(11 من 15)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الضغوط الدوليَّة.. الأمريكان وسياسة العصا والجزرة

 

ليس من ثمة شك في أنَّ الضغوط الدوليَّة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيَّة على النظام "الإنقاذي" في الخرطوم قد تأثَّرت بعدة عوامل.  ففي المبتدأ لعبت الطريقة التي بها وصل الإسلاميُّون إلى السلطة دوراً إيجابيَّاً لصالح النظام في أول الأمر.  وما انخداع مصر بهُويَّة الانقلابيين الذين أخفوا لونهم السياسي - بحيث حثَّت الدول الأجنبيَّة، وبخاصة العربيَّة على الاعتراف بالنظام الجديد في السُّودان - إلا واحداً من ثمار هذه اللعبة الجبهويَّة الماكرة.  وكغيره من الأنظمة السابقة التي حكمت السُّودان وجد القادة الجدد دعماً عربيَّاً وإسلاميَّاً من الدول العربيَّة والإسلاميَّة بزعم أنَّهم عرب مسلمون يحمون تغور العروبة والإسلام ضد أفارقة مسيحيين "مدعومين بواسطة دول الشر والاستكبار والنصارى والصهاينة".  ومع ذلك، فإنَّ الدول العربيَّة لم تفعل شيئاً في اتجاه السلام، والإغاثة، وحقوق الإنسان طيلة سنوات الحرب الأهليَّة، كما أنَّ المساعدات الإنسانيَّة من مواد إغاثة ودواء وكساء، والتي قدَّمها العالم جاءت من الدول الغربيَّة ذاتها التي قالوا فيها ما لم يقله مالك في الخمر.  وكل الضغوط التي مُورِست على النظام "الخرطومي" لتحسين سجلها في ممارسات حقوق الإنسان، والسماح للإغاثة للوصول إلى المحتاجين، والسعي الجاد للوصول إلى حل سلمي لمشكل الحرب الأهليَّة، قد أصرَّت عليها الدول الغربيَّة، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكيَّة.  هذا، فقد ظهرت هذه الضغوط الأمريكيَّة على عدة مستويات.  فهناك المستوى الرسمي المتمثل في السلطة التنفيذيَّة (البيت الأبيض) والتشريعيَّة (الكونغرس الأمريكي)، وهناك الدور الأكاديميَّة التي كانت تعد البحوث والدراسات والتوصيات وتقدِّمها إلى الجهات التنفيذيَّة واالتشريعيَّة لممارسة المزيد من الضغوط السياسيَّة والديبلوماسيَّة ضد الحكومة "الإنقاذيَّة" في الخرطوم، ثم هناك المنظمات الإنسانيَّة والدينيَّة التي تعني دوماً بحقوق الإنسان وتناصر أخوة لهم تعرَّضوا لانتهاك حقوقهم الدينيَّة لأنَّهم يدينون بدين غير دين أهل السلطان.

ففي الفترة بين 28 تشرين الثاني (نوفمبر) – 5 كانون الأول (ديسمبر) 1989م جرت محادثات بين وفد الحكومة السُّودانيَّة برئاسة العقيد محمد الأمين خليفة من جهة، ووفد الحركة الشعبيَّة برئاسة الدكتور لام أكول أجاوين من جهة أخرى في نيروبي، وتمَّت هذه المحادثات تحت رعاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.  وفي هذه الجولة طرحت حكومة "الإنقاذ" بضاعتها للحركة الشعبيَّة، إذ ردَّت الحركة بأنَّ مقررات "مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السَّلام" يمكن أن تكون برنامج الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في المؤتمر الدستوري القومي، لأنَّها لم تنفذ إلى المسائل الجوهريَّة التي يمكن مناقشتها هنا من ناحية، ولأنَّها تمثل رؤية حزب سياسي بعينه ولئن ادَّعى حزب الجبهة غير ذلك من ناحية أخرى.  ومن بعد تبعت مجهودات جيمي كارتر مبادرة أمريكيَّة لفك النزاع سلميَّاً بين الطرفين.

فلنقفز إلى هذه المبادرة الأمريكيَّة لنرى ماذا جاءت به.  لقد جاءت المبادرة الأمريكيَّة العام 1990م باسم "الاتفاق على إطار الحل السلمي للنِّزاع الداخلي في السُّودان"، حيث تسلَّمت الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان نسخة منها في أديس أبابا في آذار (مارس) 1990م من جاك ديفيدسون ممثل الخارجيَّة الأمريكيَّة.  وكان الهدف من الوثيقة، التي جاءت في ست صفحات، أن تذيعها في الناس كل من الحركة الشعبيَّة وحكومة السُّودان كبيان مشترك.  واحتوت الورقة على ثلاثة عناوين فرعيَّة: المبادئ الأساسيَّة للحل، عمليَّة الحل في ثلاث مراحل، وجداول فك الاشتباك بين القوات المتنازعة في السُّودان.  وقد ظهر العنوان الأخير كملحق؛ وكما هو واضح من العنوان فإنَّه اقتصر على الجانب العسكري للنِّزاع.  إنَّ المشروع الأمريكي – في جانبه السياسي – وجد قبولاً من قبل الحركة الشعبيَّة.  أما الجانب العسكري منه فكان خارج الإطار الذي تبنَّته الحركة الشعبيَّة، لذلك احتاج إلى وقفة ومراجعة.  وبما أنَّ هذا الجزء كان يتحدَّث عن مبدأ "فصل القوات"، إلا أنَّ السؤال الذي كان يطرح نفسه هو أين يتم رسم خط فصل هذه القوات؟  فقد اقترح الأمريكان أن يمثِّل بحر الغزال، بحر العرب، ونهر السوباط خطاً فاصلاً بين القوتين المتصارعتين، مما أوجد شعوراً لدي قيادة الحركة الشعبيَّة أنَّ الوثيقة من صنع الخرطوم أو صُنٍع بالتشاور معها.  بيد أنَّ هذا الخط كان جدليَّاً لعدم وجود مبرِّر سياسي أو تأريخي له.  وفي إطار النقاش الداخلي استقر رأي الحركة الشعبيَّة على خط العرض 13 درجة شمالاً، وانسحاب القوات الحكوميَّة من مدن جوبا وملكال وواو، بحيث تكون هناك منطقة منزوعة السِّلاح وقطرها 10 كيلومترات حول كل هذه المدن، وخارج هذه الدائرة – وبالطبع – تتواجد قوات الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.  كذلك أكَّدت الحركة الشعبيَّة أهميَّة وجود مراقبين أفارقة، وتعيين حكام ولايات مدنيين للجنوب، بحيث ترشِّحهم الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان من سودانيين أكفاء الذين قد يكونوا – أو لا يكونوا – أعضاءاً في الحركة الشعبيَّة.  ولتبديد مخاوف الذين قد يظنون أنَّ الحركة الشعبيَّة تسعى لفصل جنوب السُّودان، اقترح الدكتور جون قرنق أن يكون أمن العاصمة القوميَّة مسؤوليَّة الجيشين – أي القوات الحكوميَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان.  ومن هنا جاءت فكرة القوات المشتركة كما سوف تظهر لاحقاً في اتفاقيَّة السَّلام الشامل العام 2005م.  وقد سلَّمت الحركة الشعبيَّة رؤيتها حول المبادرة الأمريكيَّة لسفارة واشنطن في أديس أبابا، ولم تسمع عنها شيئاً بعدئذٍ.  لقد جاء هذا الاقتراح الأمريكي من هيرمان كوهين، مساعد وزير الخارجيَّة الأمريكي للشؤون الإفريقيَّة، الذي حدَّد مدينة جوبا أن تكون منطقة آمنة تخلو من الجيوش وتكون مركزاً للمساعدات الغذائيَّة والإنسانيَّة الموجهة إلى مئات الآلاف السُّودانيين، كما طالب كوهين حينها بتوسيع ممرات السَّلام والسماح بتواجد قوات دوليَّة.  وقد أيَّدت الحركة الشعبيَّة هذه الاقتراحات التي أثارها كوهين في الكونغرس الأمريكي.  غير أنَّ السلطات السُّودانيَّة وقفت ضدها، برغم من أنَّ الموضوع كان لا يزال قيد الدَّرس في واشنطن.(146)  وكانت حجتها أنَّها لن توافق عليها لمساسها بسيادة الدولة.  هذا، فقد فشل الرئيس النيجيري أولوسيغون أوباسانغو والدكتور فرانسيس دينج في إقناع الحكومة السُّودانيَّة في آذار (مارس) 1990م على قبول الطرح الأمريكي، والذي يمكن تلخيصه في أن يظل السُّودان قطراً موحداً، وأن يكون هناك نظام فيديرالي، وأن يكون النظام السياسي ديمقراطيَّاً، وأن يتم فصل القوات، وتقديم المساعدات للنازحين من أجل العودة الطوعيَّة، وتفعيل الأسبقيَّة لنقل الإغاثة.

