء.  ففي صباح 21 تموز (يوليو) العام 1994م جاء محمد الأمين خليفة إلى الجلسة ووجه هجوماً شديداً إلى الوسطاء من دول "الإيقاد"، متَّهمهم بأنَّهم خالفوا نص ميثاق منظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً) بما قدَّموه في مقترحاتهم التي تدعو إلى تفتيت وحدة السُّودان، وهو دولة ذات سيادة وعضو في المنظمة، واختتم هجومه قائلاً: "إنَّ الدول الأربع – كينينا، أوغندا، إثيوبيا، وإريتريا – قد أصبحت طرفاً منحازاً للمتمرِّدين، وإنَّ حكومة الخرطوم لترفض هذه المبادئ لمخالفتها لميثاق المنظمة."  إزاء هذا الهجوم الحكومي غير المبرر على الوسطاء دخلت المباحثات في نفق مظلم، وقد طلب الوسطاء من الوفد الحكومي التفكير مليَّاً حول ما ورد على لسان رئيس وفده والاعتذار الرسمي عما بدر منه، إلا أنَّ الوفد الحكومي قد رفض الاعتذار وأخذتهم العزة بالإثم حتى في صباح جلسة اليوم التالي – أي في 22 تموز (يوليو).  ولكن بعد ارتباك في وسطه، اضطرّ الوفد الحكومي للاعتذار عن أقواله في مساء ذلك اليوم.  كان واضحاً بما لا شك في ذلك أنَّ وفد النظام أراد اللعب  بالوقت ريثما يحرز نصراً عسكريَّاً في مسارح العمليات الحربيَّة المختلفة، وكان الهجوم الذي قامت به القوات المسلحة السُّودانيَّة على أربعة محاور باسم "صيف العبور" على مناطق نمولي دليلاً على ما نقول.  فبرغم من الجهود المضنية التي قامت بها دول "الإيقاد" والحكومة الأمريكيَّة من وراء الكواليس، إلا أنَّ المباحثات قد انهارت كما حدث في مفاوضات سابقة.(184)  ففي مؤتمر صحافي بنيروبي في آب (أغسطس) 1995م دعا الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الأطراف السُّودانيَّة المتنازعة إلى مواصلة المحادثات في إطار منظمة "الإيقاد".  وعقب هذا المؤتمر الصحافي سافر كارتر إلى كمبالا لمقابلة العقيد/الدكتور جون قرنق، حيث عقدا اجتماعاً على شواطئ بحيرة فيكتوريا.  وفي ذلك الاجتماع أثار كارتر ثلاث نقاط هي:

(1)    العمل على وقف إطلاق النار.

(2)    استئناف محادثات السَّلام تحت إشراف دول "الإيقاد".

(3)    إطلاق سراح 70 أسيراً من العسكريين الأسارى من الجيش السُّوداني كانوا قد وقعوا في الأسر في منطقة "لافون".

هذا، فقد أوضح العقيد قرنق أنَّ الحركة الشعبيَّة ظلَّت تحترم وقف إطلاق النار طوال الفترات الماضية، ولكن الحكومة تستغل فترة وقف إطلاق النار لإعادة تسليح وإمداد قواتها بالعتاد لتقوم بالهجوم من جديد.  أما فيما يتعلَّق باستئناف المفاوضات على أساس مبادئ "الإيقاد" فإنَّ الحركة قد وافقت على هذه المبادئ، بينما رفضت الحكومة السُّودانيَّة المفاوضات على هذا الأساس، وخرجت عن المفاوضات في أيلول (سبتمبر) 1994م، وعندما توافق الحكومة على تلك المبادرة يمكن استئناف المفاوضات، هكذا كان رد الدكتور قرنق للرئيس الأمريكي الأسبق.  وأضاف قرنق: "أما موضوع الأسارى فإنَّه خارج نطاق هذا المكان."  ومن هنا يتضح أنَّ كارتر كان يتخذ من المواقف قد تبدو للبعض أنَّها قريبة لمواقف الحكومة السُّودانيَّة أكثر منها إلى الوسيط.  إذ لم يفكِّر كارتر مليَّاً ولم يسأل نفسه عن أسارى الجيش الشعبي عند الحكومة السُّودانيَّة.  ولِمَ لم يطالب بإطلاق سراحهم أو الحث على عمليَّة تبادل الأسارى بين الطرفين؟!  هل كان كارتر يعلم مسبقاً أنَّ أسارى الجيش الشعبي تتم تصفيتهم على الفور عندما يقعوا تحت أسر القوات الحكوميَّة؟!  على أي، فقد عاد استمرار العدائيات بين الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة بصورة أكثر وحشيَّة.  وبعد هذا الاحتراب الذي استغرق زمناً ليس بقصير وأهدر موارد – بشريَّة كانت أم ماديَّة – ضخمة، فإنَّك لتجدنَّ من السُّودانيين من يقول لك نحن شعب مسالم وأهل طيبة؛ اللهم إلا إذا كنا نعترك بأسياف العشر ونرمي بعضنا بعضاً برماح مصنوعة من ريش النعام.  وكيف نكون للناس رمز الطيبة بعد هذا كله!  بل إنَّه الهروب من المصير ذاته الذي آلت إليه أفعالنا حتى أمسينا في قضاء أيَّامنا في عذاب.  أو لم يغن مطربنا الراحل إبراهيم عوض (الملقب بالفنان الذري) "ليه نهرب من مصيرنا ونقضي أيَّامنا في عذاب؟"  بلى!  ولعلَّ ما يحيل القول إيَّاه سخفاً حين نستدرك أنَّ هذه الحروب الأهليَّة السُّودانيَّة قد استمرَّت عدة حقب، وكانت لأهل الحل والعقد فرص لتلافيها أول الأمر، أو فرص للحيلولة دون وقوعها مرة ثانية حين أفلحوا في تضميد جراحها، والجرح الذي لم يتخذ الأطباء كافة المعايير الطبيَّة والتدابير الصحيَّة لعلاجه واستئصال الجراثيم، يعود الجسم سقيماً كرة أخرى بعد التماثل إلى الشفاء.

