عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الصَّادق المهدي.. المبادرات الجوفاء والحل الحربي للمشكل السياسي

 

بعد أن أُطِيح به في انقلاب عسكري في خاتمة حزيران (يونيو) 1989م – وبعد اعتقالات عديدة – سُمِح للسيد الصَّادق المهدي ب"هامش الحريَّة".  فشرع مستغلاً هذا الهامش في نشر مقالات صحافيَّة، وتأليف كتب وكتيبات وإصدار منشورات، والالتقاء برجال الإعلام، والاسترسال في الخطب الدينيَّة في المسجد الذي كان يرتاده لأداء الصلوات.  وفي هذه المقالات أطلق الصَّادق عدداً من المبادرات السياسيَّة والنداءات الوطنيَّة في سبيل إيجاد الحل السياسي للمشكل السُّوداني.  والمدهش في الأمر أنَّه بات يطلق مبادرة عقب مبادرة دون متابعة الأولى، وكأنَّما الثانية نسخت الأولى، وفي أحايين كثيرة تكون المبادرة الجديدة ما هي إلا استنساخاً للأولى دون أن يحطنا الصَّادق علماً عما حدث للأولى؟  وما الجديد الذي تحمله المبادرة الجديدة وقد عجزت الأولى عن تحقيقه؟  والحقيقة أنَّ هذه المبادرات المرقَّمة والتي لا أهميَّة لها تكشف بقوة ملكة الابتكار – أو لنقل بالأحرى – حب التكرار عند الصَّادق.  وهنا نعني أنَّ غزارة التأليف والتكرار هذه جعلت أعمالاً كثيرة له تشبه بعضها بعضاً.

ومن هذه المبادرات المشروع الذي تقدَّم به السيد الصَّادق المهدي باسم "الوفاق السُّوداني" للحكومة السُّودانيَّة ولسائر القوى السياسيَّة المؤثِّرة، وذلك عقب محادثات السلام بين الحكومة السُّودانيَّة من جهة، والحركة الشعبيَّة من جهة أخرى في أبوجا في الفترة ما بين 26 أيار (مايو) – 4 حزيران (يونيو) 1992م.  وقد جاء في مقدِّمة المشروع الوفاقي للسيد الصَّادق المهدي: "أنَّ وفد النظام لم يكن مستعداً بالقدر الكافي، ولا مستفيداً من أدب البحث عن السلام في السُّودان، ولا متسقاً بين أعضائه، ولا مدعوماً بتأييد الرأي العام السُّوداني، ولا آخذاً المستجدات في الساحة النيجيريَّة والإفريقيَّة والعالميَّة في الحسبان."  ثم طفق الصَّادق يعدِّد إيجابيات أبوجا في الآتي:

(1)    الاتفاق على النزاع الحالي لا يمكن حله عسكريَّاً، بل عن طريق التسوية السلميَّة.

(2)    الاتفاق على استمرار البحث عن الحل السلمي.

(3)    الثقة المشتركة في الوساطة النيجيريَّة، حتى بعد أن تنتهي دورة الرئيس النيجيري من رئاسة منظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً).

وتعرَّض الصَّادق بشكل محدد إلى السلبيات التي صاحبت مباحثات أبوجا، وبدأ بسلبيات النظام الحاكم فقال:

(1)    اعتبار أنَّ المشكلة محصورة بين المقاتلين من حملة السلاح فقط.

(2)    صرف المجهودات الحالية للسلام عن ماضي السعي لتحقيق السلام.

(3)    عدم اعتبار مشاكل الحكم، التنمية والتوجه الخارجي جزءاً لا يتجزأ من مباحثات السلام.

(4)    التصورات والجهود المبذولة لحل المشاكل قائمة فقط على اجتهاد الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وما طرحته في "ميثاق السُّودان" (العام 1987م).  هذا عدا متغيِّرات داخليَّة وإقليميَّة ودوليَّة كبرى قد حدثت ولا بد من أخذها في الحسبان.

ومن جانب أخطاء الحركة الشعبيَّة – وفق ما كشفت عنه محادثات أبوجا – وحسبما ارتأى الصَّادق، نوردها على النحو التالي:

(1)    قراءة من جانب واحد للتأريخ، بل الوقوف على جزيرة إنسانيَّة تأريخيَّة اشتركت فيها كل الشعوب، وليست خاصيَّة شماليَّة سودانيَّة.  فقد شارك فيها شماليُّون وجنوبيَّون بدرجات متفاوتة، فإن ذُكِرت ينبغي أن تُذكر في إطار أنَّها ماضي الإنسانيَّة المظلم.

(2)    الإشارة إلى ممارسات قبليَّة في السُّودان فيها اضطهاد واسترقاق لبعض الناس، وهي ممارسات خارج القانون والإدارة السُّودانيَّة، وتوجد في كل البلاد المتخلفة، وتوجد في السُّودان بحجم أقل نسبيَّاً من بلاد إفريقيَّة أخرى.  وعليه ينبغي الإشارة إلى هذه الممارسات كوجه من وجوه التخلف لا كخاصيَّة سودانيَّة شماليَّة.

فبعد أن أخذ الصَّادق في تعميم أسباب الصراع المسلح في السُّودان والتقليل من شأن الممارسات غير القانونيَّة في حق بعض القوميات السُّودانيَّة، مضى يعدد الأخطاء الجسيمة العشرة – نصفها جنوبي ونصفها الآخر شمالي - التي وقعت من طرفي النزاع، وكان لها أثرها في تعميق العداء، وتقويض الثقة.  وما أن انتهى الصَّادق إلى ذلك الحصر، وآمن به، واطمأنَّ له – ومن غير أن يلخِّص أسباب النزاع المسلح، أو يذكر دواعي الحرب الأهليَّة الأولى (1955-1972م) والثانية (1983-2005م) في السُّودان - بدأ بأخطاء الجنوبيين وأوردها كما يلي:

(1)    القتل دون تمييز للشماليين في أحداث تمرد (توريت) العام 1955م.

(2)    استخفاف حركة أنانيا بمؤتمر المائدة المستديرة العام 1965م.

(3)    استخفاف الحركة الشعبيَّة بانتفاضة نيسان (أبريل) 1985م.

(4)    تحالف الحركة الشعبيَّة بدرجة ضارة مع نظام منغيستو هايلي ماريام، وبالتالي إغفال نداءات الشمال الديمقراطي في منتصف الثمانينيَّات.

(5)    معاملة النظم السُّودانيَّة وكأنَّها صنف واحد.

أما الأخطاء الشماليَّة فأوردها مشروع الصَّادق الوفاقي فيما يلي:

(1)    الوعد بالفيديراليَّة عشيَّة إعلان الاستقلال وإهمالها.

(2)    العنف العشوائي والهجوم على بعض المثقفين الجنوبيين في جوبا وواو العام 1965م.

(3)    محاولة إكراه الجنوبيين على الإسلام والاستعراب في عهد الفريق إبراهيم عبود (1958-1964م).

(4)    تقويض اتفاقيَّة أديس أبابا للعام 1972م.

(5)    إسقاط خطة السلام لعام 1989م.

فما لهؤلاء القادة يستغفلون الناس!  هذه الأخطاء الشمالية التي حصرها الصَّادق في خمس نقاط، يتحمل الصَّادق نفسه مسؤولية جزء كبير منها، وذلك لعدة أسباب: فالصَّادق رئيس وزراء السُّودان مرتين ولم نر شيئاً واحداً إيجابيَّاً أنجزه في هاتين المرتين؛ والصَّادق زعيم حزب سياسي حاكم ومعارض في فترات مختلفة، ولعب حزبه دوراً رائساً في الحياة العامة طيلة سنوات الحكم الوطني قبيل الاستقلال وبعده، ثمَّ إنَّ بعضاً من المجازر التي حدثت في حق الجنوبيين وذهب مقترفوها أحراراً دون أيَّة محاكمة، تمَّ في العهد الذي كان فيه السيد الصَّادق المهدي رئيساً للوزراء.  وقد فصلنا جزءاً من هذه المذابح، أو أشرنا إليها، في مواضع متفرقة من هذا البحث.  ومع ذلك، حين حدثت مجازر المدنيين في جوبا وواو العام 1965م كان السيد الصَّادق المهدي رئيساً لحزب الأمة، ولم يقل شيئاً مذكوراً ضد هذه الممارسات غير القانونيَّة، بل اشتغل نفسه بالصراع الحزبي والسلطوي مع السيد محمد أحمد محجوب - رئيس الوزراء - وعمه السيد الهادي المهدي.  ومن ذا الذي يستطيع أن ينفي أنَّ السيد الصَّادق المهدي – رئيس الوزراء يومئذٍ - قد سافر إلى مدينة بور في الستينيَّات من القرن المنقضي، ووقف على قبر الملازم زهير بيُّومي، الذي قضى نحبه في معارك مع قوات الأنيانيا، وأغرق الصَّادق في البكاء، حتى تكهرب جيش الحكومة بدموع رئيس الوزراء وقاموا باعتقال واغتيال 13 من سلاطين دينكا بور؟!  أفليس هذا تجاوزاً في حقوق الإنسان الأساسيَّة وفعلة جنائيَّة؟!  ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر أنَّ قبيل الرزيقات قد قاموا ب"مذبحة الضعين" وأعادوا ممارسة الرق في السُّودان في آذار (مارس) 1987م حين كان السيد الصَّادق المهدي رئيساً للوزراء – أي أنَّه كان يجلس على أعلى سلطة تنفيذيَّة في البلاد، وكان حزبه حائزاً على أغلبيَّة ميكانيكيَّة في الجمعيَّة التأسيسيَّة (السلطة التشريعيَّة)!  فهل قام الصَّادق بشيء قانوني لتعقب ومعاقبة الجناة؟  كلا!  أو لم يكن هذا القبيل عرباً شماليين؟  بلى!  والصَّادق – كغيره من حملة لواء الأسلمة والتعريب لجنوب السُّودان – يعتبر مثالاً لصفوة الشمال الحاكمة والفكريَّة.  فكم كتب وانبرى مدافعاً عن التوجه العربي–الإسلامي للسُّودان، والوضع المستقبلي للثقافات السُّودانيَّة!  فقد أقرَّ الصَّادق في الستينيَّات أن فشل الإسلام في جنوب السُّودان يعد إخفاقاً للمسلمين السُّودانيين في تدويل لواء الإسلام، وإنَّ للإسلام رسالة مقدسة في إفريقيا، وإنَّ جنوب السُّودان ليعتبر نقطة البداية في هذه المهمة."(127)  ففي خطابه للجمعية التأسيسيَّة العام 1966م أبان الصَّادق رؤيته لهويَّة السُّودان، وأقرَّ "بأنَّ السمة الغالبة لأمتنا هي الإسلام، وتعبيرها السائد هو اللغة العربيَّة، وإنَّ الأمة لسوف تكون عديمة الهُويَّة والفخر والاعتزاز، إلا في حال إحياء الإسلام."  وهل نستغنى عن، أو نتغافل عن، العوامل الخمسة التي عددها الصادق لأسلمة وتعريب الجنوب والأقاليم ذات الشبه؟!  إذ كتب الصَّادق يقول إنَّ تذويب قبائل الجنوب يمكن أن يتم بإقامة علاقات طيبة عن طريق ممارسة الزراعة المشتركة، واستغلال المراعي؛ إفعال دور وأثر المتصوفة المسلمين، والفقهاء، وتمكين التجار الشماليين المستوطنين في الجنوب؛ وتوسيع المشاريع الاقتصادية الشمالية في الجنوب؛ واستيطان عدد كبير من الجنوبيين في شمال السُّودان.  كل هذه العوامل ستكون كفيلة بأسلمة وتعريب الجنوبيين؛ ثم أقرًّ الصادق باعتراف الجنوبيين بأنَّ عدوهم المشترك هو الإمبرياليَّة وحضارة الإنسان الأبيض.(128)