وفي العام 1993م تقدَّم النائب سمن بمشروع قرار، بالاشتراك مع النائب كاسيباوم وزميله فينقولو، إلى لجنة الشؤون الخارجيَّة في الكونغرس الأمريكي فيه يعدِّد المظالم والانتهاكات التي يمارسها النظام "الإنقاذي" في السُّودان ضد مواطنيه، ثم خلص إلى مناشدة إدارة الرئيس بيل كلينتون لعمل ما يلي:(147)

(1)    أن يسارع لتلافي هذه الكارثة الإنسانيَّة التي لم يسبق لها مثيل، وذلك بتكثيف عمليات الإغاثة بواسطة النقل الجوي والإسقاط الجوي وغيرها من وسائل إيصال الإغاثة.

(2)    استعجال الدعم المالي للمنظَّمات غير الحكوميَّة لتوفير الإغاثة العاجلة للسُّودان.

(3)    حث الأمم المتحدة للتعامل بنشاط وحماس مع القضايا المتعلِّقة بالسُّودان، وذلك بتشجيع الأمم المتحدة لإصدار قرار من مجلس الأمن، وتعيين ممثل للأمم المتحدة في السُّودان، وخلق ممرات آمنة عبر الحدود السُّودانيَّة-الأوغنديَّة لإيصال الإغاثة، مع خلق مناطق آمنة لتحركات المدنيين إلى السُّودان وفي السُّودان، بما في ذلك البحث عن إمكانيَّة خلق منطقة منزوعة السِّلاح بواسطة قوات دوليَّة.

(4)    وضع مراقبين لحقوق الإنسان تحت إشراف الأمم المتحدة في المناطق المتضرِّرة وتعيين مفاوض خاص من الولايات المتحدة يعمل مع الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقيَّة وحكومة السُّودان وفصائل الحركة الشعبيَّة المختلفة، وحكومات دول المنطقة.

(5)    اتخاذ خطوة فوريَّة من الأسرة الدوليَّة بهدف الضغط على أي طرف في السُّودان يعوق وصول الإغاثة، بما في ذلك فرض العقوبات على أي طرف يقوم بهذا العمل أو القيام بأيَّة خطوة يراها الرئيس مناسبة.

ولا ريب في أنَّ حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة قد تعمَّدت سحق المواطنين بالجوع؛ فماذا يعني زعمها أنَّ الزراعة العام 1993م حقَّقت نتائج عالية، ولكنها عجزت عن ترحيل الغذاء إلى أماكن يموت فيها الناس جوعاً.  إذ كان ينبغي عليها أن تستنهض همم المجتمع الدولي، وتطلب منه العون الإنساني لترحيل الغذاء.  وفيما زعمت الحكومة أنَّها عجزت عن إيصال المواد الغذائيَّة إلى مناطق الكوارث، نجدها قد أفلحت في إيصال الجنود والميليشيات إلى أماكن العمليات العسكريَّة لتدمير القرى وقتل المواطنين الأبرياء، بما فيها النساء والأطفال والعجزة.  هذا السلوك المنافي للإنسانيَّة قد دفع المجتمع الدولي إلى إصدار قرار من الجمعيَّة العامة للأمم المتحدة في نيويورك في كانون الأول (ديسمبر) 1992م، والذي صوتت إلى جانبه 104 دولة مدينة انتهاكات الحكومة السُّودانيَّة لحقوق الإنسان، إضافة إلى موقف الكونغرس الأمريكي، والبرلمان الأوربي، ومجلس اللوردات البريطاني.

ومع اشتداد نيران الحرب الأهليَّة وتعاظم إفرازاتها، اهتمَّت المنظمات الإنسانيَّة بتكثيف الضغوط على حكوماتها في سبيل عمل شيء سياسي وديبلوماسي يمكن أن يخفِّف من المغارم الواقعة على ضحايا الحرب الأهليَّة في السُّودان.  وبالتالي، كتبوا إلى الحكومات والبرلمانات والجهات الحقوقيَّة، واستعانوا بالأكاديميين، ودعموا استرحامهم بالإحصاءات والصور وأقوال الضحايا أنفسهم؛ ثمّ لتجدنَّ هذه المنظمات قد حاولت جمع أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي للتحاور والتشاور فيما بينها.  ففي الأسبوع الثالث من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1993م عُقِد في واشنطن مؤتمر "السُّودان: المأساة المنسيَّة" تحت رعاية مشتركة من اللجنة الفرعيَّة الخاصة بإفريقيا في مجلس النواب الأمريكي ومعهد الولايات المتحدة للسَّلام.  وقد شارك في هذا المؤتمر أغلب القوى السياسيَّة السُّودانيَّة من الشمال والجنوب وبعض الباحثين والمهتمين بالشأن السُّوداني في فروع الإدارة الأمريكيَّة وفي الدوائر المختصة بالبحث والمهتمة بإفريقيا على وجه العموم والسُّودان على وجه الخصوص.  وتغيَّب الممثل الرسمي للحكومة السُّودانيَّة – الدكتور علي الحاج محمد – واكتفت حكومة "الإنقاذ" بحضور ومشاركة الدكتور كمال عثمان من معهد الدراسات الإستراتيجيَّة – أحد كوادر الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في الإطار الأكاديمي.  وقد انبثق من المؤتمر (إعلان واشنطن) الذي فيه تمَّ التوفيق بين الدكتور قرنق والدكتور مشار بمبادرة من هاري جونستون – رئيس اللجنة الفرعيَّة لإفريقيا في الكونغرس الأمريكي.  وقد جاءت بنود الاتفاق على النحو التالي:

(1)    اتفاق مبدئي على مفهوم شامل لحق تقرير المصير، بحيث يشمل المناطق المهمَّشة الأخرى مثل جبال النُّوبة والأنقسنا.

(2)    إنهاء القتال بين الفصيلين فوراً وبمراقبة دوليَّة.

(3)    الاتفاق على تحديد جدول أعمال للمصالحة، وتحقيق الديمقراطيَّة في الحركة، وحل الخلافات بين الطرفين بالطرق السلميَّة وبوسائل ديمقراطيَّة.

(4)    حث الدول الإفريقيَّة على إنجاح هذه المساعي، وحث المجتمع الدولي على المساعدة وتقديم العون الإغاثي ومساندة هذا الاتفاق.

(5)    الاتفاق على التعاون وتسهيل مهام منظمات الإغاثة.

(6)    الاستمرار في معارضة سياسة حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في الخرطوم؛ أو بالصيغة الأولى التي جاءت: وجوب معارضة هذه الحكومة وأيَّة حكومة لاحقة تتولَّى السلطة في الخرطوم وترفض منح الجنوب حق تقرير المصير.

ومن المرجح أن تكون أسباب الحرب التي أدَّت إلى موت الآلاف من أهل جنوب السُّودان قد تراوحت بين السياسة والفلسفيَّة والعرقيَّة (القبليَّة)؛ وإنَّ صراع الفصائل داخل الحركة الشعبيَّة ليعتبر واحداً من عدة صراعات ثانويَّة أدَّت إلى إطالة أمد الحرب الأساسيَّة بين الشمال والجنوب لتصبح أطول حروب القارة الإفريقيَّة.  هذا، فقد انتظرت المصالحة بين طرفي الحركة الشعبيَّة ردحاً من الزمان، وظلت المجموعات القبليَّة في حال احتراب دائم ضد بعضها بعضاً.  إلا أنَّ اتفاقيَّة "وانليت" قد بعثت روح السلام في هذه المجتمعات القبليَّة من جديد.  إذ تمَّ اللقاء بين ممثلي "الدينكا" و"النوير" في "وانليت" في بحر الغزال في الفترة من 27 شباط (فبراير) إلى 7 آذار (مارس) 1999م بعد خطوات تمهيديَّة دقيقة، وقد كان اللقاء تحت رعاية مجلس كنائس السُّودان الجديد وهو الذراع الدينيَّة للحركة الشعبيَّة.  وقد كان اللقاء جامعاً بين قبيل "الدينكا" و"النوير"، حيث حضره رجال الدين المسيحي والزعماء وقادة المجتمع المدني والكبار والصغار والنساء بهدف التسوية الشاملة وإعلان نهاية سبع سنوات ونصف سنة من الصراع المرير.  وقد أعلن المشاركون في هذا المؤتمر عن تبنيهم هذا الاتفاق – كما سنبين بعض بنودها بعد حين – وإلزامهم أنفسهم تنفيذه ومراقبته بيقظة وحذر.  ولقد بدأت مراسم الاحتفال بانعقاد المؤتمر بذبح الثور الأبيض (مابيورتون-أبرور) حسب التقاليد القبليَّة الموروثة، واختتم المؤتمر بالصلاة والطقوس التقليديَّة.  وأبرز ما جاء في الاتفاق ما يلي:(148)

(1)    إيقاف كافة أشكال العنف بين "الدينكا" و"النوير" سواء بين قواتهم العسكريَّة وهي الجيش الشعبي لتحرير السُّودان أساساً وقوة دفاع جنوب السُّودان، أو المدنيين المسلحين من القبيلين.

