عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قال صاحبي: هل تعلم موسيقي إفريقي يمزج الفن بالسياسة، حتى بات مِزاجه زنجبيلاً؟  قلت بعد أن انشرح صدري، وتهيَّأت للحديث لصاحبي السائل، وبعد أن ابتسمت بسمة خفيفة، لكنها عريضة، ليس استخفافاً بالسؤال ولا استهواناً بالسائل، بل إعجاباً بما أود الخوض فيه بلا مواربة.  وفي الحال جال بخاطري، وطرق بالي، اسم الموسيقار النيجيري أولوفيلا أولوفيمي أنيكولابو كوتي، الذائع الصيت باسم الموسيقي فيمي كوتي والبالغ من العمر 47 عاماً العام 2009م، والحائز على جائزة في الفن، وهو ابن العملاق الأسطوري في الغناء النيجيري فيلا كوتي.(1)  وفيمي عبقري زمانه وعملاق عهده.  فحين يُذكر عباقرة نيجيريا في الغناء يكون اسم فيمي في عدادهم، وحين يصير الحديث عن عمالقة الغناء الثوري في ذلك البلد – أو قل في غرب إفريقيا – فلا ريب في أن يأتي اسم فيمي في المقدمة.  والفارق، في الحياة الأدبيَّة، بين العبقري والعملاق، هو بالتحديد الفارق بين الفنان المبدع أو المبتكر الذي يضع شكلاً ومضموناً من ذاته في إبداعه وابتكاره، حيث يأتي بشيء لم يسبقه إليه أحد علواً وتجويداً وابتكاراً، أو انجازاً وعرضاً وبقاءاً.  ذلكم هو الإنسان العبقري الذي غالباً ما يسلي الناس ويحيِّرهم من خلال أعماله الإبداعيَّة، ويركن إلى الخلود من خلال تأسيسه تيارات أدبيَّة ومدارس فنيَّة.  أما العملاق فهو ذلكم الشاطر الذي ينجز عملاً أدبيَّاً أو فنياً رائعاً، بحيث ينال رضا كثر من الجمهور، ويفوز بطمأنينة العامة والخاصة، ويسحر الدهماء، ويخلب عقول العلماء؛ أي – باختصار – هو فريد عصره الذي يحقِّق من الإبداع ما يعجب عادة كل الناس، فيجد في إجماع الناس في أمره راحة، ومن خلال إعجاب كل الناس وكل الأجيال بعمله خلوداً.  والعبقري يشكل بداية فن جديد، فيما يشكل العملاق خلاصة كل الفنون التي سبقته.  ثم هناك كذلك من يصف الأديب أو الشاعر أو الفنان أو السياسي أو البطل بالأسطوري.  فما هو الأسطوري؟  إنَّه لهو ذاك الشخص الذي يقوم بعمل خارق حتى يُخيل إلى من ينظر إليه، أو يسمع عنه، أو يقرأ له، بأنَّه إنسان غير عادي، وهو خليق بأن يُوضع في موضع وسط بين الحقيقة والخيال.  ولما كانت الأمور على هذا النحو، يعتبر فيمي بداية فن جديد، لأنَّه اشتهر بتأليفه الاستثنائي لموسيقى "الأفرو-أمريكيَّة"، وكان كل ما يحيط بحياته الفنية في الحين نفسه يشير إلى أنَّ تطلعاته تتجاوز قضية تأليف لون موسيقي إلى "تثوير الغناء".  وكثيراً ما يتيقَّن المرء أنَّ هناك مواضيع لا يمكن الدنو منها إلا غنائيَّاً، وإنَّها لتصرخ في داخله راغبة في الخروج إلى الناس، وبذلك يستطيع أن يعطي لجماهيره ما يريدون، ويعطي نفسه ما يريد طموحاً واطمئناناً.

قال صاحبي: إنَّ للأسماء دلالات ثقافيَّة واجتماعيَّة فهلا أخبرتنا بماذا يعني اسم "أولوفيمي أنيكولابو" لو كنت تعلم؟  قلت: إذا أخذنا جانباً من الاسم – أي "أولوفيمي" – فهذا يعني "إنَّ الربُّ ليحبُّني" – في لغة قبيل "اليوربا" في نيجيريا، وهو القبيل الذي ينتمي إليه فيمي.  وأقرب اسم له عندنا في السُّودان هو "حبيب الله".  أما اسم "أنيكولابو" فهو مركب من كلمتين هما: "أنيكول" و"أبو"؛ فالأولى تعني "الموت"، أمَّا الثانية فهي تعني "قِراب مصنوع من الجلد".  إذ يعني الاسم حرفيَّاً "إنَّني لأحمل الموت في قِرابي".  وقد تلتمس عند اللحظة الأولى من سماع هذا الاسم التفكه والتندُّر؛ إذ كيف يحمل الإنسان أي إنسان الموت في قِرابه!  ولكن في حقيقة الأمر أنَّ هذا القِراب هو بمثابة الغمد الذي فيه يحفظ الإفريقي خنجره أو سيفه وهما من آلات الحرب والموت، والإشارة هنا إلى هذه الآلات الحربيَّة وذكر الموت دلالة على الفروسيَّة والشجاعة والإقدام عند الأفارقة.  وشأنه شأن الرقيق المحرر في ذلك الرَّدح من الزمان كان كوتي الأب يُسمى "رانسوم" من الكلمة الإنكليزيَّة (Ransom)، أي الفدية، لأنَّه كان من العبيد المحرَّرين، ولكي يقلع ثياب العبوديَّة ويقذف بها بعيداً لجأ إلى أفرقنة اسمه بذاك الذي ذكرناه لك في الأسماء إيَّاها.  وأنت قد تعلم – أو لا تعلم – أنَّ تجار الرقيق، أو مالكيهم، كانوا يطلقون أسماءاً هي في الأساس أوصاف مهينة ومذلة تدل على المرتبة الاجتماعيَّة الوضيعة لهؤلاء الأرقاء، أو قل إنَّ هذه الأسماء لتشي بحال هؤلاء الأرقاء البؤساء، وكيف أساء إليهم بعض الناس والقدر معاً في شيء غير يسير.  وتُعد السلطنة الزرقاء في السُّودان (1504-1821م) مثالاً لذلك؛ إذ اشتهرت الجواري في ذلك العصر بأسماء متعارفة عليها، ودائماً تُسمى الجارية بنعت يُضاف إلى اسم سيدها، أو لتأكيد صفة طيبة فيه، مثل: "عَطَا مِنُّه"، "تَام زينة"، "فَرجُه قريب"، و"بخيتة"، لأنها محظوظة فازت بحظوة الحياة.  ويشير الدكتور منصور خالد – مستعيناً بتأليف الأستاذ جي سبولدنق "عصر البطولة في سنار" - إلى التركيب الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع السناري الذي كان يتكوَّن من النبلاء والطبقة الوسطى والعامة والعبيد.  وهذا هو "شأن كل مجتمعات الاسترقاق، فقد كانت العلاقة بين هذه الطوائف تقوم على التحالف المصلحي والاستغلال الأمثل لمواردهم.  وطغت هذه المصلحة على قيم الإسلام في المساواة إذ أنَّ الاسترقاق كان يقوم على اعتبارات عرقيَّة، حتى وإن دخل هؤلاء المسترقون في رحاب الإسلام؛ ويشير سبولدنق إلى ظاهرة انتقاء الأسماء كمظهر من مظاهر التمييز الطبقي، فالأسماء المتداولة بين النبلاء دوماً هي أسماء مثل: عجيب وعدلان، وعمارة وبادي.  أما الأسماء الشَّائعة بين الطبقة الوسطى (ممن يلقبون بالأرباب) فهي أسماء مثل أبي زيد، علي، عبد الرحمن، وحمد؛ وبين العامة أسماء مثل بله، وبر، وكمير.  أما العبيد فقد كانت أسماؤهم توحي جميعها بأنَّهم فَيْءٌ أفاءه الله على النبلاء كأسماء: الله جابو، فضل المولى، رزق الله، وخدم الله، أو توحي بأنَّهم عطاء مَنَّ به النبلاء على صنائعهم  في الطبقة الوسطى مثل خير السيد، قسم السيد، وعبد السيد.  ولا شك في أنَّ ما يعانيه السُّودان اليوم من تمزُّق هو انعكاس لرواسب مجتمعات الاسترقاق تلك والتي ما زالت تلقي بظلالها الكثيفة على العلاقات الاجتماعيَّة وتمتد، بسبب من هذا، إلى الأوضاع السياسيَّة".(2)

