عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 


 

 

جهود التجمع الوطني الديمقراطي لإحلال السَّلام

 

بعد إيداع قادة الأحزاب السياسيَّة والجيش ورؤساء النقابات المهنيَّة ونشطاء حقوق الإنسان كلهم أجمعين أكتعين سجن كوبر أصبح بعضهم على بعض يتلاومون، وبدأوا مراجعة أنفسهم وأدائهم حينما كانوا طلقاء، وأجمعوا فيما بينهم على تأسيس التجمع الوطني الديمقراطي الذي وُلِد في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1989م.  وقد وقع على ميثاق التجمع حزب الأمة، الحزب الشيوعي السُّوداني، المؤتمر الإفريقي السُّوداني، وسبعة أحزاب سياسيَّة أخرى، إضافة إلى 31 هيئة مهنيَّة، و51 اتحاد نقابي.  ومن ثَمَّ كتب موقعو الميثاق إلى الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان للالتحاق بالتجمع بهدف توحيد الجهود النضاليَّة ضد نظام الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في الخرطوم، وذلك لإعادة بناء الديمقراطيَّة على أسس سليمة، واستعادة الحقوق الأساسيَّة والحريات إلى الشعب السُّوداني، وعقد المؤتمر الدستوري القومي، والالتزام بتنفيذ كافة بنود الميثاق وملحقاته.  وقد وافقت الحركة الشعبيَّة على الاقتراح شريطة أن تعيد النظر في بعض نقاط الميثاق الذي تم صياغته في غيابها، وكانت هذه التعديلات جوهريَّة لاستيعاب طبيعة الحركة التحريريَّة وتبنيها النضال المسلح لتغيير ملامح ومكوِّنات السُّودان القديم.  وبعد استلام الحركة الشعبيَّة وثيقة ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي ودراستها دراسة متأنية أصدرت بياناً مشتركاً بينها وبين حزب الأمة في 22 شباط (فبراير) 1990م.  وأبرز ما جاء في البيان، الذي صُدِر في ست نقاط، دعوة حزب الأمة "كل الميليشيات القبليَّة في كردفان ودارفور والأجزاء الأخرى (من البلاد) أن توقف فوراً عداءها ضد الجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وأن توجه أسلحتها ضد العدو المشترك (أي الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة وما يسمى بالمجلس العسكري للإنقاذ الوطني)."(98)  غير أنَّ هذه الميليشيات قد ارتدت كساءاً جديداً، أي الثوب "الإنقاذي"، وتحوَّل ولاؤها بين عشيَّة وضحاها إلى حكمدار السُّودان الجديد في الخرطوم، ولم يفلح هذا النداء "الأموي" (من حزب الأمة) في كبح جماحها، وتغيير مسار عدائها.  على أيَّة حال، فبعد اجتماعين في القاهرة يومي 24 آذار (مارس) و27 آذار (مارس) 1990م بين ممثلي التجمع الوطني الديمقراطي من جهة، والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان من جهة أخرى تم التوقيع النهائي على الميثاق، وذلك بعد تضمين رؤية الحركة في الوثيقة.(99)

عند النَّظر إلى العلاقة السياسيَّة التي ربطت التجمع الوطني الديمقراطي مع الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان ينبغي الأخذ في الاعتبار بعضاً من الحقائق البائنة التي يجب ألا تغيب عن النَّاس.  أولها، أنَّ حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي – اللذان يمثلان ركنين أساسيين في التجمع – كانا في الحكومة الموءودة، التي كانت تحارب الحركة الشَّعبيَّة، وما أن دارت عليهما الدوائر حتى تحالفا، مع غيرهما من الأحزاب الأخرى، ومع الحركة الشَّعبيَّة ذاتها.  ثانيها، إنَّ التجمع الوطني الذي فشل في خلق جيش قوي لمنازلة النظام ميدانيَّاً في ساحات الوغى يريد أن يعود إلى السلطة عبر امتطاء جياد الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.  ثالثها، أنَّ بعضاً من أحزاب التجمع كانت لديها تحفظات على القوة العسكريَّة لدي الحركة الشَّعبيَّة، وبخاصة في حال وصولهم جميعاً إلى الخرطوم، وكان هذا التحفظ لا يخلو من عنصريَّة بغيضة مبطنة.  ففي ندوة سياسيَّة أقامها أحد أعضاء اللجنة المركزيَّة للحزب الشُّيوعي السُّوداني بمدينة مانشستر البريطانيَّة في التسعينيَّات سألنا المتحدِّث عن سبب تتردد أحزاب التجمع في دعم الجَّيش الشّعبي لتحرير السُّودان والزحف معهم نحو الخرطوم؟  وكان رد المتحدِّث أنَّ الجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان يغلب عليه طابع أثني أحادي؛ لذلك لا يمكننا الالتفاف حوله بقوة.  وقد اعتقد هذا البعض المتحفِّظ أنَّ الحركة الشَّعبيَّة بقوتها العسكريَّة ستكون صاحبة القدح المعلى في القرار السياسي والعسكري والأمني في حال وصولهم إلى الخرطوم.  ثم رابعها، أنَّ التجمع قد فشل في تأسيس وتمويل وتدريب جيش قوي – برغم من الدعم المالي والسياسي والإعلامي الذي وجده بالخارج - لمحاربة وإزاحة النظام العسكري الجاثم على السلطة في الخرطوم.  هذه هي الأسباب السياسيَّة والبرجماتيَّة والنفسيَّة التي وجدت فيها أحزاب المعارضة نفسها في الخارج، وفي إطار تعاملها مع الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.

