عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

تحالف القوى الوطنيَّة السُّودانيَّة.. وكلام عن "الوسطيَّة الإسلاميَّة" في الحكم

 

نحن نعلم أنَّه في عهد الديمقراطيَّة تنشأ أحزاب سياسيَّة جديدة كل الجدة، وتنسلخ فصائل سياسيَّة عن الأحزاب الأم، فتجد دعماً وتشجيعاً من ذلك الحزب أو الآخر كيداً لغيره، وتظهر تحالفات هنا وهناك فيتعكَّر الجو السياسي وتضطرب الحياة العامة.  أما حين ينشأ تنظيم سياسي خارج الوطن ويزعم أنَّه تنظيم معارض مواز لتجمع سياسي معارض آخر خارج البلاد، ويتبنَّى هذا التنظيم الزعيم الإسلام مهما يكن من أمر فهذا شيء مدهش.  والمدهش في الأمر أن تلتف حول هذا التنظيم الوليد شخصيَّات لها انتماءات حزبيَّة معروفة، وذلك دون أن يعلنوا على الناس أنَّهم خلعوا قمصانهم الحزبيَّة القديمة، أو تعلن أحزابهم القديمة أنَّها جرَّدت أصحابهم القدامى من ملابس الحزب.  وقد ترأس هذا التحالف البروفيسور محمد إبراهيم خليل، وهو كان رئيس الجمعيَّة التأسيسية العام 1986م ممثلاً لحزب الأمة.  وما أن أُعلن قيام هذا التحالف حتى التف حوله بعض الساسة، وإنَّك لتستطيع أن تعلم عما يدور داخل الحزب أي حزب من خلال القيادات التي يحتفظ بها هذا الحزب – أو كما تقول الفرنجة (You can tell about a party by the company it keeps).  وبرغم من أنَّ البروفيسور خليل كان يدعى أنَّه يتحدَّث باسم لجان حزب الأمة في المهجر (الولايات المتحدة وبلدان الخليج ومصر)، ويعبِّر عن رأيهم، ويعقد اللقاءات التداوليَّة نيابة عنهم، إلا أنَّ الدكتور عمر نور الدائم – الأمين العام لحزب الأمة يومئذٍ – كان قد ذكر أنَّ البروفيسور خليل لم تعد له علاقة بحزب الأمة منذ أن استقال من رئاسة الجمعيَّة التأسيسيَّة المنتخبة إلى رئيس الوزراء السيد الصَّادق المهدي في آذار (مارس) 1988م احتجاجاً على اشتراك الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في الحكومة بهدف توسيع قاعدة الحكم.  وقال السيد مبارك الفاضل المهدي إنَّ اعتراض خليل على دخول الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في حكومة الصَّادق المهدي لم يكن منطلقاً من مواقف مبدئيَّة بقدر ما كان مستنداً إلى هواجس مصلحيَّة بحتة، لأنَّ دخول الجبهة سيفقده منصبه في الجمعيَّة التأسيسيَّة، فحسب التوزيع الجديد سيكون رئاسة الوزراء لحزب الأمة، ورئاسة مجلس رأس الدولة للحزب الاتحادي الديمقراطي، وتذهب رئاسة البرلمان إلى الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، مما يؤدِّي إلى فقدان خليل منصبه كرئيس للبرلمان.  لذلك حاول خليل تعطيل نصاب جلسات البرلمان، ودخل في مواجهة مع ثلاثين نائباً يمثلون الهيئة البرلمانيَّة لحزب الأمة.  إذ رفع هؤلاء عريضة تطالب بإقالته، ولما شعر بأنَّ الأمور لن تكون لمصلحته قرَّر تفادي الحرج، فقدَّم استقالته.(124)  وبعد استقالته كتب البروفيسور خليل مقالات في صحيفة "الأيام" السودانيَّة هاجم فيها المهدي وقوانين أيلول (سبتمبر) 1983م قبل أن يبدأ عزلة طويلة انتهت بالإقامة في المنفى الاختياري في واشنطن.