وهذه العادة في أصلها عربيَّة حسبما نعلم، وآية ذلك أنَّ العرب كانت تطلق صفات النقص كأسماء على عبيدهم.  وهل أتاك حديث الأسدي الذي أغار على إبل الشاعر الجاهلي الذائع الصيت زهير بن أبي سُلمي المُزني فاستاقها، وأخذ معها عبداً له يسمى يساراً.  واليسار أو الشمال – عكس اليمين أو الميمنة – هو رمز المشأمة في الثقافة العربيَّة-الإسلاميَّة، "فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم أقرأوا كتابيه" (الحاقة 69/19)، "وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتَ كتابيه" (الحاقة 69/25).  مهما يكن من الأمر، فقد أنشأ زهير كافيته المشهورة التي يقول فيها:

يا حارِ لا أُرْمَيَنْ مِنْكُمْ بِداهِيةٍ                 لَمْ يلْقها سُوقَةٌ قَبْلِي وَلا ملِكُ

فارْددْ يَِساراً وِلا تعْنُفْ علَيهِ وَلا             تَمْعَك بِعِرْضِكَ إنَّ الغادِرَ المَعكُ

فلم يلتفت الأسدي إلى هذه القصيدة، ولم يحفل بما فيها من نذير، بل أمسك يساراً.  فقال زهير أبياتاً أخرى فيها هجاء مقذع، لا سبيل إلى روايته، ولكنه على كل حال يدل على أنَّ زهيراً لم يكن يتجنَّب الإقذاع حين تدعو إليه ضرورة الحياة.  وحسبك أنَّه اتَّهم الأسديين بحب العبد، وأنَّ الأسديين إنَّما يمسكونه عندهم إرضاءاً لنسائهم.  فلما انتهت هذه الأبيات إلى الأسديين طلبوا إلى صاحبهم أن يقتل هذا الغلام، ولكن صاحبهم كان عاقلاً رشيداً كريماً، فكسا الغلام وردَّه إلى مولاه، وانطلق لسان زهير في مدح هذا الأسدي والثناء عليه، وهجاء قومه والإسراف في هجائهم.(3)

وكذلك كانت العرب تدعو عبيدهم بأسماء حيوانات في صيغة التصغير؛ والتصغير هنا كما نعلم للتحقير.  فسمى بشر بن عمرو بن مرثد قينة له "هُريرة" – وهي تصغير هرة (أي قطة) – وكانت تُكنى ب"أم الخُليد"، والخُليد تصغير الخُلد.  وهُريرة هذه هي التي استهلَّ بها الأعشى لاميَّته الشهيرة:(4)

وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَّكْبَ مرْتَحِلُ،              وَهَلْ تُطِيقُ وَداعاً أيّهَا الرّجُلُ؟

