عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 


 

نظام "الإنقاذ".. غياب السَّلام الناجز في عهد الاستبداد العاجز

 

هل من ثمة أحد يتذكَّر جمهوريَّة الفايمار قبيل صعود وهبوط النازيَّة-الهتلريَّة في ألمانيا؟  ومن ذا الذي يدري لِمَ فشلت هذه الجمهوريَّة في تحقيق أهدافها وبلوغ غاياتها؟  تداعيات هذه الجمهوريَّة، التي ولدت عرجاء في بادئ الأمر، كانت تتجلَّى في الاقتصاد المنهار كحال أيَّة دولة خرجت لتوها من حرب طويلة، وارتفاع معدَّل التضخُّم، والتعويضات العالية التي فرضتها الدول المنتصرة على ألمانيا في أعقاب الحرب العالميَّة الأولى (1914-1918م)، والبطالة المتفشِّية.  ووسط هذه الأجواء جاء انقلاب الدكتور كاب في آذار (مارس) 1920م لتعزيز نوازع القوميَّة الألمانيَّة.  ولكن أُحبط هذا الانقلاب في المهد ليس بواسطة الجيش، ولكن بواسطة العصيان المدني الذي قاده عمال برلين الذين لبوا نداء الحكومة، التي هربت هي الأخرى إلى مدينة درسدين عند فجر الانقلاب.  إذ استقال كاب وقضى نحبه في السجن، أما الجنود الذين اشتركوا في الانقلاب فقد تمَّت معاملتهم بلطف ولين شديدين.  ومن ثَمَّ كانت ولاية بافاريا هي الأخرى مهيَّأة لانقلاب عسكري من القوميين ذاتهم.  وفي يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1923م استولى هتلر وجماعته النازيَّة على السلطة في ميونخ – حاضرة بافاريا.  وبما أنَّ الفشل كان حليفهم، إلا أنَّ هتلر قد استغل الفرصة للإساءة إلى الحكومة، ويجعل من نفسه شخصيَّة عامة، وبطلاً أسطوريَّاً.  هكذا، لم تختلف حكومة السيد الصَّادق المهدي (1986-1989م) عن حكومة إيبيرت التي بدأ الانقلابيُّون يسددون عليها ضربة تلو الأخرى، حتى ولو باتت هذه الركلات مرتدة.  ففي حكومة الصَّادق تعاظمت الأزمة الاقتصاديَّة، وتصاعد الصرف على الحرب الأهليَّة، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكيَّة الضروريَّة، وعمَّت البلاد إضرابات عماليَّة مطلبيَّة، وظهرت محاولات انقلابيَّة وهلمجرَّاً.  ولما كانت الأمور على هذا النّحو، عانت حكومة الصَّادق من انقلاب فاشل وآخر ناجح.  وهذا الأخير الناجح هو الذي قام به أصحاب الميمنة بقيادة العميد – يومئذٍ – عمر حسن أحمد البشير.  ومثلما جاء النازيُّون الهتلريُّون إلى السلطة وصفوا المعارضة بالاعتقالات والاغتيالات، ومعسكرات التعذيب، وحروبات خارجيَّة، قام الانقلابيُّون "الإنقاذيُّون" بالاعتقالات والاغتيالات والتعذيب في "بيوت الأشباح"، وإلحاق المذلة بنزلاء ما سمِّيت ب"قرى السلام" من أبناء جبال النُّوبة.  وطبعاً يمكننا مواصلة المقاربات والمقارنات حتى النهاية، غير أنَّ كل ما يهمنا من الأمر هنا هو ما جرى في سبيل الحرب والسَّلام في عهد انعطافة السُّودان الكبرى.  ولا نزعم ولم نشتط إن ذهبنا إلى القول بأنَّ حكومة البَّشير العسكريَّة أرادت أن توهم الشَّعب بأنَّها هي الوحيدة القادرة على جلب السَّلام وجر الحركة الشَّعبية للتَّفاوض عبر فوهة البندقيَّة بعد ما عجزت - أو تلكأت – حكومة السيد الصَّادق المهدي في تحقيق ذلك الحلم الذي كان يبدو عصي المنال.  هكذا، بات الأمر واضحاً أنَّ وفد الحكومة الذي أُرسِل للتَّفاوض مع الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان في أديس أبابا – حاضرة إثيوبيا – في آب (أغسطس) 1989م، قد ذهب خاوياً من أيَّة صلاحيات لاتِّخاذ بعض الإجراءات التي من شأنها أن تؤدِّي إلى عمليَّة إحلال السَّلام، فضلاً عن الجهل السِّياسي الذي كان يتمتَّع به أعضاء الوفد.