(2)    الوقف الدائم والتام لإطلاق النار بين "الدينكا" و"النوير" يسري مفعوله فوراً ومنذ الآن.

(3)    إعلان العفو التام المتبادل عن كل الجرائم والخسائر في الأرواح والممتلكات التي ارتكبت قبل 1/1/1999م، ويشمل هذا "الدينكا" و"النوير" في الضفة الغربيَّة.

(4)    تشجيع التبادل التجاري والتنمية والخدمات، والتأكيد على حرية التنقل.

(5)    احترام اتفاقيات الحدود المحليَّة المشتركة بين القبيلين.

(6)    إعلان المناطق الرعويَّة ومناطق صيد الأسماك مصادر مشتركة.

(7)    تشجيع النازحين على العودة إلى مناطقهم للمساهمة في إعادة بناء العلاقات مع جيرانهم.

(8)    يجب نقل روح السلام لكافة قبائل جنوب السُّودان.

ومن جانبها قامت الحكومة السُّودانيَّة بعدة مؤتمرات للتعايش السلمي بين قبائل أعالي النيل.  إذ عُقِدت ثلاثة مؤتمرات قاعديَّة على النحو التالي:

(1)    مؤتمر أكوبو، الذي انعقد في أويل في الفترة ما بين 30 تشرين الأول (أكتوبر) – 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000م.

(2)    مؤتمر فنجاك، الذي انعقد في الفترة ما بين 4-7 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000م.

(3)    مؤتمر نهر السوباط، الذي انعقد بمدينة الناصر في الفترة ما بين 13-15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000م.

وكما هي الحال في تجمعات الحكومة السياسيَّة، حشد النظام "الإنقاذي" في هذه المؤتمرات أشخاص تنفيذيَّة والسلاطين والأعيان والمواطنين.  وفي نهاية الأمر، خرج المؤتمرون بتوصيات منها تمسك المواطنين بالسَّلام والاستقرار والتنمية، وعودة هيبة الإدارة الأهليَّة.  بيد أنَّه لم يكن هناك سلام ولا استقرار ولا تنمية حتى يتمسَّك بها هؤلاء المواطنون الذين تقوَّلت عليهم السلطات الحكوميَّة بهذه القرارات الجوفاء.  ومع ذلك، انعقد المؤتمر العام للتعايش السلمي بمدينة ملكال في الفترة ما بين 25-26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2000م بحضور الأستاذ علي عثمان محمد طه – النائب الأول لرئيس الجمهوريَّة – وأكثر من 15 وزير اتحادي وتنسيقي وأعضاء حكومة ولاية أعالي النيل والوزراء والمحافظين، وما يسمى ب"قوات السَّلام" والسلاطين والمثقفين من المناطق الثلاث ومنطقة ملكال، والقوات المسلحة والأجهزة الأمنيَّة الأخرى، ووكيل رث قبيل "الشلك"، ولجان المؤتمرات القاعديَّة، التي سبق ذكرها، واتحادات المرأة والشباب والشرطة الشعبيَّة والدفاع الشعبي.  فلا شك في أنَّ هذا المؤتمر هو امتداد للمؤتمرات الحكوميَّة العديدة التي أمست السلطات تعقدها دون تحقيق نتائج ملموسة في أرض الواقع، وإنَّها لعبارة عن كرنفالات حكوميَّة للبذخ والترف وتبديد المال العام والإسهاب في الخطب السياسيَّة والبلاغيَّة الكبيرة وسط جمهور مبهور لا حول ولا قوة لهم في أمر هذا الهيط والميط.  ولئن كانت لهذه المؤتمرات من فائدة عمليَّة لاستطاعت أن تستأصل داء الاقتتال القبلي في دارفور (العرب والزرقة، العرب والعرب، أو الزرقة والزرقة) وجنوب كردفان (الدينكا والمسيريَّة، أو العرب والنُّوبة) وغيرهما من أقاليم السودان المختلفة التي تنتشر فيها مثل هذه الظواهر القبليَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة.

ومع جسامة أهوال الحرب وبشاعة الأحوال الإنسانيَّة، لم يكتف المسؤولون الأجانب بالأخبار المتناقلة إليهم من مناطق الاقتتال بواسطة أجهزة الإعلام فحسب؛ ولم يبنوا ضغوطهم على حكومة الخرطوم على تقارير المنظمات غير الحكوميَّة وجماعات حقوق الإنسان فحسب؛ ولم يأخذوا بحملات أبناء المناطق المتأثرة بالحرب في الخارج – والتي كانت بلا شك عبارة عن مرآة صادقة لما يحدث لذويهم في السُّودان – فحسب؛ بل سافر بعض رجال ونساء البرلمانات الغربيَّة والكونغرس الأمريكي إلى جنوب السُّودان ليشاهدوا بأنفسهم ما يجري على أرض الواقع.  فليس من رأى كمن سمع، حيث تحدَّثوا مع قيادات الحركة الشعبيَّة، وقابلوا ضحايا الحرب واستمعوا إليهم.  ففي يوم 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994م كتب عضو الكونغرس الأمريكي – السيناتور فرانك وولف (جمهوري) – إلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون معبِّراً عن همومه تجاه الأحوال الإنسانيَّة السيئة في السُّودان، وبخاصة بعد انهيار محادثات "الإيقاد" نتيجة لرفض حكومة السُّودان التفاوض حول موضوعي "حق تقرير المصير" و"فصل الدين عن الدولة".  وقد ذكر السيناتور وولف في خطابه المشار إليه إلى الرئيس كلينتون – فيما ذكر – أنَّه زار السُّودان ثلاث مرات في خلال خمس سنوات، وشاهد الظروف القاسية هناك، والعنف المقزز، وتجاوزات لحقوق الإنسان في غاية القساوة، حيث تمارسها حكومة السُّودان، وبدأت تظهر نتائجها المؤلمة على المسلمين والمسيحيين على السواء.  ومضى وولف في خطابه إياه يقول: "إنَّ حكومة السُّودان لفي حرب مع شعبها وإنَّ الاقتصاد السُّوداني لمنهار، وإنَّ حياة المواطن العادي في الخرطوم لتعيسة، وما تزال منظمة العفو الدوليَّة تصدر تقاريرها عن الاعتقالات الاعتسافيَّة وأحوال المعتقلات في جميع أرجاء البلاد."  وأشار خطاب وولف – فيما أشار – إلى تهديم ما بات يسمى ب"السكن العشوائي" في الخرطوم وترحيل ساكنيها عنوة إلى مناطق صحراويَّة جرداء خارج العاصمة، وفي الخيام باتوا يسكنون، ومن عدم الخدمات أمسوا يشكون.  وفوق ذلك كله، نجد أنَّ الحرب يتَّمت وأضرَّت بحياة جيل كامل من أبناء الجنوب؛ وهناك حالات استرقاق للنساء والأطفال، وإنَّ قائمة التجاوزات لطويلة، وينبغي على العنف أن ينتهي.  هذا، فقد قابل السيناتور وولف قادة طرفي النزاع، وحثَّ الإدارة الأمريكيَّة على تعيين مبعوث خاص للسُّودان، حيث تُوِّجت مساعيه بتعيين ميليسا ويلس لملء هذا المنصب.  معبراً عن استيائه لموقف حكومة الخرطوم المتعنِّت في مفاوضات السَّلام، اقترح السيناتور وولف فرض إجراءات عقابيَّة ضد حكومة السُّودان وإعادة تعريف سياسة الولايات المتحدة الأمريكيَّة نحوها.  إذ اقترح أن تقوم الولايات المتحدة بوضع مسودة لقرار مجلس الأمن فيه يوافق الأخير على فرض حظر دولي على السُّودان أولاً؛ ووقف إعادة قبول عضويَّة السُّودان في صندوق النقد الدولي ثانياً؛ ثم على المبعوث الأمريكي الخاص ميليسا ويلس أن ترفض الحديث المباشر مع الحكومة السُّودانيَّة إلا بعد أن تظهر الأخيرة رغبتها في احترام حقوق الإنسان، والانصياع لقوانين الحرب كما نصَّت عليها المواثيق والأعراف الدوليَّة ثالثاً.  وفي نافلة الرسالة كتب السيناتور قائلاً: "إنَّ السُّودان لا يعتبر قطراً إستراتيجيَّاً بالنسبة للولايات المتحدة؛ ولا يحتمل أن يكون شريكاً تجاريَّاً رئيساً أبداً؛ ولم يكن في يوم ما موطناً لأجيال سابقة للأمريكان المهاجرين، والذين بات أبناؤهم وأحفادهم يمثلون صوتاً سياسيَّاً هاماً في أمريكا."  فليس في السُّودان واحداً من السمات التي دوماً تسترعي انتباه سياسة الولايات المتحدة الأمريكيَّة، لكنه منطقة معاناة فادحة، بحيث أضحت الروح تبكي.  وذكر السيناتور وولف أنَّه في زيارته الأخيرة إلى جنوب السُّودان سأله بعض القرويين: "تقوم الولايات المتحدة بإنقاذ حياة الحيتان والحيوانات المتوحشة.  فلِمَ لم تقم بذلك تجاهنا؟  إذا لم تساعدوننا، فمن ذا الذي يقدِّم لنا المساعدة المرجوة؟"  هذا هو السؤال الذي لا أستطيع أن أقاومه – سيدي الرئيس – فلقد حان الأوان لعمل شيء ما.