وكان دور الموسيقى في الجزيرة العربيَّة حتى بعد ظهور الإسلام محصوراً في نطاقه العربي السلبي القديم، وكانت متروكة "للموالي"!  وكان أول مغني من الموالي نبغ في الإسلام هو "طويس"، وهو تصغير "طاؤوس"، وكان اسمه الكامل هو عبد المنعم عيسى بن عبد الله الذائب (637–710م).  أفلم أقل لكم قبل حين أنَّ العرب كانت تُسمِّي مواليهم وجواريهم بأسماء حيوانات في صيغ تصغير؟  بلى!  على أي، كان "طويس" مولى بني مخزوم في المدينة ونشأ ببيت أروي أم الخليفة عثمان بن عفان، وسحرته وهو صغير الألحان التي كان يغنيها أسرى الفرس الكادحون في المدينة، فقلَّدهم ولم ينبه ذكره إلا في أواخر خلافة عثمان بن عفان (644-646م).  فقد تلهج كتب تأريخ العرب بذكر عبقريَّة "طويس" الغنائيَّة حتى قال عنه تلميذه "ابن سريج" إنَّ "طويساً" لأجمل ولأحذق مغني عصره.  ومع ذلك كان "طويس" مثل أكثر أوائل المغنيين آنذاك من سقط المجتمع ومنبوذيه، لأنَّه كان مخنَّث ولا يتمتَّع بمكانة واحترام من الطبقة العليا!  وإنَّه صار مضرب المثل عند العرب، إذ يقولون: "أشأم من طويس"، لأنَّ "طويساً" نفسه كان قد قال: "وُلدت يوم ليلة قبض النبي صلى الله عليه وسلَّم، وفُطمت ليلة مات أبو بكر (الصديق)، واحتلمت ليلة قتل عمر (بن الخطاب)، وزففت إلى أهلي ليلة قتل عثمان (بن عفان)، ووُلِد لي في اليوم الذي قُتل فيه علي (بن أبي طالب)."  هكذا كان مضرب المثل في الشؤم، الذي يلاحق الموالي باستمرار مع تقلبات الخلافة الأمويَّة والعباسيَّة.  أما "طويس" ذاته فعندما استخلف معاوية الأول (661-680م) صاح مروان بن الحكم بالمخنَّثين، وكان آنذاك عاملاً بالمدينة، فهرب "طويس" إلى "السويداء" على طريق الشام، وفي هذه المدينة بقي الموسيقار الشيخ حتى وافاه الأجل وهو ممتلئ مرارة لأنَّ شهرته في الغناء لم تعصمه من قضاء مروان عاهل المدينة.(5)

وهل أتاك حديث زرياب؟  قال صاحبي: ومن هو زرياب هذا؟!  قلت: إنَّه أبو الحسن علي بن نافع، واشتهر بلقب "زرياب" – وهم اسم "الطير الأسود" ذي الصوت الرخيم – ويقال إنَّه لُقِّب بذلك "من أجل سواد لونه وفصاحة لسانه وحلاوة شمائله".  أما كلمة "زرياب" فهي فارسيَّة الأصل، وتعني "ماء الذهب".  وكان والده من موالي الخليفة العباسي المهدي (785م).  تعلَّم زرياب فن الغناء والموسيقى في بغداد على يد اسحاق الموصلي، والذي كان صاحب مدرسة للغناء والموسيقى في العاصمة العباسيَّة، والموسيقار المفضل لدي الخليفة هارون الرشيد، ولكن زرياب أتقن صناعة الغناء والموسيقى اتقاناً فاق فيه أستاذه.  فلما قدمه اسحاق إلى الخليفة هارون الرشيد برع في العزف والغناء.  وندم اسحاق الموصلي في أشد ما يكون الندم على اصطحاب تلميذه زرياب إلى مجلس الخليفة هارون الرشيد، لأنَّه شاهد بأم عينه مدى إعجابه به، وأدرك أنَّه إذا سطع نجم زرياب فإنَّ ذلك سيكون على حساب منزلته ومستقبله.  ولهذا دبَّ الحسد – الذي هو داء كل العصور – في قلب الأستاذ تجاه تلميذه، فخيره بين الهجرة إلى أرض الله الواسعة أو البقاء وتحمل تبعات هذا الأخير بما فيها الاغتيال.  فاتجه زرياب من العراق إلى المغرب، ونزل – في بادئ الأمر – في مدينة القيروان، عاصمة الأغالبة، حيث غنى لأميرهم ريادة الله الأول (816-837م).  ولكن حدث أن غضب الأمير من زرياب في أعنف ما يكون الغضب بعد أن غنى له شعراً لعنترة بن شدَّاد العبسي اعتبره إهانة له، فأمره بأن يخرج من بلاده.  وبالفعل اتجه زرياب إلى المغرب الأقصى العام 821م بعد أن هُدِّد بالقتل، كما سبق أن غادر بغداد بعد أن هُدِّد بالقتل أيضاً.  ومن المغرب هاجر إلى الأندلس.  وفي بلاد الدولة الأموية في قرطبة بزَّ زرياب من سبقه إلى هذه الديار مثل: علون وزرقون ومنصور، وكانت له الغلبة عليهم وانتزاعه قصب السبق منهم في الغناء والموسيقى؛ كذلك كان زرياب شاعراً موهوباً وعالماً بالنجوم والجغرافيا والأدب والتأريخ والطبيعة.  ومن أعظم مآثر زرياب وابتكاراته أنَّه أسس معهداً في قرطبة العام 825م لتعليم أصول الغناء والموسيقى والعزف وفنون الشعر، ووضع له قواعد القبول ومناهج الدراسة.  وإنَّ معهد زرياب هذا لم يكن حكراً على الطلاب العرب والمسلمين، وإنَّما كان يستقبل طلاباً من دول أوربيَّة عديدة، مثل فرنسا وألمانيا، كانوا قد وفدوا إلى قرطبة للتعلم فيه.  كذلك امتدت ابتكارات زرياب – الذي ولد في بغداد العام 777م ومات في قرطبة العام 852م – في ميدان الحياة الاجتماعيَّة لتشمل عادات وتقاليد وأنماط حياتيَّة جديدة لا عهد لعرب الأندلس بها من قبل، وكان بعضها يتعلَّق بالأناقة الشخصيَّة والنظافة، وبعضها الآخر بالمأكل والمشرب والملبس؛ هذا، بالإضافة إلى ما كان يتعلق منها بآداب المجالسة والمحادثة والآداب السلطانيَّة.(6)