ففي أوائل أيلول (سبتمبر) 1989م دعت السُّلطة الحاكمة مجموعة من النَّاس فاق عددهم المائة للمشاركة فيما عُرِف ب"مؤتمر الحوار الوطني"، فقد شمل هذا الحشد – فيما شمل - عناصر الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وفلول المايويين، وبعض الآكلين على جميع الموائد السِّياسيَّة.  ثمَّ كان هناك الذين لعبوا أدواراً متفاوتة ومتميِّزة في سرقة الثورات السلميَّة، وإجهاض الانتفاضات الجماهيريَّة، وخيانة الأمانات الشَّعبية.  ولم يرض البعض بهذا العبث الذي سماه النظام "الإنقاذي" "مؤتمر الحوار الوطني"، ولذلك نجد أنَّ ثمة رجالاً قاطعوا حضور جلسات هذا المؤتمر، نذكر منهم المرحوم البروفسير محمد عمر بشير - طيَّب الله ثراه، والدِّكتور محمد يوسف أحمد المصطفى، واللِّواء (معاش) يوسف محمد يوسف، واللِّواء (معاش) بيتر سريليو - حاكم الإستوائيَّة السَّابق - الذي ارتفع صوته واصفاً المؤتمر بأنَّه لا يعبِّر عن الشَّعب ولا عن أي قطاع منه، ومطالباً بإلغاء قوانين أيلول (سبتمبر) 1983م، وإطلاق سراح المعتقلين والتَّحضير لعقد المؤتمر الدستوري القومي.(86)  ولقد لخَّص الفريق عمر البَّشير الأسباب التي أدَّت إلى مشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان - بعد أن تدارس المؤتمرون محاولات الحلول القديمة لمشكل جنوب السًّودان: مؤتمر جوبا العام 1947م، ومؤتمر المائدة المستديرة العام 1965م، واتِّفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م، وتجارب الفترة الحزبيَّة – لخَّصها في قضايا المشاركة في السُّلطة، والتَّوزيع العادل للثَّروة القوميَّة، والتَّنمية المتوازنة، وعلاقة الدِّين بالدَّولة.(87)  فلا شك في أنَّ المؤتمرين قد ناقشوا قضايا السَّلام، وخرجوا بتوصيات حول تصورهم لقضيَّة المشاركة في السلطة السياسيَّة، واقتصاد الدخل القومي، والتعبير عن التعدديَّة السُّودانيَّة الثقافيَّة والعرقيَّة، وعلاقة الدين بالدولة، وتوزيع السلطات والاختصاصات بين الأجهزة الاتحاديَّة والولائيَّة.  وعزا المؤتمرون الأسباب الجذريَّة والخلفية التأريخيَّة للنِّزاع في جنوب السُّودان للمحاور التالية:

(1)     البنية الاجتماعيَّة والثقافيَّة للتجمعات في السُّودان؛ سماتها الرئيسة وتطوراتها التأريخيَّة للنِّزاع.

(2)     حداثة الدولة السُّودانيَّة الجامعة، ومحدوديَّة قدرتها على تحقيق الوحدة القوميَّة.

(3)     النظم والحكومات الوطنيَّة؛ سياستها وضعف أدائها.

(4)     الضغوط الخارجيَّة والتدخلات الأجنبيَّة.

(5)     ضعف الإنتاج القومي والتنمية الاقتصاديَّة وآثارها.

(6)     تدهور الخدمات الاجتماعيَّة.

ولكن هل فهمت شيئاً من هذه الطلاسم السياسيَّة؟  أما أنا فاللهم إنِّي أشهد أني لم أفهم شيئاً.  ومع ذلك أقرَّ المؤتمرون "أنَّ الخسائر البشريَّة بلغت في القوات المسلحة 4,593 فرداً، والأطراف الأخرى 2,595، والخوارج (الجيش الشعبي لتحرير السُّودان) 27,733، وضحايا المدنيين بسبب الجوع والمرض 259,000؛ وشمل تقرير المؤتمر العديد من الإحصائيات للآثار الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة".  ومن هنا جاءت التوصيات والقرارات حاملة بنات أفكار الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وبخاصة بعد الحجر على الحريات بإيداع المعارضين السياسيين السجون و"بيوت الأشباح"، وفي ظل حال الطوارئ في كل أنحاء البلاد وحظر التجول في العاصمة المثلثة وغيرها من القيود التي حدَّت من حريَّة حركة التنقل والتجوال والتجمع والنشر.