وكذلك، بعد زيارة قام بها إلى جنوب السُّودان ثلاثة من أعضاء الكونغرس الأمريكي هم: السيناتور الجمهوري سام براونباك والنائب الديمقراطي دونالد باين والنائب الجمهوري توم تانكريدو، قدم الثلاثة مشروع قرار في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين.  وتبنى 47 نائباً في المجلسين مشروع القرار، وتمكن الموقعون على مشروع القرار – وعلى رأسهم النائب الجمهوري فرانك وولف، المعروف باهتماماته بالشأن السُّوداني، كما أبنا آنفاً – من تمرير المشروع في اللجنة الفرعيَّة الخاصة بإفريقيا التابعة للجنة العلاقات الخارجيَّة في مجلس النواب الأمريكي في يوم 10 حزيران (يونيو) 1999م.  ثم تقدَّم السيناتور الجمهوري براونباك بالمشروع ذاته إلى لجنة فرعيَّة معنيَّة بإفريقيا في مجلس الشيوخ.  ويقضي مشروع القرار بأنَّ الكونغرس:(149)

(1)    يدين حرب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة للإبادة في جنوب السُّودان، ودعمها الإرهاب، واستمرارها في انتهاك حقوق الإنسان.

(2)    يستنكر بشدة تجارة الرقيق التي تموِّلها الحكومة، وسماح الخرطوم بالغارات من أجل الاسترقاق في جنوب السُّودان، ويطالبها بإنهاء فوري لممارساتها في مجال الرِّق.

(3)    يدعو مجلس الأمن إلى إدانة الغارات، وتحقيق العدل إزاء المسؤولين عن هذه الجرائم.

(4)    يطالب المجلس الرئيس ب:

أولاً: زيادة الدعم للمنظمات الإنسانيَّة التي تعمل خارج عمليَّة (شريان الحياة)، التي تتولى التنسيق فيها الأمم المتحدة في مناطق المعارضة (السُّودانيَّة).

ثانياً: توجيه مدير وكالة التنمية الدوليَّة الأمريكيَّة ورؤساء الوكالات المعنية للقيام بمزيد من التنسيق مع المنظمات (الإنسانيَّة) غير الحكوميَّة خارج عمليَّة شريان الحياة التابعة للأمم المتحدة، والعمل على زيادة استقلال هذه العمليَّة عن النظام في الخرطوم.

ثالثاً: زيادة أموال مساعدات التنمية لتشمل قضايا الدعوة إلى الديمقراطيَّة، وبناء الإدارات المحليَّة والهيئات القضائيَّة، ودعم البنية التحتيَّة لمناطق المعارضة.

رابعاً: توجيه مدير وكالة التنمية الدوليَّة الأمريكيَّة بتقديم مساعدات مباشرة إلى "رابطة الإغاثة وإعادة التوطين السُّودانيَّة" (التابعة للجيش الشعبي لتحرير السُّودان)، والجماعات المحليَّة الأخرى في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة.  وتشمل هذه المساعدات الغذاء.

خامساً: تكثيف الضغوط الديبلوماسيَّة والاقتصاديَّة على حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وتوسيع نطاق هذه الضغوط.

سادساً: إمداد الجيش الشعبي لتحرير السُّودان بالأسلحة المضادة للطائرات، لوقف الغارات الجويَّة التي تنفِّذها قوات الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة ضد المدنيين.

سابعاً: أخذ زمام المبادرة في تقوية ودعم الهيئة الحكوميَّة للتنمية ومكافحة الجفاف (إيقاد).

ثامناً: إبلاغ الكونغرس بجهود الإدارة، أو خططها لإنهاء الرق في السُّودان خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من إقرار هذا القرار في الكونغرس.

(5)    يطالب الكونغرس (الرئيس) بدعوة مجلس الأمن إلى:

أولاً: فرض حظر على بيع الأسلحة لحكومة السُّودان.

ثانياً: إدانة أعمال استرقاق المدنيين الأبرياء، واتخاذ الخطوات اللازمة ضد منفذي هذه الجرائم.

ثالثاً: تطبيق إصلاحات عاجلة في عمليَّة "شريان الحياة"، لتعزيز استقلالها عن الخرطوم.

رابعاً: تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1070 المتعلق بفرض الحظر الجوي على السُّودان.

خامساً: اتخاذ قرار في شأن الحرب التي تخوضها الحكومة في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة في الغرب (مناطق الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان) باعتبارها حرب إبادة.

سادساً: إقامة مناطق محظورة على الطيران (الحكومي) في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة والأنقسنا، بهدف حماية المدنيين من الغارات الجويَّة.

هكذا عمدت وعملت الإدارة الأمريكيَّة على عزل الحكومة السُّودانيَّة ديبلوماسيَّاً ودوليَّاً، وبخاصة أنَّ دولاً عدة كانت تنظر إليها باعتبارها "دولة منبوذة" (Pariah state).  وكان لدي واشنطن أربعة محاور رئيسة يتوقف عليها تحسن علاقاتها مع نظام الخرطوم، وهي:(150)

(1)    ضرورة تخلي الخرطوم عن دعم الإرهاب.

(2)    تحسين أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.

(3)    وقف الحرب الأهليَّة، والكف عن اضطهاد المواطنين والامتناع عن ممارسة الرق وسياسة التجويع.

(4)    الكف عن تهديد حكومات البلدان المجاورة.(151)

استجابة لضغوط منظمات المجتمع المدني وجهود الكنائس والزنوج الأمريكيين وتلاميذ المدارس في الولايات المتحدة، وذلك استنكارا لما كان متفشِّياً في تلك الحقبة السوداء من انتهاكات لحقوق الإنسان في السُّودان، واسترقاق أبناء ونساء أهل الجنوب، وتزايد المحتاجين للإغاثة العاجلة، استجابة لكل هذه الضغوط على الحكومة الأمريكيَّة، تم تعيين مبعوث أمريكي خاص للسُّودان في يوم 27 آب (أغسطس) 1999م هو هاري جونستون.  إذ تلخَّصت مهامه في ثلاث نقاط رئيسة هي:

(1)    تسليط الضغط الدولي في سبيل تحسين أوضاع حقوق الإنسان في السُّودان.

(2)    تسليط الضوء على المسائل الإنسانيَّة، ودعم جهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانيَّة في السُّودان توم فرانسلين لتوصيل الإغاثة للنازحين، وحث المانحين على زيادة المساعدات.

(3)    المبعوث الخاص حلقة وصل بين الإدارة الأمريكيَّة ومنظمة "الإيقاد" الإفريقيَّة.

وبعد زيارته إلى عدد من الدول الإفريقيَّة – منها مصر ودول الجوار الإفريقي – والتقائه بقادة التجمع الوطني الديمقراطي، والمعارضة الجنوبيَّة، تركَّزت مهمة المبعوث الأمريكي الخاص في ثلاث قضايا هي:

(1)    قضيَّة تحقيق السَّلام في السُّودان.

(2)    قضيَّة المساعدات الإنسانيَّة، وسبل توصيلها إلى النازحين.