وبعدئذٍ خلص الصَّادق إلى تقديم 7 نقاط بحسبانها مفتاح الحل لمعاناة أهل السُّودان، ولإشباع تطلعاتهم في السلام، وهي كما وردت بالنص:

(1)    السُّودان بلد متعدد الأديان والأعراق والثقافات، وتقوم العلاقات بين المجموعات الوطنيَّة فيه على التسامح والتعايش السلمي، وكفالة حقوق المواطنة.  ومنعاً لتجني فئة على أخرى، تُوضع وثيقة يلتزم الجميع باحترامها تنصب على حقوق المواطن السُّوداني.

(2)    الدولة السُّودانيَّة دولة ديمقراطيَّة لامركزيَّة، ودرجة المركزيَّة يقدرها الشعب: حكم إقليمي، فيديرالي، كونفيديرالي.

(3)    التشريع ديمقراطي، ولكل مجموعة وطنيَّة الحق بالدعوى إلى البرنامج التشريعي الذي تريده مع مراعاة عاملين:

أ‌)      مقتضيات حقوق المواطنة.

ب‌)     مقتضيات اللامركزيَّة.

(4)    نظام الحكم في السُّودان يلتزم بحقوق الإنسان الأساسيَّة، ويكون شكله الديمقراطي ملائماً لظروف البلاد، متجنباً السلبيات التي كشفت عنها التجارب.

(5)    الاقتصاد السُّوداني يلتزم بخطة تراعي تحقيق التوازن بتوزيع فرص التنمية والخدمات الاجتماعيَّة، ويكون مشدوداً لتحقيق إزالة آثار الحرب وتحقيق التنمية، وكفالة العدالة الفئويَّة والجهويَّة.

(6)    مراجعة أجهزة الإدارة والدفاع والأمن في البلاد على أساس المشاركة العادلة لكل المجموعات الوطنيَّة، ووضع النظم والضوابط للتوفيق بين الكفاءة والمشاركة.

(7)    التزام سياسة السُّودان الخارجيَّة بالمواثيق الإقليميَّة والدوليَّة، ومراعاة التوازن والإيجابيَّة في مجالات الانتماء العربي، الإفريقي والإسلامي.

نحن نعلم أنَّ السيد الصَّادق المهدي – وغيره من أنصار السُّودان القديم – لا يطمعون منا في أن نغيِّر لهم حقائق الأشياء، أو أن نسمِّي هذه الحقائق بغير أسمائها، لنبلغ رضاهم ونتجنَّب سخطهم.  ومهما نكن شديدي الكره لسخطهم، فنحن على رضا الحق أحرص، وللبعث بالحق أشدّ كرهاً.  ولكن الأهم في الأمر كله هو استدراك الصَّادق أنَّ "التصوُّر الذي قاده الشمال للكيان السُّوداني منذ بداية الوعي الوطني ركز على الانتماء الإسلامي العربي، وغيَّب وهمَّش الأعراق غير العربيَّة وغير الإسلاميَّة؛ وعندما اتضح خطل هذا التصوُّر فإنَّ التحرك للتصحيح لم يتم بالسرعة اللازمة.  وكذلك الحال إزاء التنمية الاقتصاديَّة، توزيع الخدمات الاجتماعيَّة، توزيع المناصب سياسيَّاً وإداريَّاً وفنيَّاً وأمنيَّاً ودفاعيَّاً، والتعبير عن سياسة السُّودان الخارجيَّة، كل هذه العوامل ركَّزت على رؤية مصالح الشمال وهمَّشت الآخرين."  غير أنَّ الجديدين الوحيدين اللذان جاءت بهما مبادرة الصَّادق المهدي هو طرح فكرة الكونفيديراليَّة كأحد أضلاع مثلث الحل السياسي لأزمة الحكم في السُّودان، وحق تقرير المصير لأيَّة منطقة مميزة عرقيَّاً أو مذهبيَّاً إذا رفضت النتائج التي يتوصل إليها المؤتمر الدستوري القومي ويجيزها وتطرح على الشعب السُّوداني في استفتاء عام وشامل، على أن يكون ذلك الرَّفض بنسبة الثلثين.(129)  لكن هذا الجديد لم يكن منه إذا صح هذا التعبير متصلاً، بل أقرَّ الصَّادق بما نادت به الحركة الشعبيَّة في محادثات أبوجا العام 1992م في وجه تعنت النظام "الإنقاذي" وتمسكه بالقوانين الإسلاميَّة.

ثم نقفز إلى مسلك آخر من مسالك السيد الصَّادق المهدي.  إذ أنَّه، ومنذ مغادرته للسُّودان وظهوره فجاءة في أسمرا، إريتريا، في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1996م في عملية "تهتدون"، أقدم السيِّد الصَّادق المهدي – زعيم طائفة الأنصار ورئيس حزب الأمة – على خطوتين هامتين تمثِّلان شخصيَّة الرجل، وتجسِّدان نهجه السياسي، وهما خطوتان تستحقان في جميع الأحوال أن تكونا موضع تأمل عميق.  ففي الخطوة الأولى أصدر الصَّادق نداءاً يدعو فيه القوات المسلَّحة السُّودانيَّة إلى قلب نظام عمر البشير والاستيلاء على السُّلطة، في وقت حاول فيه أن يقدِّم نفسه بنفسه للعالم كرئيس وزراء منتخب تمت إزاحته بالقوة الغاشمة على يد مغتصب غشوم، وإنَّه – أي الصَّادق المهدي - لهو الذي يمثَّل الشرعيَّة الدستوريَّة في السُّودان، وليست حكومة عمر البشير التي أزاحت سلطته عنوة واقتداراً، أو خلعته عن السلطة في جنح الدجى.  هذا التناقض الجذري، الذي تكشفه هذه الدعوة، يعبِّر عن الاستدراك المرتبك (Confused apprehension) في دعاوي الصَّادق الديمقراطيَّة وإدراكه السياسي، حيث ينادي بانقلاب عسكري إذا كان ذلك في مصلحته، متناسياً دعواه السابقة عن الجهاد المدني والإصلاح من الداخل.  فليس من الحصافة السياسيَّة في شيء دعوة القوات المسلحة في أي بلد إلى انتزاع السلطة وتغيير الحكم، ولا يمثِّل هذا التوسل نمطاً من الديمقراطيَّة في شيء مهما يكن من الأمر.  فلنا في أمر اشتغال الجيش بالسياسة في السُّودان تجارب مروعة مفزعة.  ويبدو واضحاً – من جهة أخرى – أنَّ الصَّادق المهدي قد نسي ما أكَّده مراراً في الكثير من أحاديثه من أنَّ الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة قد أبعدت عن القوات المسلحة السُّودانيَّة كافة الضباط الذين ينتمون لاتجاهات حزبيَّة أخرى، ولم يبق غير ضباط الجبهة، مما يجعل نداءه ضرباً من الخيال السياسي أو الاستهلاك الإعلامي غير المسؤول الذي يؤذي صاحبه شخصيَّاً أكثر مما يفيده.

