عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الجهود الإقليميَّة لإحلال السَّلام في السُّودان

 

بغض الطرف عن من ذا الذي توسَّل إلى الحكومات الإقليميَّة طلباً للوساطة في حل مشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان، إلا أنَّ لحكومات هذه البلدان الإفريقيَّة المجاورة أو البعيدة مصالح إستراتيجيَّة وأمنيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة في تحقيق السَّلام في السُّودان.  فمن الإستراتيجية الفاعلة للدفاع والحفاظ على هذه المصالح النأي كلية عن الاحتراب الداخلي في تلك البلدان.  فلا ريب فما هي هذه المصالح التي يمكن وصفها بالإستراتيجيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة؟  لا ريب في أنَّ بعضاً من هذه الدول قد عاشت تجارب الحرب الأهليَّة، وأدركت هذه الدول مآسي الحرب وأهميَّة السَّلام؛ فنيجيريا وأوغندا وإثيوبيا تعد أمثلة لهذه الدول التي عانت من أهوال الحرب الأهليَّة في أجزاء من أقاليمها، وكان لا بد لها أن تسعى لإحلال السَّلام في السُّودان حتى لا تشجع الحركات المناوئة لسلطاتها في الاستمرار في النِّزاع المسلَّح، والجنوح إلى اختيار أنموذج السُّودان للسَّلام لحل مشكلاتها الداخليَّة.  تُرى ما الذي كان سيحدث للدول المجاورة للسُّودان في حال انتصار حكومة الخرطوم على الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان عسكريَّاً في ذلك الحين الذي كانت الحكومة "الإنقاذيَّة" ترفع شعارات أسلمة وتعريب إفريقيا كلها وليس جنوب السُّودان فحسب!  إذ أدركت هذه الدول المجاورة – وما لديها من قوميات إسلاميَّة – أنَّ انتصار نظام الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان لسوف يغريها على زعزعة دول الجوار تحت غطاء مساعدة المسلمين في هذه الدول، مما سيؤدي حتماً إلى خلق فتن دينيَّة وعرقيَّة، وقلاقل سياسيَّة، واضطرابات اجتماعيَّة.  ولكن الأهم في ذلك كله أنَّ بعضاً من هذه الدول المجاورة للسُّودان قد تحمَّلت – ولسنين عدداً – مآسي اللاجئين السُّودانيين، واحتملت أعباء إيوائهم، وتوفير الخدمات الصحيَّة والتعليميَّة لهم بشيء من العسر كثير.  وبرغم من مساهمات المنظمات الدوليَّة والمؤسسات الإنسانيَّة، إلا أنَّ تواجد اللاجئين السُّودانيين في هذه الدول كان قد تسبب في هواجس أمنيَّة، ليست في داخل أراضيها فحسب، بل على الحدود المشتركة.  وكذلك السُّودان - الذي لو شاء له أن ينعم بالسَّلام - لسوف يكون موطأ للاستثمار الاقتصادي المحلي والأجنبي، ومعبراً لتبادل تجارة الحدود.  هذه كلها رؤى إستراتيجيَّة وأمنيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة ينبغي ألا تفوت على رجل دولة، أو على سياسي ذي بصيرة وأفق بعيد.

إذن، حين يعجز أي طرفين في حل الشجار الذي نشب بينهما بالتي هي أحسن فإنَّ الحكمة الإنسانيَّة لتقتضي الاقتراب إلى طرف ثالث للتوسط بين الخصمين.  وقد سبقت السُّودان دول كثيرة اقتضت ظروف مشكلاتهم السياسيَّة أو العسكريَّة أن تستعين بأخرى محايدة لا تبغي إلا الإصلاح بين طائفتين من المواطنين اقتتلوا فيما بينهما في قضايا دينيَّة ودنيويَّة ردحاً من الزمان.  ولم تقتصر الخصومة على الشؤون الدينيَّة كما تنزَّلت الآية الكريمة في أمر أصحاب دينين من المسلمين وأهل كتاب (اليهود والنصارى)، الذين اختصموا في دين ربهم فقال كل واحد منهم أنا أولى بالله بدينه.  إذ أنَّ خصوص التنزيل يشمل عموم المعنى في قوله عزَّ وجلَّ: "هذان خصمان اختصموا في ربهم "(الحج 22/19).  و"الخصم" مفرد لفظاً، ولكنه يدل على المفرد والجمع معنى.  وكذلك لم يشترط الصلح أن يكون الاقتتال بين المؤمنين فقط، ولو جاء ذكر الآية الكريمة في ورود الخاص، الذي أُرِيد به العام أيضاً في سبيل الإنسانيَّة قاطبة، "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" (الحجرات 49/9).  وقد ذهب المسلمون والمسيحيُّون وغير المسلمين وغير المسيحيين ضحية الاقتتال بين الفرقاء السُّودانيين، ومن ثمَّ كان السلام أملاً منشوداً في سبيل وقف إراقة الدماء، وتهجير أهل القرى، ولذلك جاء الوسطاء يهرعون، ومن هنا ولج النيجيريُّون إلى المسألة السُّودانيَّة من أجل إنقاذ الوضع المأسوي في هذا البلد المتشاجرون أهله.

 

أبوجا.. الأمل العظيم أم الحلم العابر

 

بعد فشل الجهود السُّودانيَّة التي قام بها طرفا النِّزاع (الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة) في أديس أبابا في آب (أغسطس) 1989م والمساعي التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في نيروبي في الفترة ما بين 28 تشرين الثاني (نوفمبر) - 5 كانون الأول (ديسمبر) 1989م للتوسط بين الطرفين المتنازعين، شرعت نيجيريا تبدي اهتماماً بليغاً بقضيَّة السَّلام في السُّودان، حيث تقدم الرئيس النيجيري الجنرال إبراهيم بابنغيدا بمبادرة لرعاية المباحثات بين الحكومة السودانيَّة من جانب، والحركة الشعبيَّة من جانب آخر، وذلك عند لقائه بالرئيس السُّوداني عمر حسن أحمد البشير في احتفالات استقلال ناميبيا.  هذا، فقد ألح الرئيس السُّوداني على هذا الطلب أثناء انعقاد القمة الإفريقيَّة بأبوجا – نيجيريا – في تموز (يوليو) 1991م.  وبعد اتصالات مكثفة نجحت الحكومة النيجيريَّة عبر مبعوثها – أولوسيغون أوباسانغو – في وضع أجندة للمفاوضات، وتحديد موعد عقد المباحثات في أبوجا.  فقد عُقدِت الجولة الأولى من مفاوضات أبوجا في الفترة ما بين 26 أيار (مايو) – 4 حزيران (يونيو) 1992م، وقاد وفد الحكومة العقيد محمد الأمين خليفة – رئيس المجلس الوطني الانتقالي (البرلمان) آنذاك.  أما وفد الحركة الشعبيَّة فقد كان برئاسة وليم نيون وعضويَّة عشرة آخرين، فيما مثَّل وفد الحركة الشعبيَّة (مجموعة الناصر) الدكتور لام أكول أجاوين وعضويَّة أربعة آخرين.  وعقب هذا اللقاء في أبوجا وقع الطرفان على بيان مشترك في 4 حزيران (يونيو) 1992م، والذي أمَّن على:

(1)    الحل السلمي لقضايا السُّودان.