مهما يكن من شأن، فبعد انقطاع دام نحو ثلاث سنوات حسوماً، التأمت محادثات السَّلام السُّودانيَّة في الجولة الخامسة بنيروبي في الفترة ما بين 8-9 تموز (يوليو) 1997م، وكان سبب هذا الانقطاع الطويل هو رفض حكومة الخرطوم قبول إعلان المبادئ، الذي توصَّلت إليه منظمة "الإيقاد" العام 1994م، بدعوى أنَّه ينطوي على الاعتراف بحق تقرير المصير، والتزام الفصل بين الدين والدولة، برغم من توقيع الحكومة ذاتها اتفاقاً مع المنشقين عن الحركة الشعبيَّة في 21 نيسان (أبريل) 1997م (اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام) ضمنته التزامها إجراء استفتاء بعد فترة انتقال تمتد أربع سنوات.  ففي مفاوضات نيروبي بين الحكومة السُّودانيَّة من جانب، والحركة الشعبيَّة من جانب آخر العام 1997م برزت القضايا الجوهريَّة التالية:(185)

(1)    التزام الطرفين ببنود إعلان "الإيقاد" للمبادئ.

(2)    حق تقرير المصير.

(3)    الاستفتاء على تقرير المصير.

(4)    شكل دولة السَّلام السُّودانيَّة.

فقد كان موقف الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان في هذه المفاوضات على النحو التالي:

(1)    طالبت بموافقة خطيَّة من جانب الخرطوم تؤكِّد التزام الحكومة ببنود إعلان "الإيقاد" للمبادئ.

(2)    اعتبار حق تقرير المصير حقاً مطلقاً من حقوق الإنسان لكل السكان.

(3)    يجب أن يشمل حق تقرير المصير الجنوب وجبال النُّوبة وجبال الأنقسنا وأبيي.

(4)    ضرورة إجراء استفتاء بعد الفترة الانتقاليَّة لممارسة حق تقرير المصير.

(5)    تريد الحركة الشعبيَّة دولتين كونفيديراليتين، وتشمل دولة الجنوب مناطق النيل الأزرق وجبال النُّوبة وأبيي.

(6)    تُحدَّد الفترة الانتقاليَّة بعامين.

(7)    طالبت الحركة الشعبيَّة بإلغاء قوانين الشريعة الإسلاميَّة، وأن يكون دستور كونفيديراليتي الشمال والجنوب علمانيَّا.

(8)    نادت الحركة الشعبيَّة بتعدديَّة سياسيَّة، على أن تقوم حكومة وحدة وطنيَّة تضم النظام والجيش الشعبي والمعارضة الشماليَّة.

ومن جانب آخر، كان موقف الحكومة السُّودانيَّة تجاه هذه القضايا الجوهريَّة على النحو التالي:

(1)    وافقت الحكومة على بنود إعلان "الإيقاد" للمبادئ ووقَّعت مجدداً.

(2)    أيَّدت تقرير المصير، لكنها رفضت إطلاقه، وطالبت بحل سياسي للمشكل.

(3)    رفضت الحكومة أن يشمل حق تقرير المصير غير الجنوب، لأنَّ الحدود راسخة منذ الاستقلال.

(4)    وافقت ولا مانع من الاتفاق على الترتيبات الخاصة بالاستفتاء لاحقاً.