وبعد أن جلس منظرو الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة وأشياعهم، وتفاكروا فيما بينهم، وجادلوا في أمر الحرب الأهليَّة في السُّودان ما وسعهم الجدال، وآمنوا بما خلصوا إليه، واطمأنوا على ما أجمعوا عليه، بعثوا برسلهم إلى لقاء ممثلي الحركة الشعبيَّة في نيروبي – حاضرة كينيا.  ومن خلال تركيبة الوفد، والنتائج التي توصَّلوا إليها في مؤتمرهم "الخرطومي"، وأسلوبهم التفاوضي، نستطيع أن ندرك لماذا انتهت المحادثات التي عُقِدت في نيروبي في كانون الأول (ديسمبر) 1989م، وتحت رعاية الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، إلى لا شيء غير التأكيد على تأمين قوافل الإغاثة بين الجانبين، ومواصلة الحوار بين الطرفين مباشرة بغية الوصول إلى حل سلمي شامل، وتحديد قناة اتصال دائمة هي سفارة السُّودان في أديس أبابا.  كما أنَّه بدا جليَّاً أنَّ الحكومة كانت تعمل على إضاعة الوقت، ريثما تتحصَّل على السِّلاح والعتاد وتبدأ الحل العسكري الذي كانت تفكِّر فيه كأساس لحل الصِّراع.  لذلك لم يختلف الفهم التَّقليدي عن تشخيص مشكل الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان بين عقول القادة "الإنقاذيين" ومن سبقوهم من أولي الحكم، وبدأوا على الاستعمار يلومون ويلعنون.  فليس من رجاحة العقل، ولا من التَّحليل الموضوعي أن ننسب كل ما يحدث في السُّودان إلى صنيعة الاستعمار ونير الاحتلال البريطاني-المصري (1898-1956م)، دون أن يتذكَّر الحكَّام والعوام في الخرطوم أنَّ المستعمر قد خرج من البلاد في مستهل كانون الثَّاني (يناير) 1956م، فما هو حصادنا في تنمية الرِّيف السُّوداني، وتعليم أبناء القوميات المضطَّهدة، وتوفير الغذاء والدَّواء والكساء للمعدمين من الأغلبيَّة المطلقة من الشَّعب السُّوداني وغيرها من الإصلاحات السياسيَّة، والتنمية الاقتصاديَّة، وعدالة توزيع الفرص التي بات مواطنو الريف ينادون بها ويلحِّون عليها خلال فترة عمرها أكثر من نصف قرن منذ الاستقلال.

ومن بعد، أطلق النظام "الإنقاذي" شعار "السَّلام من الداخل".  وفي هذا الشأن صرَّح السيد لينو رول دينج – الأمين العام للمجلس الأعلى للسَّلام – قائلاً: "إنَّ هناك طرقاً عديدة لتحقيق السَّلام مع المتمرِّدين؛ فيمكن لكل قبيل توجيه نداء لأبنائه (في الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان) لسحبهم من التمرُّد حتى يتجرَّد التمرُّد من المصداقيَّة."(88)  أفلم تقدم حكومة "الإنقاذ" – دون جدوى – منذ الوهلة الأولى على هذه اللعبة، وجاءت برجال من قبائل النُّوبة وأهل الجنوب إلى إذاعة أم درمان الحكوميَّة، وشرعوا في توجيه نداء معد سلفاً من قبل الحكومة ذاتها لأبنائهم في الحركة الشَّعبيَّة، وبلغاتهم المختلفة لوضع السِّلاح والإذعان إلى أكاذيب النظام؟  بلى!  أين كان دعاية السَّلام الجديد هذا حين كان يردِّد أولئك وهؤلاء من أحاديث أملوها عليهم أصحاب السلطة في الخرطوم؟!  وما أضر بقضيَّة وحقوق المهمَّشين غير أولئك وهؤلاء المتملِّقين الذين أدمنوا الافتئات على كل الموائد السياسيَّة، يزيِّنون وجه النظام بالباطل من أجل حفنة دينارات أو جنيهات.  وقد نفهم ميول بعض منهم إن كانوا مسلمين مغشوشين بالدين، أو مسلمين جبارين في الأرض كمثل أشياع الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة أنفسهم، أو المؤلفة قلوبهم، لكن الذي يصعب على المرء ابتلاعه وهضمه هو هؤلاء المسيحيُّون الذين أصبحوا بابويين أكثر من البابا ذاته، أو تركاً أكثر من الأتراك، كما يقول المثل الشعبي السُّوداني: "التركي ولا المتورك".  وقد قال في أولئك وهؤلاء الدكتور منصور خالد: "تلك الطغمة من الانتهازيين لم تبال بأن يكون لها موقع في كل حكومات الشمال حتى تلك، مثل الجبهة (القوميَّة الإسلاميَّة)، التي لا يتوقَّع عاقل أن يكون لجنوبي غير مسلم مكان فيها بحكم توجهها الديني الانغلاقي، وسياساتها الجهاديَّة نحو الجنوب، وازدرائها للديانات الأخرى."(89)  ونذكر على سبيل الذكر الأسقف غبريال رورك، وزير الدولة للشؤون الخارجيَّة، حيث وصف الأسقف الوزير فكرة إقامة مناطق آمنة في جنوب السُّودان بأنَّها "خطة أمريكيَّة لتعقيد مشكلة الجنوب"، ورأى الأسقف أنَّ دور الأمم المتحدة "هو أساساً حفظ السَّلام وليس فرض السَّلام"، ونفى أن تكون حكومة البشير تحرِّض الجنوبيين على الاقتتال."(90)  ثمَّ كان هناك من الجنوبيين ممن فقدوا الثقة في أنفسهم وفي أهليهم حتى رأوا الاستنصار بأهل الشمال للاستقواء بهم خوفاً من التكسير، وذلك كما بدا جليَّاً في "مقولة السياسي الجنوبي أنجلو بيدا، التي فيها يقول إنَّ وجود الجنوبيين مع بعضهم البعض أشبه بالزجاج، مما يستلزم وجود العنصر الشمالي بينهم كونه يشكِّل عنصراً عازلاً أشبه بالعشب الجاف (القش) الذي يحول دون تحطيم الزجاج!!  بمعنى أنَّه يصعب وجود جنوب متآخٍ ومسالم في ظل غيبة أهل الشمال.(91)  وهؤلاء المتملِّقون على ما يقولون يتقرَّبون به إلى أصحاب السلطان ويبتغون به المثوبة عندهم.