(2)    الاعتراف بالتنوُّع الثَّقافي والعرقي والدِّيني للسُّودان.

(3)    توزيع عادل للثَّروة، ومشاركة عادلة في السُّلطة.

(4)    إعادة تعمير المناطق المتأثِّرة بالحرب خلال الفترة الانتقاليَّة.

(5)    اتَّفق الطَّرفان على التَّوصل إلى إجراءات انتقاليَّة لإزالة المخاوف، وبناء الثِّقة بين السُّودانيين كافة، وأن تبحث تفاصيلها خلال الجَّولة الثَّانية من مباحثات أبوجا.

استباقاً للمفاوضات، تسلَّحت الحكومة السُّودانيَّة لمحادثات أبوجا الثانية بورقة معنونة باسم "مبادرة حكومة السُّودان للسَّلام" (ملحق رقم (13)).  وبما أنَّ الورقة "الإنقاذيَّة" قد تحدَّثت عن التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين أقاليم السُّودان المختلفة كأحد أهم أسباب التَّذمُّر والإحساس بالظُّلم لدي أبناء الأقاليم الأقلَّ نموَّاً، وضرورة سعي الدَّولة الفيديراليَّة الجَّديدة لإزالة ذلك التَّفاوت تحقيقاً للعدالة الاجتماعيَّة واستعادة للثِّقة بين أبناء الوطن، ودفعاً للنَّهضة الاقتصاديَّة بتكاملها وبسطها في كل أرجاء البِّلاد؛ وبما أنَّ الورقة الحكوميَّة قد أشارت – فيما أشارات – إلى تشجيع الدَّولة الاستثمار الأجنبي والوطني في المناطق الأقلَّ نموَّاً، وذلك بتقديم تسهيلات تمويليَّة وضريبيَّة وإداريَّة حتَّى يكون الاستثمار مجزياً في تلك المناطق؛ وبما أنَّ الورقة الحكوميَّة قد اقترحت – فيما اقترحت – إنشاء فروع لمؤسَّسات التَّنمية ولبنوك القطاع العام المتخصِّصة في الأقاليم الأقلَّ نموَّاً، وتحديد نسبة معيَّنة للبنوك التِّجاريَّة لاستغلالها في المساهمة في تمويل المشروعات الاقتصاديَّة التي تقوم بها حكومات الأقاليم أو القطاع الخاص؛ ثم إنَّ الورقة الحكوميَّة قد اقترحت مراعاة تدريب وتأهيل أبناء الأقاليم الأقلَّ نموَّاً على إدارة مشروعات التَّنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة في مؤسَّسات التَّعليم والتَّدريب الفيديرالي، أو بتقديم المساعدة اللازمة لإنشاء معاهد تعليميَّة وتدريبيَّة خاصة بهم، إلا أنَّه مع ذكر كل هذا نجد أنَّ الأسس التي وُضِعت لرسم الخطط التنمويَّة (الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة)، وتقسيم الدخل القومي بين الأقاليم، واختيار مواقع المشروعات التنمويَّة الكبيرة يمكن أن تكون ضد مصالح الأقاليم الأقل نمواً ذاتها.  ومن هذه الأسس نذكر: الجدوى الاقتصاديَّة للمشروع وكفاءة التَّوظيف، أثر المشروع في تحقيق الاكتفاء الذَّاتي لحاجات البلاد الأساسيَّة، تناسب التَّنمية مع كثافة السكان، إنَّ الأساس في تنمية وبناء أقاليم البلاد هو الجهد الذي يبذله أبناؤها وفق ما يتيح لهم النِّظام الفيديرالي، وإنشاء المشروعات التَّنموية الكبرى (زراعيَّة كانت أم صناعيَّة) وتدار على أساس قومي على أن تراعي الدَّولة تحديد نسبة من عائد المشروع لإقليم المقر.  وقد تمَّ تطبيق هذا الشرط الأخير في استخراج النفط، حيث لم تكن العمالة قوميَّة، بل قبليَّة (قبيل الجعليين) وأجنبيَّة (صينيَّة) مع حرمان أبناء الإقليم المقر من فرص العمل، وعائدات النفط، وتنمية الإقليم.  وقد قاد هذا الظلم الجائر والقسمة الضيزي إلى مشكلات أمنيَّة وعسكريَّة واجتماعيَّة في مناطق استخراج النفط في جنوب كردفان وولاية الوحدة في جنوب السُّودان.

ومن جانب آخر، أي في يوم 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م، بعثت الحركة الشعبيَّة بمشروعها – الذي يتبنى كونفيديراليَّة تقوم على أساس دولتين في السُّودان، وتحتفظ كل منهما بجيش خاص ومؤسسات مستقلة – لإنهاء الحرب الأهليَّة إلى الوسيط النيجيري.  هذا، فقد أرفقت الحركة مع مشروعها رداً كتابيَّاً أعلنت فيه رفضها للورقة المقدَّمة من الحكومة السُّودانيَّة وللطرح الفيديرالي الوارد فيها.  وبعد اجتماعها مع المبعوث النيجيري الخاص في نهاية أيلول (سبتمبر) 1992م، وافقت الحركة على عقد الجولة الثانية من المفاوضات في أبوجا، ولكنها تمسَّكت بموقفها المطروح في مشروعها المقدَّم لإنهاء الحرب الأهليَّة.  وأضافت أنَّها لا تمانع في استخدام تعبير "كونفيديراليَّة" أو "فيديراليَّة" ما دام أنَّ شكل الدولة المقترح يتماشى مع ما هو وارد في مشروعها (ملحق رقم (14)).  وبرغم من أنَّ الحركة الشعبيَّة قد اعتبرت مشروعها موقفاً تفاوضيَّاً، إلا أنَّها أشارات إلى أنَّ هناك بعض الجوانب السياسيَّة والعسكريَّة التي تعتبرها حداً أدنى لا يمكن التنازل عنه.(157)  ولكيما تستأنف مفاوضات أبوجا الثَّانية، قدَّم الدكتور علي الحاج محمد في مؤتمر صحافي في نيروبي في يوم الخميس 3 كانون الأول (ديسمبر) 1992م، شروطاً جديدة في سبيل استئناف المحادثات بين الطرفين هي:(158)

(1)    يجب أن يشترك قرنق شخصيَّاً في المفاوضات، حتَّى لا يأتي بعد ذلك ليلغي ما تمَّ التَّوصل إليه في اتفاق.