أما الخطوة الثانية، التي أقبل عليها الصَّادق المهدي، فهي تقديمه أسئلة مكتوبة إلى شيخ الجامع الأزهر في مصر يستفتيه في شرعيَّة النظام الحاكم في الخرطوم، ورأي الإسلام في سياسته.  وعليه، نجد أنَّ ما أقدم عليه الصَّادق أمر بالغ الخطورة سياسيَّاً من أكثر من وجه؛ فهو يفتح الباب على مصراعيه لأن تتقدَّم فئات المعارضة من مختلف البلدان العربيَّة والإسلاميَّة بطلب فتاوى مماثلة في سبيل فتنة تكفير الحكام والحكومات.  وقد رفضنا فتوى مماثلة في جبال النُّوبة من قبل أعوان النظام في مدينة الأبيض العام 1992م لأنَّ فيها إهدار لدماء الأبرياء وحشر مسائل سياسيَّة في أمور دينيَّة راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء من نساء وأطفال ورجال النُّوبة في التسعينيَّات من القرن المنقضي.  وإذا كان الصَّادق المهدي – بطلبه هذا – يخدم أهدافه الحزبيَّة الطائفيَّة بأسلوب انتهازي قصير النظر، فإنَّ بقاءه في الخرطوم كان أفضل للمعارضة السُّودانيَّة من نزواته وتقلباته التي لا تستقر على حال.  فقد افتعل الصَّادق مشكلات سياسيَّة ومعارك وهميَّة مع التجمع الوطني الديمقراطي لكي يعود إلى الخرطوم، طامحاً وطامعاً في أن ينخرط في النظام "الإنقاذي" الذي دعا قبيلئذ باقتلاعه عن طريق "الجهاد المدني"، إلا أنَّ تيار جماهير الأنصار كان عاتياً ضد هذا المسلك، مما جعل الصَّادق متأرجحاً في موضع مجهول: لا مع النظام ولا في المعارضة، أو كما يقولون: لا في العير ولا في النفير.  أو – كذلك - كما كتب أحد الصحافيين العرب يقول: "ولعل من سوء حظ السيِّد الصَّادق المهدي زعيم طائفة الأنصار وحزب الأمة السُّوداني أنَّه ليس نجماً جديداً صاعداً في سماء السياسة السُّودانيَّة، أو العربيَّة، يمكن أن تفيده الأضواء المبهرة التي تحاول بعض الصحف العربيَّة أن تغمره بها صباح مساء، أو أن تغيِّر من سجله الطويل المقالات السياسيَّة والفكريَّة المطولة، التي تنشرها له نفس هذه الصحف، فللصَّادق المهدي - كزعيم سياسي ورئيس وزراء - سجل سياسي عمره أكثر من ثلاثين عاماً لخَّصته هيئة الإذاعة البريطانيَّة في كلمتين: الفشل والفساد."(130)  فالصَّادق في نفسه غير مفسد، وله الاستعداد كل الاستعداد أن يخدم كرئيس وزراء دون أن يتقاضى أجراً على ذلك، طالما وفَّر له هذا المنصب أُبُّهة السلطان وصولجان الجاه، كما اعتزم على ذلك حينما تمَّ ترشيحه رئيساً للوزراء العام 1986م.  ولكن حين يغض البصر عن المفسدين من أعوانه ورجال حزبه واستكثار التعويضات لطائفته فهذا فساد سياسي يتحمَّل مسؤوليته بصفته المسؤول السياسي الذي كان جاثماً على السلطة التنفيذيَّة، وكان له من الأغلبيَّة البرلمانيَّة في السلطة التشريعيَّة اللتان كان بهما يمكن أن يوقف هذا العبث والتصرف في أموال الدولة.  وماذا عن التعويضات التي طالب بها السيد الصادق المهدي من نظام مايو المباد لصالح أسرته، والتي قدِّرت بمبلغ 35 مليون جنيه سوداني نظير "الضرر" الذي لحق بهم في ذلك العهد، ثم تراجع عن ذلك نتيجة للضغوط التي مُورِست عليه؟

فليس من شك في أنَّه عندما خرج الصَّادق المهدي من السُّودان كان يحلم بشيئين: تكوين قوة عسكريَّة تفوق أو تكافئ قوات الجيش الشعبي لتحرير السُّودان، ثم الحصول على نفوذ سياسي نتيجة هذه القوة العسكريَّة، أو بصفته رئيس وزراء منتخب ومخلوع، أو الاثنين معاً.  لكن لم يفلح الصَّادق في إنشاء قوة عسكريَّة بها يستطيع أن ينافس الجيش الشعبي، وبها ينازل النظام الذي أعلن أكثر من مرة أنَّه لن يتفاوض إلا مع حاملي السِّلاح.  كان ذلك هو حلم الصَّادق، والحلم عندما لا يتحقَّق - وبخاصة الأحلام العظيمة عند الرجال العظام – أو عندما تتحوَّل هذه الآمال إلى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً، يُصاب صاحبه بالاكتئاب.  وإنَّك لتستطيع أن تتخيَّل كيف تكون حال من هوى نجمه، أو أصابه حدث الدهر فظل لريبه يستكين، أو رفض أن يستكين لريبه!  ففي المبتدأ وجَّه الصَّادق نداءاً إلى جموع الأنصار للهجرة شطر إريتريا؛ الأمر الذي لم يحدث مثلما تصوَّره صاحب النداء.  بيد أنَّ الصَّادق لم يضع على رأس القلة القليلة التي لبَّت نداء حي على الهجرة ضباطاً أكفاءاً.  فقد أولى أمرها لابنه الملازم عبد الرحمن المهدي الذي تخرَّج في كليَّة حربيَّة بالأردن، مما أغضب الضباط الكبار وهجروا جيش الأمة – قوات الصَّادق المهدي – هجراً مليَّاً.  فمنهم من ذهب واستقرَّ في استراليا، ومنهم من هاجر إلى أوربا أو الولايات المتحدة، حتى تفرَّقت بهم السبل.  إذ لم ينس كثر من الناس ما حل بالأفراد والمجموعات التي هاجرت إلى إثيوبيا ومنها إلى ليبيا في السبعينيَّات من القرن الماضي، وهم من سكان غرب السُّودان، حيث التحقوا بقوات الجبهة الوطنية المعارضة لنظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، حتى انتهى بهم المطاف في أحداث الثاني من تموز (يوليو) 1976م، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من انتظر حتى الانتفاضة الشعبيَّة في نيسان (أبريل) 1985م دون أن ينال أي تعويض أو مكافأة.  غير أنَّ آل المهدي قد أخذوا التعويضات المضاعفة عن أراض زعموا أنَّهم فقدوها في ظل نظام مايو، مع العلم أنَّ هناك فئات شعبيَّة كثيرة قد تضرَّرت من ذلك النظام.  وأخيراً وعى أهالي دارفور فلم تسول لهم أنفسهم هذه الكرة ركوب عربة يقودها الصَّادق إلى التهلكة في أسوء الفروض، أو إلى الخسران المبين في أحايين كثيرة.

أما في الحال السياسيَّة، فقد حاول الصَّادق أن يخلق من التجمع الوطني الديمقراطي جمعيَّة تأسيسيَّة (البرلمان) في المنفى مع إضفاء بعض التغييرات الطفيفة عليها لملء شواغر أعضاء الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، ويكون هو رئيس وزراء في المنفى.  لكن وجد التجمع الوطني الديمقراطي، وعلى قمته رئيسه – السيِّد محمد عثمان الميرغني – على غير استعداد لتقبل هذه الفكرة، ولئن أبدوا موافقتهم لمناقشتها في إحدى الجلسات.  فقد أثار إعلان ممثلي حزب الأمة عن نيتهم تشكيل تنظيم مستقل باسم "النواب الشرعيين" يضم أعضاء المجلس النيابي السابق (الجمعيَة التأسيسيَّة المنحلة) للانقلاب العسكري ردود فعل غاضبة في أوساط التجمع الوطني الديمقراطي.(131)  عليه، أُصيب السيِّد الصَّادق المهدي بإحباط عسكري وسياسي فبدأ يبعث برسائل غير ذي لب إلى الدكتور جون قرنق.  وقد عكست إحدى هذه الرسائل نهجاً استعلائيَّاً (أبويَّاً) حين ادَّعى الصَّادق المهدي - رئيس حزب الأمة وكيان والأنصار – أنَّهم هم الذين قدَّموا الحركة الشعبيَّة إلى المجتمع الدولي.  هذا المنهاج قد سبق أن ردَّده غيره حين ادَّعى أحد أعضاء الحزب الشيوعي السُّوداني أنَّ الحزب هو الذي قدَّم الحركة الشعبيَّة إلى الدول العربيَّة.(132)  هذا افتراء على الحق وذر الرماد في العيون.  فقد مخرت الحركة الشعبيَّة عُباب المجتمع الدولي وشواطئ الدول العربيَّة (ليبيا واليمن ومصر) بما جاء في خطابها السياسي الشامل، ورؤيتها المتطورة لحل مشكلات السُّودان، وانتصاراتها العسكريَّة في الميدان، فضلاً عن عداء نظام نميري مع أنظمة بعض الدول الإقليميَّة والعربيَّة لحظة ولادة الحركة العام 1983م.  تلك هي إحباطات الصَّادق حينما حاول أن يفصِّل لنفسه معارضة خاصة به، ومن الإنصاف أن نقول إنَّ سوء حظه هذا لمن صنع يديه وحده، ومن اختياره دون سواه، أي لا بيد جون.  ومع ذلك كله، جعل الصَّادق المهدي من نفسه في بعض الأحايين سفيراً للنظام "الإنقاذي".  فحين التقى الصَّادق المهدي مع جون قرنق في أبوجا – حاضرة نيجيريا – قال الأخير إنَّ الصَّادق قد أثار "نقاطاً سليمة، ولكنه كان في الموقع الخطأ؛ فهو ليس مؤهلاً للتفاوض مع الحركة (الشعبيَّة والجَّيش الشعبي لتحرير السُّودان)، إذ أنَّه (لم يكن) يملك السلطة، وإنَّما كان يتحدَّث بالإنابة عن النظام."(133)   وحين كان الصَّادق متواجداً في السُّودان – أي قبل "عمليَّة تهتدون" - كان نهجه في الدِّفاع عن أذى النظام له وللشعب السُّوداني يجد المعاذير من قبل رجال الأحزاب السياسيَّة الأخرى عامة، وحزب الأمة خاصة، خارج السُّودان باعتبار أنَّ الصَّادق ينطلق من معايير تفرضها عليه حاله الواقعة في قبضة النظام السياسيَّة، والسياج الأمني المفروض عليه.  لكن الذين يعلمون طبيعة الصَّادق لم يخالطهم أدنى شك بأن هذا هو الصَّادق ذاته كما عرَّف نفسه، وعرفه الآخرون دون مواربة.  وما أنَّ "هاجر" الصَّادق من السُّودان واستمرأ الاستمرار في منهاجه الطارف والتاليد حتى قال الذين يعلمونه للذين لا يعلمونه: "ألم نقل لكم إنَّا نعلم ما لا تعلمون عن هذا الزعيم الطائفي!"