أرأيت نظاماً عقد عزمه على الحل العسكري يبغي حلاً سياسياً  للمشكل السُّوداني؟  كلا!  إنَّ اللقاءات التي تمَّت بين أهل النظام والحركة الشعبيَّة في السنوات الأولى من حكمهم كانت تكتيكات سياسيَّة لكسب الزمن.  إنَّ اللقاء الوحيد الذي تمَّ فيه الاتفاق علي شيء ولئن أمسى ينكره الطرفان هو لقاء فرانكفورت بألمانيا بين الدكتور علي الحاج محمد، ممثل النظام، والدكتور لام أكول أجاوين، ممثل الحركة الشعبية التي كانت تعرف يومذاك بجناح النَّاصر.  إنَّ انفصال الجنوب، ذلكم الوعد المكذوب الذي كان يحلم به كل من جناح الناصر، أو حركة وجيش تحرير جنوب السُّودان، أو حركة وجيش استقلال جنوب السُّودان، لا يمكن أن يُعطى لهم بهذه الصورة التي تم فيها توقيع اتفاق فرانكفورت، لأنَّ الحقوق - في حال الحرب - تُنتَزع انتزاعاً ولا تمنح منحاً.  وقد قال اللواء محمد عبد الله عويضة، الناطق الرَّسمي باسم القوات المسلَّحة، عن اتفاق فرانكفورت السري الذي يقضي بتطبيق الفيدراليَّة في جنوب السُّودان لمدة 15 عاماً على أن يجري استفتاء بعد ذلك في الجنوب، قال: "إنَّ الاستفتاء لا يعني سوى تعزيز الفيديراليَّة المقترحة أو إلغائها، أما الانفصال فهو احتمال غير وارد مطلقاً بعد كل هذه التَّضحيات والدماء".(92)  وكلنا نعلم كيف انتهت الأمور بين هذه الجماعة وحكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة؛ وماذا قال الدكتور حسن عبد الله التُّرابي، عرَّاب النِّظام، في حق الدكتور رياك مشار، زعيم الجيش الشعبي لتحرير جنوب السُّودان؟  لقد قال الدكتور التُّرابي: "(...) أمَّا (الدكتور) رياك مشار فليس مهماً وتستطيع القوات الحكوميَّة أن تستأصل كل أراضيه في لحظات".  أمَّا لماذا لا تفعل القوات المسلَّحة ذلك؟ فأجاب الدكتور التُّرابي: "نحن نريد السَّلام، ولا نريد انتصاراً يترك جرحاً مستديماً في نسيج الأمة، وعلى كل حال إذا كان الآخر لا يريد السَّلام، فعلينا صنع السَّلام وهذا ما سيحدث بعد الخريف بإذن الله."(93)  إنَّه لواضح من حديث عرَّاب نظام "الإنقاذ" آنذاك أنَّ السلام الذي كان ينشده النِّظام هو الذي سوف يأتي عن طريق الانتصار العسكري الشامل، وهو ما كانت تخطِّط له حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة بعد كل خريف؛ بل كل الحكومات التي تعاقبت على حكم هذا الوطن الجريح، ولو استطاعوا لفعلوه - عسكراً كانوا أم رجال أحزاب - ولا توانوا لحظة في ترك جرح مستديم في نسيج الأمة.