(2)    أن تشارك كل فصائل التمرد في المفاوضات، لأنَّه لا يمكن التوصل إلى السَّلام مع فصيل واحد والفصائل الأخرى تحمل السِّلاح.

(3)    ضرورة مشاركة الفصائل التي انشقت عن قرنق، لأنَّها تحمل السِّلاح ضد الحكومة ويمكن لها أن تتوحَّد تحت قيادة قرنق كما سبق لها في مفاوضات أبوجا الأولى.

(4)    فيما يتعلَّق بمشاركة التجمع الوطني الديمقراطي، الذي وصفه بأنَّه الجناح السياسي لحركة قرنق، فإنَّ الحكومة لا تمانع في اشتراكهم في المفاوضات ضمن وفد الحركة.

ولعلَّ إصرار الدكتور علي الحاج محمد على حضور الدكتور جون قرنق دي مابيور شخصيَّاً إلى مقر المفاوضات يعتبر تزيُّداً وعجزاً في المنطق، لأنَّ الحركة الشعبيَّة لم تصر على مشاركة رأس النظام، أو رئيس المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم)، في مفاوضات السَّلام، ولم تنقض الحركة أي اتفاق تم – إن كان – بينها من جانب وبين الحكومة السُّودانيَّة من جانب آخر، بل إنَّ النظام "الإنقاذي" لهو الذي كان ينقض المواثيق والعهود طالما لاحت له في الآفاق فرصة انتصار عسكري، أو ظنَّ أنَّ هناك مكاسب سياسيَّة وشيكة.  وكذلك فإنَّ دعوة الحكومة "الإنقاذيَّة" على تمثيل الفصائل المنشقة عن الحركة الشعبيَّة – والتي باتت حلفاءاً للحكومة نفسها – لهي التي دفعت الحركة الشعبيَّة هي الأخرى إلى المطالبة بتكوين وفد حليف من التجمع الوطني الديمقراطي للمشاركة في مفاوضات السَّلام.  أليس من المنطق السليم أن يتشكل وفدان من الحركة الشعبيَّة وأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي والتي لسوف تحارب في خندق واحد مع الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان طالما أصرَّت الحكومة على تمثيل أحلافها التي تحارب إلى جانبها في شكل ميليشيات مسلحة في الجنوب؟  بلى!  والجدير بالذكر أنَّه حين أفلحت الحكومة في إحداث انشقاق في الحركة الشَّعبيَّة بدأت تتحدَّث مع كل جناح على انفراد.  وفي هذه الأثناء التقى وفد الحكومة برئاسة علي عثمان محمد طه ووفد الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان (المتحدة) برئاسة الدكتور لام أكول أجاوين في 23 نيسان (أبريل) 1993م، ثم جاءت الجولة الثانية في يوم الاثنين 10 أيار (مايو) 1993م في نيروبي، وترأس وفد الحكومة المحامي أحمد إبراهيم الطاهر - رئيس إحدى لجان المجلس الوطني الانتقالي بدرجة وزير.  وضم وفد الحكومة في هذه الجولة الثانية فضل السيد أبو قصيصة وهو كان وزير دَولة في الحكومة، ومدير مؤسسة السَّلام والتنمية، وعضوين من جنوب السُّودان هما ياتج فاركيل عضو المجلس الوطني الانتقالي، وأقنيس لوكودو وزيرة التوجيه والإعلام في الولاية الاستوائيَّة، وموسى علي سليمان المستشار في وزارة الخارجيَّة السُّودانيَّة، والعقيد الركن محجوب شرفي الملحق العسكري في سفارة السُّودان بنيروبي.(159)  ثم جاءت اجتماعات فشودة في 4 آب (أغسطس) 1993م بين وفد برئاسة العقيد بول أرت كوانج من جهة، ووفدي حركة التمرد والفصيل الموحد (جماعة كاربينو كوانين بول) من جهة أخرى.  والعجيب في الأمر أنَّ الحكومة السُّودانيَّة لم تكتف بالاضطرابات الأمنيَّة التي خلقتها الميليشيات القبليَّة التي كانت ترعاها، بل أحدثت الانشقاقات في الحركة الشعبيَّة، والانقسامات الأخرى في الحركات التي خرجت من رحم الحركة الشعبيَّة الأم، ثم شرعت تمول هذه وتلك بالمال، وتمدها بالسلاح من أجل الانخراط في القتال القبلي من ناحية، وقتال الحركة الشعبيَّة (الفصيل الرئيس) من ناحية أخرى.  وفي منتصف المشوار باتت الحكومة "الإنقاذيَّة" تتشاكى بأنَّها تجد في عدم وحدة الحركات المسلحة صعوبة التفاوض معها في سبيل الوصول إلى سلام دائم.  إذ كانت اللقاءات التي كانت تتم بين الحكومة "الخرطوميَّة" من جهة، والحركات المناوئة للحركة الشعبيَّة من جهة أخرى ما هي إلا لقاءات بين الأحلاف للتشاور في التآمر ضد الحركة الشعبيَّة.  وفي واحد من هذه اللقاءات، الذي شاء الله له ألا يتم، سقطت الطائرة التي كانت تقل وفد الحكومة في بحر الغزال، حيث قتل في الحادث فضل السيد أبو قصيصة وموسى علي سليمان وآخرون من ضمن أعضاء هذا الوفد الحكومي.