قال صاحبي بعد أن استرق السمع: لقد جادلتنا ما وسعك الجدال في العلاقات الاجتماعيَّة التي أفرزتها وخلفتها مؤسسة الرِّق في السُّودان ومجتمع المدينة في الجزيرة العربيَّة، ورويت لنا عن جهبذ من جهابذة الغناء والموسيقى في بغداد والأندلس والذي كان والده من الموالي، وأبصرتنا بما أنجبته العبوديَّة من فنانين أفذاذ ثاروا على الأوضاع الاجتماعيَّة والشؤون السياسيَّة في إفريقيا، حيث يمثِّل فيمي أحد روَّادهم، فهل لك أن تعود بنا إلى ذلك العملاق النيجيري وتُخبرنا كيف يمزج الفن بالسياسة، بحيث أمسى مِزاجه كافوراً؟  قلت، بعد السمع والطاعة: بلى!  حين سُئل فيمي لِمَ تغني وفيم تغني؟  أجاب: إنَّ الغناء ليجري في دمي، حيث كان والدي – فيلا كوتي – مبتكر العزف الإفريقي-الأمريكي، وهو خليط بين النغمات الإفريقيَّة وموسيقى الجاز.  فقد عاش والدي وتنفَّس الموسيقى منذ بواكير عهده بالحياة، وتمنَّى أن يصبح ابنه – فيمي - طبيباً، لكنه سجَّل نفسه في مدرسة الموسيقي بلندن، ومارس أبي الموسيقى، واحترف صناعتها حتى الرمق الأخير من حياته.  وكان والدي يحس دوماً أنَّ الموسيقى سلاح، وهي وسيلة لإيصال المعلومات وإذاعتها في النَّاس، وأمسى خبيراً في ذلك.  وكدأب أبيه، يحس فيمي بأنَّه يمكن أن يعبِّر عن آرائه من خلال الموسيقى، ولكنه ليس راديكاليَّاً كوالده.  ويقول فيمي: حين يتفَّهم شخص واحد رسالتي، فإنَّني لأشعر بأنَّني قد أدَّيت عملي.

وحين سُئل فيمي بم يبغي أن يتذكَّره النَّاس؟  جاء ردَّه بأنَّ الأمر لا يكاد يكون بما يتذكَّره الناس، ولكن بما يفعله المرء في حياته، بحيث يحدث تغييراً في الحياة التي يحياها الناس.  وقال فيمي أيضاً: إنَّه ليرغب الرغبة كلها أن يعي النَّاس الفقر الذي يواجهه الأفارقة، ثمَّ إنَّه ليتمنَّى كل المنى منهم أن يضعوا حداً للاستياء من أنفسهم، وألا يتوقَّعوا الفتات من غيرهم والافتئات عليهم.  واستطرد: وإنَّني لأودُّ أن يكون الأفارقة فاعلين لما يريدون، وألا يظنُّوا أنَّ الفساد حق، بل ينبغي على أي فردَّ أن يصطرع مع هذا الفساد، وألا يتوقَّع أن يقوم به الزعيم وحده نيابة عنهم.  وعندما سُئل عن أيَّة أغنية قريبة إلى حدّ ما مما تحاول أن تقوله؟  قال: إنَّني لأرغب أن أوصل رسائل مختلفة في كل أغنياتي: أغنية مصوَّبة نحو الفساد، وأخرى نحو السياسة، وثالثة نحو إساءة معاملة الإنسان لأخيه الإنسان.  إذ ينبغي استذكار الناس بكل هذا.  ومن جانب آخر، كل ما أرغبه بشدة هو أن أرى الناس يرقصون، ويعشقون اللحظة وهم مغتبطون.  ويتساءل فيمي: أتدري ذلك الشعور حين تحس أنَّ كل أعباء الحياة تجلس على ظهرك وتتمطى؟  تلك هي الأثناء التي فيها أحاول القبض عليك، والاستمساك بك، لا لاستنشطك فحسب، ولكن في الحين نفسه لاستذكرك أنَّ هناك ثمة شيئاً هاماً نريدك أن تلم به وتأخذ بأسبابه ما استطعت من الإلمام والأخذ سبيلاً.  وقد يكون ذلك الشيء رقيقاً، وقد يكون عميقاً، ولكنه ينبغي عليك عمل شيء ما نحوه.

ثمَّ تعرَّض فيمي للسؤالين التاليين: هل إفريقيا تسلك صراطاً مستقيماً؟  وهل أنت متفائل بمستقبل القارة؟  استهجن فيمي السؤالين، وتساءل هو الآخر: هل أنت جاد؟  إنَّ كل حكومات إفريقيا لفاسدة.  ألا ترى الحكومة البريطانيَّة وهي تسخر منكم، وقد سعت بكم سياساتكم إلى شفا الإفلاس.  وإنَّه لمن العسر عسراً أن تغيِّر ثقافة بلد أمسى مهتكاً بالفساد لحقب ليست بقليلة.  بلى!  إنَّ الكثرة الكاثرة منا ليعيش على ما نشاهده من أنباء، ونشهده من أنواع الابتلاء، وإنَّ البريطانيين قد استعمرونا، وإذا هم استغلونا، ثمَّ إذا هم يتركوننا في أيادي الفاسدين، الذين يكذبون، ويتعاملون بالخداع، حتى تعلَّموا تغليف الفضائح بورق فضي.  ونحن، كحال دول إفريقيَّة عديدة، نمتلك ثروة ضخمة في شكل موارد طبيعيَّة، ولكن أتجد أي تحسين في حياة النَّاس اليوميَّة!  النَّاس جائعون، وفي مساكن فقيرة يسكنون، ويشربون إن وردوا الماء كدراً وطيناً، وبأسعار الوقود العالية يحترقون، ولا يكادوا يستطيعون دفع نفقات التعليم لأبنائهم.  ومع هذا، تفيض حسابات "ناس القمة" في البنوك المحليَّة والأجنبيَّة.  ولكن نعم هناك أمل، ولكنه أمنيات تجري بها الرِّياح، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.  التكنولوجيا باتت تمكِّن النَّاس من خلال الاتصالات، والحكومات أصبحت تلتمس قدراً من الشفافيَّة.  ولم يكن يغدو النَّاس أن يستمروا في الإفلات مما كانوا يفعلون من قبل.  هذه هي الإجابات التي ردَّدها المغني الثائر فيمي كوتي.