إزاء هذه التحفظات من الجانبين كانت تُعقد الاجتماعات التمهيديَّة بين فصائل التجمع المتباينة في الرؤى لاستكشاف مقاصد بعضهم بعضاً، واستجلاء نواياهم تجاه القضايا القوميَّة الشائكة.  والحال كذلك، اقتصر دور القائمين على أمر المنابر الدوليَّة في توفير المنتديات الحرة لتداول الآراء، والموافقة على مبادئ عامة تحكم مساراتهم النضاليَّة ضد أهل الحكم في الخرطوم، ولرسم البرامج المستقبليَّة لدولة ما بعد الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة.  وكانت الاجتماعات التي عُقدت في العاصمة الكينيَّة – نيروبي – هي جزء من هذه المنتديات التي نُظِّمت لمناقشة أحد عناصر المشكل السُّوداني.  ولا شك في أنَّ قضيَّة الدين والدَّولة – أو قل إن شئت تسييس الدين، أو تديين الدَّولة – مثَّلت العقبة الكأداء في الوصول إلى حل سياسي لمشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان، وشكَّلت كذلك أحد العناصر المتحكمة في هُويَّة وثقافة أهل السُّودان لما لهذه القضيَّة من ارتباط وثيق بالعروبة.  وبما أنَّ الحكومة الجاثمة على السلطة في الخرطوم يومئذٍ قد اتَّخذت الدِّين الإسلامي محوراً رائساً في إدارة شؤون البلاد، والسيطرة على أحوال العباد، وخوض المعارك في "ساحات الفداء" باسم الجهاد في سبيل الله، كان لا بدَّ أن يتم حسم أمر هذه المسألة قبل الدخول في أيَّة مناقشات بين أجنحة التجمع الوطني الديمقراطي من جهة، وبين الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان مع حكومة "الإنقاذ" من جهة أخرى.  ثمَّ كان هذا النظام "الإنقاذي" قد اختلق من هذا الدين الإسلامي عباد الرَّحمن الذين لا يمشون على الأرض هوناً، وكانوا سبباً رئيساً في تفتيت مجتمعات كثيرة، وذلك بما تشدَّقوا به من حميَّة الجاهليَّة.  وكان علينا أن نذكِّر هؤلاء عما كتبه الأديب النيجيري تشنوا أشيبي في رائعته "الأشياء تتداعى" (Things Fall Apart) عن اجتماع كبار قرية مبانتا في نيجيريا.  إذ قال أحد حكماء القرية – فيما هم كانوا يتجادلون في أمر أحد أفراد القرية الذي اعتنق المسيحيَّة، وغلا فيها في أنكر ما يكون الغلو، حتى قتل الأصلة المقدَّسة عند أصحاب القرية – قال قولاً سديداً: "إنَّه لم يكن من عاداتنا وتقاليدنا أن نحارب من أجل نصرة آلهتنا؛ لذلك لا ينبغي علينا أن ندَّعي أنَّنا نفعل ذلك الآن.  فإذا قتل شخص الأصلة المقدَّسة في داره سرَّاً، فإنَّ الأمر يبقى بينه وبين ربَّه، لأنَّنا لم نر ذلك الحدث.  أما إذا وضعنا أنفسنا بين الرَّب وضحيته، فمن المحتمل أن نتلقَّى الضربات الإلهيَّة الموجَّهة نحو الجاني."  ففي نهاية الأمر ينبغي أن تُترك الأمور للتدبير الإلهي.  هذه هي الخلفيَّة التأريخيَّة التي منها نبتت الدَّعوة إلى عقد مؤتمر نيروبي للبت في هذا الأمر الذي هم فيه مختلفون ومتناحرون.  إذ عقد التجمع الوطني الديمقراطي في العاصمة الكينية – نيروبي - في يوم السَّبت 17 نيسان (أبريل) 1993م اجتماعاً ناقش فيه المجتمعون قضيَّة الدِّين والسياسة.  واتفق المجتمعون على إضافة المادتين الآتيتين إلى الدستور الانتقالي الذي سيحكم السُّودان بعد إزاحة وإسقاط نظام الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة وهما:(100)

(1)     تعتبر المواثيق والعهود الدوليَّة المعنيَّة بحقوق الإنسان، جزءاً لا يتجزأ من القوانين السُّودانيَّة، ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لها ويعتبر غير دستوري.

(2)     يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيساً على حق المواطنة، واحترام المعتقدات والتقاليد، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدِّين أو العرق أو الجنس أو الثقافة ويبطل أي قانون يصدر مخالفاً لذلك ويعتبر غير دستوري.