(5)    أكَّدت تعدديَّة السُّودان ثقافيَّاً وعرقيَّاً وسياسيَّاً، وكفالة ذلك بحريَّة الاعتقاد والعبادة، واعتبار المواطنة أساساً للحقوق والواجبات.

(6)    اقترحت تنفيذ نظام فيديرالي واقتسام الثروة.

(7)    مبدأ الديمقراطيَّة مقبول، لكن شكلها يجب أن يخضع للنقاش.

(8)    مبدأ الحكومة المشتركة مقبول من حيث المبدأ، لكن إدخال المعارضة يبت فيه لاحقاً.

ومن بعد، عُقِدت الجولة السادسة من المفاوضات بين طرفي النزاع في أيار (مايو) 1998م بنيروبي، وكان أبرز ما وافق عليه الطرفان هو إجراء استفتاء دولي على حق سكان جنوب السُّودان في تقرير المصير.  وبهذا تكون الحركة الشعبيَّة قد تراجعت عن دعوتها في المفاوضات السابقة إلى إقامة دولة كونفيديراليَّة، فيما أظهرت الخرطوم استعداداً لقبول فترة انتقاليَّة أقل من السنوات الأربع التي أقرَّتها في اتفاقها مع المنشقين عن الحركة الشعبيَّة.  وفي هذه الأثناء كان قد حصل إجماع في الأوساط السياسيَّة السُّودانيَّة - أي في الحكم والمعارضة – على إجراء استفتاء على تقرير المصير في جنوب السُّودان.  إذ كانت الحكومة السُّودانيَّة قد توصَّلت إلى اتفاق مع المنشقين عن الحركة الشعبيَّة يضمن لهم هذا الحق، بينما توصَّل التجمع الوطني الديمقراطي – بما فيه الحركة الشعبيَّة – إلى اتفاق مشابه في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة العام 1995م، كما ذكرنا آنفاً.  غير أنَّ تعريف الحكومة للجنوب شمل محفظات بحر الغزال والاستوائيَّة وأعالي النيل، أي مثلما كانت الحال عند استقلال السُّودان في كانون الثاني (يناير) 1956م، وفي الحين نفسه رأت الحركة الشعبيَّة أنَّ تقرير المصير حق يجب أن يمارسه سكان هذه الأقاليم الثلاثة، إضافة إلى أبيي وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.  وبرغم من هذا الاتفاق الجزئي، إلا أنَّه بات نظريَّاً أكثر منه إلى الواقع، وذلك في ظل غياب الإرادة السياسيَّة الجادة للتوصل إلى اتفاق سلام حقيقي، وبخاصة من جانب الحكومة السُّودانيَّة.  أما فيما يتعلَّق بمواقف الطرفين حول قضيَّتي علاقة الدين بالدولة وتقرير المصير للجنوب فقد جاءت ردودهما كتابة إلى الوسطاء (ملحق رقم (15)).  وفي ورقة الحكومة المكتوبة أصرَّ الوفد الحكومي على أنَّه "يجب إعطاء الفرصة أولاً لتطبيق الفيديراليَّة في البلاد لأنَّها ظلَّت مطلباً رئيساً لسكان جنوب السُّودان منذ العام 1947م."  وفي الحق، لِمَ انتظر الجنوب أكثر من ست حقب – أو أكثر من نصف قرن – ليعترف أولو السلطة لهم وللأقاليم السُّودانيَّة الأخرى بالفيديراليَّة مهما كان نوعها؟  وفيم كانت هذه المخادعة والمخاتلة حين قال مبارك زروق ومحمد أحمد محجوب: "نحن لم نعد الجنوب بالفيديراليَّة، وإنَّما وعدنا بالنظر إليها بعين الاعتبار؟"  وعلام هذا الاقتتال وكذلك التدمير طيلة هذه الحقب المأسويَّة؟  ولِمَ يُقدم أرباب السلطة في الخرطوم على تطبيق الفيديراليَّة الآن بعد أن رفضوها قبيل وبعيد استقلال السُّودان منذ العام 1956م، بل أمضوا سادرين في غيهم، وأمسوا يصفونها بأنَّها صنيعة استعماريَّة قُصِد بها تقطيع أواصر الوحدة الوطنيَّة، وأبقوا على الجنوب بالحديد والنار، وما فتأوا ينفكون عن كيل السباب على الاستعمار الذي أورثهم السلطة والثروة والتعليم، وشرعوا ينعمون بها متاعاً لهم ولأحفادهم.  والعودة للماضي أمر لا مندوحة عنه إذ لن نستطيع أن نرسم مستقبلاً واعداً، ونرسو سفينة التقدم على بر الأمان إذا لم نفعل ذلك.