ثمَّ سألت محدثي؟  أتذكر حدثاً رياضيَّاً-موسيقيَّاً حدث العام 1974م في زائير (جمهوريَّة الكونغو الديمقراطيَّة حاليَّاً)، وامتدحه النَّاس كثيراً، وظلَّت ذكراه متعلِّقة في ذهن من شاهده دهوراً؟  قال صاحبي وهو يعاتبني: إنَّك لتشق عليَّ، وتحمِّلني ما لا أكاد أستطيع استيعابه، وتأخذ بي الأسباب إلى حقب بعيدة.  قلت: وإن كانت هذه الحقب لبعيدة، إلا أنَّها لم تكن سحيقة، ولم تكن منسيَّة في دفاتر الزمان، أو مطويَّة بثوب النسيان.  ولعلَّ ما قادني إلى هذه الذكرى العطرة هو تذكار عزيز.  ألم توافقني حين قال قائل من أهل الذوق الرفيع والحس المرهف: إنَّ الفن ليمحو الخطايا!  أفلم ينذر أحد أعيان الرومان صديقاً له بأن يحترس من الآخر لأنَّ هذا الأخير لا يستمع إلى الموسيقى، حتى يتفاعل معها، ولا يتذوَّق ألحانها، ولا ينمنم بترانيمها، لكي يلين قلبه، بل بات من الأغيار الأشرار؟  بلى!  ومع ذلك، قليلة جداً من مباريات الملاكمة أثارت ذكرى عطرة كتلك المباراة الملحمة التي تبارز فيها محمد على كلاي وجورج فورمان في كنشاسا – حاضرة زائير – العام 1974م.  بيد أنَّ هذه المباراة قد صاحبها حفل موسيقي، أو قل ثلاث حفلات موسيقيَّة في ثلاث ليال حسوماً، وكانت هذه الحفلات أسطوريَّة في حد ذاتها.  إذ شارك فيها عمالقة الموسيقى الإفريقيَّة والإفريقيَّة-الأمريكيَّة.  أفلم تطرقك الذاكرة كيف عزف جيمس بروان حتى اهتزَّت الطبول اهتزازاً عنيفا، وارتجفت الأرض رجفاً!  فأيقظت هذه الأنغام – التي كانت بمثابة سحابة من الفرح تهطل – الشجون، وأحالت وحشة الليل إلى زغرودة أم العروس، واستثار الخيال جمالا، بحيث تمشَّت في مفاصلهم كتمشي البُرء في السَّقم، أو فعل الصبح في الظُلم: والظُلم جمع ظلام، كما يجمع كتاب على نحو كُتب.  ولست في حاجة إلى أن أنبئك بأنَّه في حال امتزاج أصداء الأصوات الرخمية بالإيقاعات الموسميَّة تجد نفسك سابحاً في بحر من الأهازيج متلاطمة أمواجه، وتفعل هذه الأهازيج في دخائلك الحال التي وصفناها لك إيَّاها شفاءأ وعذوبة وبهجة ومسرة.  فقد شكَّلت هذه البهجة وتلك المسرَّة أرضيَّة خصبة لفيلم سينمائي باسم "حينما كنا ملوكاً" (When We Were Kings)، والذي حاز على جائزة الأوسكار العام 1996م.  فما ظنَّكم بمناسبة جمعت عظام الفرق الموسيقيَّة وكبار الفنَّانين مثل: فرقة "السبينرس"، "نجوم الفانيا"، المغنية الجنوب-إفريقيَّة مريم ماكيبا، بيل ويزرس، سيليا كروز، بي بي كنج، وجيمس براون، وخليط من المنظِّمين، وهم على خشبة المسرح ذهاباً وإيَّاباً.  ولا شك في أنَّ هذا المِزاج قد أحدث موسيقى صاخبة لجمهور ملتاع بجنون اللحن والشجن، والعزف "الأوركستري" البديع، وكم كانت هناك لحظات عظيمة جديرة بالاكتناز.  ولم تخل رحلة ال13 ساعة من أمريكا إلى زائير من تفكه ودعابة حتى بتخيُّل الموت.  فقد تندَّر فريد ويسلي لاحقاً بأنَّه في حال سقوط الطائرة، التي كانت حمولتها 32,000 طن من الأمتعة، والتي نقلتهم إلى قلب إفريقيا، عندئذٍ كانوا سوف يقومون بحفلتهم في طريقهم إلى الهبوط الاضطراري.  وقد قال قائلهم كان الموسيقيُّون يعزفون بحرارة لأنَّهم كانوا في إفريقيا، وكان كل واحد منهم يودّ أن يثير إعجاب الآخر به، وهناك من أخذته العاطفة الجيَّاشة لأنَّه في إفريقيا، وهناك من اعتبر رحلته إلى إفريقيا بمثابة امتياز وليست رحلة عمل.  أفتظن كانوا سيفعلون غير ذلك؟  كلا!  أمَّا أنا – لذلك كذلك - فلست بفاعل غير ذلك لو شاءت الأقدار أن أكون موسيقيَّاً مغنياً أم عازفاً موسيقيَّاً.  وكان ظهور محمد علي كلاي قد جذب النَّاس نحوه، حتى أولئك الذين لا يجتمعون عادة في مكان واحد مع بعضهم بعضاً، حيث تناسوا خلافاتهم من حزازات الصدور وسخائم النفوس، واجتمعوا في فندق واحد لمشاهدة هذا الحدث العظيم، وكان هناك حديث شيِّق متبادل بين النَّاس.(7)

لقد قصَّد الشَّاعر العراقي محمد مهدي الجواهري قصيدة لهذا الملاكم العملاق حملت اسمه "محمد علي كلاي".  والجدير بالذكر أنَّ جدة محمد علي كلاي الكبيرة "أبي قريدي" قد هاجرت من "إينيس" بأيرلندا إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة في الستينيَّات من القرن التاسع عشر، وتزوَّجت بأحد الأرقاء المحرَّرين، وكان محمد علي كلاي من ثمار هذا الاقتران.  مهما يكن من الأمر، فعندما نُشِرت هذه القصيدة في صحيفة "الجمهوريَّة" العراقيَّة في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1976م أثارت الكثير من الريبة والتفسيرات.  وقد قالوا إنَّ تقديم القصيدة القصير - "تلاكم وخصمه فأدماه فحاز إعجاب العالم وملايينه" - لتنطوي على سخريَّة مريرة من القوة والمعجبين بها.  والذين يعرفون الجواهري يعرفونه نصير المغلوب ضد القوي والمستقوي.  فكيف يمكن أن يكرِّس قصيدة لمدح ملاكم؟  وكان رد الجواهري: ولمن يريد أن يعرف ما عنيته بالأبيات التي تقول:

"شسعُ لنعلك كلُّ موهبة             وفداء زندك كل موهوب

وصدى لهاثك كل مبتكر                        من كل مسموع ومكتوب"