وقد طرقت قادة أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي أرض كنانة، وأقطار شرق إفريقيا وشمالها، وغرب أوربا والولايات المتحدة الإفريقيَّة.  وشاهدوا معايير العمل السياسي وأخلاق الخدمة العامة والإصلاح الإداري، والتعاطي مع الإعلام، وتقديس الحريات المدنيَّة والدينيَّة، وتوفير أسباب العيش الكريم للمواطنين في الدول الغربيَّة، وتوقير الإنسان لأخيه الإنسان.  وقد وفَّر المجتمع الدولي لهؤلاء القادة بعضاً من المال لإدارة العمل السياسي والإعلامي.  لكن ما هو الذي كان ينبغي مشاهدته من هذا كله؟  كان ينبغي تضاعف الجهود العسكريَّة بالتعاون الوثيق مع الحركة الشعبيَّة لمواجهة النظام الغاشم الجاثم على صدر البلاد.  وكان ينبغي أيضاً أن يتعلَّموا من خبرات الدول التي مروا بها مرور الكرام، أو استقروا فيها واستضافتهم ردحاً من الزمان، في إدارة العمل السياسي والمعارضة الفعليَّة.  وكذلك كان ينبغي أن يظهروا من الشفافية التي تعيد ثقتهم بالشعب السُّوداني في الصرف المالي، وذلك بنشر التقارير الماليَّة السنويَّة – مع حجب الصرف العسكري لأغراض أمنيَّة.  ثم كان ينبغي عليهم مراجعة تأريخهم السياسي ليس قبل الانقلاب فحسب، بل منذ الاستقلال حتى يغرسوا ثقة مستجدة في نفوس الجماهير السُّودانيَّة، وذلك لأنَّ تأريخهم في الحكومة والمعارضة فيه من المآخذ ما ينوء بحملها الولدان.  غير أنَّ مراميهم كانت كلها تتمحور حول العودة إلى السلطة.  أفلم تكن السلطة في أيديهم وفرَّطوا فيها؟  بلى!  ولِمَ يتباكون على مُلك لم يستطيعوا الاحتفاظ به احتفاظ أولي الشكيمة والمروءة؟!  أفلم تُؤنِّب أم أبي عبد الله بعد هزيمته أمام الجيوش الأسبانيَّة في غرناطة، مستهزئة له: "لك أن تبكي أيها الملك الساقط على مُلكك بكاء النِّساء، فإنَّك لم تحتفظ به احتفاظ الرِّجال، أو أبك كالنِّساء مُلكاً لم تستطع الحفاظ عليه كالرِّجال."  هذا، فقد جاء توبيخ أم أبي عبد الله شعراً كما هو واضح في البيت التالي:

إبك مثل النِّساء مُلكاً مُضاعاً               لم تحافظ عليه مثل الرِّجال

وبما أنَّ معاقبة النفس على الماضي – أو معاتبتها كأبسط الإيمان – تعين على إتِّقان الحاضر، والتبصر السليم بالمستقل، إلا أنَّ التجمع ركَّز على الحاضر وثوب العجز ملبوس، وجعل نفسه مشدودة كل الشدة نحو المستقبل، وإن لم يعد له كل العدة ويجهِّز له كل جهيزة.  ففي المؤتمر الخامس للتجمع الوطني الديمقراطي تضمَّنت روزنامة هذا المؤتمر – حسبما ارتأت الحركة الشعبيَّة – القضايا الآتية:(101)

(1)     إعادة هيكلة التجمع الوطني الديمقراطي وانتخاب رئيس ونائب للرئيس وأمين عام ونائب الأمين العام وناطق رسمي.

(2)     الفترة الانتقالية وترتيبها بعد سقوط الحكومة السُّودانيَّة الحالية (حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة).

(3)     الوضع الاقتصادي للتجمع.

(4)     اعتماد المزيد من اللامركزيَّة وتحديد مناهج العمل.

(5)     عقد ندوة دستوريَّة صغيرة.

(6)     البحث في خيار حق تقرير المصير.

(7)     البحث في آفاق عملية التسوية السلميَّة للنزاع في جنوب السُّودان.

ثم كان المؤتمر التشاوري الذي نظمته لجنة العدالة والحقوق التابعة لمجلس اللوردات البريطاني في الفترة ما بين 16-18 شباط (فبراير) 1994م بلندن، حيث ابتعثت الأحزاب السياسية له بكل سحار عليم بما سمَّوه "مشكلة الجنوب".(102)  وقد خرج المؤتمرون - بعد المناقشات التي جرت - بالتوصيات الآتية:

(1)     الاستنجاد بحكومة الملكة لكي تستخدم نفوذها العالمية لإبراز محنة أهل السُّودان تحت الحكم الحالي، وبخاصة الذين يقعون تحت التَّأثير المباشر للحرب؛ والمناشدة بالتَّدخل لوقف المذابح والمجاعة والتشريد الإجباري.

(2)     مناشدة المجتمع الدَّولي، المتمثل في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، للإسراع في تأكيد حرية سريان المساعدات الدولية إلى المناطق المتأثرة بالحرب.

(3)     مناشدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتعيين الوسيط الخاص لحل أزمة السُّودان، ودعوة كل الفصائل السُّودانية إلى مؤتمر لبحث الأزمة.