ففي سبيل التمهيد لمحادثات أبوجا الثانية التقى العقيد/الدكتور جون قرنق دي مابيور (زعيم الفصيل الرئيس في الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – جناح توريت) بالدكتور علي الحاج محمد (وزير التخطيط الاقتصادي والاستثمار) خلال يومي 23 – 24 شباط (فبراير) 1993م بمدينة عنتيبي اليوغنديَّة وتحت رعاية الرئيس اليوغندي يويري موسيفيني.  ولقد جاء هذا اللقاء عقب زيارة رسميَّة للرئيس موسيفيني إلى الخرطوم، حيث أعلن خلالها استعداد بلاده لاستضافة لقاء تمهيدي بين ممثل الحكومة السُّودانيَّة والعقيد/الدكتور جون قرنق قبل انعقاد محادثات أبوجا الثانية.  وبناءاً على إعلان عنتيبي بين وفدي الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة تمَّ استبعاد الفصائل الجنوبيَّة الأخرى، والتي كانت قد شاركت في محادثات أبوجا الأولى.  وفي الفترة ما بين 26 – 30 نيسان (أبريل) 1993م بدأت مباحثات أبوجا الثانية بمباحثات تمهيديَّة بين وفد النظام برئاسة الدكتور علي الحاج محمد من ناحية، ووفد الحركة الشعبيَّة برئاسة القائد سلفا كير ميارديت من ناحية أخرى، والوسيط النيجيري من ناحية ثالثة، حيث تمخَّضت هذه المباحثات عن اتفاق حول جدول الأعمال، الذي اقترحه الجانب النيجيري، ووافق عليه الطرفان المتحاربان، وتضمَّن جدول الأعمال ما يلي:

(1)    علاقة الدين بالدولة.

(2)    ترتيبات المرحلة الانتقالية.  ويتضمَّن هذا البند شكل الحكم، اللامركزيَّة (فيديراليَّة أم كونفيديراليَّة)، الاستفتاء على تقرير المصير، وقف إطلاق النار، المؤتمر الدستوري القومي، ترتيبات الحكم والأمن في الفترة الانتقاليَّة.

وبعد نقاش جاد وحاد، واجتماعات متواصلة حيناً، ومنقطعة حيناً آخر، عُلِّق النقاش في البند الأول الخاص بعلاقة الدين بالدولة، لعدم التوصل لاتفاق بشأنه، كما عُلِّق النقاش في أول فقرات البند الثاني حول درجة اللامركزيَّة ومطلب الحركة لدولتين في إطار كونفيديرالي.  وهكذا توقفت المحادثات لمدة يومين بسبب الخلاف حول تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة، وإقرار نظام كونفيديرالي في البلاد، وتشكيل اللَّجنة المشرفة على وقف إطلاق النَّار، وحجم الوجود الأجنبي فيها.  ففي هذه الأثناء قدَّم الوسيط النيجيري حلاً وسطاً تضمَّن الإجراءات الانتقاليَّة لتهيئة جو ملائم لبناء الثقة بمنح سلطات خاصة لأقاليم البلاد وإتاحة فترة من الوقت تتوقف خلالها الأعمال العدائيَّة ويعم الأمن والاستقرار.  وهي أيضاً فترة تُبذَل فيها جهود واعية لإعادة البناء، وإعادة توطين المتضرِّرين في المناطق المتضرِّرة.  وسيكون السُّودانيون في نهاية الفترة الانتقاليَّة قد اقتربوا من حل المشكلات، وإقامة دولة موحَّدة، وآمنة، تنال فيها كل الأقاليم حقها في الانتماء الوطني.  ومن بعد ذلك سيختار السُّودانيون دستوراً يتفقون عليه ليحكم العلاقة بين الأطراف في المستقبل.(160)  ونتيجة لذلك قرَّر الوسطاء النيجيريُّون تعليق المباحثات والتشاور بين الوفدين في محاولة منهم للوصول إلى حل مرض.  وفي الجلسة التي انعقدت في يوم 3 أيار (مايو) 1993م تقدَّمت نيجيريا بورقة عنوانها "الفيديراليَّة الحقيقيَّة في السُّودان".  فما هو الجديد الذي جاءت به الورقة النيجيريَّة؟  إنَّ أهم ملامح المقترحات النيجيرية لتسوية النِّزاع المسلَّح في السُّودان أُزِيح عنها الستار لتشمل الآتي:

 

الإجراءات الانتقاليَّة

لقد أتت هذه الإجراءات الانتقاليَّة في إطار السُّودان الموحَّد الذي يتبع نظاماً فيديراليَّاً في الحكم وفق المبادئ الآتية:

أولاً: يجب أن تكون للسُّودان بنية سياسية تحافظ على وحدته، وتعترف بتعدده وتنوعه.

ثانياً: يضمن السُّودان حريَّة الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينيَّة للجميع، وبرغم من ذلك فإنَّ تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة في الفترة الانتقاليَّة سيعلَّق في الجنوب فيما يخص غير المسلمين، وإنَّه لن يشمل غير المسلمين في الشمال.

ثالثاً: يضمن لمواطني السُّودان ما يأتي: حرية المشاركة في النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد، والمساواة أمام القانون.

رابعاً: يجب أن تكون هناك قسمة حقيقية للسلطة بين المركز والأقاليم.

خامساً: تعتبر اللغتان العربيَّة والإنكليزيَّة اللُّغتان الرسميتان في البلاد إبان الفترة الانتقاليَّة.

سادساً: تقبل الأطراف مبدأ ميثاق فيديرالي، وتطبقه في توزيع الوظائف العامة والخدمات العامة في البلاد.

سابعاً: إعداد آلية لإقامة قضاء مستقل.

ثامناً: إعلان عفو عام بنص قانون لتشجيع إعادة توطين السكان في المناطق المتضرِّرة من النزوح.

وركَّز بند آخر على إدارة الجنوب في الفترة الانتقاليَّة وعلاقته بالحكومة المركزيَّة أو الفيديراليَّة على الشمال، وورد فيه ما يأتي:

أولاً: على حكومة السُّودان أن تقر قانوناً عبر القنوات الاشتراعيَّة الصحيحة لتشكيل حكومة إقليميَّة تتمتع بالحكم الذاتي في الجنوب.  ويجب أن يُبنى هذا القانون على المبدأين التاليين:

(1)    لامركزية الجهاز الإداري للجنوب.

(2)    مشاركة المواطنين في ممارسة السلطة السياسية.

ثانياً: وفقاً لهذا القانون يشمل جنوب السُّودان المناطق التي تتفق عليها الأطراف المتفاوضة، وسيحكمه نظام حكم ذاتي في إطار سودان موحد.  ستكون للجنوب أجهزته التشريعيَّة، والحكومية، والقضائيَّة الخاصة.  كما ستكون له موازنة مستقلة.  وتلزم هذه الأجهزة بأداء دور محدد في مجال اختصاصها، وكل القضايا المتعلِّقة بإدارة المناطق المتضرِّرة من الحرب إبان الفترة الانتقاليَّة.