وفي لقاء صحافي مع السيِّد الصَّادق المهدي، قال الصَّادق إنَّ هناك ثلاث نقاط على أساسها يقوم التعامل مع الدكتور جون قرنق.  فما هي هذه النقاط الثلاث التي جعلها الصَّادق محاور التعامل مع الدكتور قرنق؟

(1)    قرنق ممثل لقيادة سودانيَّة ذات قاعدة كبيرة، ولا سيما في جنوب البلاد، وكان هناك "مؤتمر دستوري قومي" مقرَّر أن ينعقد في 18 أيلول (سبتمبر) 1989م لولا انقلاب الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في 30 حزيران (يونيو) 1989م.  والحرب ضد قرنق ليست جهاداً، لأنَّنا نعتبر الجنوبيين أهل عهد وليسوا أهل ذمة، لأنَّنا لم نفتح الجنوب لكي نعتبرهم أهل ذمة ونقيم عليهم الإسلام على هذا الأساس، لكن الجنوبيين اتفقوا فيما سُمِّي ب"مؤتمر جوبا" العام 1947م على أن يظل السُّودان موحَّداً، هذا هو بداية العهد.

(2)    ضمنت "الاتفاقيَّة البريطانيَّة-المصريَّة العام 1952م بنود تقرير المصير للسُّودان، وصوَّت الجنوب داخل الجمعيَّة التأسيسيَّة (البرلمان) على استقلال السُّودان، وذلك بمثابة معاهدة بيننا وبينهم في إطار قطر واحد نعتبر أنَّ بيننا وبينهم هذا العهد.

(3)    النظام الحالي حرمهم (الجنوبيين) وحرمنا من حقوقنا، حرمهم من حقوقهم في السَّلام وحقوقهم كمواطنين، وحرمنا من حقوقنا السياسيَّة، لذلك فنحن وهم نسعى لكي يسترد كل مواطن سوداني حقه، وبعد ذلك نقيم السُّودان بالطريقة التي يتفق عليها الجميع.

فيما يختص بمسألة العهود والمواثيق، فلا نحسب أن أهل الحكم في الخرطوم جديرون بالحديث عنها، لأنَّهم أدمنوا نقض العهود والمواثيق.  كنا نتمنى أن يكون الصَّادق صادقاً مع نفسه ومع الأغيار، ويذكر كيف أنَّ أهل الشمال نقضوا عهد الاستقلال حين وعدوا نواب الجنوب في الجمعيَّة التأسيسيَّة بالنظر في مسألة الفيديراليَّة التي كانوا عليها يلحون في أكثر ما يكون الإلحاح، وذلك لضمان حقوقهم السياسيَّة وخصوصيتهم الاجتماعيَّة والثقافيَّة.  ذلكم العهد الذي استهزأ به محمد أحمد محجوب – أحد قادة الاستقلال، ورئيس وزراء ووزير خارجيَّة السُّودان عن حزب الأمة – ورجالات الحكم بعد الاستقلال بالقول: إنَّنا خدعنا الجنوبيين لكي يصوِّتوا لصالح الاستقلال، كما أشرنا إلى هذا الأمر سابقاً وفي الصفحات السابقة من هذا القسم.  فمن الناحية الأخلاقيَّة والدينيَّة ليس هذا هو السبيل في التعامل مع العهود.  أما من الناحية الفقهيَّة، كما استخدمها الصَّادق المهدي للمقارنة بين أهل العهد وأهل الذمة فلنا في هذه المقاربة قول على قول.  وإذا فليس من سبيل إلى أن نقبل بمبدأ استعارة منهاج الإسلام للمقارنة بين شعوب الوطن الواحد، حتى ولو مع بعض الاستثناءات.  ولا يمكن أن نطمئن إليه قليلاً أو كثيراً، لأنَّنا إن قبلنا بهذا المنهاج واطمأنينا إليه فمن المحتمل أن نقبل بالأشراط الدينيَّة الأخرى ونطمئن إليها في هذه الحياة المدنيَّة، والتي تفرِّق بين الناس على أساس ديني.  فإذا الدين الإسلامي يضع أشراطاً للزواج عند كل من الحر أو العبد، والمرأة والرجل في شهادة الاكتتاب، والمسلم وغير المسلمة، وتطبيق الحد في الحر والعبد، وتقسيم الديار بين دار الإسلام وأخرى للحرب، وهناك من يُفرَض عليهم دفع الجزية عن يد وهم صاغرين وغيرها من الأشراط والمواصفات في هذه الحياة الدنيا.  أما في الممات وإذا الإسلام يفرِّق بين مقابر المسلمين وأخرى لغير المسلمين.  كل هذه القضايا الفقهيَّة التي جادل فيها الفقهاء ما وسعهم الجدال، وتفلسف فيها الفلاسفة أيما الفلسفة، واختلف فيها الشيعة وأهل السنة والمعتزلة والجبريَّة والجعفريَّة الإيجابيَّة والصفويَّة السلبيَّة والمرجئة المريضة والرواندية والإسماعيليَّة وغيرهم في أعنف ما يكون الاختلاف، كل هذه المسائل تتعارض مع حقوق المواطنة التي تنص عليها المواثيق الدوليَّة ومبادئ حقوق الإنسان الأساسيَّة.  مهما يكن من شيء، فبعد كل هذه السنوات أقرَّ الصَّادق المهدي في نهاية الأمر بجور الشمال على أهل الجنوب.  ففي خطابه بعيد استقلال السُّودان الحادي والأربعين – أي في الفاتح من كانون الثاني (يناير) 1997م – اعترف الصَّادق بالظلم الشمالي الذي وقع على الجنوبيين قائلاً: "نحن أهل الشمال قصَّرنا؛ (فقد) عرضناكم للدمار وينبغي أن نراجع هذا كله في يقظة وطنيَّة عن كل ما أدَّى إلى الغبائن والمظالم، وإن شئتم أن تختاروا مصيراً آخر فنحن على كل حال جيران، وإن لم نكن إخوان."  ألم تر كيف يستغفل الصَّادق الناس، كما قلت لكم من قبل!  إنَّه لهو الصَّادق ذاته الذي ذكر في البرنامج التلفزيوني السُّوداني - "أسماء في حياتنا" - أنَّ الدماء "الدينكاوية" الجنوبيَّة تجري في عروقه!

ويقول الصَّادق المهدي حين أدلف يجادل عن الولايات المتحدة الأمريكيَّة إنَّ الأمريكان ليتحدَّثون معه ويؤكِّدون له:

(1)    نحن ضد انفصال الجنوب، ليس حباً فينا، بل خوفاً من أن يزيد الانفصال الحروب الداخليَّة في الجنوب، كذلك يعتبرون ربط الشمال بالجنوب يقلِّل من اندفاع الشمال الإسلامي.

(2)    لا يريدون حرب (في السُّودان)، بل يريدون صيغة للتفاهم والحوار، حتى إنَّهم ليطلقون عليها عبارة  الهبوط المرن (Soft landing)، لأنَّ في رأيهم إذا تمَّ (التغيير) بالقوة فلسوف يؤدِّي إلى مشكلات تجعل عناصر الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان تعمل للنظام السُّوداني مستقبل كما تفعل الجماعات الإسلاميَّة في الجزائر.