على أنَّه من اللافت للنظر أنَّ في ورقة تحديد المواقف للجنة الفنيَّة للإيقاد حول خيارات السَّلام في السُّودان، والتي عُرِضت على شركاء "الإيقاد"، أشارت الورقة – من بين ما أشارت – إلى أنَّ الوضع السياسي في السُّودان في حزيران (يونيو) 1998م بات مائعاً عائماً، وأنَّ هناك فرصاً حقيقيَّة لتحقيق اتفاق سلام عبر التفاوض لوقف الحرب تحت رعاية "الإيقاد"، التي - ولئن لم تكن مثاليَّة ونموذجيَّة - إلا أنَّها يمكن أن تثبت أنَّها تصلح كقاعدة للاتفاق.  وقد حصرت الورقة التطورات السياسيَّة في السُّودان على النحو التالي:

(1)    التغيير الدرامي في الوضع الإقليمي بسبب النزاع الإثيوبي-الإريتري، وقد أضعف هذا التغيير موقف التجمع الوطني الديمقراطي عامة، والحركة الشعبيَّة خاصة.

(2)    التطور الملحوظ الذي حدث باتجاه الوصول إلى اتفاق سلام في جنوب السُّودان في إطار "الإيقاد"، ويبدو هنا أنَّ الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة مطلوب منها تقديم المزيد من التنازلات.

(3)    الدخول البطيء لمصر في المشهد السياسي، لكنها تبدو في الوقت الحالي – وربما بصفة مؤقتة – غير قادرة على لعب دور قيادي بسبب الصعوبات التي تواجهها في التعامل مع الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة ومع التجمع الوطني الديمقراطي على السواء.

(4)    تجدد الثقة بالنفس عند الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة.

وخلصت الورقة إلى إمكانيَّة تحقيق حل سياسي على مرحلتين: الأولى تفضي إلى اتفاق في الجنوب على قاعدة تقرير المصير، والثانية تدور حول عمليَّة متدرِّجة ومركَّبة حول الشمال.  هذا، وقد انتهت اللجنة من وضع الخطوط العامة للاتفاق حول الجنوب، والتي تمثَّلت في الآتي:

(1)    اعتراف الحركة الشعبيَّة بأنَّ مسألة تقرير المصير تشمل الحدود المعروفة للجنوب في كانون الثاني (يناير) 1956م.

(2)    وقف فوري لإطلاق النار تحت إشراف مراقبين دوليين.

(3)    فترة انتقاليَّة تحت إدارة مشتركة بين الحركة الشعبيَّة والحكومة السُّودانيَّة، بإشراف "الإيقاد" ومنظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً)، وهيئة مستقلة للإشراف على الاستفتاء.

(4)    ضمانات لحقوق الإنسان والحريات المدنيَّة وحريَّة القيام بالحملات لأي من خيارات الاستفتاء.

وحول المرحلة الثانيَّة للحل، وهي التوصل لاتفاق حول الشمال قال التقرير إنَّه لينبغي تأمين التعدديَّة السياسيَّة، ومراعاة وضع النُّوبة وسكان جنوب النيل الأزرق والبجة، وأنَّ هناك مؤشرات لاستعداد النُّوبة على فصل قضيَّتهم عن قضيَّة الجنوب إذا تمَّ إعطاؤهم بعض الضمانات.(186)  غير أنَّ التقرير لم يوضِّح ما إذا جاءت هذه "المؤشرات النُّوباويَّة" من قيادات النُّوبة في الحركة الشعبيَّة أم في الخرطوم؟  ومبعث تساؤلنا هو أنَّ أبناء النُّوبة في الحركة الشعبيَّة والحزب القومي السُّوداني المتحد قد خرجوا برؤية موحَّدة في مؤتمر كاودا في كانون الأول (ديسمبر) 2002م مطالبين بحق تقرير المصير، وارتباط مستقبلهم السياسي في الفترة الانتقاليَّة بجنوب السُّودان.  على أيَّة حال، هذه هي الخطوط العامة التي وضعتها اللجنة الفنيَّة للإيقاد أمام مفاوضات السَّلام في الجولة السابعة، والتي جرت في آب (أغسطس) 1998م بين الحكومة السُّودانيَّة من طرف، والحركة الشعبيَّة من طرف آخر بأديس أبابا، وفيها تم الاتفاق على تسهيل عمليات الإغاثة، ووقف إطلاق النار لصالح الإغاثة في جميع مناطق العمليات في الجنوب، كما وافقت الحكومة على التزامها بوقف إطلاق النار المعلن من قبلها في يوم 5 آب (أغسطس) 1998م، وذلك لمدة 70 يوماً.