وأضاف الجواهري: فقد كان كلاي بالنسبة لي كناية عن مجتمع خضع فيه العقل والموهبة وسطوة القوة التي داست الموهبة الموهوبين.  وعندما سألتني صحيفة "الثورة" العراقيَّة في 24 كانون الثاني (يناير) 1977م عما عنيته بقصيدتي عن كلاي، أجبت بصراحة: "أنَّ كلاي محض حجة لانطلاقة، لأنِّي أتحدَّث في هذه القصيدة عن المدى الذي وصل إليه ضياع المقاييس."  ومن يعرف كيف خاطبت النَّاس ب"نامي جياع الشَّعب، وأطبق دجى" سيعرف المعنى المقصود والسخريَّة المرة الكامنة وراء تأليه الملاكم الذي أطاح خصمه بالضربة القاضية.  ففي هذه القصيدة يصف الجواهري كلاي بعبقري مشى يشعل النار في ظلام الليل المظلم الشديد السواد.  إذ عاش هذا العبقري حياة خشنة غليظة، وكان عيشه مشتوم ومسبوب، أي كان مشتوماً ومسبوباً في الحياة التي كان يحياها حتى مات على هذين الشتم والسب.  وإنَّ بعضاً من أبيات القصيدة ليصعب علينا فهمه، وإنَّ هذه الأبيات التي وجدنا فهمها عسيراً قد كُتِبت بلغة بغداديَّة ما في ذلك شك، ثمَّ إنَّ الشَّاعر لسان حال المجتمع الذي فيه يعيش، والثقافة التي منها يغترف، والحياة التي يعيشها الناس.  ومع ذلك قد عُرِف الجواهري بقصائد عذبة فيها شيء من جمال اللفظ وبهرجه يخلبك ويستهويك.  فإلى أبيات القصيدة:

كم "عبقرياتٍ" مشتْ ضرماً                    في جُنحِ داجي الجنحِ غربيبِ

وتنفَّستْ رئةُ الحياة بها                          من بعْدِ تعبيسٍ وتقطيب

عاشت وماتتْ في حمى جشَبٍ               جاسٍ، شَتيم العيش مسبوبِ

مجلودةٌ – تُلوي أعنتُها -                      بسياط ترغيب، وترهيب:

بمرجَمين.. نهارِ مرتخض                     وبليل نابي الجنبِ، مرعوبِ

حججٌ مئونٌ، دون شهقتِها                       شهقاتُ مخنوقٍ، ومصلوب

أعطت، وأغنتْ، واستردَّ بها                  أنفاس محزونٍ، ومكروبِ

ما عادلتْ اعشار "ثانيةٍ"                         عمرتْ بساحٍ مُوحشٍ مُوبي

تلك "الملايينُ" التي سُحِبتْ                     سحْب "المخاضةِ" "عبْرَ" "أنبوبِ"

نُثرتْ على قدميْنِ خُضِّبتا                       بدمٍ لآخر منه مخضوبِ

مهما يكن من الأمر، فسيقولون: كيف استطاع هؤلاء الصدَّاحون أن يستعذبوا الغناء لأهل زائير وهم يغنون باللغة الإنكليزيَّة؟  ونحن نعلم أنَّ زائيراً من الدول الناطقة بالفرنسيَّة، ونحن ندري أنَّ أهل زائير يتحدَّثون بلغة "لينغالا"، بل هناك من يتكلَّمون بالسواحيليَّة في زائير، ثمَّ هناك من يتكلَّمون بغير هذه أو تلك من لغات القطر المتعدِّدة.  ومع ذلك، تذوَّق أهل زائير هذا الغناء الجميل واللحن العذب.  ونحن نقول: أفلم نتذوق نحن – معشر السُّودانيين – الغناء الإثيوبي، ولا نتحدَّث اللغة الأمهريَّة!  أولم نستمتع بالغناء الهندي ولا ندري شيئاً عن اللغة السنكريتيَّة!  أولم تنتشر في السُّودان في السبعينيَّات من القرن المنقضي أغاني "الجالوة" بلغات إنكليزيَّة وسواحيليَّة ولغات إفريقيَّة أخرى حيَّة لم يكد يستطيع السُّودانيُّون أن يفهموا معانيها وتعابيرها!  ومع ذلك تفاعلوا مع هذه الأغاني والألحان والموسيقى، ورقصوا لها كثيراً، وفُتِنوا بها افتناناً عظيماً.  أفأنت ترى الذين أُوتوا حظاً من الذوق الفني والحس الأدبي – ونحن منهم – يتذوَّقون أهازيج القبائل "النوباويَّة" من حولهم، بحيث يملأ السُّرور جوانحهم، وتنداح المسرة من دخائلهم، وتغمرهم الهناءة، وبها يتحلَّبون من مشاق الحياة نبضات الفرح، وبها يستخرجون من صروف الدنيا البهجة والمرح؛ وذلك دون أن يفهموا شيئاً من لغات هذه القبائل العديدة التي شاء الله أن يهبهم إيَّاها، فهم يعبِّرون بها عن أنفسهم، ويحافظون عليها في دنياواتهم.  أكانت هذه الأهازيج مصدرها "الربَّابة"، أو "أم كيكي"، أو "الكرنق"، أو "البخسة"، أو "النُقَّارة"، أو "الصفَّارة"، أو "القرن"، أو "الكشكوش" أو غيرها، آلة كانت أم نغمة.  وكما كنا – ونحن أطفال صغار – نتسلل في غبش الظلام إلى رقصات قبيل "الجُلُد"، حيث الطبول "بتدق" في سحات الفرح، الذي "جمَّل للحزن ممشى"، لنسلو أنفسنا بهذه الرقصات والغناوات، ومن بعد نعود إلى داخليَّات المدرسة الابتدائيَّة في أول الفجر مبتهجين بما سمعت الأذن، ورأت العين، "والأذن تعشق قبل العين أحياناً".  وكم كنا نلتمس في هذه الأنغام دفئاً ينسينا نهار الأسى وليل الخطوب، أو قل أسى النهار وخطوب الليل.  وكم كنا – ونحن صبية صغار يومئذٍ – نسري في ليال داجية، أو أخرى مقمرة بين "سلارا" و"كلارا" لنلتهي برقصات قبيل "الأما" (النيمانج).  وكم كنا – في عهدي الصبا والشباب – نغدو في أول النَّهار إلى "سبر اللوبيا" بقرية "النِّتِل" غربي مدينة الدَّلنج ونعود في نهاية اليوم سيراً على الأقدام أو ركوباً على الدراجات.  مهلاً يا عزيزي، فإنَّني لم أرسم هذه الصورة بحثاً عن طفولتي وملامح صباي، بل وأراني أشعر وأنا أدوِّن هذه المشاعر أنِّي لا أكتب عن نفسي ولا عن طائفة قليلة عن أمثالي، وإنَّما أصف شعوراً عاماً وعاطفة شائعة في جيلنا يومئذٍ، والأجيال التي تلت بعدئذٍ، وربما الأجيال التي سوف تأتي من بعد أن نموت ونصبح عظاماً نخرة.