(3)    قضيَّة حقوق الإنسان بالسُّودان.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1999م سعت الولايات المتحدة الأمريكيَّة لدمج المبادرة الليبيَّة-المصريَّة المشتركة مع مبادرة "الإيقاد"، وذلك عبر إشراك الأحزاب الشماليَّة المعارضة في التجمع الوطني الديمقراطي تحت قيادة الحركة الشعبيَّة.  وفي هذه الأثناء حدَّدت الوثيقة المقترحة لذلك الغرض ثلاثة أشراط لقبول عضويَّة مصر في "الإيقاد" وهي:

(1)    الاعتراف بالمبادئ التي تضمَّنتها "الإيقاد".

(2)    حق الجنوبيين في تقرير المصير.

(3)    عزل ليبيا من جهود الوفاق والسَّلام في السُّودان.

إذ استنكر هاري جونستون – في زيارته الثانية إلى السُّودان في الفترة ما بين 11-14 حزيران (يونيو) 2000م – بطء سير عمليَّة السَّلام تحت رعاية منظمة "الإيقاد"، والربط بين مبادرة "الإيقاد" والمبادرة الليبيَّة-المصريَّة المشتركة.  ومن ثمَّ اقترح جونستون إلغاء المبادرة المشتركة وتضمين بنودها في مبادرة "الإيقاد"، والتي أمست تنال تأييد الدول الإقليميَّة والمجتمع الدولي.  وفي أيلول (سبتمبر) 2000م أعلنت وسائل الإعلام عن آليَّة جديدة لحل سياسي للأزمة السُّودانيَّة تتجاوز مبادرتي "الإيقاد" والليبيَّة-المصريَّة المشتركة بعد أن فشلت المقترحات الأمريكيَّة السابقة لدمج المبادرتين.  وبما أنَّ هذه المقترحات الأخيرة لم تعلن جهة من الإدارة الأمريكيَّة عن مسؤوليتها ولم تُقدَّم بصورة رسميَّة إلى طرفي النزاع، إلا أنَّها شملت النقاط التالية:

(1)    فصل الدين عن الدولة، وإقامة دستور قومي.

(2)    إعطاء الجنوب حكماً ذاتيَّاً.

(3)    القسمة العادلة لموارد البلاد، وإعادة تأهيل مناطق المتضرِّرين بالحرب.

(4)    دعم مالي من المؤسسات الماليَّة والدول المانحة.

(5)    تشكيل حكومة قوميَّة من مجلس خماسي.

وفي تلك الآونة دعت الحكومة الأمريكيَّة زعماء المعارضة السُّودانيَّة لزيارة واشنطن في سبيل إجراء مباحثات مع المسؤولين الأمريكيين، إلا أنَّ الإدارة الأمريكيَّة قد أعلنت أنَّه لا تُوجد مبادرة، ولكن فقط أفكار طرحها المبعوث الخاص جونستون.  وبرغم من ذلك اعترضت الحكومة السُّودانيَّة على هذه المقترحات.

والجدير بالذكر أنَّ من المنظَّمات الإنسانيَّة التي عملت في جنوب السُّودان دون موافقة الحكومة المركزيَّة بالخرطوم – ولكن تحت حماية الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان – هي: منظمة "محفظة السامري" (Samaritan Purse)، ومنظمة "أطباء بلا حدود" (Médicins san Frontiéres)، ومنظمة "الشعب النرويجي للإغاثة" (Norwegian People’s Aid)، ومنظمة "المرفأ الآمن للإغاثة العالميَّة" (Safe Harbour International Relief).  وكانت منظمة "سمريتان بيرس" تدير مستشفى بالقرب من مدينة جوبا، وذلك في الأراضي التي تقع تحت إدارة الحركة الشعبيَّة، كما عملت منظَّمة "أطباء بلا حدود" كذلك خارج مظلة "عمليَّة شريان الحياة" (Operation Lifeline Sudan).  وفي خلال أربعة أعوام، قامت منظَّمة "المرفأ الآمن للإغاثة العالميَّة" بحوالي 50 رحلة إلى جنوب السُّودان، وباتت تدير مركزاً علاجيَّاً شمال يوغندا بالقرب من الحدود السُّودانيَّة، وذلك لعلاج اللاجئين السُّودانيين في يوغندا.  إذ أنفقت هذه المنظمة حوالي 4 مليون دولار على مشاريع الإغاثة في جنوب السُّودان، حيث جاءت المساهمة الكبرى من مؤسسة دائرة الخياطة (Sewing Circle Foundation).  وقد تبنى القس قاري كوسونوكي – رئيس المنظَّمة – شخصيَّاً طفلتين من اليتامى في منطقة "مريال باي"، وهي المنظَّمة التي دمَّرتها إغارات العرب والميليشيات الحكوميَّة، حيث ينهبون الماشية كانوا ثم يختطفون الأطفال ويقتلون العجزة.  وفي العام 2000م تبرَّعت الوكالة الأمريكيَّة للتنمية الدوليَّة بمبلغ 17 مليون دولار لمنظمات الإغاثة العاملة في جنوب السُّودان دون موافقة حكومة الخرطوم.(152)  وكانت الحكومة السُّودانيَّة تصر على الإشراف على مواد الإغاثة، وأن تُرسل هذه المواد إلى المناطق الخاضعة لها في الجنوب.  فمنذ مطلع العام 1992م تم نقل 8 آلاف طن من المساعدات الإنسانيَّة و120 طناً من المواد المختلفة إلى جوبا عن طريق الجو انطلاقاً من عنتيبي – يوغندا – أو من الخرطوم.  وكانت مدينة جوبا تحت إشراف الجيش الحكومي، ولكنها كانت تتعرَّض باستمرار لهجمات المتمرِّدين.  وفي يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) 1992م أعلن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في نيروبي استئناف تسيير رحلاته الإنسانيَّة إلى جوبا، حيث كان الجوع يهدِّد 400 ألف شخص.  وقد أفرغت طائرة تابعة للبرنامج 80 طناً من القمح، بعد أن توقَّفت هذه الرحلات الإنسانيَّة في 3 تشرين الأول (أكتوبر) 1992م بسبب النقص في التمويل الذي كان مقرراً لهذا العمل، وكذلك بسبب مقتل ثلاثة موظفين تابعين لمنظمات إنسانيَّة وصحافي نرويجي في جنوب السُّودان.(153)  وبعد فرض عقوبات على النظام في الخرطوم بواسطة الأمم المتحدة، قامت الولايات المتحدة بدور كبير في إقرارها.  ولكيما تبدو الحكومة السُّودانيَّة أنَّها ساعية لغسل يدها من أفعال الشر وقَّع النظام على معاهدة منع انتشار الأسلحة الكيميائيَّة في نهاية أيار (مايو) 1999م، وأعلن النظام موافقته على توقيع الاتفاقيَّة العربيَّة لمكافحة الإرهاب، وكذلك سمحت السلطات السُّودانيَّة للمرة الأولى لفريق تابع للأمم المتحدة بزيارة منطقة جبال النُّوبة.  غير أنَّ العبرة في الأفعال وليست في الأقوال.  فالتوقيع على الاتفاقات، وإعلان الموافقة عليها، وإطلاق التصريحات الصحافيَّة، والسماح لفريق الأمم المتحدة لزيارة منطقة حرب حتى تحت وابل نيران الحكومة، لم يغيِّر كل هذا من الأمر شيئاً.