وإذا توقفَّنا لدي اللَّقاء التَّداولي لممثِّلي تنظيمات الكيان في المهجر في يومي 21-22 تموز (يوليو) 1994م فإنَّنا نستطيع أن نستنتج منه ما يأتي: دعا البروفيسور محمد إبراهيم خليل – الأب الرُّوحي لهذا الكيان - إلى اعتماد "الإسلام الوسطي" (القرآن الكريم والسُّنَّة) أساساً لنظام الحكم في السُّودان، بعد إسقاط حكومة الفريق عمر حسن أحمد البَّشير.  وقد فسَّر البروفيسور خليل هذا الإسلام الوسطي بأنَّه "الإسلام المعتدل القائم على الاجتهاد المتمسك بالقيم والمبادئ الإنسانيَّة، وبتطبيق الأحكام الإسلاميَّة تطبيقاً يراعي تغيير الزَّمان والعصر (ملحق رقم (12))".(125)  إنَّ البروفيسور خليل الذي يدعو "لإنهاء نظام الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة بكل الوسائل التي تتيحها وسطية الإسلام" لم يوضح ماهيَّة هذه الوسائل؟  هل هي وسائل عسكريَّة أم جهاد مدني كالذي كان يدعو له السيِّد الصَّادق المهدي داخل السُّودان، أم الاثنين معاً؟  ثم يستطرد خليل داعياً "إلى العمل على حسم النزاع بين الشِّمال والجنوب عبر الوسائل السِّلميَّة التي لا تتعارض مع المرتكزات الفكريَّة (للوسطيَّة الإسلاميَّة)".  فما هي المرتكزات الفكريَّة للوسطيَّة الإسلاميَّة؟  وكيف يكون الأمر إذا تعارضت "مرتكزات وسطيَّة الإسلام" مع السَّعي لحل الصِّراع بين الشمال والجنوب؟  وهل – بعدئذٍ - يلجأ هذا الكيان لفرض الخيار العسكري؟  على أيَّة حال، فقد ائتمر الكيان وأجمع على الالتزام بالمواثيق والعهود العالميَّة بما فيها العهد العالمي لحقوق الإنسان الأساسيَّة، في نفس الوقت الذي فيه رفض الالتزام بالفقرة الأولى من "إعلان نيروبي" الذي أقرَّه التجمع الوطني الديمقراطي بما فيه الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في 17 نيسان (أبريل) 1993م، والذي ينص على اعتبار "المواثيق والعهود الدَّوليَّة المعنيَّة بحقوق الإنسان جزءاً لا يتجزأ من القوانين السُّودانيَّة، ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لها وتعتبره غير دستوري."  إنَّ أمر هذا الكيان لشيء عُجاب.  إذ أورد البروفيسور خليل وكيانه في المهجر أن هذا الاتفاق – أي إعلان نيروبي - يقوم على عزل الدّين الإسلامي عن الحياة العامة والخاصة للمواطنين.  وما ادِّعاء البروفيسور خليل بأنَّ إعلان نيروبي يلغي ممارسة الإسلام في حياة المواطنين إلا افتراءاً على الحق ومراءاً بالباطل.  فلم ينه الإعلان السُّودانيين عن اتخاذ الدِّين - الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو أي دين آخر - شأناً لهم في مخاطباتهم ومكاتباتهم، ولم يلغ تدريس الإسلام في المدارس كمادة روحيَّة، وممارسة شعائره في الأعياد والاحتفالات الدِّينيَّة، ودفن الموتى ومعاودة المرضى، وصلاة الاستسقاء ودعاة الاستشفاء وغيرها.  فهناك من السُّودانيين من هم مسلمون منذ نشأتهم، يتراحمون بينهم، ويؤدُّون فروضهم الدينيَّة من مناسك وشعائر، ويتعاملون برفق مع الصغير، ويوقِّرون الكبير، ويتجمعون لأداء الصلوات، ويتصافحون ويتوادون، ولم يحتاجوا من قبل، ولم يشعروا الآن بأنَّهم في حاجة إلى قوانين رسميَّة تنظِّم علاقاتهم بخالقهم، بل كل ما أبطله إعلان نيروبي هو تديين السياسة وإهدار حقوق الإنسان الأساسيَّة باسم الدِّين الإسلامي.  وحين يوصي اللقاء التداولي لتنظيمات الكيان في المهجر "كل القوى الوطنيَّة الأخرى للإسراع في إقامة هذا البديل الجديد وليكون هذا التحالف الإسلامي الوسطي القومي هو الوعاء الجامع لأهل السُّودان والبديل الأمثل لحكمه في المستقبل" نجده قد تجاهل كثراً من سكان السُّودان الذين هم ليسوا بمسلمين.(126)  حتى هؤلاء المسلمين نجدهم قد يختلفون في مسائل جوهريَّة في الدين نفسه كما في السياسة.  وهل أفلح الدين في توحيد الأحزاب الدينيَّة كحزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة القوميَّة الإسلاميَّة؟  كلا!  صادقاً كان الصحافي تاج السر مكي حين كتب قائلاً إنَّ "الصراع السياسي لينشأ بسبب تقاطع المصالح والتناقضات بين الفئات المختلفة ولا تكون أساسه الاختلافات الدينيَّة، وإنَّ دولة أفرادها لمن المسلمين يمكن تكوينها بالطبع ولكن لا بد من أن تنشأ داخلها تناقضات أساسها تقاطع مصالح الطبقات، والفئات المختلفة (...) فالدين يشكل انقساماً رأسياً ولا يمثل شرطاً لتكوين المجتمع، والصراع السياسي يشكل انقساماً أفقيَّاً تتكون به المجتمعات والدول."