أما الجولة الثامنة من المباحثات بين الحكومة السُّودانيَّة من ناحية، والحركة الشعبيَّة من ناحية أخرى فقد جرت بنيروبي في يوم 24 تموز (يوليو) 1999م؛ إذ تمخَّضت هذه الجولة عن إنشاء آليَّة جديدة لمتابعة عمليَّة التفاوض بين الطرفين تتضمَّن إنشاء سكرتاريَّة دائمة للمفاوضات.  وكذلك عُقِدت الجولة التاسعة في الفترة ما بين 21-28 شباط (فبراير) 2000م في منتجع نانتوكي شمالي نيروبي.  أما الجولة العاشرة فقد جرت في يوم 21 أيلول (سبتمبر) 2000م بنيروبي، حيث ترأس وفد الحكومة السُّودانيَّة وزير خارجيتها الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل.  إذ لم تسفر هذه الجولة عن إحراز أي تقدُّم ملموس، وفيها وافقت الحكومة السُّودانيَّة على مراقبة دوليَّة لوقف لإطلاق النار على أن تكون فترة وقف إطلاق النار ستة أشهر.

برغم من أنَّ مشكلات السُّودان كثيرة ولا سبيل إلى إحصائها، إلا أنَّ الحرب الأهليَّة هي القضيَّة المحوريَّة في هذا الكم من المصائب.  فإذا الحرب التي استمرَّت منذ العام 1955م هي التي أخلَّت باقتصاد البلاد، بما في هذا الإخلال من إهدار الصرف المالي في التسلُّح والتجنيد والتدريب والإمداد الحربي وهلمجرَّاً؛ وإذا الحرب هي التي قد أربكت وعطَّلت المشاريع التنمويَّة وترقية الخدمات الاجتماعيَّة في مناطق النِّزاع؛ وإذا الحرب هي التي خلقت مجاعات متكررة فيها، وعطَّلت سبل مكافحة الأمراض الوبائيَّة والمستوطنة وتطعيم الأطفال والمواشي.  ثمَّ إذا الحرب هي التي أضرَّت بقضيَّة الوحدة الوطنيَّة ليس بين الشمال والجنوب فحسب، بل بين الخرطوم والتخوم، أي بين المركز المهيمن والأقاليم المهمَّشة، وأفرزت هذه القضيَّة هي الأخرى قضايا لها علاقة بهُويَّة السُّودان الثقافيَّة والأثنيَّة، والعلاقات الحزبيَّة بين أحزاب الشمال مع بعضها البعض من جانب، وأحزاب الجنوب مع بعضها بعضاً من جانب آخر، وبين القوى السياسيَّة الشماليَّة والجنوبيَّة من جانب ثالث.  وفي هذه الأثناء التي لم يستطع السُّودانيُّون حسم قضاياهم السياسيَّة بالتي هي أحسن كان التدخل الدولي ليس لصالح طرف من أطراف النِّزاع، ولكن من أجل قضايا إنسانيَّة وإقليميَّة وبيئيَّة لها علاقة وثقى بالمنظمات الأمميَّة والإنسانيَّة والحقوقيَّة في العالم، لأنَّ مسألة حقوق الإنسان لم تكاد تكون من الأمر الهين حتى تُترك للدول لكي تتم تجاوزاتها تحت ادِّعاءات "السيادة الوطنيَّة"، أو "استقلاليَّة القرار"، أو "التوجه الحضاري".  وقد أدى التصعيد السياسي-العسكري في السُّودان إلى بروز المستجدات الآتيَّة على الأوضاع السُّودانيَّة:(187)

(1)    نشوء تحالفات شماليَّة-جنوبيَّة وصلت مرحلة التعاون العسكري في شن الحرب على حكومة الخرطوم من جانب، وانحياز فصائل جنوبيَّة للحكومة (اتفاقيَّة الخرطوم للسلام واتفاقيَّة فشودة) في مواجهة قوى جنوبيَّة وشمالية متحالفة.

(2)    دخول قوى إقليميَّة وعالميَّة في الصراع بصورة مقبولة من كافة الأطراف، وأخذ التدخل شكل ضغوط دوليَّة، أو وساطات لتسوية النزاع.

(3)    قبول أطراف النزاع الشماليَّة بأن يمارس أهل الجنوب حق تقرير المصير، الذي يشمل حقهم في الانفصال وإقامة دولتهم المستقلة لأول مرة منذ استقلال السُّودان العام 1956م.