على أي، فقد جاءت في التقارير الصحافيَّة أنَّ الحكومة السُّودانيَّة قد استخدمت الأسلحة الكيميائيَّة في حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السُّودان في منطقة "نمولي" العام 1995م وفي "كايا" في جنوب السُّودان.  وقد أخطأت الطائرات القاذفة لهذه الغازات أهدافها لضعف التنسيق بين القوات الجويَّة والبريَّة.  وفي أيلول (سبتمبر) 1995م أفاد مصدر بالتجمع الوطني الديمقراطي أنَّ الجيش الحكومي قد استخدم الأسلحة الكيميائيَّة حول منطقة كادقلي وفي جبال النيمانج بجبال النُّوبة (جنوب كردفان).  إذ أشارت تقارير الجيش الشعبي لتحرير السُّودان أنَّ أكثر من عشرين من جنوده، وبعض المدنيين، قد لقوا حتفهم في غرب الاستوائيَّة بجنوب السُّودان جراء قذف مواقعهم بطائرات النظام بقنابل حاملة لمواد سامة، كما لقي عدد غير محدود من الجنود والمدنيين في منطقة تُلُشي بجبال النُّوبة حتفهم لنفس السبب.  ودلَّت أعراض الوفاة عن احتمالات وفاتهم نتيجة لاستخدام غاز الخردل، وهو أحد أنواع الغازات السامة المستخدمة في الحرب الكيميائيَّة.  كما أشارت التقارير إلى إصابة بعض من جنود حكومة السُّودان بنفس الأعراض، مما أدى إلى نقلهم إلى المستشفى العسكري بأم درمان.  ودلَّت تحريات التجمع الوطني الديمقراطي أنَّ هؤلاء الجنود كانوا يعملون في مناطق العمليات ذاتها التي أصيب فيها جنود الجيش الشعبي والمواطنون المدنيُّون.  وعقب غارات قامت بها الطائرات الحربيَّة لنظام الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وأسقطت فيها عدداً من القنابل الحاملة لمواد سامة تمَّ فحص عينات من هذه القنابل التي لم تتفجَّر بمنطقة شُقدوم بشرق الاستوائيَّة العام 1996م وثبت احتواؤها على غازات سامة.  وكذلك استولت قوة من الجيش الشعبي لتحرير السُّودان على كمامات واقية من الغازات السامة عقب استيلائه على منطقة رمبيك في أيار (مايو) 1997م، والتي كانت تحتلها قوات الحكومة السُّودانيَّة، مما يشير إلى الاحتياطات التي أخذتها الحكومة لوقاية قواتها من آثار هذه الغازات السامة.  وفي يوم الجمعة 23 تموز (يوليو) 1999م شكت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان أنَّ الحكومة السُّودانيَّة قد استخدمت الأسلحة الكيميائيَّة والبيولوجيَّة ضد قواتها في مدينتي "لانيا" و"كايا" بشرق الاستوائيَّة في جنوب السُّودان، وقد دعم هذا الاتهام موظفو الإغاثة العاملون في برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.  وكان ثلاثة من موظفي الأمم المتحدة (بريطاني ويوغندي وحارس سوداني)، الذين توقفوا في "لانيا" في يوم الأحد 27 تموز (يوليو) 1999م قادمين من بحر الغزال – أي بعد أربعة أيام من الهجوم على المنطقة بواسطة الطائرات التي ألقت بقذائف على ارتفاع عالٍ – قد تعرَّضوا لاهتياج حارق على أجسادهم، ومع ذلك كانوا يعطسون بشدة أيضاً.  وتمَّ نقلهم خارج المنطقة للعلاج، حيث تدهورت أحوالهم الصحيَّة بالقيء الحاد.  وبعد يوم واحد من القذف بدأ الناس يتقيأون دماً، وأخذت النساء الحوامل يجهضن، أو يمرضن، بينما بات الماعز والضأن والقطط والكلاب والطيور يموتون.  والجدير بالذكر أنَّ الأسلحة الكيميائيَّة تعرض حياة المواطنين المدنيين للخطر في مناطق الحرب، كما تدمِّر الكائنات الحية الأخرى والبيئة بالمنطقة التي تتعرَّض للهجوم بهذه الأسلحة.  وإنَّها لجريمة في نظر القانون الدولي، واستخدامها يعد خرقاً لبروتوكول جنيف العام 1925م، والذي يحظر استخدام الغازات الخانقة، السامة أو أيَّة غازات أخرى، والأسلحة البكتيريَّة في الحرب، والتي تمَّ التوقيع عليه في جنيف في يوم 17 حزيران (يونيو) 1925م.  وكذلك يعد استخدام هذه الأسلحة المشار إليها آنفاً خرقاً لمعاهدة حظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتيريَّة (البيولوجيَّة) والأسلحة السامة وخرقاً لمعاهدة تدميرها، والتي تمَّ التوقيع عليها في لندن وموسكو وواشنطن في يوم 10 نيسان (أبريل) 1972م.  ثمَّ إنَّ استخدام الأسلحة إياها ليعتبر خرقاً لمعاهدة حظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائيَّة وخرقاً لمعاهدة تدميرها العام 1994م، والتي وقع عليها السُّودان في نيسان (أبريل) 1999م.  لذلك كان ينبغي على الدول الموقعة على هذه المعاهدة – بما فيها السُّودان - الالتزام باحترام بروتوكول جنيف للعام 1925م ومعاهدتي العام 1972م و1994م.(154)  وفي الحق، فإنَّ أيَّة حكومة تُقدِم على استخدام مثل هذه الأسلحة الفتاكة البشعة ضد سكانها لهي عديمة الشجاعة الأخلاقيَّة (Devoid of moral fortitude).

ففي أيار (مايو) 2001م تقدَّم إليوت إبرامز – رئيس اللجنة الأمريكيَّة للحريَّة الدينيَّة الدوليَّة – بتقرير حول الأوضاع في السُّودان إلى لجنة حقوق الإنسان بالكونغرس الأمريكي.  وذكر التقرير – فيما ذكر - أنَّ انتهاكات حقوق الإنسان والحريات الدينيَّة في السُّودان التي تقترفها الحكومة السُّودانيَّة تشمل قصف مدنيين وأهدافاً ومنظمات إنسانيَّة بالقنابل على نطاق واسع، وخطفاً واستعباد الأهالي من جانب الميليشيات التي ترعاها الحكومة، واحتجاز المعونات الغذائيَّة لإحداث مجاعة كسلاح من أسلحة الحرب، وفرض قيود قاسية على الحريَّة الدينيَّة تجاه المواطنين في الجنوب.  وفي ضوء تلك الأوضاع، تقدَّمت اللجنة بتوصية إلى حكومة كلينتون بأن تنفذ برنامجاً شاملاً يتضمن ضغطاً ديبلوماسيَّاً واقتصاديَّاً لكي تتخذ الحكومة السُّودانيَّة موقفاً مضاداً للانتهاكات التي ترتكب في السُّودان ضد الحريَّة الدينيَّة وحقوق الإنسان، واستناداً إلى الصلة بين تنمية حقول النفط ومواصلة الحكومة السُّودانيَّة للحرب، أوصت اللجنة بمنع الشركات الأجنبيَّة المشتركة في تنمية حقول النفط والغاز في السُّودان من جمع الأموال في أسواق رأس المال الأمريكيَّة.  وقد جاءت التوصيات على النحو التالي:(155)

أولاً: يجب على حكومة الولايات المتحدة أن تعيِّن شخصيَّة قوميَّة بارزة تكون مهمتها الوحيدة أن تعمل من أجل التوصل إلى تسوية سلميَّة عادلة للحرب، وأن تضع حداً لانتهاكات الحكومة السُّودانيَّة للحريَّة الدينيَّة وحقوق الإنسان (أعلن الرئيس جورج دبليو بوش اسمه لاحقاً)، ولكن يجب ألا تعيِّن الحكومة الأمريكيَّة سفيراً لها لدي السُّودان في الخرطوم في الوقت الحالي.

ثانياً: يجب أن تواصل الحكومة الأمريكيَّة زيادة كميَّة المساعدات الإنسانيَّة للشعب السُّوداني خارج عمليَّة شريان الحياة للسُّودان، ويجب أن تحث القائمين على عمليَّة شريان الحياة بأن يسلِّموا المعونة كلما دعت إليها الحاجة، وبصفة خاصة لسكان جبال النُّوبة، سواء بموافقة الحكومة السُّودانيَّة أو من دون موافقتها.

ثالثاً: يجب أن تزيد الحكومة الأمريكيَّة من مساعدتها لجنوب السُّودان بمقتضى برنامج المساعدة المؤقت لتأهيل السُّودان.  كذلك يجب أن تقدم المعونة إلى التجمع الوطني الديمقراطي التي من شأنها أن تعزز قدرته على المشاركة في عمليَّة السَّلام.

رابعاً: يجب أن تقوم الحكومة الأمريكيَّة بمبادرة ديبلوماسيَّة كبرى لوقف ضرب الحكومة السُّودانيَّة للأهداف المدنيَّة والإنسانيَّة بالقنابل؛ ووقف الهجمات البريَّة على القرى المدنيَّة، ومراكز تقديم الطعام والمستشفيات؛ وغارات جلب الرقيق، والتحريض على إشعال نيران الحرب بين القبائل.

خامساً: يجب أن تشدِّد الحكومة الأمريكيَّة العقوبات الاقتصاديَّة ضد السُّودان، ويجب أن تحث دولاً أخرى على أن تفعل ذلك أيضاً.  ويجب أن تمنع أيَّة شركة أجنبيَّة من جمع رأس مال أو إدراج أوراقها الماليَّة في أسواق الولايات المتحدة ما دامت تشترك في تنمية حقول النفط والغاز في السُّودان.  ويجب ألا تسمح الحكومة الأمريكيَّة باستيراد الصمغ العربي من السُّودان إلى الولايات المتحدة.

سادساً: يجب أن يُطلب من الشركات التي تقوم بأعمال في السُّودان أن تكشف عن طبيعة أعمالها ومداها فيما يتصل بتعاملها مع أسواق رأس المال الأمريكيَّة.