هذا، فقد بات الدين الإسلامي عنصر ابتزاز روحي وسياسي عنيف في السُّودان منذ الستينيَّات من القرن الفائت، حتى وصل هذا الابتزاز في مستواه الرأسي قمته في الثمانينيَّات بتطبيق قوانين أيلول (سبتمبر) 1983م، وظلَّ هذا الابتزاز يستمر على مستوى أفقي بعد مجيء نظام "الإنقاذ" إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري عقائدي العام 1989م.  فقد وجد وجدَّ كل من يودُّ التودُّد إلى الشعب السُّوداني في شعار تطبيق الشريعة الإسلاميَّة خدمة لأغراضه السياسيَّة، وليست خدمة للرب.  وقد اجتذب هذا الشعار لفيفاً من مسلمي السُّودان، وعضوا عليها بالنواجذ وما كانوا يعلمون أنَّهم مخدوعون.  هذا، فقد أشاع النظام "الإنقاذي" في أهل السُّودان – المسلمين وغير المسلمين – أنَّ التجمع الوطني الديمقراطي ما هو إلا "تجمعاً لفلول الشيوعيين وعملاء المخابرات الأجنبيَّة ضد مصالح السُّودان الحيويَّة والإستراتيجيَّة والأمنيَّة."  وإنَّ في قيام تنظيم موازٍ للتجمع للتشويش وعرقلة مسار عمله ليجد الترحاب والمباركة من النظام، وربما حظي بدعم من جهات خارجيَّة اقتنعت بافتراءات النظام بأنَّ التجمع بؤرة للشيوعيَّة، وينبغي القيام بعمل شيء ما ضد هذه البؤرة.