ولعلَّ من المفيد هنا أن نقول لقد تكلَّمنا ما وسعنا الكلام عن نقاط "إعلان الإيقاد" الست؛ وكيف فسَّرت كل من الحكومة السُّودانيَّة (أي حزب المؤتمر الوطني) والحركة الشعبيَّة هذه النقاط؛ وكيف استجاب لها كل طرف من طرفي المشكل إيجاباً أو سلباً.  ومن هذه التفاسير – على سبيل المثال – برزت قضيَّة المناطق الثلاث (أبيي، جبال النُّوبة، وجبال الأنقسنا) لتأخذ بعداً آخر عند الحكومة في الخرطوم أو القوى السياسيَّة في التجمع الوطني الديمقراطي لدي تفسيرهم للجنوب من ناحية، ورؤية الحركة الشعبيَّة لمفهوم الجنوب في الجدليَّة السياسيَّة بين المركز والهامش، أو بين مناطق التنمية الوفيرة وأخرى عديمة التنمية من ناحية أخرى.  وأوضحنا في أكثر ما يكون الإيضاح ماذا كانت تعني هذه البنود الست عند جماهير الحركة الشعبيَّة سواء في الجنوب أو جبال النُّوبة أو الأنقسنا أو أبيي، أو المناطق المهمَّشة الأخرى في السُّودان، أو حتى بالنسبة لغير المسلمين من أهل البلد الذين قد تمسَّهم هذه البنود بالضر وهم من أقوام السُّودان الأصليين.  ثمَّ أشرنا إلى الباب الذي قد تلج فيه الأحزاب السياسيَّة الشماليَّة إلى سدة الحكم، وهو الانتخابات العامة في سبيل التداول السِّلمي للسلطة.  ومن هنا نستطيع أن نحصر أهم معالم مبادرة "الإيقاد" فيما يلي:

(1)    إنَّ المبادرة بدأت بناءاً على رغبة الحكومة السُّودانيَّة، وإنَّها لذات طابع إقليمي، وأنَّ دورها قاصر على النزاع بين الشمال والجنوب، وهي ليست معنيَّة بأزمة الحكم في السُّودان ولا المعارضة الشمالية.

(2)    إنَّ مبادرة "الإيقاد" لإقليميَّة تأريخاً ومنشأً، ولكنها في الواقع مبادرة دوليَّة (أصدقاء "الإيقاد")، الذين تحوَّلوا إلى "شركاء الإيقاد"، وأصبح لهم دور فاعل في المبادرة، وفي تمويلها، ومناقشة إستراتيجيتها، ومحاسبة سكرتاريتها وأعضائها، والعمل وراء الكواليس لدعم نشاطها، أو الإسهام في مجهوداتها.

(3)    رأت لجنة "الإيقاد" منذ البداية ألا يقتصر دورها على الوساطة بين طرفي النزاع والوصول بها إلى مائدة المفاوضات فحسب، بل رأت أنَّ دورها يحتم عليها كذلك - بعد أن استمعت لوجهات نظر الطرفين - أن تضع إطاراً للتفاوض يحدِّد النقاط التي ينبغي أن تُحسم، والمبادئ التي يجب أن تُحقق لكي يحل النزاع، وهكذا ولد "إعلان مبادئ الإيقاد" كإطار ملزم للطرفين.

(4)    نص إعلان المبادئ على حق الجنوب في تقرير المصير، الذي من بين خياراته المتاحة انفصال الجنوب وإقامة دولته المستقلة.

ومثلما شاعت من قبل مبادرات سياسيَّة في الأوساط الإعلاميَّة لحل النِّزاع الدموي في السُّودان دون أن تتبناها جهة رسميَّة، ظهرت واحدة أخرى في أثناء صعود وهبوط محادثات "الإيقاد".  ففي العام 2001 نشرت صحيفة "خرطوميَّة" ما أسمته "مشروع موي للحل السلمي في السُّودان"، وهو عبارة عن وثيقة من سبع نقاط تحت مسمى "سيناريو الحل السلمي لمشكلة جنوب السُّودان".  فما هي النقاط السبع التي أوردتها الوثيقة المزعومة بأنَّها سلِّمت للرئيس السُّوداني عمر البشير بواسطة الرئيس الكيني دانيال أراب موي في الخرطوم في يوم 20 نيسان (أبريل) 2000م، بينما سلمت نسخة منها إلى رئيس الحركة الشعبيَّة الدكتور جون قرنق في نيروبي؟(188)

(1)    أن تعترف الحركة الشعبيَّة بصلاحيات الحكومة (السُّودانيَّة) كحكومة لكل السُّودان من جهة، وأن تعترف الحكومة (السُّودانيَّة) بسيطرة الحركة الشعبيَّة على المواقع التي تحت سيطرتها من جهة أخرى.

(2)    أن يتم الاتفاق على وقف شامل لإطلاق النار من الطرفين.