فما هي حقيقة "الميثاق السِّياسي" المزعوم الذي وُقِّع بين جماعة الدكتور رياك مشار والسلطة القائمة يومئذٍ في نيسان (أبريل) 1996م وأصبح قبلة يتيمَّم إليها كل من يبتغي المشاركة في حكومة الإنقاذ الوطني؟  إنَّ الميثاق (ملحق رقم (2)) الذي جاء في أربعة عشر بنداً أغفل - مع سبق الإصرار - ذكر مسألة مقاتلي مشار؛ فهذا يعني شيئين: إما أنَّ قوات مشار كانت ميليشيات حكوميَّة تجاهد في سبيل الله، أو أنَّها سُرِّحت ولم تكن له من بعد الذراع العسكري الذي به يمكن أن يسهر على مكتسباته، إذا كانت هناك مكتسبات في المقام الأوَّل.  وظهور النِّظام بمشروع "السَّلام من الداخل" هو في واقع الأمر امتداد للميثاق السياسي الذي وُقِّع بين الخرطوم والفصائل المنشقَّة عن الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في 10 نيسان (أبريل) 1996م.  إلاَّ أنَّ الجديد في الأمر هو أنَّ هذا المشروع حمل في طياته أعضاءاً أو حلفاءاً جدد للنظِّام.  وقد وقَّع على هذه الوثيقة (ملحق رقم (3)) الدِّكتور رياك مشار عن حركة استقلال جنوب السُّودان، وكاربينو كوانين بول عن الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - مجموعة بحر الغزال، وصمويل أرو بول عن اتحاد الأحزاب السُّودانيَّة الإفريقيَّة، وأروك ثون أروك عن مجموعة دينكا بور، وثيوفيلوس أوشانق عن قوة دفاع الاستوائيَّة، وكواش ماكوي عن الحركة المستقلة.  وفور توقيع هذه الفصائل الجنوبيَّة الستة على الاتفاق مع النِّظام أعلنوا توحُّدهم في جسم واحد يسمى قوات دفاع جنوب السُّودان تحت قيادة الدِّكتور رياك مشار، وتكوين تنظيم سياسي واحد هو "جبهة الإنقاذ الدِّيمقراطيَّة المتَّحدة".

مهما يكن من الأمر، فقد ظلت الحكومة تنادي بوحدة الحركة الشعبية والجِّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان حيناً من الدهر حتى يتيسَّر لها مخاطبتها كجسم واحد لا أجساد متفرقة.  ولكن عندما أسفرت ندوة واشنطن، التي عُقِدت في تشرين الأول (أكتوبر) 1993م، عن اتفاق على وثيقة بين جناحي الحركة تطالب – فيما تطالب - بحق تقرير المصير لجنوب السُّودان وجبال النوُّبة وكل المناطق المهمَّشة الأخرى، تغيَّرت لهجة النِّظام، ووصفت الحكومة هذه الوثيقة بأنَّها "عدوانية وتآمريَّة تتحدث عن توحيد الجهود ليس من أجل السَّلام، ولكن من أجل مقاومة الحكومة ومحاربتها في الشمال."  متباينة كانت رؤى أطراف النِّزاع في حق تقرير المصير من طرف لآخر.  فبالنسبة لنظام الخرطوم فإنَّ تقرير المصير كان يعني لديهم الحكم الذاتي وفق نموذج دولة شماليَّة عريضة مقابل جيب جنوبي صغير، وقد تم توقيع اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م واتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام العام 1997م وفقاً لهذا النموذج الفاشل.  أما الحركة الشعبيَّة فكانت ترى الانتباه إلى المركز الذي يلتقي فيه الجميع للانطلاق إلى أهدافهم؛ فمثلاً إريتريا لم تكن لتحصل على الاستقلال إلا بسقوط نظام العقيد منغيستو هايلي ماريام في إثيوبيا، كما لم يكن للدول الاشتراكيَّة أن تحصل على استقلالها إلا بانهيار روسيا مركز الاتحاد السوفيتي السابق، لذا ففي كل الأحوال لا بدّ من حدوث شيء ما في المركز.