والجدير بالذكر أنَّ بعضاً من أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي كان يعوزه شح الإمكانات المادية، مما أثَّر سلباً على تحرك قياداته والمشاركة الفعَّالة في المنتديات والمؤتمرات السياسيَّة التي كانت تُعقد في أوربا والولايات المتحدة الأمريكيَّة.  والحزب القومي السُّوداني كان واحداً من هذه الأحزاب، التي كانت تجد المشقة الشاقة في تمويل رسوم التأشيرة وتذاكر السفر والإقامة في البلد المعني.  لذلك لم يستطع الحزب أن يشارك بممثل في هذا المؤتمر التشاوري الذي عُقِد في لندن، إذ ساهم فقط بالورقة التي أعدَّها ممثل الحزب بالقاهرة السيد خميس إنجليز دارفور.  وبما أنَّ مسألة الحرب والسَّلام كانت على قمة القضايا موضوع النقاش، فقد أصرَّت الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان على موقفها، الذي سلكته بعد مؤتمر واشنطن العام 1993م، القائم على "حق تقرير المصير" لشعب جنوب السُّودان وجبال النُّوبة وكل المناطق المهمَّشة الأخرى بالقطر.  وفي شأن الحديث عن مبدأ "حق تقرير المصير" يطفو إلى السطح ثمة موقفان في فهمه وتطبيقه.  أحدهما قديم عهد، وقد تم حصره، منذ نشأته، في الشعوب التي تعرَّضت أو تتعرَّض لاحتلال خارجي، وعلى التحديد شعوب المستعمرات التي رزحت تحت نير الاستعمار المباشر، كما الاستعمار الاستيطاني العنصري.  وثانيهما حديث عهد، إذ أصبح يُطبَّق على القوميات داخل الدول القائمة، سواء أكانت هذه القوميات أثنيَّة عرقيَّة، أم دينيَّة، أم طائفيَّة، أم ثقافيَّة، أو حتى مناطقيَّة-جهويَّة.  وقد نبعت من مبدأ "حق تقرير المصير" في إطاره الأساس الأول الصيغة "الويلسونيَّة" (نسبة إلى الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (1856-1924م))، والنظرة "اللينينيَّة" (نسبة إلى زعيم الثورة الشيوعيَّة في روسيا ومؤسس الاتحاد السوفيتي نيكولاي لينين (1870-1924م)) الموجهة إلى شعوب المستعمرات، والأطروحة التي اعترفت بها هيئة الأمم المتحدة في تطبيقها على القوميات داخل الدولة الواحدة.  ولكن كيف السبيل إلى تجنب رفع سقوف المطالبة بحق تقرير المصير داخل الدول؟  السبيل الوحيد لدرء مخاطر الانزلاق إلى هذه الهوة السحيقة هو تطبيق "المساواة المواطنيَّة" مقرونة بالعدالة ووحدة البلاد والوطن، وذلك بالاستناد إلى مبادئ رفض كل أشكال الظلم والتعسف والتمييز ذي الطابع القومي أو العرقي أو الطائفي، والاعتراف بالخصوصيَّة وحقوقها الثقافيَّة أو الدينيَّة أو اللغويَّة.  فالديمقراطيَّة في حد ذاتها ينبغي أن تكون مؤسسة على مبدأ القسط أو العدل، لأنَّه قد يؤدِّي الاحتكام إلى صناديق الانتخاب وأخذ القرارات وسن القوانين بالأكثريَّة البرلمانيَّة إلى طغيان الأغلبيَّة على الأقليَّات (أو الشعوب الأصليَّة في حال السُّودان)، وأحياناً إلى طغيان أقليَّات في ظروف محدَّدة.  ومن هنا يصبح العدل قاعدة التأسيس.  وقد يتطلَّب هذا الوضع تشكيل نظام محاصصة، أو نظام فيديرالي، أو حكم ذاتي، أو اتحادي؛ الأمر الذي يؤدِّي في نهاية المطاف إلى التراضي وإسقاط مبدأ الانفصال، الذي ينبغي اللجوء إليه إلا في الحالات القصوى التي يصل فيها الصِّراع إلى الاختيار بين أهون الشرين.(103)  على أيَّة حال، لم تتفق هذه الأحزاب المشاركة في الملتقى التشاوري في لندن على فكرة تقرير المصير للجنوب السُّوداني.(104)  وبعد جلسات عديدة، أصدرت الأحزاب المجتمعة بياناً سموه "نداء لندن" (ملحق رقم (4))، حيث تضمَّن نقاط الاتفاق فيما بينها على ما تريده من المجتمع الدولي في سعيها الحثيث في سبيل الإطاحة بالنظام السُّوداني.  أيَّاً كان من أمر "حق تقرير المصير"، فقد ظلت مواقف الأحزاب الشمالية متباينة في هذا الشأن؛ وقد تفرَّقوا من بعد اجتماعهم في لندن بين من هو مؤيد بشروط معينة، ومن هو معارض جملة وتفصيلاً.  وبما أنَّ عملية "تقرير المصير" تمس مستقبل القطر ككل، كما وصى بها المجتمعون، فعليه تمَّ إرجاء البت في هذه المسالة حتى يتسنى لهم مزيد من الوقت للتدارس والتداول على أن يجتمعوا مرة أخرى لبحث هذا البند.  ثمَّ تفرَّقت بهم السُّبل حتى التقى كل من حزبي الاتحادي الديمقراطي والأمة مع الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان على انفراد، وتمَّ توقيع اتفاقات ثنائيَّة أو إعلان مبادئ معها.  دعت منظَّمة التضامن المسيحي العالمي أحزاب المعارضة السُّودانيَّة إلى مؤتمر في بون، ألمانيا، يومي الاثنين والثلاثاء 27 - 28 حزيران (يونيو) 1994م، وركَّز المؤتمر على معالجة مشكلات السُّودان وخصوصاً قضية حقوق الإنسان.  وأجمع المشاركون على تبني إعلان المبادئ الذي اقترحته الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف (إيقاد) أساساً للتفاوض بين الحكومة السُّودانيَّة وجناحي الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان لإحلال السَّلام في السُّودان، وطرحت فيه خيارين: أولهما وحدة السُّودان مع ضمان الدِّيمقراطية والعلمانيَّة، والثاني استقلال الجنوب بعد استفتاء.  وتحفَّظ الحزب الاتحادي الديمقراطي عن الدَّعوة إلى تقرير المصير للجنوب (ملحق رقم (5)).(105) 