 

الإجراءات الفيديراليَّة

اقترحت المذكِّرة النيجيريَّة أن تكون القضايا التالية التي تحفظ وحدة البلاد من اختصاص الحكومة الفيديراليَّة، وهي: الجنسية، إقامة الأجانب، العملة، الجمارك، والتجارة الخارجيَّة، عدا تجارة الحدود وبضائع معيَّنة يتصرَّف فيها الإقليم بموافقة المركز، الضرائب على الصادرات، العلاقات الخارجية، والتمثيل الخارجي، والإعلام الخارجي، الهجرة من السُّودان وإليه، اعتماد الاتفاقات، خطوط الطيران، والسكك الحديدية، والملاحة الجوية والبحرية، الجوازات والتأشيرة، البريد والبرق والهاتف، ديون السُّودان، الأمن، الإرصاد الجوية، المواصفات والمقاييس والمكاييل والتوقيت، التنقيب البحري، الإحصاء، ولجنة الانتخابات.  ولاحظت المذكِّرة أنَّ على الحكومة المركزية والجهاز الاشتراعي المركزي ألا يصدرا أية قوانين ذات طبيعة ثقافية أو دينيَّة محضة بغرض فرضها على غير المسلمين.  وأضافت أنَّ كل القوانين من هذا النوع السارية في الجنوب تعتبر ملغاة فور توقيع الاتفاق ولن تكون سارية على غير المسلمين في الشمال طوال الفترة الانتقاليَّة.

 

حكومة الجنوب

وكذلك اقترحت الورقة النيجيريَّة على أنَّه يجب على حكومة الجنوب أن تملك صلاحية التَّشريع في المسائل المتداخلة بين المركز والجنوب، وتشمل: التعليم، وجمع الضرائب، والتنمية الاقتصادية، والتجارة مع الدول المجاورة، والنشاط التبشيري والإنساني، والمصارف، وإعادة التوطين، وأن تملك صلاحية إقامة نظام قضائي حتى مستوى المحكمة العليا، وإدارة الحكم في المحافظات، وإصدار القوانين الخاصة بالنِّظام العام داخل الجنوب في كل القضايا عدا المخصصة للحكومة الفيديراليَّة.  وتناولت المذكرة إقامة أدارة مؤقتة في جنوب البلاد، وأوردت تحديداً النقاط التالية:

أولاً: تشكل في جنوب البلاد إبان الفترة الانتقاليَّة حكومة مؤقَّتة للجنوب.

ثانياً: على الحكومة الفيديراليَّة توفير التمويل اللازم  لبدء الحكومة المؤقَّتة عملها على أن تعد الأخيرة موازنتها الخاصة.

ثالثاً: أن تكون للحكومة المؤقَّتة في الجنوب أجهزة تشريعيَّة وتنفيذيَّة وقضائيَّة.

رابعاً: سيكون الحفاظ على الأمن إلى حد كبير من اختصاص الحكومة المؤقَّتة.

خامساً: على الحكومة المؤقَّتة للجنوب تشكيل القوات المسؤولة عن حفظ النظام في الجنوب.

ثم اختتمت الورقة النيجيريَّة أطروحتها بالاقتراح القائل: إنَّ الحكومة المؤقَّتة ستشكل من رئيس تنفيذي وعدد من الوزراء.  وعلى الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان اختيار الرئيس التنفيذي للجنوب.  يعيِّن الرئيس التنفيذي حكومته بعد التشاور مع قيادة الجيش الشَّعبي والقوى السياسيَّة الأخرى في الجنوب.  قيام جهاز تشريعي في الجنوب إبان الفترة الانتقاليَّة يسمى المجلس الاستشاري، تكون عضويَّته من الجَّيش الشَّعبي، والجنوبيين الآخرين داخل البلاد وخارجها، على أن يكون بعض الأعضاء منتخباً، والبعض الآخر، معيَّناً، وأن يحدِّد القانون عددهم.  إنَّ إدارة الجَّيش الحكومي وقوات الجَّيش الشَّعبي خلال الفترة الانتقاليَّة ستكون منفصلة، وإنَّ الجَّيش الشَّعبي ستبقى تحت قيادتها، وإنَّ لجنة وقف إطلاق النَّار ستتولى الإشراف على سبل استيعابهم في الجَّيش النِّظامي، وحجم الجَّيش الشَّعبي والجَّيش الحكومي الذي سيبقى في الجنوب.  كما أنَّ من مهام لجنة وقف إطلاق النار الإشراف، من وقت لآخر، على تطبيق قوانين الفترة الانتقالية، وإنَّها ستشكل من أشخاص يرشحهم الطرفان بعدد مساو، وربما شملت مراقبين من دول صديقة.  ورأت المذكرة أن تشهد على هذا الاتفاق الحكومات النيجيريَّة والأوغنديَّة والكينيَّة.  ومع أنَّ حكومة الجنوب الإقليميَّة المشار إليها في الورقة النيجيريَّة، والتي لسوف يحكمه "نظام حكم ذاتي في إطار سودان موحَّد"، قد ترك الباب مفتوحاً على أن يشمل "جنوب السُّودان المناطق التي تتفق عليه الأطراف المتفاوضة".  ومن هنا كان لسوف يشمل الجنوب المناطق الثلاث: إقليم جنوب كردفان (جبال النُّوبة)، وجنوب النيل الأزرق، وأبيي، وذلك إن استطاعت الحركة الشعبيَّة أن تكسب هذه المناطق الثلاث عبر المفاوضات.  ومن الواضح أنَّ الحكومة السُّودانيَّة قد سعت عبر هذه المحادثات أن تحصل على شيء أشبه باتفاق أديس أبابا للعام 1972م، أو زد عليه قليلاً، أو لنقل أعلى درجة من مجالس تنسيق الإقليم الجنوبي التي أصبحت بدعاً سياسيَّة باتت تجود بها حكومات الخرطوم على أهل الجنوب في عقابيل انهيار نظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري منذ العام 1985م.  ومن ثمَّ ظهرت خلافات حول قضايا جوهريَّة مثل الدين والدولة وحجم السلطات الفيديراليَّة وغيرها، كما سنبين بعد حين وكيف أمست هذه المعضلات حجر عثرة أمام المضي قدماً بالمفاوضات إلى الأمام.  كما أنَّ اكتفاء الطرفين المتحاربين بشهادة الحكومات النيجيريَّة والأوغنديَّة والكينيَّة لم تكن كافية.  إذ كان ينبغي الاستعانة بشهادة المنظمات الدوليَّة (الأمم المتحدة) والإقليميَّة (الاتحاد الأوربي، منظمة الوحدة الإفريقيَّة، وجامعة الدول العربيَّة) والمجتمع الدولي (الولايات المتحدة الأمريكيَّة، بريطانيا، فرنسا، وهلمجرا) حتى تمسي هذه الأجسام الهامة رقيبة عتيدة على الاتفاق، بحيث أنَّها يمكن أن تحشد الحشود العسكريَّة وتستخدم النفوذ السياسيَّة وتشحذ همم الدول العظمى في المحافظة على الاتفاق.  والحال كذلك، كأنَّنا لم نتعلَّم من دروس الماضي ولم نأخذ بعبره.  أفلم تشهد إثيوبيا على اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م بين حكومة جعفر محمد نميري من ناحية، وحركة تحرير السُّودان بقيادة جوزيف لاقو من ناحية أخرى؟  بلى!  هل هبَّت إثيوبيا لإنقاذ الاتفاق حين شرع نميري يعبث به يمنة ويسرة ككرة التنس دون رقيب أو حسيب؟  كلا!