(3)    أن يشرف على وقف إطلاق النار مراقبون من "الإيقاد" ومنظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً) والحكومة (السُّودانيَّة) والحركة (الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان)، ويظل جيشا الحكومة والحركة في مواقعهما.

(4)    أن يُحكم السُّودان لفترة انتقاليَّة خلال 2-3 سنوات في إطار إعلان مبادئ "الإيقاد"، ويستثنى الجنوب من تطبيق الشريعة (الإسلاميَّة)، وأن تكون الحركة (الشعبيَّة) هي المسؤولة عن إدارة المناطق الجنوبيَّة.

(5)    تشكيل لجان الفترة الانتقاليَّة لمتابعة شؤون الحكم على النحو التالي: الجنة السياسيَّة، لجنة التنسيق، لجنة الإدارة المحليَّة، لجنة الإغاثة، لجنة الخدمات الاجتماعيَّة، لجنة الاقتصاد، لجنة التجارة، ولجنة التوطين.

(6)    تحديد الإجراءات الخاصة بالاستفتاء في نهاية الفترة الانتقاليَّة، على أن يكون الاستفتاء محصوراً بين الحكم الفيديرالي أو الكونفيديرالي.

(7)    أن يتم تنظيم انتخابات عامة في السُّودان.

وفيما نعلم فإنَّ الرئيس الكيني دانيال أراب موي كان رئيساً لمجموعة وسطاء "الإيقاد" لحل مشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان؛ وفيما لا نعلم هو هل كان هذا السيناريو الذي زُعِم أنَّه تم طرحه على طرفي النزاع جهداً فرديَّاً من موي أم اتفق عليه مع الرؤساء المعنيين بالأمر، وهم رؤساء إثيوبيا وأوغندا وإريتريا، أو جرى تداوله بين شركاء وأصدقاء "الإيقاد"؟  وقد ذهب بعض المحللين قولاً بأنَّ هذا السيناريو تقف من ورائه – إن لم تكن قد أعدته – الولايات المتحدة وبعض الدول الأوربيَّة من شركاء وأصدقاء "الإيقاد".  مهما يكن من شأنه، فلعلَّ أبرز الملاحظات التي يمكن استنتاجها من هذا المشروع هو أنَّه تجاوز حق تقرير المصير لشعب جنوب السُّودان، وحصر نفسه في الاستفتاء حول الفيديراليَّة أو الكونفيديراليَّة، مما يعني استبعاد خيار الانفصال.  وبهذا يكون المشروع قد أدخل تعديلاً جوهريَّاً في المبادئ الستة التي أعلنتها دول "الإيقاد" في 20 أيار (مايو) 1994م.  إضافة إلى ذلك، فقد شمل البند السابع المعارضة الشماليَّة بالدعوة لإجراء انتخابات عامة في كل البلاد، مما يلبِّي واحداً من مطالبها بممارسة الديمقراطيَّة بحريَّة، ويتيح المنافسة حول التداول السلمي للسلطة.  على أيَّة حال، كان معظم هذه البنود المشار إليها مجرَّد عناوين بارزة للحل لأزمة الحكم في السُّودان، وكان تنزيلها على أرض الواقع هو الذي كان سيجيب على الكثير من الأسئلة، بما فيها التفاصيل التي تحويها تفاسير هذه النقاط.  كما أنَّ المشروع صمت الصمت كله عن قضيَّة أبيي وجبال النُّوبة والأنقسنا.