مهما يكن من الأمر، فقد تقدَّمت كل من حركة استقلال جنوب السُّودان والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان (جناح بحر الغزال) باقتراح لتحويل ميثاق السلام الموقع بينهما من جهة، وبين الحكومة السُّودانيَّة من جهة أخرى في 10 نيسان (أبريل) 1996م إلى اتفاقيَّة سلام.  هذا، وقد جاء المقترح في شكل مشروع قانون تحت اسم "قانون حكومة جنوب السُّودان"، الذي اشتمل على فصول عن علاقة الجنوب بالحكومة المركزيَّة، والحقوق الأساسيَّة، والأجهزة التشريعيَّة والثقافيَّة والولائيَّة وتنظيم العلاقات الماليَّة والإداريَّة والأمن والدفاع خلال فترة الانتقال، بحيث يتمتَّع خلالها الجنوب بحكم ذاتي يقوم عليه مجلس تنسيقي تنفيذي، يعيِّن رئيس الجمهوريَّة رئيسه بالتنسيق مع قيادات الحركتين المتصالحتين، على أن يكون رئيس هذا المجلس نائباً لرئيس الجمهوريَّة.  ونص المشروع على إجراء استفتاء بين أبناء الجنوب والمقيمين به منذ كانون الثاني (يناير) 1956م للاختيار بين الوحدة والانفصال، وذلك قبل انتهاء الفترة الانتقاليَّة التي حدَّدها القانون بثلاث سنوات، على أن تشرف على الاستفتاء لجنة مختصة من (21) عضواً ويخضع للرقابة الدوليَّة والإقليميَّة والمحليَّة، وذلك بدعوة كل من الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقيَّة (الاتحاد الإفريقي حاليَّاً)، جامعة الدول العربيَّة، ومنظمة دول الإيقاد، الهيئات الدينيَّة، المنظمات غير الحكوميَّة الوطنيَّة والدوليَّة، الدول الأجنبيَّة، وأجهزة الإعلام المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة.  وقد أفاد المشروع أنَّه إذا ساندت الأغلبيَّة مبدأ الانفصال فسيتحول الجنوب إلى دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، أما إذا ساندت خيار الوحدة فسيكون الجنوب جزءاً من جمهوريَّة السُّودان الاتحاديَّة.  ووفقاً لما نصَّ عليه مشروع القانون فإنَّ السُّودان سيتحول إلى دولة اتحاديَّة تحت اسم "اتحاد الولايات السُّودانيَّة"، وتضم ولايات الجنوب العشرة وبقيَّة ولايات السُّودان الست عشرة، ويكون لهذه الدولة رئيس جمهوريَّة ومجلس وزراء وجهاز قضائي وجهاز تشريعي مكون من مجلسين أحدهما للنواب وآخر للشيوخ، وستكون الشريعة الإسلاميَّة والعرف والمبادئ القانونيَّة المسيحيَّة هي المصادر الرئيسة للتشريع.  وأضاف المشروع أن تكون (50%) من قوات الشرطة في الجنوب للجنوبيين، وبخاصة العائدين من صفوف الحركتين المتصالحتين مع الحكومة، وكذلك عناصر الأمن الداخلي، وخفض وجود الجيش السُّوداني بالجنوب إلى المستوى الذي كان عليه قبل العام 1983م (أي قبل الحرب الأهليَّة الأخيرة)، وأن تحتفظ الحركتان المتصالحتان بقواتهما خلال فترة الانتقال، وتحصلان على كافة الامتيازات التي يحصل عليها جنود الجيش السُّوداني من تدريب وتأهيل وإعاشة.  وكذلك أقرَّ القانون استثناء الجنوب من قوانين الشريعة الإسلاميَّة، وأن تُطبَّق عليه القوانين الجنائيَّة والمدنيَّة التي كانت مطبَّقة بالسُّودان قبل أيلول (سبتمبر) العام 1983م، على أن يتضمَّن الدستور حق كل المواطنين من حريَّة الاعتقاد والدين والتعبير والحرية والصحافة وحظر الاعتقال التحفظي أو التعذيب.  ونص القانون على تخصيص (30%) من قوة العمل بالجيش، الشرطة الموحدة، مجلس الوزراء، المحكمة العليا، الجامعات الاتحاديَّة، مجالس التخطيط، مجلس الأمن الوطني، السلك الديبلوماسي، لجنة الانتخابات، لجنة الاختيار للخدمة لأبناء الجنوب خلال الفترة الانتقاليَّة على أن يسري هذا الوضع إذا اتَّفق أبناء الجنوب على بقاء السُّودان موحَّداً.  وفي الجوانب الاقتصاديَّة اقترح القانون أن يتم توزيع عائدات المشاريع الإيراديَّة الكبرى بنسبة (25%) للحكومة الاتحاديَّة، (35%) للمجلس التنسيقي التنفيذي للجنوب، و(40%) للولاية التي بها المشروع، وتشمل هذه المشروعات عائدات البترول، المناجم، الجمارك، عائدات المؤسسات التجاريَّة العامة، وأيَّة عائدات أخرى.  أما بالنسبة لعائدات الضرائب فسيخصص (60%) منها للحكومة الاتحاديَّة، (15%) للمجلس التنفيذي، و(25%) للولاية التي أخذت منها الضرائب.