على أيَّة حال، فقد لخَّص حسن أحمد الحسن الورقة النيجيريَّة بالقول: إنَّها "تناولت (...) بالتفصيل توزيع السلطات وتعريفها بين المركز والإقليم في إطار دولة فيديراليَّة في السُّودان؛ كما تناولت مقدِّمة الورقة حتميَّة التحول الديمقراطي في السُّودان تمشياً مع الموجة العالميَّة ولغة العصر.  كذلك تعرَّضت الورقة في تناولها لعلاقة الدين بالدولة، حيث ركَّزت على ضرورة استثناء الجنوبيين في الجنوب (وليس في الشمال) من أي تطبيق على أساس شخصي للقوانين الإسلاميَّة.  وفي مختتم المقترحات النيجيريَّة اقترح النيجيريُّون أربعة خيارات للتعامل مع تطبيق الشريعة الإسلاميَّة."  وفيما يلي هذه الخيارات الأربعة:

(1)    تجميد تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في كل السُّودان في الفترة الانتقاليَّة قبل انعقاد المؤتمر الدستوري القومي.

(2)    عدم تطبيق قوانين الشريعة الإسلاميَّة على غير المسلمين في الأمور المتعلِّقة بأحوالهم الشخصيَّة من زواج وميراث وغيره.

(3)    تطبيق قانون جنائي لا يتضمَّن عقوبات حديَّة، أي العودة لقوانين العام 1974م التي سبقت قوانين أيلول (سبتمبر) 1983م.

(4)    تركيز تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في محاكم خاصة تعتمد التطبيق الشخصي للمسلمين.

وقد أصر وفد النظام "الخرطومي" على موقفه – برغم من جهود الوسطاء النيجيريين – بأن يكون الاستثناء من تطبيق الشريعة الإسلاميَّة للجنوب فقط، رافضاً مبدأ التطبيق الشخصي.  وكذلك أصرّ الوفد الحكومي على أن تبقى الشريعة هي أساس التشريع في السُّودان باعتبارها القانون الأعلى للدولة "الدستور".  وإزاء هذا الموقف "الإنقاذي" المتزمِّت تمسَّكت الحركة الشعبيَّة بموقفها الرّافض لأن يكون الدين أساس التشريع في السُّودان، وأن يكون الدين أساساً للدولة، وليست المواطنة المتساوية.  وفي جلسة الثلاثاء 4 أيار (مايو) 1993م جاءت الحركة الشعبيَّة وفي معيتها موقفها المسجّل حول مسألة الدين والدولة في أربع صفحات، حيث يتلخَّص هذا الموقف في الآتي:

أولاً:

(1)    الوضع الأمثل هو إلغاء القوانين الإسلاميَّة في الفترة الانتقاليَّة.

(2)    في حال تعذر الإلغاء يتم التجميد في الفترة الانتقاليَّة إلى حين قيام المؤتمر الدستوري القومي.

ثانياً:

في حال تعذر الحل الأول تقوم دولتان في السُّودان تطبِّق الأولى الشريعة في الشمال فقط وعلى شرط أن تكون الحكومة الاتحاديَّة فيديراليَّة، أو كونفيديراليَّة بعيدة عن إقحام الدين في دستورها ونظام الحكم.  أما وفد النظام "الإنقاذي" فقد عبَّر عن موقفه حول علاقة الدين بالدولة في صفحة واحدة كان ملخصها كالآتي:

(1)    أن يكون نظام الحكم في السُّودان فيديراليَّاً.

(2)    استثناء الجنوب من تطبيق قوانين الشريعة الإسلاميَّة.

(3)    اعتماد نظام المؤتمرات الشعبيَّة نظاماً سياسيَّاً للحكم في السُّودان، وليس التعدديَّة الديمقراطيَّة.

(4)    عرض العفو العام على حملة السِّلاح.

وفيما يختص بالشريعة الإسلاميَّة، فقد أقرَّ الدكتور علي الحاج محمد قائلاً: "إنَّنا لمضطرُّون لأن نتحدَّث عن الشريعة (الإسلاميَّة)، لأنَّ هذا الموضوع حساس بالنسبة لنا، وليس لدينا شيئاً نعبئ به الناس غير موضوع الشريعة والحديث عنها."  وهذا - بالضبط والربط – هو ما ردَّده الصحافي محمد محجوب هارون، وهو من كوادر الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة المخلصين؛ فقد كرّر هارون نفس الحديث بأنَّه لولا الشريعة الإسلاميَّة لما استطعنا أن نسأل الناس أن يقوموا بالأشياء التي يفعلونها حاليَّاً طواعياً.  وعموماً يستنتج المرء أنَّ غلو بعض السُّودانيين في الرؤية الإسلامويَّة يمكن إرجاعه إلى ميول مستدامة في الثقافة الشعبيَّة السُّودانيَّة، والتي تمتاز بترويج المتناقضات، وذلك لإقحام ما هو إسلامي فيما هو علماني، بدلاً من فصلهما جذريَّاً.  وفي الخرطوم نجد عوالم عدة، وليس عالماً واحداً.  فهناك رجال يحتسون الخمر ويستلذون بمعاقرته، ويدخنون لفافة تبغ من البنقو (الأفيون)، ويرتادون الماخور (بيت الريبة) لمضاجعة المومسات، ويلعبون الميسر، ويأكلون الرِّبا وأموال اليتامى؛ ومع ذلك كله، يتردَّدون على المساجد لإقامة الصلوات، ويخرجون سراعاً في التظاهرات السياسيَّة ينادون بتطبيق الشريعة الإسلاميَّة.  وبما أنَّهم يدركون الإدراك كله أنَّ الشريعة تقتضي جلد المخمور، وحد الزاني، وتحث على اجتناب الخمر والميسر والأزلام لأنها رجز من عمل الشيطان، لتجدنَّهم يصرُّون على أنَّه ليس هناك تناقضاً بين مواقفهم الشخصيَّة وما يطالبون به صياحاً جهاراً في شوارع الخرطوم.  إذن، من أين نشأت هذه الميول الثقافيَّة في الشخصيَّة السُّودانيَّة التي أدمنت التناقضات؟  لا ريب في أنَّ مبعث هذا الارتباك النفسي نابع من طبيعة السُّودانيين الفضوليَّة، والرقابة الأسريَّة على الأبناء والبنات، والمعايير الاجتماعيَّة المتشدِّدة التي تحدِّد السلوك المقبول في المجتمع؛ وهذه هي التي تدفع بعض المواطنين للإقدام على مثل هذا الخداع النفسي.  وكذلك الصراعات الشخصيَّة والاجتماعيَّة التي تنتج من محاولات إضفاء ما هو دنيوي على ما هو ديني، والعكس صحيح تماماً.  وهؤلاء المتناقضون الذين لا يستقرون على حال يمتازون بالدهاء لمخادعة الدهماء، وابتكار أساليب سريَّة لإشباع رغباتهم الشخصيَّة الجانحة للتوفيق بين المعتقدات المتعارضة.  وبما أنَّ التخفي حال زائلة، ونشاط مؤقَّت – مع العلم أنَّ الأنشطة السريَّة ممنوعة منعاً باتاً، وباستمرار – كان لا بدّ أن يتبدَّى شعور محدود فيما يختص بالتحولات الشخصيَّة والاجتماعيَّة عند بعض السُّودانيين.  وليس هناك بنياناً مؤسساً يمكن الاعتماد عليه في تحويل هذا الكم الهائل من الرافضين اللحظيين إلى مواقع عامة مستحدثة، أو إدلالهم إلى إتباع منهاج حياتي مختلف عما يعتقدون.