نحن نأخذ قول الصَّادق هذا نقلاً عن الأمريكان بتحفظ شديد، أو التحفظ الذي يرتقي إلى مستوى الرَّفض.  وما الذي يمنع أن تكون هذه الادعاءات من استنتاجات الصَّادق ذاته؟  والصَّادق الذي يستظهر علينا أنَّ الأمريكان يريدون الجنوب سداً منيعاً يحول دون نفاذ الشريعة الإسلاميَّة إلى كل أنحاء السُّودان، لم يقل لنا شيئاً عن آفاق الشريعة ذاتها في الشمال ذاته.  فنخن ندري أنَّ كثراً من أهل الشمال يرفضون اعتماد الشريعة الإسلاميَّة مصدراً للتشريع؛ ونحن ندرك كذلك أنَّهم جاهروا برفضها وضحوا في سبيل إلغائها بأنفسهم، والصَّادق نفسه قد عارض قوانين نميري "السبتمبريَّة" (الشريعة الإسلاميَّة) العام 1983م، ودخل السجن في سبيل هذه المعارضة، ولئن تقاعس عن إلغائها بعد أن آل إليه أمر الحكومة العام 1986م.  وفي الحق، فإنَّ دعاوي الانفصال لسوف تزيد الحروب الداخليَّة (القبليَّة) في الجنوب ليست هي من حبكة الأمريكان بقدر ما هي صناعة شماليَّة-سودانيَّة.  فكل أدبيات أهل الشمال عن الجنوب مليئة بمثل هذه الادعاءات كحجج باطلة ضد حق تقرير المصير لشعب جنوب السُّودان.  وحين يتعرَّض الجنوبيين للانتقاد لأنَّهم غير متحدين، كان رد الدكتور قرنق لهؤلاء المنتقدين: "ولِمَ ينبغي أن يكون الجنوب أكثر وحدة من الشمال، مع التأكيد بأنَّ الشمال ذاته لم يكن كتلة متجانسة في يومٍ ما؟  وفي الحق، إنَّ أي وجود للوحدة الشمالية لهي عبارة عن وحدة سالبة، وهي وحدة مكرَّسة ضد الجنوب.  فلِمَ ينبغي على الجنوب أن يعيد تكرار هذه العادة السيئة؟  إنَّ الأساس الوحيد للوحدة الوطنية في السُّودان ليكمن في إيجاد صيغة للتعدديَّة السياسيَّة.  ولكن هذه التعدديَّة يجب أن تكون انعكاساً للتباين الاجتماعي ومرونة التنمية الإدارية، وألا تكون مبنية على الفروقات الدينيَّة والإقليميَّة والأثنية.  وبما أنَّ التعدديَّة – بكل أشكالها – تجعل الحزب أي حزب قادر على إبراز مصالحه لجماهيره، إلا أنَّ التعدديَّة المبنية على الاختلافات تعمل على إحياء التصديات السياسيَّة وعسكرة الشعب ضد الوحدة الوطنيَّة.(134)  فقد ذهب أحد الصحافيين الشماليين مغالياً مدعياً أنَّه "ليس في الجنوب مقومات دولة."(135)  هذا ما سطره قلم الصحافي محمد الحسن أحمد - رحمه الله – في صحيفة عربيَّة واسعة الانتشار بلندن.  ونحن لا نستطيع أن نقبل بمثل هذا النمط من الحديث إلا مبتسمين أو نكون من الساذجين.  والجدير بالذكر فإنَّ أبسط مقومات الدولة لهي الموارد البشريَّة والطبيعيَّة والأرض، حيث لا يختلف اثنان في أنَّ الجنوب يذخر بملايين من البشر، ويملك أراضي شاسعة وعلى سطوحها تجري الأنهار، وتنمو الغابات والحشائش وفاكهة وأباً متاعاً لهم ولأنعامهم، وفي بواطن هذه الأراضي توجد المعادن والنفط.  فبأي آلاء ربكم تكذِّبون!  ومن هنا نستطيع أن نخلص إلى القول بأنَّ حكومات السُّودان المتعاقبة على السلطة في الخرطوم قد استخدمت عدة طرائق لإخضاع أهل الجنوب.  فقد استعانوا بحكاية أنَّه ليس بالجنوب ممن لهم قدر من التعليم لاستيعابهم في مشروع "السّودنة" عشيَّة الاستقلال العام 1953م، واستخدموا القوة العسكريَّة لإخضاعهم قهراً بعد أن أعلنوا تمردهم على الأوضاع السياسيَّة في البلاد العام 1955م، واستغلوا وسائل الإعلام لتنشر لهم الافتراءات، وتذيع لهم في الناس كل ما من شأنه أن يعزِّز أباطيلهم، أو بالأحرى أن نقل كل ما من هدفه أن يستذكر أهل الجنوب بأنَّهم قبائل متفرِّقة متناحرة لا يجمعهم جامع ولا توحدهم كلمة، وقد يفنوا عن بكرة أبيهم بالاحتراب القبلي.  ثم أخيراً أقبل أهل الشمال على فرية أنَّه ليس في الجنوب مقومات دولة، برغم من امتصاصهم لبترول الجنوب والإصرار على بقاء الجنوب في دولة السُّودان الموحَّد ليس من أجل مصلحة الشعوب ورفاهيتها على شطري البلاد، بل من أجل الموارد الطبيعيَّة التي يذخر بها الجنوب.

مهما يكن من شأن، فلم يفتر أو يقتِّر السيِّد الصَّادق المهدي في استعراض إخفاقات نظام الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان وزيف مبرِّرات قادته في الاستيلاء على السلطة، حتى ظننا أنَّه لن يصالح النظام، بل لسوف يجتهد اجتهاداً عظيماً في "الجهاد المدني" لاقتلاع ذلكم النظام المهترئ.  والحال كذلك، فقد أورد الصَّادق في مقال منشور له في صحيفة عربيَّة أنَّ النظام لم يطبِّق الشريعة الإسلاميَّة فعلاً، وتراجع الاقتصاد الوطني إلى الحضيض، وتزايد المعدل اليومي للعزلة الداخليَّة والخارجيَّة، وتلاشى بصيص الأمل في الوصول إلى حل سلمي لإنهاء الحرب الأهليَّة في الجنوب، حيث أصبح مستقبل البلاد كله ظلاماً في ظلام.(136)  بكل ما في النظام من سيئات وسوءات، هرول الصَّادق إلى الخرطوم للاستفادة مما سمَّاه "هامش الحريَّة".  وقد برَّر حزب الأمة – وتوجيه الصَّادق قيادات وقواعد الحزب في الخارج للعودة إلى الداخل – موقفه بترهل التجمع وعدم مواكبته للمستجدات الوطنيَّة والإقليميَّة والدوليَّة، وأنَّ من حقه ككيان سياسي مستقل أن يستثمر تلك المستجدات لتحريك جمود الأزمة السياسيَّة، وإنقاذ السُّودان من شفا التقسيم والضياع.  والجدير بالذكر أنَّ قيادات حزب الأمة داخل السُّودان قد عبَّرت عن رفضها لانفراد الصَّادق المهدي بتعاطي الأزمة السياسيَّة مع الحكومة السُّودانيَّة، ورأت فيه تراجعاً عن ثوابت المعارضة وقرارات التجمع.  وكانت تلك القيادات قد عبَّرت من قبل عن استيائهم من إعلان جيبوتي بين السيد الصَّادق المهدي والرئيس البشير العام 1999م.  ففي هذا الإعلان الذي تخلى فيه حزب الأمة عن حلفائه كان أساسه اقتسام السلطة، ولما اصطدم موقعو الإعلان بموقف قيادة الحزب في الداخل (نقد الله ومادبو وعديل وآخرين) وقع الانقسام الذي قاده السيد مبارك الفاضل المهدي.  لقد استفاد مبارك الفاضل – والحديث هنا للكاتب الصحافي تاج السر مكي – من صراع قديم متجدِّد حول المؤسسية، كما أفاد من الململة التي اجتاحت العضويَّة من اتفاق جيبوتي الغامض، بالإضافة إلى من ضاقوا بالمقاومة وأرقهم الابتعاد عن السلطة والنفوذ من القيادات الوسطيَّة.  على أيَّة حال، فقد أوضح الصَّادق المهدي في تأليفه "كتاب العودة" الأسس التي عليها بُنِيت العودة إلى السُّودان بعد أربع سنوات قضاها في المنفى، أو الهجرة كما يود الصَّادق أسلمتها، أو حصيلة "عملية تهتدون" حين يرغب في عسكرتها.  فقد حقق الصَّادق – بهذه العودة – ما أسماه "التاءات الأربع"، وهي:(137)

(1)    التفاوض مع النظام من أجل إيجاد حل سياسي شامل.

(2)    التحاور مع القوى السياسيَّة الأخرى حتى يكون الحل قوميَّاً.

(3)    تعبئة الشعب السُّوداني للمواجهة بينهم وبين النظام.

(4)    تنظيم الحزب (حزب الأمة).

وعودة إلى مسألة المبادرات، فيرى الصَّادق أنَّ كل المبادرات التي أطلقها هي الوحيدة القادرة على إحلال السَّلام في السُّودان، برغم من إدراكنا أنَّ هذه المبادرات "المهدويَّة" لم تستطع أن تقنع أحداً لكي يأخذها مأخذ الجد، حتى الصَّادق نفسه؛ ودليلنا على ما نقول هو أنَّه ظل يطلق مبادرة تلو الأخرى، وكأنه عاد غير مقتنع بالأولى، ونسختها الثانية.  لذلك لم تستطع هذه المبادرات "المهدويَّة" التحرك في إطار نفسها، فضلاً عن إقناع الآخر بقبولها، حتى نداء الوطن الذي وقعة السيد الصَّادق المهدي مع الرئيس السُّوداني عمر البشير في جيبوتي العام 1999م لم يأخذها النظام السُّوداني بقوة وتطبيقها.  ومن هنا باتت مبادرات الصَّادق المكرورة هباءاً منثوراً.  ومع ذلك كله شرع الصَّادق يحدِّثنا أنَّه "لا توجد مبادرة واحدة (في الساحة السياسيَّة) لها قدرة الدِّفاع أو الاندفاع".  أفلم تكن "مبادرة الإيقاد" لها قدرة الدفاع عن نفسها ضد "المبادرة الليبيَّة-المصريَّة" والمبادرة القطريَّة، وكانت لها أيضاً قدرة الاندفاع بجهود السَّلام حتى تمَّ تحقيقه العام 2005م؟  بلى!  وسوف نوضح في هذا الأمر بإسهاب في الصفحات القادمة.