وكما أشرنا سابقاً في صفحات سابقة فإنَّ للحركة الشعبيَّة مع بعض من أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي عداء تأريخي قديم.  وهذا العداء التأريخي القديم، والاختلاف المذهبي، والتباين السياسي، والولاء الأثني قد يفجره تصريح صحافي، أو زلقة لسان، أو غلو ديني، أو نظرة إلى التأريخ السُّوداني بغضب، أو واقع اجتماعي، أو موقف ثقافي أو غيرها.  ومع افتقاد بعض هذه الأحزاب السلطة، إلا أنَّها لم تزل لدي بعض منهم بقيَّة الكبرياء والازدراء يصرفونها على الآخرين غير آبهين.  فما بال بعضهم يلتمسون العنصريَّة كمرجعيَّة سياسيَّة، ويصبُّونها صباً جماً على الدكتور علي الحاج محمد بأنَّ أسرته وفدت إلى السُّودان من تشاد، وكأنَّما الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة أمست عديمة السوءات غير الإشارة إلى هذه العنصريَّة الغثاء.  أولم يفد أجداد المستعربين السُّودانيين أنفسهم من خارج السُّودان؟  بلى!  وليس يعنينا هنا أن تكون أسرة الدكتور علي الحاج قد نزحت قريباً أم حديثاً من تشاد إلى إقليم دارفور بغرب السُّودان أو لا تكون، فإنا لا نؤرِّخ للدكتور علي الحاج، وإنا لا نذود عنه، ولا نتعرَّض لأثنيته وما يتصل بها، ولا للصلة بين تشاد والسُّودان وما تفوه به السيد مبارك الفاضل المهدي في مستهل التسعينيَّات من القرن المنقضي.  كل ذلك لا يعنينا الآن في شيء، وإنَّما الذي يعنينا هو سياسة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة تجاه المطحونين من سكان السُّودان عامة، وأهل الجنوب خاصة، وكان الدكتور علي الحاج أحد دعاماتها، ومثَّل النظام في محادثات السَّلام مع الحركة الشعبيَّة في أبوجا، وكان ملكيَّاً أكثر من الملك، وتهاميَّاً أكثر من أهل تهامة، وبدريَّاً أكثر من الذين شهدوا غزوة بدر الكبرى.  مهما يكن من شيء، فقد بلغ بأحد رموز المعارضة الشماليَّة حداً من الصلف والكبرياء حين طالب الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان بأن تسمح لهم بإدارة المناطق التي تسيطر عليها؛ أي أن يكون للحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان مشاق النضال المسلح بما فيه الموت في ساحات الحرب، وللسادة أعضاء التجمع الموقَّرين من قيادات الشمال المخلوعين الحكم في مناطق نفوذ الحركة.

ومع ذلك كله، كان لا بدّ من الحركة الشعبيَّة أن تحالف وتهادن هذه الأحزاب عسى أن تبقى في المعارضة، ولئلا تمسي مهملة ويصطادها النظام أفراداً وجماعات إلى شباكه.  وانتهت هذه المحالفة والمهادنة بشيء من الاتفاقات ونوع من المعاهدات الثنائيَّة والجمعيَّة التي أبرمتها الحركة الشعبيَّة مع هذه الأحزاب السياسيَّة.  أما الاتفاقات التي وُقِّعت بين الحركة وكل من الحزب الاتحادي الديمقراطي والأمة  - كل على حدة - في القاهرة في يوم الأربعاء 13 تموز (يوليو) 1994م (ملحق رقم (6))، وشقدوم بجنوب السُّودان في يوم الاثنين 12 كانون الأول (ديسمبر) 1994م (ملحق رقم (7))، على التوالي، فلتجدنَّ أنَّهما متشابهتان في المضمون العام بغض النَّظر عن أيهما أحسن عملاً.  أبرز ما تميز به اتفاق يوسف كوة مكي-أحمد السيد حمد، موقِّعي اتفاق القاهرة، المادة السادسة التي تنص على حق تقرير المصير "في حالة الإخلال أو العدول عن المبادئ الأساسية التي يتم الاتفاق عليها في المؤتمر الدستوري القومي، يكون للطرف أو الأطراف المتضررة الحق في تقرير مصيرها، وذلك عن طريق الاستفتاء للطرف المعني، ويجب الالتزام بنتيجة الاستفتاء".  هذا، فقد شارك في هذه المفاوضات – إلى جانب القائد يوسف كوة مكي – القائد دانيال كودي.  ومن الملاحظات التي نتج عنها هذا المؤتمر ما يلي:

(1)     إنَّ الحزب الاتحادي الديمقراطي انتقل من التحفظ على تقرير المصير إلى الموافقة المشروطة، وإنَّه رفع تحفظاته أيضاً على مبادرة "الإيقاد".