إذن، فما من شك في أنَّ ثمة شيئاً قد استحبب هذا الغناء إلى هذا الجمهور المغتبط في زائير.  ولا ريب في أنَّ في هذه الموسيقى سحراً لم يصطبر القلب إلا أن يخفق لها، ولم يستطع الشعور الممانعة حتى وجد نفسه مشدوداً إليها، هيَّاماً بها، ثم مستريحاً لها.  جاء الغناءون إلى قلب إفريقيا النابض بالحياة وغنوا، بحيث أفلحوا في أن يحقِّقوا شيئاً من الملاءمة والمواءمة بين الزمان والمكان.  كان غناؤهم عن الحياة التي يحياها النَّاس، والعصر الذي هم فيه يعيشون.  فلم يصدحوا بالشيء التليد الموغل في القدم، ولا بالحديث والغلو في الجدة، ومع ذلك فالقصد أساس الخير في كل شيء، وخير الأمور أوسطها.  فقد غنّوا عن الأشياء التي يعرفها النَّاس، حتى استحسوا فيهم شعوراً يشعرونه، ولذّة هم ملمون بها، وآخذين بأسبابها.  ومن هنا نقول أيضاً: إنَّ ثمة فرقاً بين الذوق والفهم.  فقد نتذوَّق الأشياء دون أن نفهمها، وقد نفهم الأشياء دون أن نتذوَّقها، ثم قد نفهم كتاباً قرأناه وإذا نحن نتذوَّقه.  وإذا اجتمع الاثنان معاً – أي الذوق والفهم – فهذا قمة الشعور والإمتاع.  فمتى يجتمع الذوق والفهم إذن؟  ومتى يفترقان؟  إنَّهما قد يجتمعان حينما تفهم قصيدة من الشعر، أو فصلاً من النثر وتعجب بهما، وحينما تفهم قطعة من الموسيقى، أو لغة الشعر الغنائي وتطرب لهما؛ ولكنهما يفترقان حينما تقرأ فصلاً من فصول الكُتَّاب المسرفين المغالين فتفهم ما سعى إليه هؤلاء الكُتَّاب ولهثوا وراءه، ولكنك لا تستسيغ ذوقه، بل تسخط عليه السخط الشديد وتنكره النكران الغليظ.  وآية ذلك ما نقرأه من الغث الرديء من كتب المسرفين في السياسة السُّودانيَّة، وقد احتملنا هذا الطغيان في الخصومة السياسيَّة والفجور الاجتماعي لأنَّ الله قد ابتلى السُّودان بأدعياء السياسة يتَّخذونها تجارة وسبيلاً إلى الربح، ومصدراً للمفخرة، فهم يسرفون إذا اكتالوا، ويطففون إذا كالوا.  وكذلك يفترق الذوق والفهم حينما تسمع قطعة من الموسيقى فتعجب وتطرب دون أن تفهم ما أراد الموسيقي.  ذلك أنَّه يُخيَّل إلينا أنَّ الذوق شيء والفهم شيء آخر.  فما نظن أنَّ الذين يتذوَّقون الموسيقى ويطربون لها يفهمونها جميعاً، بل نعتقد أنَّ الكثرة المطلقة من الذين يسمعون الموسيقى فيطربون ويتأثَّرون وينتهي بهم ذلك إلى شي يشبه الذهول، لا يفهمون الموسيقى كما يفهما الموسيقيُّون الإخصائيُّون.

ومن بعد، نستطيع أن نقول قد أبنا ما في هذا الغناء الإفريقي من مزايا في الثوريَّة والفروسيَّة والاعتداد بالنفس وشيء من الغزل كثير.  ألم تر كيف يقول هؤلاء الشعراء القوميُّون الشعر بسهولة وخفة دون تكلف، كمثل الذي يرسل نفسه على سجيَّتها، أو كمثل الذي يتنفَّس الهواء في جو طلق.  فأنت ترى هؤلاء الشعراء القوميين في جبال النُّوبة أو الجنوب أو غيرهما يقولون أشعارهم الغنائيَّة ويحفظونها دون كتابتها لأنَّهم لا يكتبون ولا يقرأون، ثمَّ لا يقدِّمونها لملحنين لتلحينها، أو مغنيين لتلحينها والتغني بها، بل يقومون بهذه الأدوار الفنيَّة بأنفسهم، ومن بعد تصبح هذه الأغنيات ملكاً مشاعاً يتغنى بها أفراد القبيل.  ونحن نرى أنَّ هذه الحياة الثقافيَّة حقاً مطلقاً لهؤلاء النَّاس، وهم يريدونها أن تبقى كذلك كما ألفوها دون أن ينالها تغيير أو تبديل، لأنَّ هذه الحياة جزء من أنفسهم، وما كان لك مهما ترد من الخير أن تعبث بنفوس النَّاس.  ولكن قبل أن نستريح وتستريح أنت من هذا الحديث المستطاب عن الغناء الإفريقي الذي عنَّيناك به وبأنفسنا معاً ربما كان من الخير أن ننظر إلى هذه الجهود الفنيَّة، فهي خليقة بالعناية والرعاية، حرية بأن تقف عندها وقفات تأمُّل وتدارس فلن تخلو من فائدة نفسيَّة كانت أم أدبيَّة.  تساءل صاحبي: أتظن أنَّ ذلك ممكناً في السُّودان؟  قلت بعد أن ابتسمت ابتساماً فيه شيء من الحزن، وفيه شيء من الأمل أيضاً: بلى.  فأما الحزن في هذا الابتسام فمبعثه أنَّنا لم نكونوا منصفين لهذا الفن الوجداني الإفريقي في هذا الجيل الذي نحن فيه، إلا إذا هدأت الأهواء والشهوات.  أما الأمل في الابتسامة فهو الطموح إلى إنصاف الأجيال المقبلة.