ثم ندلف إلى شأن آخر له ارتباط وثيق بآل المهدي، وهو تأريخ المهديَّة في السُّودان (1882-1898م).  ونحن نعلم أنَّ لهذا الأمر أربعة تواريخ، وليس تأريخاً واحداً كما هو معلوم عند أغلب الناس وفي أكبر ظنهم.  فهناك التأريخ الذي كتبه المستعمر، وقد ظهر وظفر هذا النوع من التسجيل في الإطار التأريخي الذي يسجله المنتصر دوماً، وهناك التأريخ الذي جاءت به مقررات المدارس في السُّودان لتلقينه على النشء لإظهار شيئاً من البطولات السُّودانيَّة ونوعاً من المشاعر الوطنيَّة.  والسُّودانيُّون، في عرف الرواة لسان حال التأريخ الوطني، أبطال ورثوا القوة والأيد وشدة البأس وإباء الضيم عن أجدادهم، وهذا الصنف من التأريخ يسجِّل مفاخرهم ويشيد بذكراهم، أو لنقل شريحة منهم.  وهناك التأريخ الذي يعيد كتابته السيد الصَّادق المهدي بين الحين والآخر، لتمجيد الأجداد واصطباغ قداسة دينيَّة وهالة اجتماعيَّة ورغبة سياسيَّة على نفسه وآله كلهم أجمعين أبتعين.  وبالطبع هناك التأريخ الذي لم يشاء له القدر أن يُدوَّن، وقد مات من حفظه في عقله ووعاه في قلبه عن أبيه وأجداده وعن طريق الرواية، واندثر أغلبه أو جله، وذلك بسبب الإهمال، أو عدم اكتراث الجُهَّال.  أما التأريخ الذي يستلمعه الصَّادق فهو تأريخ يركن إلى العصبيَّة العربيَّة، ويعتمد على العواطف الدينيَّة، وينتهج الجهويَّة الشماليَّة نبراساً.  وهذا النوع من تدوين التأريخ هو الذي لم يقرِّه عالم الاجتماع العربي عبد الرحمن بن خلدون، لأنَّه تأريخ منحاز ولا يصلح هذا النمط من التأريخ.  وحين يكون الصَّادق مخلوعاً من السلطان، طريدا شريداً من الحكم تشتد لُبانته – أي حاجته – في هذا الاستغلال التأريخي، ليجد العزاء والسلوى في أمجاد المهديَّة، حيث يتكثَّر ويدَّعي أكثر مما تحتمل، وينحلها ما لم تكن، ويأتينا بقول هلهل النسج كاذب – أي مضطرب.  ولم لا؟  أولم تكن المهديَّة قد حكمت السُّودان في يومٍ ما؟  وكيف يستطيع الصَّادق أن يؤمن بهذه السيادة لغيره وهذا المجد لسواه دون أن يحاول أن يثبت لنفسه وللآخرين في قديم العهد على أقلّ تقدير مجداً وشرفاً وسيادة؟  وبما أنَّ هذا الضرب من التدوين الذي يعتمده الصَّادق تغلب عليه هذه العناصر التي لا تصلح كأدوات لكتابة تأريخ صادق، فهو إذن تأريخ منحول لأغراض سياسيَّة، ورغبات أسريَّة، وطموحات شخصيَّة، أو لنقل التأريخ الذي يصادف هوى في النفس لبلوغ أعلى مراتب السلطان.  هذا، وقد اجتهد الصَّادق في هذا النمط من التأريخ اجتهاداً شديداً، أو قل جاهد فيه جهاداً مدنياً عظيماً – لكي نستخدم لغة الصَّادق ذاته.  ثم مضى الصَّادق في مقال نُشِر له يخبرنا عما حقَّقته حكومة المهديَّة في السُّودان من "التاءات الخيِّرة الأربعة"، وفي تضاعيف هذا الكلام الكثير الذي يتقوَّله الصَّادق ويضيفه إلى المهديَّة.  وحين أحصينا هذه التاءات عدداً، وجدناها أنَّها خمس تاءات، اللهم إلا إن أُدغِمت التاء الخامسة في الرابعة.  على أيَّة حال، ما هي هذه التاءات الخيِّرة الأربعة، أو الخمسة كما عددناها؟  هي:

(1)    انتشر الإسلام سلميَّاً في السُّودان فاهتدى به الناس.

(2)    المهديَّة أكملت حلقات الإسلام في السُّودان بإقامة التشريع الإسلامي.

(3)    وكان السُّودان ممزق الأوصال فحقَّقت له التوحيد.

(4)    كان السُّودان مستعمراً فحقَّقت له التحرير.

(5)    كان السُّودان قطراً مغموراً ليس له شأن فحقَّقت له الشهرة والتعريف.

وعن مقال الصَّادق إياه استرعى انتباهنا تعقيب أرصد حمد المك من القاهرة؛ إذ فنَّد أقاويل المهدي عن المهديَّة بأنَّ المهدي حاول في ذلك المقال "إلباس مرئياته الذاتية لبوس الموضوعيَّة والتجرُّد"، حيث "لا توجد براهين قاطعة على قيام الحكومة المهديَّة بنشر الإسلام في السُّودان، سواء بطرق سلميَّة أو غير سلميَّة."  وأضاف المك:(138)

(1)    قبل المهديَّة كان بعض التشريع الإسلامي مطبقاً ومعمولاً به في المحاكم الشرعيَّة التي أقامها الأتراك المصريُّون، وعيَّنوا عليها شيوخاً متفقهين في الشريعة الإسلاميَّة من غير المتصوفة.  أما التشريع الإسلامي المهدوي فقد كان أكثر شمولاً، إلا أنَّ ممارسته لم تخل من أهواء السلطان الذي كان من غير أهل علم.

(2)    لم يكن السُّودان ممزق الأوصال عند قيام الثورة المهديَّة، فقد كان بلداً تحت إدارة "منظمة وحضاريَّة" وإن لم تكن وطنيَّة.

(3)    لم يكن السُّودان بلداً مغموراً يوما من الأيام.  فقد كان صيته عالياً وسمعته طيبة لأمد من الزمان، امتد من قبل مروي وكوش والممالك المسيحيَّة والسلطنة الزرقاء، كما أنَّ البلاد لم تكن بحاجة إلى المهديين لتوحيدها، فالسُّودان كان وما زال معروفاً ومتحداً وإن خالطت سمعته ووحدته شوائب من جراء قصر نظر حكومة التعايش وحكومات وطنيَّة لاحقة.

ويختتم المك تعقيبه بالتأكيد على أنَّ الصَّادق قد تعرَّض "للمصادرات والتوقيف في بيوت الأشباح والمراقبة والمساءلة، ولكن لا يخفى على أحد أنَّه عُومل حتى الآن بكثير من الرحمة مقارنة بالذين قُتِلوا، والذين عُذِّبوا، والذين طُرِدوا، والذين قُطِعت أطرافهم، والذين حُرِموا من أسرهم وغيرهم.  وما اختلاف المعاملة إلا لإحساس النظام الحالي (الإنقاذي) بأنَّ الصَّادق هو بمثابة سلاح بتار بيده يقطع دابر المعارضة الحقيقيَّة، وبوق يسمع به العالم ادعاءاته."  وعودة إلى ظاهرة الخيال التأريخي "المهدوي"، والحديث عن هذه الصورة التأريخيَّة الزائفة، وعن هذه المرآة التأريخيَّة السُّودانيَّة المتأثرة بمناهج النزعة العرقيَّة "الشوفينيَّة" المتمركزة حول الذات والاستعلاء، يوضِّح أحمد رمبة في أكثر ما يكون الإيضاح "أنَّ المهديَّة طبَّقت نظام الخدمة الجهاديَّة الإجباريَّة، وفرضت الحجاب على جميع النساء في السُّودان، وتعاملت مع الرقيق، وأغلقت جميع أماكن الترويح والترفيه، وعطَّلت الفن الغنائي تماماً في البلاد؛ بل قام جنود المهديَّة بتحطيم الآلات الموسيقيَّة والدفوف (الدلاليك) واستبدال الغناء بأناشيد الجهاد."(139)  ومن هنا نستطيع أن نقول إنَّ حكومة "الإنقاذ" كانت أشبه بالمهديَّة في عدة جوانب، وبخاصة الجانب الجهادي منها، ومحاولاتها التعسفيَّة لإخضاع الثورات التي قامت في دارفور ومنطقة الكبابيش في شمال كردفان وبعض مناطق السُّودان.

ومع هذا كله لم يكتف السيد الصَّادق المهدي بالدور السياسي، بل طفق يسعى طالباً الدور الديني حتى تمَّت بغيته إماماً لكيان الأنصار.  فانتخاب الصَّادق المهدي كإمام للأنصار في نفس الوقت الذي فيه احتفظ بمنصب رئيس حزب الأمة يطرح نفس الخلاف السياسي-الطائفي الذي نشب بينه وبين عمه الإمام الهادي المهدي في الستينيَّات من القرن الماضي؛ إذ كان موقف الصَّادق آنذاك مصوباً نحو الدعوة إلى الفصل بين السلطة السياسيَّة والسلطة الطائفيَّة، وها هو ذا بعد 37 عاماً يكرِّس نفس الازدواجيَّة في شخصه.  مهما يكن من الأمر، ففي إحدى خطبه بمسجد جده السيد عبد الرحمن المهدي بود نوباوي – في مدينة أم درمان – ذكر الصَّادق المهدي بأنَّه تريَّث في أمر الإمامة لأسباب أهمها:

(1)    الحاجة لبيان ماهيَّة المرحلة الجديدة في دعوتنا لكي لا يكون أحد في ريبة في معانيها ومعالمها.  ففي العهد الأول كانت الإمامة تصديق والبيعة بيعة إلزام، وفي المرحلة الثانية كانت الإمامة مكتسبة والبيعة بيعة رضا.  وفي المرحلة الثالثة الحالية الإمامة منتخبة والبيعة بيعة لقائد.

(2)    الحاجة لهامش من الحرية ومتسع من الوقت لتكملة تكوين هيئة شؤون الأنصار بالصورة الشوريَّة التي تكفل المؤسسيَّة والمشاركة وتصعيد الذين ينتخبون الإمام.

(3)    وضوح الرؤية حول اختصاص الإمام بهيئة شؤون الأنصار والكيان السياسي، لا سيما ونحن نتطلع لكيان سياسي واسع الشعبيَّة، ديمقراطي التكوين.

ولا نرغب هنا في الخوض في هذه المسائل الفقهيَّة والقضايا الطائفيَّة، والتي فيها يجادل الصَّادق ما وسعه الجدال، لأنَّها بعيدة عما نود التركيز عليه في الصفحات التي بين أيدينا أو أمامنا.  ولكن من يرغب في الاستزادة في هذا السبيل فيمكنه الرجوع إلى مقالات الدكتور عمر القراي على صفحات الصحف السيارة وصحيفة "سودانيل" الإلكترونيَّة، فله سجالات وجولات في تفنيد مزاعم الصَّادق في حياته الفقهيَّة والطائفيَّة.  أما نظرتنا إلى الصَّادق، وهو يجمع بين المسائل الدينيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة، لأمور سلطانية فقد انقلب خطلاً ووبالاً على المشكل السُّوداني الذي أمسى الجمع بين الدين والسياسة أحد العناصر البارزة فيه.  ولعل هذا الخلط قد قاد إلى استعار الحرب الأهليَّة واستفحالها وصعوبة حلها، وتسبب في تصدع الوحدة الوطنيَّة، واقتراف تجاوزات عديدة من خلال مزاعم الجهاد وتحكيم شرع الله.