سابعاً: يجب أن تكثِّف الحكومة الأمريكيَّة من تأييدها للتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية سلميَّة، وإعلان للمبادئ، وأن تولي عمليَّة التوصل إلى سلام عادل ودائم أولويَّة عليا على جدول الأعمال لهذه الحكومة.

وأخيراً: يجب أن تعمل الحكومة الأمريكيَّة لكي تزيد وسائل الإعلام من نشر انتهاكات حقوق الإنسان في السُّودان، ويشمل ذلك وضع أشخاص لرصد ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان في جنوب السُّودان وبين اللاجئين في الدول المجاورة.

حين جاء السيناتور الجمهوري السَّابق جون دانفورث (ولاية ميسوري) – المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش للسَّلام في السُّودان – إلى الخرطوم أخبر الرئيس السُّوداني عمر البشير أن لنظامكم سجلاً سيئاً في نقض العهود والمواثيق، وإنَّكم لا ترضون عن الحرب بديلاً.  وكان السيناتور حاسماً وحازماً في إبلاغ الرسالة الأمريكيَّة لنظام "الإنقاذ".  هذا، فقد جاءت هذه الرسالة عقب أحداث تفجير برجي التجارة العالميَّة في نيويورك في 11 أيلول (سبتمبر) 2001م، وإعلان الإدارة الأمريكيَّة الحرب على الإرهاب، حيث قامت الإدارة بالهجوم على نظام طالبان وإسقاطه في أفغانستان، والإجهاز على نظام الرئيس العراقي صدام حسين في بغداد.  أيَّاً كان من الأمر، فقد تقدَّم المبعوث الأمريكي الخاص – السيناتور جون دانفورث – بأربعة أشراط لبدء عمليَّة السَّلام في السُّودان، وهي:

(1)    التأكد من إيصال الإغاثة عبر خلق ممرات آمنة.

(2)    إعلان الهدنة بين الحكومة السُّودانيَّة من طرف، والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان من طرف آخر، وذلك تمهيداً لإعلان وقف إطلاق النار.

(3)    إغاثة منطقة جبال النُّوبة.

(4)    بحث الاسترقاق والعبوديَّة، واحترام حقوق الإنسان.

ولدي زيارته إلى الخرطوم في الفترة ما بين 12-16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001م طرح المبعوث الأمريكي الجديد للسَّلام في السُّودان أربعة مقترحات خلال مباحثاته مع المسؤولين السُّودانيين، وهي:

(1)    ضرورة إيصال المساعدات إلى منطقة جبال النُّوبة، وأهميَّة فرض هدنة لمدة أربعة أسابيع قابلة للتمديد لتمكين منظمات الإغاثة من توصيل الإمدادات الغذائيَّة.

(2)    خلق مناطق آمنة في جنوب السُّودان لإيصال المساعدات الإنسانيَّة للمتضرِّرين في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبيَّة أو الحكومة السُّودانيَّة.

(3)    إيقاف القصف والهجوم على المدنيين والمناطق المدنيَّة.

(4)    إيقاف عمليَّة اختطاف الأطفال والنساء من مناطق التماس الحدوديَّة مع الجنوب. 

وفي هذا الإطار شدَّد المبعوث الأمريكي الخاص على أنَّ العلاقات الأمريكيَّة-السُّودانيَّة لا يمكن أن تشهد أي تحسن إلا بحل قضيَّة الحرب والسَّلام في السُّودان.  وفي لغة واضحة لا لبس فيها أنذر المبعوث الأمريكي الحكومة السُّودانيَّة أنَّ الولايات المتحدة الأمريكيَّة سوف لن تنتظر سنوات في سبيل تحفيز الأطراف المتنازعة نحو السَّلام.  إذ قدَّم الرئيس السُّوداني عمر البشير تحفظات الحكومة السُّودانيَّة تجاه الوقف الجزئي لإطلاق النار بجبال النُّوبة، ورأت الحكومة السُّودانيَّة أنَّه ينبغي أن يشمل وقف إطلاق النار مناطق استخراج النفط بولاية الوحدة.  أما بخصوص القصف الجوي، فقال الرئيس البشير: "إنَّ عمليات القصف لن تتوقف، لأنَّ الجيش يقوم بها في مناطق العمليات العسكريَّة، ولا تستهدف المدنيين."  وطالب البشير كذلك بوقف إطلاق النار بالمناطق التي يمر بها خط النفط، وألا تدخل الإغاثة إلى جبال النُّوبة دون تفتيش الحكومة لها، وأن تبقى قوات الجيش الشعبي لتحرير السُّودان داخل معسكراتها، وأن تؤول الإدارة المدنيَّة لحكومة جنوب كردفان.  وبهذه المعاذير أرادت الحكومة أن تستسلم الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان في جبال النُّوبة دون التوصل إلى أي اتفاق سياسي حول القضايا المركزيَّة التي حارب النُّوبة في سبيل تحقيقها طيلة هذه السنوات؛ وبهذه الأشراط أرادت الحكومة أن تكون مسؤولة عن الإغاثة المرسلة إلى جبال النُّوبة حتى تستطيع أن تتحكَّم فيها، وإمكانيَّة وقفها متى ما رغبت وتحت أي ادعاء؛ وقد هدفت الحكومة وراء هذه الأشراط أن تفصل قضيَّة جبال النُّوبة عن المشكل السُّوداني، وتقلِّص المسألة كلها إلى صراع شمالي-جنوبي فحسب؛ وإنَّ الحكومة قد ارتأت أن تبقى قوات الحركة الشعبيَّة في معسكراتها، بينما تتحرك قواتها هي من مكان لآخر بغرض تعزيزها وإمدادها وتسليحها؛ ثمَّ إنَّ الإصرار الحكومي على وقف إطلاق النار في مناطق استخراج النفط كان الغرض منه استمرار تدفق النفط لتعزيز القوة الاقتصاديَّة والعسكريَّة للنظام ريثما ينهار وقف إطلاق النار ويستأنف الطرفان العدائيَّات مرة أخرى.  أما قصف طائرات الحكومة للأهداف المدنيَّة فلم يكن افتراءاً، ولا مماراة بالباطل، ولكنه حقيقة ثابتة شهد عليها المواطنون في المناطق التي تأثَّرت بالحرب، وأكَّدتها تقارير منظمات حقوق الإنسان المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة.  وقد أسهبنا في مواقع مختلفة من هذا البحث في الحديث عن قضيَّة حقوق الإنسان في السُّودان من جراء الحرب، ودور الحكومة فيها.  وفي نهاية الأمر أُرسِلت لجنة تضم شخصيات بارزة لعدد من الدول للتحقيق في قضيَّة الاسترقاق والاختطاف.  إذ وافقت حكومة السُّودان على المقترحات الأمريكيَّة وفق أربعة أشراط هي:

(1)    أن يتم الإشراف على جبال النُّوبة من قبل الحكومة.

(2)    بقاء قوات الجيش الشعبي لتحرير السُّودان بمعسكراتها.

(3)    تعامل الإدارة الأمريكيَّة بحياد تجاه المسألة السُّودانيَّة.

(4)    شمول وقف إطلاق النار جميع مناطق استخراج وخطوط النفط.

وفي يوم 5 كانون الأول (ديسمبر) 2001م وصل وفد أمريكي برئاسة جيفري ميلنغتون – منسق شؤون السُّودان بوزارة الخارجيَّة الأمريكيَّة والمدير السابق لإدارة شرق إفريقيا بالخارجيَّة – وأجرى مباحثات مع الحكومة السُّودانيَّة، وزار مناطق الحركة الشعبيَّة، وأصدر بياناً ختاميَّاً تضمَّن اتفاق الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة (قطاع جبال النُّوبة) في يوم الجمعة 19 كانون الثاني (يناير) 2002م بسويسرا على وقف إطلاق النار بموافقة دوليَّة، حيث شمل الاتفاق كافة مناطق جبال النُّوبة، وعلى طرفي النزاع الدخول في مفاوضات مباشرة بمشاركة طرف ثالث لبحث تفاصيل وقف إطلاق النار، وإغاثة منطقة جبال النُّوبة، ووقف قصف المدنيين، وبحث وسائل منع العبوديَّة والاختطاف والاستعباد القسري.  وفي يوم 12 كانون الثاني (يناير) 2002م زار دانفورث السُّودان للمرة الثانية وأكَّد أنَّ الولايات المتحدة الأمريكيَّة ساعية لاتخاذ إجراءات كفيلة لتوفير المناخ الملائم للسَّلام، وإقامة المناطق الآمنة لتحصين الأطفال ضد دودة الفرنديد، وتطعيم الماشية ضد الطاعون البقري.  وفي هذه الفترة زار دانفورث منطقة جبال النُّوبة، والتقى بعدد من منظمات الأمم المتحدة العاملة بالسُّودان، ومنظمات العون الإنساني، وقادة العمل الكنسي بالسُّودان.