وهل نستطيع أن نختتم هذا الحديث دون أن نذكر أنَّه في يوم 12 أيلول (سبتمبر) 2006م خصَّني الدكتور محمد أبو سبيب في جامعة أبسالا بالسويد بتأليفه القيِّم عن "الفن والسياسة والتماهي في السُّودان" (Art, Politics and Cultural Identification in Sudan).(8)  وإنَّا لنسترحم الدكتور أبا سبيب لئن جاءت ترجمتنا لعنوان كتابه غير دقيقة.  وأنا أريد أن أقدِّم إلى الدكتور محمد أبو سبيب ثناءاً طيِّباً وشكراً جميلاً.  فإذا كان من الحق علينا أن نقدِّم إلى الدكتور أبي سبيب تهنئتنا الخالصة بهذا الإنتاج الأدبي السياسي الذي هو أهل له ولخير منه، وإذا كان من حقنا أن نثبِّت في هذه السطور أنَّنا لم نكن مخطئين فيما قدرناه يوم كتبنا عن أبي سبيب وعن كتابه البهيج والنهج البحثي الذي اتخذه.  نقول إذن كان هذا كله من حقنا، فقد يكون من حقنا أيضاً أن نقف عند هذا العمل الذي خاطب الوجدان الفني وارتباطه الوثيق بالحياة الاجتماعيَّة والهُويَّة السياسيَّة لأهل السُّودان.  ولعمري إنَّ في الكتاب لجهداً عظيماً، وإنَّ جهده هذا لخليق بأطيب الثناء وأجمل الشكر؛ إذ لم يتطرَّق أحد لهذا النمط من البحث من قبل، ولذلك جاء عمله ليمثِّل الجديد في هذا النوع من الدراسة.  وقد رأى أبو سبيب أنَّ هناك صنوفاً هامة من السجالات تخص الأسس الثقافيَّة لأشكال الفن الفرديَّة، والتي تناولتها الدراسة كمجسَّمات مناسبة للشروع في بحثه عن هذه القضيَّة المعقَّدة.  إذ لم تخاطب الدراسة جميع القضايا الرائسة الوثيقة الصلة بمسألة الهُويَّة حتى في تلك الضروب الاجتماعيَّة والسياسيَّة الأخرى التي ترتكز عليها فحسب، بل إنَّ النتائج التي توصَّل إليها الباحث لتعكس حجم أزمة الهُويَّة في السُّودان، والمدى الذي تحوم حوله هذه الهُويَّة حتى أربكت النظرة الجماليَّة نفسها.  ومن هنا رأى أبو سبيب أنَّ الأمر يتطلَّب الفحص بصورة أكثر شموليَّة.  وكذلك أخذت دراسة أبي سبيب منحىً حرجاً في الجدليَّة الرئيسة فيما يختص بالأسس الثقافيَّة للأدب السُّوداني الحديث، والفن المرئي، والموسيقى، والرقص؛ وحاولت هذه الدراسة أن تلقي ضوءاً قويَّاً على توجه هذه الأسس الثقافيَّة في بعديها السياسي والفكري.  ولا شك في أنَّه في قطر متعدِّد الثقافات كالسُّودان فإنَّ قضيَّة من ذا الذي يعبِّر أو يمثِّل إنتاجه الفني السُّودان ليست هي مسألة قيميَّة فحسب، بل هي فكريَّة كذلك.  وبما أنَّ دراسة أبي سبيب تتنقَّل بين مسألة الثقافة والسياسة خص الباحث قسماً بعينه لدراسة العلاقة بين الإدارة السياسيَّة والمؤسسة الفنيَّة في الإطار العريض للعبارة، وذلك لاستكشاف نماذج التطوُّر في هذه العلاقة، واستظهار تأثيراتها في عمليَّة بناء الهُويَّة في ضروب الفنون موضوع البحث، وكذلك لتبيين الخلفيَّة السياسيَّة والفكريَّة لهذه العمليَّة.

في الجملة نستطيع أن نقول لقد جلنا بخواطرنا في ملامح الغناء الإفريقي الثوري في نيجيريا، وتحدَّثنا عن مدلول الاسم في المقام الاجتماعي لفئة من طبقات المجتمع كان الرق سبباً رئيساً في ابتئاسهم وإتعاسهم، وأشرنا إلى إبداع الموالي في مجالات الفن والغناء والعزف الموسيقي برغم مما حاق بهم من عسف وعنت أسيادهم من جهة، والعرب الآخرين من حولهم من جهة أخرى، وعادت بنا الذاكرة إلى كنشاسا في السبعينيَّات من القرن الفائت، حيث اختلط الغناء بالملاكمة، وعدنا بأشواقنا إلى عهدي الطفولة والصبا في جبال النُّوبة.  وكذلك توقفنا برهة لنشرح الفرق بين الذوق والفهم، وعبَّرنا بأشواقنا عن مبحث الدكتور أبي سبيب في الفن والسياسة والتماهي الثقافي في السُّودان لكيما تكتمل دائرة حوارنا وتحاورنا الشيِّق.

 

المصادر والإحالات

 

(1) Metro, Tuesday, July 14, 2009.

(2) الدكتور منصور خالد، الفجر الكاذب: نميري وتحريف الشريعة، دار الهلال، 1986م، صفحة 331.

(3) الدكتور طه حسين، حديث الأربعاء، الجزء الأول، دار المعارف، القاهرة، 1998م، صفحة 112.

(4) ديوان الأعشى، دار صادر، بيروت، 1994م، صفحة 144.

(5) جمعة جابر، غياب المنهج الموسيقي في التَّعليم السُّوداني (2)، صحيفة "الاتحادي الدوليَّة"، السبت، 9/1/199م.

(6) عادل زيتون، الأندلس تغني على أنغام زرياب، مجلة "العربي"، الاثنين، 1/5/2006م، العدد 570.  أنظر كذلك

Segal, R, Islam’s Black Slaves: A History of Africa’s Other Black Diaspora; Atlantic Books: London, 2002.

(7) Metro, Monday, July 6, 2009.

(8) Abusabib, M, Art, Politics and Cultural Identification in Sudan, Elanders Gotab: Stockholm, 2004.