وبعد التوقيع على اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام العام 1997م برز المغالون من أهل الشمال يردِّدون أنَّهم "أعطوا الجنوب الحد الأعلى الذي يطالب به، وهو حق تقرير المصير،" حتى طفق الأستاذ عمر عبد العاطي – النائب العام في حكومة الدكتور الجزولي دفع الله الانتقاليَّة (1985-1986م) – يقول: "إنَّ الجنوبيين في اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام قد نالوا أكثر من حقوق الشماليين."(94)  والمعروف أنَّ الغلاة من أهل الشمال يعلمون أنَّ هذه الوعود مواعيد ينبغي ألا يصدِّقها الناس، إلا الذين رُزِقوا حظاً من السذاجة لم يتح لنا مثله.  بيد أنَّ العصبيَّة العربيَّة قد اصطبغت على عقولهم، واضطغنت الموجدة على قلوبهم، حتى باتوا ينافحون على بني جنسهم بهذا القول الفج.  أما أهل الجنوب الذين ارتضوا بهذه البضاعة الكاسدة التي أُلقيت إليهم باسم "السَّلام من الداخل"، فقد شرعوا يمالئون أصحاب السلطان التماساً للنفع عندهم، وبحثاً عن مجد مؤثَّل.

هذا، وبعدما شاهدنا وشهدنا الذي حلَّ بأهالي جبال النُّوبة في مجال حقوق الإنسان، من ذا الذي يصدِّق أكاذيب وألاعيب النِّظام فيما ينتاب قادته من القصور النظري في تفسيرهم لما كان يجري في السُّودان ب"التآمر الخارجي من دول الاستكبار"؟  وقد سئمنا السأم كله من نعت النِّظام للحركة الشعبيَّة بأنَّ إرادتها "أصبحت مرهونة لقوى أجنبيَّة يحاربون بالإنابة عنها".  فلماذا يضيِّع قادة النظام، إذن، وقتهم لهاثاً وهرولة من أجل اللِّقاء بقائد الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في كل بقعة من بقاع العالم.  ففي المحاولة الأولى سعى الرئيس البشير للالتقاء بالدكتور قرنق في جنوب إفريقيا، حيث رتَّب لهذا اللقاء رجل الأعمال البريطاني طوني رولز العام 1993م حين كان الدكتور قرنق متواجداً في جنوب إفريقيا.  ثم كانت المحاولة الثانية في بريتوريا – حاضرة جنوب إفريقيا نفسها - وكان رئيس جنوب إفريقيا الأسبق نيلسون منديلا طرفاً فيها، حيث قال له الدكتور قرنق: "لا نحسب أنَّك قضيت أعز سنوات شبابك في السجن ضد سياسات الأبارتهيد (سياسة الفصل العنصري) لتهيئ جلسة استماع لحكومة تمارس نفس سياسات الأبارتهيد ضد شعبها في السُّودان."  لقد حاول النظام "الإنقاذي" إدخال جنوب إفريقيا في مساعي السَّلام في الوقت الذي فيه كانت منظمة "الإيقاد" مشغولة في أكثر ما يكون الاشتغال بالبحث عن السَّلام في السُّودان.  ثم كانت المحاولة الثالثة لجمع البشير مع قرنق في أبوجا – حاضرة نيجيريا – وكان الرئيس النيجيري أبوسانجو ضالعاً فيها.(95)  وفي كل المحاولات لم تكن المشاورات والترتيبات بالصورة التي تكفل تحقيق لقاء إيجابي.  أفلم يكن من الأجدر لهؤلاء القادة "الإنقاذيين" الذهاب إلى هذه القوى الأجنبيَّة التي يدعون بأنَّ الحركة مرهونة لها وتحارب بالإنابة عنها؟  ففي استظهار الحركة الشعبيَّة بأنَّها مطيَّة لأطماع الآخرين، عاجزة كل العجز في قيادة نفسها، وفي الاستذكار المستمر بأنَّها تنفِّذ الأجندة الأجنبيَّة، وليست لها من الغيرة الوطنيَّة في شيء ما هو إلا لتعزيز أهداف سياسيَّة، وبناء إستراتيجيَّة عسكريَّة لأولى السلطة.  وفي الإشارة إلى هذه وتلك تبرير لإخفاقهم حين يخفقون في الحرب، وتعظيم لقدرهم حين يحقِّقون نصراً في الحرب.  وما كان لمسعى الحكومة هذا إلا لأنَّها لا تريد إلا الفوز.  ومن ابتغى الفوز وحده لا شريك له كان خليقاً ألا يحقق في اختيار الوسائل وتدبُّر العواقب.  وهنا تتظاهر العواطف الدينيَّة، والمشاعر العرقيَّة، والأغراض السياسيَّة، حيث تتقاطع لبلوغ مرامي النظام.  أياً كان الأمر، فقد أفلح الرئيس البشير في نهاية الأمر في لقاء الدكتور قرنق في يوغندا بعد جهد جهيد وسفريات مضنية.  وعقب التقاء البشير مع قرنق في كمبالا – حاضرة يوغندا – في 27 تموز (يوليو) 2002م عاد البشير إلى الخرطوم مصرحاً لوسائل الإعلام "أنَّ زعيم الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان – الدكتور جون قرنق – وحدوي، ولم يكن انفصاليَّاً في يومٍ من الأيام، وكان دوماً يدعو إلى وحدة السُّودان."(96)  هذه هي النتيجة التي توصَّل إليها الرئيس البشير والذي اكتشف فجاءة أنَّ الدكتور جون قرنق وحدوي وليس انفصاليَّاً.