على أيَّة حال، لا نستطيع أن نخلص من هذا القسم قبل أن نقول إنَّ العقبات التي وقفت في سبيل منظمة "الإيقاد" لكثيرة؛ إذ كابدت المنظمة وصارعت مشكلات سياسيَّة جسيمة بما فيها التنقل بين العواصم، والاجتماعات المتكرِّرة، والنزاعات السياسيَّة بين الدول الأعضاء، فضلاً عن التنافر الشديد بين طرفي النزاع السُّوداني، أي الحركة الشعبيَّة والحكومة السُّودانيَّة.  وكذلك تحمَّلت دول "الإيقاد" غلو بعض أعضاء الوفد الحكومي "الخرطومي" المسرفين ليس ضد الحركة الشعبيَّة فحسب، بل ضد دول "الإيقاد" ذاتها.  فكم اتِّهموا في وساطتهم بموالاتهم للحركة الشعبيَّة بواسطة رسل الخرطوم "الإنقاذيين".  ولعلَّ لفظ المبادرة – كما يتضح من اللغة – هو إبداء النيَّة أو النوايا السليمة في أول الأمر.  وفي هذا يمكننا أن نقول إنَّ المبادرة التي أطلقها قادة "الإيقاد" أظهرت النوايا الطيبة منهم تجاه الخصمين السُّودانيين، وفي حال قبولهما لهذا الإطار التشخيصي لداء البلاد السياسي تبدأ المرحلة الثانية، وهي عمليَّة الحوار والذي لسوف ينبني، من بعد، على قاعدة تأريخيَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة.  هكذا فصَّلت مبادرة "الإيقاد" مواريث المواجهة، وقدَّمت فلسفة للحوار السياسي تقوم على الإقرار بجوهر المشكل السُّوداني، واقترحت فرص التفاهم والمشاركة في السلطة، وإعادة تعريف الوحدة في التنوُّع.  ولكن من ذا الذي يصد الباب أمام النوايا الحسنة أينما جاءت إلا مكابراً غليظاً، أو مارداً جباراً يريد أن يطغي في الأرض!  من هذا المنطلق تصبح ادعاءات النظام "الإنقاذي" بأنَّ "الإيقاد" كانت تحابي الحركة الشعبيَّة في غير محلها، وإطلاق الاتهامات على عواهنها دون الإتيان بوقائع أو حقائق تثبت ذلك يعتبر ضرباً من الأوهام أو الظنون، "وإنَّ الظن لا يغني من الحق شيئاً" (النجم 53/28)، بل قد يقود إلى تعكير الأجواء ولا يساعد على النقاش المنطقي.  وحين يرغب طرف أن يقلب الموائد ويفسد كل شيء حتى لا تكون هناك أرضيَّة مشتركة لتدارك الوضع المأزوم، والتداول حولها بمسؤوليَّة، يلجأ هذا الطرف المتزيِّد إلى هذا النمط من الغوغائيَّة.  وكان هذا هو ديدن النظام "الإنقاذي" في ذلك الحين من الزمان.

ومثلما كانت الحال مع نشوء الوساطة النيجيريَّة، أُطلِق "إعلان مبادئ الإيقاد" بناءاً على طلب الحكومة السُّودانيَّة للتوسط بينها وبين الحركة الشعبيَّة لإنهاء الصراع المسلح سياسيَّاً.  وما أن جاءت المبادرة دون رغبتها حتى أعلنت الحكومة "الإنقاذيَّة" ذاتها رفضها لها في أنكر ما يكون الرفض، وانسحبت من منبرها زهاء الثلاث سنوات، ثم عادت كسولة مضطرة إلى طاولة المفاوضات، متنكرة على بعض بنودها حيناً، ومتهمة دول "الإيقاد" بالانحياز إلى الحركة الشعبيَّة حيناً آخر، وزاعمة أنَّ دول "الإيقاد" تشجع على انفصال الجنوب ضد مبادئ منظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً) التي تؤكِّد المحافظة على الحدود الموروثة منذ الاستعمار حيناً ثالثاً.  ثم استمرَّت في المفاوضات المتقطعة تارة، والمؤجلة تارة أخرى.  وكم طرق قادة "الإنقاذ" أبواب أقطار أخرى بحثاً عن سلام مزعوم؛ وأمسوا يتسوَّلون من دولة إلى أخرى بحثاً أو تأييداً لمبادرات جانبيَّة، أو فرعيَّة، أو عربيَّة-إسلاميَّة تخدم أغراضها، وتلبِّي أهدافها السياسيَّة والدينيَّة والأثنيَّة.  ومن هنا هرول رئيس النظام "الإنقاذي" – الفريق عمر البشير - متوسلاً إلى رئيس جمهوريَّة جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا لترتيب لقاء بينه وبين رئيس الحركة الشعبيَّة – العقيد جون قرنق.  وقد رد العقيد قرنق إلى مضيفه نيلسون مانديلا قائلاً: "لا أظن أنَّك قضيت أعظم سنوات شبابك في السجن في سبيل الحريَّة وضد سلطة تمارس سياسة "الأبارتهيد" (التفرقة العنصريَّة) على شعبك لكي تستضيف لقاءاً من هذا النمط مع رئيس نظام يمارس نفس السياسة على جزء كبير من شعبه."  فانهارت هذه المحاولة التي وقفت في الأساس على جرف هاوٍ.  ثم كان السيناريو المزعوم الذي نُسِب إلى الرئيس الكيني دانيال أراب موي وما أدراك ما هو، وقد وضحنا لك ما جاء به هذا السيناريو.  بيد أنَّ أكبر مبادرة موازية لإعلان "الإيقاد" وعملت على إرباكه حيناً من الزمن هي المبادرة المشتركة (الليبيَّة-المصريَّة)، وسنبين بعد قليل كيف انشغلت أطراف النِّزاع والوسطاء وشركاء "الإيقاد" والمعارضة الشماليَّة بهذا الوليد القادم من شمال إفريقيا في ذلك الرَّدح من الزمان.