مهما يكن من الأمر، فبعد هذه الأخلاط الدينيَّة-السياسيَّة تحدَّث الصَّادق عن السلام المنشود، مستعرضاً سبعة من المبادئ الصالحة لتكون أساساً لاتفاقيَّة سلام عادل.  فما هي هذه المبادئ السحريَّة التي طرحها الصَّادق لتكون أساساً لاتفاقيَّة سلام عادل؟

(1)    كفالة حريَّة الأديان، واحترام التعدديَّة الدينيَّة.

(2)    كفالة حريَّة الثقافات، واحترام التعدديَّة الثقافيَّة.

(3)    مساواة كافة المواطنين في حقوق المواطنة.

(4)    تحقيق توازن تنموي وخدمي، وتوزيع عادل للثروات الوطنيَّة.

(5)    حكم البلاد حكماً لا مركزيَّاً حقيقيَّاً.

(6)    مراجعة هياكل ومؤسسات الدولة لمواكبة تلك الإصلاحات.

(7)    تأمين الوحدة الطوعيَّة عبر الاستفتاء.

ومن بعد، أردف الصَّادق قائلاً: "إنَّ (أيَّة) اتفاقيَّة سلام دون التحول الديمقراطي سوف تكون عرجاء؛ لأنَّه يجب أن يحميها دستور ديمقراطي يسنده الشعب، وهذا الدستور الديمقراطي يتم عبر تحول ديمقراطي حقيقي تحكمه المبادئ السبعة الآتية":(140)

(1)    أن يكون الدستور ديمقراطيَّاً رئاسيَّاً فيديراليَّاً.

(2)    أن تكفل حقوق الإنسان كما تنص عليه المواثيق الدوليَّة.

(3)    أن يكفل المساواة في المواطنة.

(4)    أن يكفل فصل السلطات الثلاث (التنفيذيَّة والقضائيَّة والتشريعيَّة)، ويحقِّق استقلال القضاء.

(5)    أن تكون مصادر التشريع واسعة، بحيث تشمل – بالإضافة للشريعة الإسلاميَّة – الأديان السماويَّة، والثقافات السُّودانيَّة، والمواثيق الدوليَّة.

(6)    تكوين آليَّة قضائيَّة للتحري عن التجاوزات والمظالم، لمعرفة الحقيقة ولدفع المظالم الدينيَّة والجنائيَّة.

(7)    مراجعة كافة القوانين الموجودة الآن في البلاد، لإلغاء أو تعديل القوانين المناقضة لهذه المبادئ.

فالمنطق السليم يقول إنَّ الديمقراطيَّة العاجزة عن تحقيق السَّلام تجدها غير قادرة على صيانة السَّلام متى ما جاء وكيفما جاء.  وهذه الديمقراطيَّة هي الأخرى غير قادرة على حماية نفسها.  ومن ذا الذي يحمي "هذا الدستور الديمقراطي (الذي) يتم عبر تحول ديمقراطي حقيقي" إذا خرج العسكر من ثكناته وانقضوا على هذا الدستور كما حدث مرتين في السُّودان؟  هذا التساؤل لم يجاوب عليه السيد الصَّادق المهدي، بل شرع يحدِّثنا عن مبادئ الدستور الديمقراطي.  ولعل أحاديث الصَّادق – كعادته دوماً – مليئة بالتناقضات.  ففي الوقت الذي فيه يستكثر الصَّادق على الدستور الديمقراطي بأنَّه ينبغي أن يكفل حقوق الإنسان كما تنص عليه المواثيق الدوليَّة، نجده تارة أخرى يطالب بأن تكون مصادر التشريع واسعة بحيث تشمل – بالإضافة للشريعة الإسلاميَّة – الأديان السماويَّة والثقافات السُّودانيَّة والمواثيق الدوليَّة.  هذا، وبعد أن فرغ الصَّادق المهدي من معالجة قصور الدستور السُّوداني فيما يتعلَّق بأي مشروع اتفاقيَّة سلام، شرع في تقديم نصائح وإرشادات لمشرعي الأمم المتحدة "بضرورة مراجعة المواثيق لإدخال القيم الروحيَّة والخلقيَّة والثقافيَّة والبيئيَّة فيها، لأنَّها كُتِبت في ظروف أغفلت تلك الجوانب الهامة في حياة البشريَّة."  كان هذا مما دفع الدكتور منصور خالد أن يكتب في كتابه "السُّودان: أهوال الحرب وطموحات السَّلام" بأنَّ الرجل مصاب بشهوة إصلاح العالم.  على أيَّة حال، فإنَّ هذه دعوة صرحية من الصَّادق المهدي لتديين منظمة الأمم المتحدة.  فإذا افترضنا إدخال الأديان السماويَّة في صلب عمل المنظمة الأمميَّة، فما بال الأديان "الأرضيَّة الأخرى، وهي هامة في نظر معتنقيها مثلما يعتقد اليهود والمسيحيَّون والمسلمون في أديانهم السماويَّة!  ثمَّ ما هي الثقافات التي يلح الصَّادق على المنظمة الدوليَّة إدخالها في أروقتها، مع العلم بأنَّ ثقافات العالم والمجتمعات البشريَّة متعدِّدة ومتشعبة!  ثم نتساءل باستغراب واستهجان عن "القيم الخلقيَّة" التي يحث الصَّادق مسؤولي الأمم المتحدة بضرورة مراجعتها، وكأنَّما هذه المنظمة الدوليَّة أمست بؤرة لممارسات لا أخلاقيَّة!

ثم نعرج إلى الإسلام الذي يتحدَّث عنه المغالون دوماً بشيء من الإسراف والاستكثار كثير.  فحين يذكر الصَّادق أنَّ بالإسلام حققت للقوميات الطورانيَّة والفارسيَّة والهنديَّة والإفريقيَّة أمجد أيامها وأفضل عطائها نجد أنَّ في ذلكم الحديث شطط وتزيُّد، والقفز على الوقائع التأريخيَّة.  فالإمبراطوريَّة الفارسيَّة كان لها جولة وصولة قبل اعتناق الفرس للإسلام، وكانت للهند حضارة عريقة امتازت بالاكتشافات العلميَّة بما فيها علم الرياضيات وغيرها، كما كانت لممالك السُّودان القديمة – قبل وبعد اعتناق المسيحيَّة – الريادة في اكتشاف الكتابة واختراع اللغة الهيروغلوفيَّة (المرويَّة) وهندسة المعمار في بناء المعابد والأهرامات التي امتدَّت إلى المصرين القدماء في وادي النيل.  فهناك حضارات إفريقيَّة عريقة لم تظهر إلى العالم لأنَّ المستعمرين الأجانب حاولوا طمس ملامحها، ولم يظهروا من أمجادها شيئاً.  إذ ازدهرت حضارة عظيمة في مالي، وكانت مدينة تومبكتو مركز هذه الحضارة، ومهد أول جامعة في إفريقيا، حيث كان يتردد إليها الطلاب من كل فج عميق بما فيه البلاد العربيَّة لينهلون العلم والمعرفة، وكانت هناك حضارة ذاع صيتها في العالم القديم، حيث نشأت في إثيوبيا وغانا وداهومي وزيمبابوي وغيرها.  ودحضاً للغلو والإسراف في حديث الصَّادق، لا نرى في نهب ممتلكات الأفارقة واسترقاق شبابهم، وسبي بناتهم ونسائهم، لا نرى في كل هذه التجاوزات الإنسانيَّة التي تمت على أيدي غزاة عرب مسلمين ضرباً من أمجاد الإنسانيَّة في شيء، وما اتفاقيَّة "البقط" العام 652م بين ملك النَّوبة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عنا ببعيد.