مهما يكن من الأمر، فقد تم الاتفاق في محادثات أبوجا الثانية على توزيع بعض السلطات بين المركز والولايات، وتكوين لجنة لتوزيع الدخل القومي في الفترة الانتقاليَّة، وتكوين لجنة لإعادة التوطين وإعادة التأهيل.  أما المسائل التي اختلف عليها الفرقاء فشملت دستور السلطة الاتحاديَّة، النظام القضائي، توزيع بعض السلطات بين المركز والولايات، طول الفترة الانتقاليَّة، وضع الجنوب في الفترة الانتقاليَّة، الترتيبات الأمنيَّة والعسكريَّة خلال الفترة الانتقاليَّة، وطبيعة الاستفتاء وموعد إجرائه.  على أيَّة حال، فبعد فترة مقدارها 15 يوماً من المفاوضات، انتهت أبوجا الثانية بالفشل، حيث لم يتوصَّل الفرقاء إلى حل سياسي لمشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان، وعاد كل فريق إلى أهله، واستمرّت العدائيات في ساحات القتال.  وفي هذه المحادثات اتسم موقف وفد الحكومة بالتصلُّب بشأن الموضوعين الأساسيين (علاقة الدين بالدولة واقتسام السلطة).  بيد أنَّ وفد الحركة قد قدَّم عدة تنازلات، وعلى رأسها الموافقة على تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في الشمال، واستثناء الجنوب والعاصمة القوميَّة من تطبيق القوانين الإسلاميَّة.(161)  وعلى جانب آخر لم تفلح اللَّجنة الفنيَّة التي كانت مكلَّفة بملف لامركزية السُّلطة خلال المرحلة الانتقاليَّة، كما عجزت اللَّجنة الخاصة التي شكلت من محمد الأمين خليفة ممثلاً للحكومة وسلفا كير ميارديت عن الحركة الشَّعبيَّة خصوصاً من أجل السَّعي إلى إنقاذ المفاوضات في أبوجا الثانية.  وعندما انقضت محادثات السَّلام في أبوجا، وانفضَّت من دون توقيع بيان ختامي، أكَّد الوسطاء النيجيريون أنَّهم سيجرون اتصالات مع أطراف النزاع تمهيداً لعقد جولة ثالثة في 19 حزيران (يونيو) 1993م.  وحدَّد بيان الوسيط النيجيري، الدكتور تونجي أولاغونجو، نقاط الاتفاق والخلاف، وأوضح أنَّ وفدي الحكومة السُّودانيَّة من جهة، والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان (جناح توريت) من جهة أخرى وافقا على النقاط التالية:(162)

(1)    التزام الطرفين بتحقيق السَّلام في جنوب السُّودان عن طريق التفاوض.

(2)    الالتزام بوقف إطلاق النار الساري حاليَّاً بين الطرفين لتسهيل مهمة عمليات الإغاثة طوال فترة المفاوضات التي يجريها الجانبان.

(3)    مواصلة النقاش حول قضيَّة علاقة الدين بالدولة.

(4)    تأكيد الطرفين على التزامهما بوحدة السُّودان مع استمرار المحادثات حول نوع الإجراءات السياسيَّة التي يمكن الاتفاق عليها مستقبلاً.

(5)    تقسيم السلطة تقسيماً عادلاً بين الحكومة الاتحاديَّة والولايات.

(6)    إنشاء لجنة للإشراف على وقف إطلاق النار الساري حاليَّاً بين الطرفين.

(7)    تشكيل لجنة تتولى توزيع الدخل القومي، على أن تشارك نيجيريا فيها بصفة مراقب.

واضح أنَّ ما جاء في بيان الوفاق بين الرفاق السُّودانيين هو عبارة عن التزامات وتأكيدات والدعوة لإنشاء لجان لأداء مهام معيَّنة، حيث أنَّ هذه العبارات المطاطة لم تؤسس على أرضيَّة صلبة، أو قاعدة متينة تستوجب تفعيلها حقاً ولاحقاً.  ومن هنا نستطيع أن نقول إنَّ القضايا الجوهريَّة موضع النزاع كانت أكثر شموليَّة، وأكبر مما يمكن أن تشي به الألفاظ المرنة التي يمكن التلاعب بها سياسيَّاً وديبلوماسيَّاً ولغويَّاً.  ومع ذلك ما كان الخصمان الذين اختصموا فيما بينهما، وفي أمور دنياهم، أن يحققوا أي سلام دون الوصول إلى تفاهم مقبول بينهما حول هذه البنود الرئيسة؛ وما كانت للمفاوضات أيَّة فرصة للنجاح في غياب الحوافز والعقوبات التي لم تملكها نيجيريا للتلويح بها والتهديد باستخدامها، حتى تمضي المحادثات خطوات إلى الأمام.  لذلك لا غرابة، إذن، في أن يجيء بيان الوسيط النيجيري محدِّداً نقاط الخلاف على النحو الآتي:

(1)    علاقة الدين بالدولة.