(2)     إنَّ الحزب وافق على عقد المؤتمر الدستوري القومي قبل إسقاط النظام، وليس بعده كما كان موقفه السابق.  وحتى يجيء هذا المؤتمر الدستوري القومي معبراً عن إرادة الأمة السُّودانيَّة، وقراراته ملزمة لكل الأطراف اقترح الحزب الاتحادي الديمقراطي – في البيان الصحافي الذي أصدره السيد محمد عثمان الميرغني عقب التوقيع على الإعلان المشترك – أن يتم عقده تحت إشراف دولي، بحيث يمكِّن القوى السياسيَّة في الداخل والخارج من المشاركة فيه، ويضمن تنفيذ مقرراته؛ وأن توضع مقرراته ضمن مواثيق الهيئات الدوليَّة والإقليميَّة، وذلك ليس ليكون العالم شاهداً علينا ومشرفاً على التنفيذ فحسب، وإنَّما ليكون داعماً وعوناً لإعادة بناء السُّودان.

(3)     إنَّ الحركة الشعبيَّة ربطت مبدأ تقرير المصير بفشل تنفيذ قرارات المؤتمر الدستوري القومي، حيث يكون للطرف أو الأطراف المتضررة الحق في تقرير مصيرها، وذلك عن طريق الاستفتاء للطرف المعني.  ومن هنا نرى أنَّه لم يقتصر حق تقرير المصير لجنوب السُّودان فحسب، بل لكل الأطراف التي يمكن أن تتضرَّر في حال الإخلال أو العدول عن المبادئ الأساسيَّة التي يتم الاتفاق عليها في المؤتمر الدستوري القومي.

أما اتفاقية شقدوم، فأيَّد حزب الأمة "حق تقرير المصير" للجنوب فقط دون جبال النُّوبة، وجبال الأنقسنا، وإقليم أبيي بحجة "أنَّه لا يعترف بحق تقرير المصير لأي مجموعات خارج جنوب السُّودان"؛ أو كما صرَّح مبارك الفاضل المهدي في مؤتمر صحافي في القاهرة، الذي حشر له رجال الإعلام فنادى فيهم قائلاً: "إنَّ أهل هذه المنطقة يطالبون فقط بالفيديرالية، باعتبار أنَّ قضايا مناطقهم أقل حدة من ناحية التَّظلمات الإقليميَّة".(106)  فيا عجبي كيف يقرٍّر مسؤول العمل الخارجي في حزب الأمة عن مشكلات ومستقبل سكان هذه المناطق المهمشة وما نقموا منه ذلك.  وهل نسي مبارك الفاضل المهدي أنَّه كان يوماً ما في موقع المسؤوليَّة وتسبَّب بشكل أو بآخر في كل المآسي التي حلَّت بالبلاد، بما فيها منطقة جبال النُّوبة؟