ولا نكاد نفرغ من الحديث عن مبادرات الصَّادق السياسيَّة الكثيرة التي لا سبيل إلى إحصائها أو استقصائها، حتى نجد أنفسنا مضطرين أن نقف على مبادرة أخرى تتعلَّق بالحريات العامة، وذلك ليثبت الصَّادق للناس أنَّه ما من شيء إلا له فيه قدمة وسابقة بالطبيعة والسليقة.  ففي الندوة "الرمضانيَّة" التي نظمتها صحيفة "الوطن" بالخرطوم طالب السيِّد الصَّادق المهدي "بإقامة مجلس قومي للحريات، (أي) مجلس بأعلى مستوى يمثل ضمير الشعب السُّوداني (حيث) تشترك فيه القوى الفعالة في مجتمعنا (لكي) تتابع وتراقب سير الحريَّات".(141)  وأضاف الصَّادق المهدي: "إنَّ هذا الاقتراح جاء كرد فعل لفعل، ويجب أن يُنظر إليه بأنَّه اقتراح تلقائي نبع من الضرورة المطلوبة، وأنَّه يجب أن تكون هناك رؤية واضحة لتعريف الحريات وصياغة الأفكار والمبادئ، للدفاع عن الحريَّات والممارسات، وأنَّ المجلس المقترح يضم قضاة ومحامون ورجال دولة وصحافيين أكثر إحاطة بدورهم المهني.  وهذا المجلس المقترح لا ينتمي لأي حزب من الأحزاب، ويتجنَّب المسائل الخاصة، ويتَّخذ لنفسه ضوابطاً، وهو ليس قرار من حزب الأمة، ولم يتم التفاهم فيه بيني وبين صحيفة "الوطن"، وإنَّما هو افتراض قائم بذاته ويجمع كل القنوات العاملة في المجال السياسي والمدني، و"قومي سوداني"، ومنبر ديمقراطي، وعين الشَّعب حول قضيَّة الحريَّات."(142)  فهل كان المشكل في السُّودان يوماً متوقِّفاً على مراقبة الحريات العامة؟  كلا!  لا شك في أنَّ المعضلة الأساس هي صيانة الحريات والسماح لها أن تُمارس.  وبما أنَّ "المجلس القومي للحريات"، الذي اقترحه الصَّادق، يمثل جهازاً شعبيَّاً، فماذا يكون دور منظمات المجتمع المدني الأخرى بما فيها منظمات حقوق الإنسان المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة، والتي تكتظ بها الساحات السياسيَّة؟  فما هو المفقود في هذه الحلقة إذن؟  المفقود هو دور الدولة كراعي لحقوق رعاياها.  إذ كان ينبغي على الصَّادق أن يطلب من الدولة السُّودانيَّة في أشد ما يكون الطلب أن تلتزم بالقوانين المحليَّة والمواثيق الدوليَّة لصيانة حقوق الإنسان الأساسيَّة في المواطنة وحريات التعبير والنشر والتجمع والتنقل والإضراب وغيرها من الحريات التي تجد تكتيماً شديداً في السُّودان.  فكم هُضِمت هذه الحقوق كثيراً في عهود الديمقراطيَّة!  وكم سُحِقت هذه الحقوق بصورة أكثر في أعصر الديكتاتوريَّة العسكريَّة!  فماذا تعني مراقبة الحريات الفردية، الجمعيَّة، الدينيَّة، الثقافيَّة، النقابيَّة أو غيرها دون وجود قانون رادع يكون سيفاً على رقاب منتهكيها، وتجبر الحكام قبل العوام على أخلاق يلتزمون بها؟  بالطبع، لا شي!  أفلم تتضخَّم سجلات منظمات حقوق الإنسان بالتقارير الدوريَّة عن انتهاكات حقوق الإنسان والحجر على الحريات في السُّودان في مناطق الحرب والسلام معاً؟  بلى!  ومن ذا الذي يستطيع أن يقول إنَّ الحكومات السُّودانيَّة قد أنصفت أولئك وهؤلاء في يوم ذي نكبة؟  لا أحد!

ومن بعد، هل كان الصَّادق يستطيع أن يكتفي بما قاله عن الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان؟  كلا!  فقد ذكر الصَّادق المهدي لصحيفة سودانيَّة أنَّ قيادة الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشعبي لتحرير السُّودان ما زالت تريد الحل الحربي في الأساس، ولأنَّ حجمها في الماضي كان حجماً استثنائيَّاً، وهذا الحجم سوف يتراجع مع استمرار تطبيع العمل السياسي العلني في الداخل.(143)  لكن، ومع ذلك القول المهدوي، لم تعتمد الحركة الشعبيَّة الحل العسكري في الأساس.  وإذا كان الأمر كما يتصوره الصَّادق ويستظهره على الناس، فلا يستقيم ذلك الحديث مع وقائع الأحداث والحركة الشعبيَّة قد عقدت عدة جولات تفاوض مع الحكومات السُّودانيَّة بما فيها أعضاء في حكومة الصَّادق نفسه، وزعماء الأحزاب بما فيهم الصَّادق نفسه، وممثلي الهيئات النقابيَّة والمهنيَّة وغيرها.  أفلم تكن كل هذه المبادرات والمناشدات التي اشتركت فيها الحركة الشعبيَّة من أجل الحل السلمي للمشكل السُّوداني؟  بلى!  إذ أنَّ حكومتي السيد الصَّادق المهدي (الأولي في الستينيات) والثانية (1986-1989م) هما اللتان ابتغتا الحل الحربي لمشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان.  وقد أثبتت حقائق الأشياء في السُّودان أنَّ الصوت الوحيد المسموع والمطاع أمره هو صوت البندقيَّة، والبندقيَّة هي التي تجبر زعماء الخرطوم للجلوس اضطراراً لتقاسم السلطة السياسيَّة، والثروة الوطنيَّة، والاعتراف بالثقافات والديانات والقوميات الأخرى.  أفلم يقر الرئيس عمر البشير بنفسه أنَّ النظام "الإنقاذي" لا يتفاوض إلا مع حملة السلاح، وذلك في عبارته الشهيرة "إنَّ على من ينازعنا السلطة أن يحمل السِّلاح ويواجهنا؟"  بلى!  والحرب فُرِضت على الحركة الشعبيَّة وأنصارها فرضاً لأنَّهم ظُلِموا، ولم تكن غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهداف سياسيَّة واقتصاديَّة وتنمويَّة واجتماعيَّة فشلت كل المساعي السلميَّة لتحقيقها عبر الحقب منذ استقلال السُّودان العام 1956م.

أيَّاً كان من أمر الصَّادق، فيقول عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "كل امرئ منا يستطيع إذا فكَّر قليلاً أن يجد في نفسه شخصيتين متمايزتين: إحداهما عاقلة تبحث وتنتقد وتحلِّل وتغيِّر اليوم ما ذهبت إليه أمس وتهدم اليوم ما بنته أمس؛ والأخرى شاعرة تلذ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب وترغب وترهب في غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وكلتا الشخصيتين متصلة بمزاجنا وتكويننا لا نستطيع أن نخلص من إحداهما؛ فما الذي يمنع أن تكون الشخصيَّة الأولى عالمة باحثة ناقدة، وأن تكون الشخصيَّة الثانية مؤمنة مطمئنَّة طامحة إلى المثل الأعلى."(144)  وقد قيل إنَّه "لا يمكن الجمع بين النقيضين في شخص واحد في وقت واحد، بل لا بد من أن تتجلَّى إحدى الحالتين للأخرى (...) (وهما) ليسا متفقين، ولا سبيل إلى أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما لصاحبه عن شخصيته كلها."(145)  أما في حال الصَّادق فوجدنا فيه أربع شخصيات متنافرة في شخصيَّة واحدة: شخصيَّة الصَّادق السياسي الذي يخوض في أمور الدولة وإدارتها وأحكامها السلطانيَّة، وشخصيَّة الصَّادق العلامة الديني الذي يفتي في قضايا الدين ويجتهد فيها اجتهاداً عظيماً، وشخصيَّة الصَّادق الأكاديمي الذي يحاضر ويؤلِّف ويؤرِّخ، ثم شخصيَّة الصَّادق ذو النزعة القوميَّة العربيَّة التي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، حيث لا يكاد ينفك منها.  واختلاط هذه الشخصيات وارتباكها هما اللذان يخرجان الصَّادق كما يشاهده الناس في قطر يتمزَّق إرباً إرباً بسبب السياسة والدين والأثنيَّة والثقافة والهُويَّة وهلمجراً.

وفي نهاية الأمر، هناك الكثير من أقوال الصَّادق، وتصريحاته الصحافيَّة، وأحاديثه لرجال الإعلام، وكتبه العديدة المنشورة على نطاق واسع كنا نستطيع أن نقف عندها، ونلم بها إلماماً، وننتهي فيها إلى مثل ما انتهينا إليه في أمر شخصيَّة الرجل كما أشرنا إليها في هذه الصحيفة القصيرة.  ولكننا نكتفي بما قدَّمنا؛ فقد عرضنا كيف أضاع الصَّادق فرصة السَّلام في عهد حكوماته الأربع (الحكومة الائتلافيَّة، حكومة الوحدة الوطنيَّة، حكومة الوفاق، ثمَّ حكومة الجبهة الوطنيَّة المتحدة)، والتي استمرَّت ثلاث سنوات وشهرين من 27 تيسان (أبريل) 1986م – 29 حزيران (يونيو) 1989م، وكيف شرع يطلق مبادرة بعد أخرى حين أصبح منزوع السلطان، وكيف أخذ يختلق صراعات حزبيَّة مع التجمع الوطني الديمقراطي بعد خروجه من السُّودان في عمليَّة مثيرة للجدل.  وبعد أن عاد إلى الخرطوم في ظروف أكثر جدلاً بات الصَّادق في منزلة وسطى؛ ليس مصالحاً مع النظام ولا معارضاً له، بل متعارضاً مع نفسه ومع المعارضة الشماليَّة ومع الحركة الشعبيَّة، ولكن تعارضه مع النظام كان في مسائل هامشيَّة واتفاقه معه في مسائل سلطانيَّة من حين إلى آخر، بل شرع يوقع معه اتفاقات ثنائيَّة غريبة.  ويُخيَّل إلينا أنَّا قد وضَّحنا وبيَّنا وأزلنا الحجاب عن كل ما نريد أن نقوله في موقفنا بإزاء شخصيَّة الصَّادق الصديق عبد الرحمن المهدي.  ونحن لم نقصد في هذا الكتاب إلا أن نبيِّن خطل ومواقف الرجل السياسيَّة وتناقضاته الفكريَّة وتأرجحه الذي لم يكد يستقر على حال.  هذا وقد تأذَّي الشعب السُّوداني من مواقف الرجل المتذبذبة هذه أيما الأذى.  أما الذين يرون أنَّنا لم نبلغ من ذلك ما كنا نريد، لأنَّنا مهما فعلنا فلن نستطيع أن ننهض بالحق وحدنا، كان لا بدّ لهم أن ينهضوا به معنا.  إذن، فإنَّ الذين يحبون الحق ويسعون إليه ويطلبونه، ثمَّ يبغون أن يذيعونه في الناس غير آبهين بلومة لائم أو تقريع غاشم، عليهم أن يفتونا في أمر هذا الزعيم الذي بات يمهر مقالاته الصحافيَّة بمناصب رئيس وزراء السُّودان المنتخب في نيسان (أبريل) 1986م، وإمام الأنصار المنتخب في كانون الأول (ديسمبر) 2002م، ورئيس حزب الأمة المنتخب في نيسان (أبريل) 2003م.