(2)    تعريف الجنوب.

(3)    الإجراءات الأمنيَّة في الجنوب أثناء الفترة الانتقاليَّة.

(4)    تشكيل لجنة وقف إطلاق النار.

(5)    تحديد عضويَّة لجنة توزيع الدخل.

(6)    وضع القضاء.

(7)    توزيع الصلاحيات بين الحكومة الاتحاديَّة والولايات.

(8)    مصادر التشريع في السلطة الفيديراليَّة.

(9)    تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة.

(10)   الاستفتاء على وضع الجنوب.

(11)   طول الفترة الانتقاليَّة.

(12)   مصادر التَّشريع في (دستور) السُّلطة الفيديراليَّة.

مهما يكن من الأمر، فقد علَّق السُّودانيون ومهتمو شؤون السُّودان آمالاً عريضة عما سيسفر عنه محادثات أبوجا الأولى، غير أنَّ طبيعة المشكل السُّوداني كانت تشير بأنَّه من الصعب جداً التكهن بما تحمله هذه المحادثات من خفايا واخفاقات.  وقد تعثرت مفاوضات أبوجا الأولى في يومها الثاني بسبب خلاف على وضع الوسيط النيجيري في المحادثات.  إذ فضَّلت الحكومة السُّودانيَّة مشاركة النيجيريين كمراقبين، فيما رأى جناحا الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان أنَّ  يرأس الوسيط النيجيري الجلسات.  ثمَّ كانت الخسارة التي مُنيت بها الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان (جناح توريت) هي انشقاق رئيس الوفد وليم نون باني وانضمامه إلى الحركة الشَّعبيَّة المتحدة ومعه مقاتلو قبيله – أي "النوير".  فبرغم من كل هذا الضجيج الإعلامي، لم يتمكن اجتماع أبوجا الأولى من معالجة القضايا الجوهريَّة في الصراع السُّوداني مثل فصل الدين عن الدَّولة، وإقامة دولة علمانيَّة ديمقراطيَّة متعددة الأحزاب في السُّودان، أو مناقشة قضية تقرير المصير لشعب جنوب السُّودان ومناطق أبيي وجبال النُّوبة والأنقسنا.  وقد أعلنت الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان - جناح توريت، أي الفصيل الرئيس - أنَّه في حال رفض الحكومة السُّودانيَّة فكرة الدَّولة العلمانيَّة الموحَّدة لا يعود لهم مكان في داخل البلاد، ولهذا طرحت الحركة خيارها الثاني الذي أُجيز في مؤتمر توريت العام 1991م ويدعو إلى قيام دولتين: أحدهما تضم جنوب السُّودان والمناطق المهمَّشة الأخرى، والثانية تتكون من شمال السُّودان.  ففي نهاية الأمر نرى أنَّ كل اللقاءات التي تمت بين الحكومة السُّودانيَّة من ناحية، والحركة الشَّعبيَّة من ناحية أخرى في أبوجا الأولى والثانية تمخَّضت عنها نتيجتان اثنتان هما: التأكيد علي مواصلة الحوار بغية الوصول إلى حل سلمي شامل، والسماح لمنظمات الإغاثة لتقديم المساعدات الإنسانيَّة للمتضرِّرين من الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان.  إذ ظلَّ هذا الحوار، الذي بات يحكمه وقف إطلاق النار، متقطعاً، وذلك لعدم استمراريَّة وقف إطلاق النار ذاته، فضلاً عن امتناع الحكومة إقرار وقف إطلاق النار في جبال النُّوبة.  وكذلك أمسى توزيع الإغاثة في الجنوب محكوماً بقرارات وقف إطلاق النار، فضلاً عن رفض الحكومة السماح لإيصال الإغاثة إلى النُّوبة في جنوب كردفان.  وفي الجملة نستطع أن نقول كانت محادثات أبوجا للسَّلام بين الأطراف المتناحرة في أول الأمر (أبوجا الأولى) وبين الطرفين المتناحرين في نهاية الأمر (أبوجا الثانية) فرصة ذهبيَّة للوصول إلى سلام دائم وشامل في السُّودان، إلا أنَّ تعنت النظام "الإنقاذي" في الخرطوم، وتمسكه بالشريعة الإسلاميَّة دستوراً وقانوناً، ورفض تقاسم السلطة، وبسط الديمقراطيَّة وزمام الحكم الرشيد، والإصرار على عدم احترام حقوق الإنسان، والغرور ببعض الانتصارات العسكريَّة في مسارح العمليات الحربيَّة في الجنوب، وذلك بعد انهيار نظام العقيد الإثيوبي منغيستو هايلي ماريام، والانشقاقات التي أصابت الحربة الشعبيَّة؛ كل هذه العوامل قد جعلت النظام يظن أنَّه على وشك انتصار عسكري شامل في الجنوب، وإنَّ الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان لعلى شفا الهزيمة النهائيَّة.  لذلك طغى النظام وتجبَّر واختار خيار الحرب بديلاً للسَّلام.

ومن بعد، ظهر الدور النيجيري مرة أخرى في المبادرة، التي تزعمها بونا ملوال، وزير الإعلام الأسبق في حكومة جعفر محمد نميري، وتقتضي هذه المبادرة عقد لقاء جنوبي-جنوبي يضم الناشطين من أبناء الإقليم الجنوبي في الداخل والخارج، وذلك لتوحيد رؤيتهم فيما يتعلَّق بجهود السَّلام.  وقد ظلَّت الفكرة عالقة قرابة العامين دون أن تجد من يتبناها حتى عبَّرت نيجيريا عن رغبتها لتبنيها إثر اتصالات قام بها بعض القيادات الجنوبيَّة في الخارج.  وقد اعترضت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان على هذا اللقاء الجنوبي-الجنوبي لأنَّها حركة قوميَّة ولا تقاتل من أجل الجنوب فحسب، بل السُّودان كله.  على أيَّة حال، فقد تطوَّرت الفكرة لتشمل كافة الأطراف السُّودانيَّة (شماليَّة وجنوبيَّة)، وحدَّدت الحكومة النيجيريَّة يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001م موعداً لبداية المؤتمر، والذي تزامن مع تحركات المبعوث الأمريكي الخاص – السيناتور جون دانفورث – في المنطقة للبحث عن حل نهائي شامل لمشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان.(163)  وفي نهاية الأمر لم يُكتب لهذا اللقاء النجاح المأمول.