ثم ندلف إلى تعليق الكاتب الصَّحافي حسن ساتي – يرحمه الله.  إذ كتب ساتي لائماً حزب الأمة من جهة ومادحاً إيَّاه من جهة أخرى.  لام الحزب في توقيعه لاتفاقية شقدوم مع الحركة الشعبيَّة، ووصف الاتفاقيَّة بأنَّها "بذرة هشة لانشطارات قد يشهدها السُّودان في القرن القادم".(107)  وأثنى على الحزب بأنَّه "أحسن في تثبيت رفضه حق تقرير المصير لمناطق جبال النُّوبة والأنقسنا وأبيي" معللاً ذلك الرَّفض "أنَّ مثل هذه المناطق ستحكم على نفسها بالفناء يوم أن تقرِّر الانفصال".  نفس الادِّعاء يظهر في الأدبيات السياسيَّة لأهل الشمال عندما يتحدثون عن انفصال الجنوب؛ ويقولون، تخميناً أو رجماً بالغيب، إنَّ الجنوب سوف يفنى بالحروب القبليَّة.  فهل سأل هؤلاء الأوصياء الأشرار على الأغيار الأخيار أنفسهم لِمَ شرع أهل البجة – وهم في الشمال – يطالبون بحقوقهم المسلوبة؟  وهل فكر أهل الحل والعقد في الخرطوم لِمَ هبّ سكان دارفور لاسترداد حقوقهم الأساسية، وأخذوا يستخدمون السِّلاح لتحقيق ذلك؟  على هذا النحو تنبأ السيد ساتي أن أحداً، في لحظة هذا الانفصال، "لا يمكن أن يتحدَّث عن حصص الأنقسنا وجبال النَّوبة حتَّى بوجود الذَّهب والبترول."  فإننا حتَّى الآن لم نسمع عن إحجام الدُّول عن الاستثمار في إريتريا لأنَّها استقلَّت من إثيوبيا، أو رفض قبولهم في المجتمع الدَّولي، ونعلم علم اليقين كيف أمست جامعة الدُّول العربيَّة تلاحقها للانضمام إليها، والأمثلة كثيرة.  أما رأي الكاتب بأنَّ "مثل هذه المناطق يوم أن تقوم ستكون دولاً بلا منافذ ولن تجد لخيراتها مشترياً وقد يبور كل شيء فيها بحسابات الجدوى".(108)  فنحن ما زلنا نتساءل هل بارت سلع يوغندا وتشاد والنَّيجر ومالي وجمهوريَّة أفريقيا الوسطى وكل هذه الدُّول وغيرها عديمة المنافذ إلى البَّحر؟  كلا!  إنَّ النظر إلى مستقبل البلد عامة نظرة إيجابيَّة ثاقبة لشيء محمود.  ولكن من هنا ينبغي أن تنطلق هذه النظرة مع الأخذ في الاعتبار الدروس والعبر من الماضي وتجارب الأمم الأخرى – سواء المحليَّة أم الإقليميَّة أم الدوليَّة.  ومن هنا أيضاً يجب معالجة مشكلات الحاضر التي قد تفضي إلى إشكالات المستقبل إن هي تُرِكت بلا حلول، أو جاءت الحلول لا ترقى إلى مستوى القبول.  ولكن عندما نقفز إلى التنبؤ بأحوال الأغيار ونعتها بأنَّها لسوف تؤول إلى تعاسة في أسوأ الأحوال دون الالتفات إلى ما سيحدث للبقيَّة الباقية من القطر المنفطر، فهذا شطط لا يعتمد على أساس علمي، ومحاولة لتخويف الآخرين دون التفكير في الانفصال، أو اتخاذ خطوات سياسيَّة راديكاليَّة من شأنها أن تؤدِّي إلى الانفصال.  فالافتراض أنَّ الشمال، الذي لسوف يبقى سليماً، افتراض يجانبه الخطأ منذ المبتدأ، لأنَّ الشمال ذاته غير متجانس دينيَّاً وعرقيَّاً وثقافيَّاً وتنمويَّاً واقتصاديَّاً؛ وهذه العناصر كلها تشكِّل عوامل أزمة في حال الإخلال بتوازنها، كما حدث في جبال النُّوبة وجنوب النِّيل الأزرق وشرق السُّودان ودارفور.

وفي يوم الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 1994م عقدت أربعة من قوى المعارضة السُّودانيَّة (الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، الحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب الأمة، وقوات التحالف السُّودانيَّة) اجتماعاً في العاصمة الإريتريَّة – أسمرا – وناقشت مسألة الحرب والسَّلام في السُّودان، والنظر إليها على أساس أنَّها مشكل قومي الأصل، ومبادرة إعلان مبادئ دول "الإيقاد"، ووحدة السُّودان وفقاً لمبادئ محدَّدة مع عدم استبعاد أي خيار آخر، وإستراتيجيَّة العمل المعارض وآليات التنفيذ.  وتوصَّلت هذه القوى في ختام مداولات الاجتماع إلى اتفاق والالتزام بالمبادئ الأساسيَّة التي جاءت في تسع نقاط (ملحق رقم (8)).  وقد شارك في الاجتماع مولانا السيِّد محمد عثمان الميرغني - زعيم الحزب الاتحادي الدِّيمقراطي وعدد من قيادات الحزب، والدكتور جون قرنق دي مابيور - رئيس وقائد عام الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان وعدد من قيادات الحركة، والدكتور عمر نور الدَّائم - الأمين العام لحزب الأمة وعدد من قيادات الحزب، والعميد الركن عبد العزيز خالد عثمان - قائد قوات التحالف السُّودانيَّة وعدد من قادة التحالف.  وفي نفس اليوم والتأريخ – أي يوم الثلاثاء 27 كانون الأول (ديسمبر) 1994م – سلَّم السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي، مذكرة إلى الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي ليسلِّمها بدوره لرؤساء دول "الإيقاد" (ملحق رقم (9)).  إذ حملت المذكرة – فيما حملت – رؤية الحزب الاتحادي الديمقراطي حول تحقيق السَّلام والوحدة والديمقراطيَّة في السُّودان.  وفي الحق، لم تختلف مذكرة الحزب الاتحادي الديمقراطي منفرداً عما توصلت إليه الأحزاب الأربعة مجتمعة، بما فيها الحزب الاتحادي الديمقراطي نفسه، فكل ما اصطنعه الحزب هو أنَّه مهرها باسمه، واصطبغها بلونه، ونفخ فيها من روحه.