وفي آذار (مارس) 2001م أعدَّ مركز الدراسات الإستراتيجيَّة بواشنطن مشروعاً للسَّلام في السُّودان تحت عنوان "الورقة الأمريكيَّة لتحقيق الحل السياسي الشامل بالسُّودان".  وقد صاغ هذا التقرير كل من الدكتور فرانسيس دينج والدكتور ستيفين موريسون – المتخصص في الشؤون الإفريقيَّة ورئيس لجنة العمل بمركز الدراسات الدوليَّة، حيث طلبت الإدارة الأمريكيَّة من المركز مقترحات حول كيفيَّة التعامل مع الشأن السُّوداني.  وأوصى التقرير بالأتي:

(1)    تكوين تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكيَّة وبريطانيا والنرويج من شأنه توفير فرص أفضل لإنزال ضغوط شديدة على حكومة الخرطوم من ناحية، والحركة الشعبيَّة من ناحية أخرى من أجل العودة إلى مائدة المفاوضات.

(2)    أن تكون هذه الإستراتيجيَّة منضبطة ونشطة ومتعدِّدة المسارات ليس للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش سوى الضغط على مستوى عال بالتنسيق مع الشريكين الرئيسين للتوصل إلى تسوية عادلة لإنهاء الحرب بالسُّودان.

(3)    اعتماد التحالف على مبادئ "الإيقاد" الستة الأساسيَّة للمفاوضات، ثم الترتيبات الانتقاليَّة، حيث تحافظ على سودان بنظامين للشمال والجنوب – أي نظامين سياسيين خلال المرحلة الانتقاليَّة لمنح فرصة التقويم والخيار الرشيد قبل الاستفتاء على حق تقرير المصير، والذي تضمن في إعلان المبادئ، ووافقت عليه كافة الأطراف السُّودانيَّة.

(4)    توسيع المفاوضات وممارسة العصا والجزرة مع الحكومة والحركة لحملهما على التفاوض على أن تسبقها خطوات بناء الثقة بين الطرفين من خلال الآتي:

1)     وقف إطلاق النار، سحب القوات وتغيير حركة الميليشيات، إعلان مبادئ الحكم القائم على التنوع الثقافي والعرقي، إقرار السَّلام واحترام حقوق الإنسان، والالتزام بالديمقراطيَّة.

2)     ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، كيفيَّة توزيع الثروة والسلطة، وبخاصة البترول والمعادن والمياه، وتحديد السلطات للحكم في الشمال والجنوب.

(5)    خطة تمويليَّة دوليَّة لتنمية الجنوب ليكون قادراً على الحكم، تحديد مشروعات النفط السُّوداني لإشراكها بالتحالف الدولي الضاغط على الحكومة، والمشاورات مع المنظمات الطوعيَّة داخل السُّودان.

(6)    تتخذ الإدارة الأمريكيَّة الإجراءات الثنائيَّة في السنة الأولى هي إعادة التمثيل الديبلوماسي وفتح السفارات، تعيين مبعوث خاص للسُّودان، تعيين شخصيَّة على مستوى عال تكون حلقة وصل بين الحكومة الأمريكيَّة وحركة التمرُّد والفصائل الجنوبيَّة؛ وهذه الحزم الإجرائيَّة تهدف لحث الحكومة لإغلاق صلتها بالإرهاب.

(7)    انتقد التقرير سياسة إدارة كلينتون في إحكام العزل على الحكومة، وإنَّها لم تحقق شيئاً تجاه قضيَّة حرب الجنوب أو تخفيف المعاناة هناك.

(8)    حثت الجماعات الدينيَّة الأمريكيَّة الرئيس بوش لإيلاء اهتمام بالمنكوبين في الجنوب وسرعة التدخل لوقف الحرب، وطالب السيناتور سام براونباك وزير الخارجيَّة الأمريكي كولن باول بزيارة الجنوب للوقوف على الفظائع والمعاناة هناك بنفسه.

(9)    حذَّر التقرير بزيادة الوضع سوءاً إذا لم تتدخَّل الإدارة الأمريكيَّة، وذلك لإعطاء النفط ميزة نسبيَّة للحكومة في التسلح مقابل الحركة؛ وبنى المركز توصياته للتدخل الأمريكي بالسُّودان على الحيثيات الآتية:

1)     فشل سياسات الإدارة السابقة على عزل واحتواء السُّودان وحرمانها من المنابر الدوليَّة رغم أنَّه بات درساً قويَّاً لحكومة السُّودان لسلوكها مع المجتمع الدولي.

2)     عجز مبادرة "الإيقاد" بقيادة دانيال أراب موي لحل قضيَّة الجنوب العام 1994م، والمبادرة (الليبيَّة-المصريَّة) المشتركة لتحقيق المصالحة مع الأحزاب الشماليَّة العام 1999م.

3)     انقلاب كافة الموازين العسكريَّة والسياسيَّة لصالح الحكومة وليس لصالح الحركة الشعبيَّة وباقي المعارضة الشماليَّة باستخدام ميزة الاقتصاد النفطي.

4)     محاولة تغيير معادلة التوازن العسكري لصالح الحركة يتطلَّب ضخ موارد عسكريَّة وماديَّة من أمريكا وهو غير مقبول للإدارة الأمريكيَّة لسياسة عدم التدخل المباشر في الحرب.

5)     مصلحة أمريكا في توقف أطول حروب القارة من أجل حقوق الإنسان لضمان نجاح حربها ضد الإرهاب.

وكما أسلفنا قولاً، فإنَّ المبعوث الأمريكي الخاص استطاع أن يوصِّل الرسالة الأمريكيَّة إلى النظام "الإنقاذي"، حيث بدا النظام في الخرطوم ترتعد فرائصه، وبدأ التعاون الكامل مع الإدارة الأمريكيَّة في تسليم معلومات استخباراتية عن أفراد الحركة الإسلاميَّة، الذين كانوا يجولون ويصولون في السُّودان، كما قامت إدارة بوش بإصدار قانون سلام السُّودان في 21 تشرين الأول (أكتوبر) 2002م، وتجديد العمل بالعقوبات الاقتصادية - لاحقاً - على النظام "الخرطومي".  لذلك لا يستطيع أن يماري أحد في حقيقة أنَّ ضغوط الإدارة الأمريكيَّة هي التي أجبرت حكومة السُّودان على التفاوض بجديَّة لإنهاء الحرب الأهليَّة في السُّودان العام 2005م، لذلك بدأ الرئيس الأمريكي السابق – جورج دبليو بوش – يتراءى عند أهل الجنوب بأنَّه مهندس السَّلام في السُّودان.  فلا غرابة، إذن، أن يكون جورج بوش محبوباً في جنوب السُّودان أكثر من أي مكان على الأرض؛ وقد دعا له ثوبون – أحد أبناء قبيل "الدينكا" في مدينة رمبيك بجنوب السُّودان – أن يمنحه الله زوجات منجبات ذات أجساد متماسكة، وفوزاً في الانتخابات الرئاسيَّة التي جرت دون مشكلات في ولاية فلوريدا، في إشارة لما حدث في هذه الولاية الأمريكيَّة – التي كان يحكمها أخوه جيد بوش – في الانتخابات السابقة التي فاز بها بوش على منافسه – آل قور – بواسطة قرار المحكمة الدستوريَّة العليا.(156)

وفي نهاية الأمر نستطيع أن نقول إنَّ هناك أربعة عوامل لفتت نظر الدول الغربيَّة إلى النظام "الإنقاذي" في السُّودان، وجعلت موقفها منه جزءاً من اهتماماتها الداخليَّة وسياساتها الخارجيَّة. تلك العوامل يمكن تلخيصها في الآتي:

(1)    التعديات على حقوق الإنسان التي تبنَّت إبرازها منظمات حقوق الإنسان الطوعيَّة ولجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان.

(2)    تنظيم الإغاثة الإنسانيَّة، وآليات جمع الأموال وصرفها بصورة ترضي عنها الجهات المانحة.

(3)    اهتمام الكنائس السُّودانيَّة والإفريقيَّة والغربيَّة بقضايا الاضطهاد الديني في السُّودان، وتنظيم أنشطة لحماية المسيحيين ومواجهة سياسات النظام.

(4)    اهتمام الجهات الدوليَّة المعنيَّة بالإرهاب وبالدور السُّوداني، لا سيما وكثير من رموز الإرهاب حصلوا على تسهيلات سودانيَّة من جوازات وإقامات ومعسكرات وغيرها.