ومن هنا نرى أنَّ الحياة العامة في السُّودان مليئة بالمغالطات الدَّستوريَّة التي جُبِل السَّاسة السُّودانيُّون الإبقاء عليها في شكل شعارات جوفاء دون تطبيقها، وهذه هي محنتنا وأم بلاوينا.  ونذكر - فيما نذكر - الفقرة التي تحض على عدم التَّمييز بين المواطنين بسبب الدِّين أو العرق أو الجنس أو الثَّقافة في جميع الدساتير السُّودانيَّة منذ الاستقلال.  وفي هذه السانحة نذكر نقاشاً دار بيني وبين أحد زملائي في أيام الدِّراسة الجَّامعيَّة في السُّودان.  فقد حاورني خليلي الجَّامعي هذا بعاطفة عرقية متشدَّدة لدرجة الجُّنون، وأخبرني محدثي هذا بأنَّنا - أي معشر العرب السُّودانيين - لن نرضي بالجنوبي رئيساً لنا ولو أعجبنا إسلامه، ولربما قبلناه نائباً ثانياً على مضض.  هذا هو واقع الحال في السُّودان، وهي نفس السِّياسة الرَّسميَّة المعمولة بها في ظل الحكومات المتعاقبة.  وما إضافة عنصر الدِّين الإسلامي إلاَّ غطاءاً لنوايا سيئة لا يعلم مداها إلاَّ الله.  إنَّ الكيان الذي يتباكى زوراً وبهتاناً على الوحدة الوطنيَّة، ويتَّهم غيره بالتَّفريط في الحفاظ على التراب السُّوداني، هو الذي يسعى لتفتيت هذه الوحدة الهشَّة، وقد بدأ قولا بنقض أوَّل اتفاق تجريبي لتغميض جراح الحرب الأهليَّة في السُّودان.  وكيف نطمئن إلى بلد تنعدم فيه قيم العدالة والمساواة، وتتفشى فيه ضروب الاضطهاد، وتتكاثر فيه صنوف الصراعات القبليَّة والسياسيَّة والعسكريَّة!  كيف نطمئن إلى بلد يسود فيه كل هذا وذاك أن يُحشَر الدين في السياسة، بحيث يقوم أدعياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولئن أتوا بمنكر الأفعال والأقوال أنفسهم!  ومع ذلك فإنَّ الدول الغربيَّة التي يكيل عليها حكامنا أنماطاً من الشتائم وصنوفاً من اللعن قد عرفوا العدل منذ زمن سحيق.  ففي العام 1760م أصبح الإيرل فيررز في بريطانيا، الذي قتل قهرمانه، أول نبيل يُعدَم شنقاً في "تايبورن" مثلما يُعدَم أي مجرم عادي اعتاد على الإجرام؛ وفي العام 1777م تمَّ إعدام الدكتور دود، والذي كان في وقتٍ ما قسيساً للملك جورج الثالث، وذلك بعد إدانته في جريمة التزوير، وكذلك رأينا رئيس الوزراء البريطاني السابق – توني بلير – في تموز (يوليو) 2000م يأخذ ابنه ويذهب به إلى مركز الشرطة في لندن في صباح باكر، وذلك لأنَّه كان قد وُجِد في ليلة الأمس سكيراً ملقياً على الأرض في شارع عام ضد قوانين النظام العام في بريطانيا.  وفي يوم 22 أيلول (سبتمبر) 2009م أدانت محكمة في لندن النائب العام – البارونة سكوتلاند – 5,000 جنيه إسترليني لأنها استخدمت مهاجرة لا تملك تأشيرة إقامة سارية المفعول بحيث تسمح لها بالبقاء في بريطانيا.  وبرغم من أنَّ البارونة سكوتلاند لم تكن تعلم أنَّ المهاجرة لا تملك الأوراق القانونيَّة لكي تقيم وتعمل في بريطانيا، إلا أنَّها لم تبذل جهداً لفحص مستنداتها، وبذلك لم تتبع الإجراءات الرسميَّة التي ينبغي إتِّباعها في مثل هذه الحالات؛ وهي – أي البارونة سكوتلاند حينما كانت وزيرة بوزارة الداخلية العام 2006م – كانت قد شرَّعت قوانين تفرض على المستخدمين (بكسر الدال) الاحتفاظ بنسخ من مستندات ممن يستخدمونهم، الشيء الذي لم تطبقه هي.

على أيَّة حال، فإنَّ ظاهرة "الوسطيَّة الإسلاميَّة" هي واحدة من الظواهر السياسيَّة التي تنشأ في مثل هذه الأحوال لتزيد الساحة السياسيَّة ارتباكاً وتهدِّد تماسك المعارضة.  ومن غرائب الأشياء أنَّ مثل هذه الدعوات تجد من الناس ما يصدِّقونها، ويهرولون إليها، ويقدِّمون لها السند والعتاد، برغم من انعدام الأهداف الواضحة، وبرغم من أنَّها غالباً ما تكون ظواهر مؤقتة لا تحتمل الاستمرار لأنَّها في الأساس قامت على قاعدة هشّة.  وما انزواء البروفيسور خليل في مكان قصي بعيداً عن الساحة السياسيَّة السُّودانيَّة إلا ازدياداً في حيرتنا.  وفي نهاية الأمر أوكلت إليه كتابة دستور الصومال ليخرج أهل هذا البلد من فراغهم الدستوري وفوضى الحرب الأهليَّة التي مزَّقت هذا القطر شر ممزق، ولكن دون أن تُكلَّل جهوده بالنجاح، لأنَّ الدساتير والقوانين وحدها ليست كفيلة بإنقاذ البلدان من الدمار والخراب.  ولو كان الأمر كذلك لما ظلَّ السُّودان في دوامة حروب أهليَّة، وانقلابات عسكريَّة، وكوارث بشريَّة وطبيعيَّة لا سبيل إلى إحصائها، برغم من امتلاكهم للدساتير المؤقتة، والمعدلة، والدائمة دوام الحاكم الذي يكون على سدة السلطة حينئذٍ.