ففي يوم 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1993م أرسل حزبا الأمة والاتحادي الديمقراطي رسالة إلى الرئيس الكيني دانيال أرب موي بصفته رئيس لجنة "إيقاد" المكلفة بمسألة السُّودان.  وفي هذه الرسالة عدَّد موقِّعا الرسالة – الدكتور عمر نور الدائم (حزب الأمة) والتوم محمد التوم (الحزب الاتحادي الديمقراطي) – آثار الحرب الأهليَّة بنزوح نصف سكان جنوب السُّودان البالغ تعدادهم حينئذٍ 6 مليون نسمة، بما فيهم 250,000 طفل جنوبي مشرَّد في شوارع الخرطوم، وموت ما يربو على 750,000 مواطن في الجنوب بسبب الجوع والأمراض المرتبطة بالجوع، وإنفاق 60 بليون جنيه سوداني من ميزانيَّة العام (1992-1993م) البالغة 121 بليون جنيه في الحرب.  وفي شمال السُّودان – وحسبما جاء في تقرير البنك الدولي – شرع 2 مليون مواطن يعانون من الجوع المزمن، أو من انعدام الأمن الغذائي، و5 مليون آخر أخذوا يعبرون إلى موضع انعدام الأمن الغذائي، و2 مليون آخر بقوا على شفا الوقوع في موضع انعدام الأمن الغذائي.  وأضافت الرسالة أنَّ النظام قد فشل في تحقيق تسوية سلميَّة لقضية الحرب الأهليَّة في السُّودان لأنَّه نظام جاء على رأس انقلاب عسكري بواسطة عناصر الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة وأزاح الحكومة الديمقراطيَّة التي كانت على وشك الوصول إلى حل للنزاع في السُّودان؛ فإذا هو نظام إرهابي يعمل على زعزعة الحكومات الإقليميَّة، حيث أدانته منظمة الأمم المتحدة والمؤسسات الدوليَّة والإقليميَّة الأخرى؛ وإذا هو نظام استحال الصراع السياسي- العسكري إلى حرب دينيَّة جهاديَّة؛ ثم إذا هو نظام رفض الجلوس والحوار مع القوى السياسيَّة الأخرى في البلاد في اجتماعاته مع الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان.  وطلب الحزبان من الرئيس موي المساعدة في قيام المؤتمر الدستوري القومي  للتفاوض حول كيفيَّة الوصول إلى تسويَّة شاملة لمشكلات السُّودان من خلال مشاركة جميع القوى السياسيَّة في السُّودان.  أما فيما يختص بحق تقرير المصير لشعب جنوب السُّودان والمناطق المهمَّشة الأخرى – كما جاء في إعلان واشنطن العام 1993م بين جناحي الحركة الشعبيَّة – فقال ممثِّلا الحزبين إنَّ إيمانهما ليقتضي أنَّ هذا الأمر هش ومعقَّد، وهو يخص كل إفريقيا، وبناءاً على هذا ينبغي التعامل مع هذه المسألة بحذر من قبل القائمين على هذا الشأن.  وفي نهاية الخطاب اعتبر الحزبان – اللذان زعما أنَّهما تحصَّلا على 72% من مجموع الأصوات في الانتخابات الديمقراطيَّة العام 1986م – النقاط الثلاث الآتية:

(1)     الوقف الفوري والشامل لإطلاق النار في جنوب السُّودان، وذلك لخلق بيئة مثاليَّة للتسوية السلميَّة.

(2)     التسوية الشاملة في إطار المؤتمر الدستوري (القومي).

(3)     توفير فرصة لوفد الحزبين الكبيرين (الأمة والاتحادي الديمقراطي) لمقابلة سيادتكم متى ما سمحت ظروفكم لمناقشة القضايا الواردة في هذا الخطاب بالتفصيل.

على أيَّة حال، فحسبك أن ترى أنَّ الحكم الشمولي يولد مقاومة مضادة له؛ وحسبك أن ترى أنَّ هذه المقاومة قد تأخذ طابعاً سياسيَّاً مرة، وطابعاً سياسيَّاً-عسكريَّاً مرة أخرى؛ وحسبك أن ترى أنَّ هذه الحال قد ظهرت أول العهد في تأريخ السُّودان المستقل في حكم الديكتاتوريَّة العسكريَّة الأولى (1958-1964م) باسم الجبهة المتحدة، وفي عهد العسكريَّة الثانية (1969-1985م) باسم الجبهة الوطنيَّة المتحدة التي كانت تنطلق من خارج السُّودان وبالتنسيق مع المقاومة الداخليَّة، واستحالت هذه الجبهة إلى التحالف الوطني لإنقاذ الوطن عشيَّة سقوط نظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في منتصف الثمانينيَّات، وعمل هذا التحالف بالتنسيق مع التجمع النقابي.  ثم حسبك أن ترى التجمع الوطني الديمقراطي الذي ولد في سجن كوبر بالخرطوم بحري – كما أبنا في الصفحات السابقة – بعد استيلاء العسكر على السلطة في حزيران (يونيو) 1989م.  ومن بعد، شرع التجمع الوطني الديمقراطي يناطح حشداً من الرغائب السلطانيَّة المنفلتة حول توظيف المثل غير الأخلاقيَّة، والقيم غير الدينيَّة، ولو تمَّت باسم الدين الإسلامي، وأخذت الجماعة الحاكمة تستمري التلاعب بالتأريخ السُّوداني والموروث الاجتماعي، وأمست طموحات التنمية الاقتصاديَّة أسيرة المصالح الفئويَّة الضيِّقة، وبات الاستقرار السياسي والبناء الوطني أحلاماً معتقلة في أقانيم ما قبل العقلانيَّة.