ومع ذلك، أمسى بعض قادة الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان ينجذبون سحريَّاً إلى أكذوبة "السَّلام من الداخل"، وأخذ يهرع إليه كل ذي خصاصة متجاهلين كل من سطَّر على تأريخ هذا البلد حرفاً من دماء في هذه الحرب الأهليَّة المستطيرة.  وكان من أولئك وهؤلاء الدكتور لام أكول أجاوين والذين معه، حيث قرَّروا الانضمام إلى الملة الحاكمة في الخرطوم، وذلك بعد مباحثات جرت بين مجموعته (الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان – الفصيل المتحد) والحكومة السُّودانيَّة في الفترة من 18 – 20 أيلول (سبتمبر) 1997م تحت رعاية رث قبيل الشُّلك، وتوِّجت هذه المحادثات ب"اتفاقيَّة فشودة"، التي نصَّت – فيما نصَّت – على الآتي:

أولاً: ضمان الوضع القانوني في المشاركة السياسيَّة والدستوريَّة للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان (الفصيل المتحد) خلال الفترة الانتقاليَّة.

ثانياً: لكل طرف الحق في الدعوة لأفكاره في الاستفتاء خلال الفترة الانتقاليَّة.

ثالثاً: لا يجوز تعديل المرسوم الدستوري الرَّابع عشر، إلا بموافقة ثلثي أعضاء التَّنسيق وتأييده في جلسة مشتركة بين المجلس الاستشاري والمجالس التشريعيَّة للولايات الجنوبيَّة.

رابعاً: يخلو منصب رئيس مجلس التنسيق في الحالات الآتية:

(أ‌)      نهاية الفترة.

(ب‌)    الوفاة.

(ت‌)    العجز وعدم المقدرة.

(ث‌)    الاستقالة.

(ج‌)     الاقتراع بالعزل من قبل المجلس الاستشاري وبموافقة ثلاثة أرباع أعضاء المجلس الاستشاري.

وقد وقَّع على الاتفاقيَّة عن حكومة السُّودان كل من اللواء الركن بشرى عثمان يوسف (قائد منطقة أعالي النِّيل العسكريَّة)، وموسى المك كور (وزير الثروة الحيوانيَّة)، فيما وقَّعها من جانب الحركة الشَّعبيَّة (الفصيل المتحد) كل من أكوج ميونق جاقو (نائب رئيس الحركة) وعوض جاقو (سكرتير الشؤون العسكريَّة للحركة).(97)  إذ يعكس إيفاد الحكومة السُّودانيَّة صغار عسكرييها وموظفيها للتوقيع على اتفاقيَّة فشودة مدى استهانة النظام بعمليَّة السَّلام أولاً، والذين انخدعوا إلى هذه الفرية الباطلة ثانياً؛ وكان ما آل إليه هذا السَّلام الباطل الزهوق هو الخذلان المبين.  لا يخالطنا شك في كثيره أو قليله بأنَّ الحكومة "الإنقاذيَّة" في الخرطوم كانت على علم بحجم الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان السياسي والعسكري، ولا مريَّة في أنَّها كانت تدرك كل الإدراك قدر الفصائل التي بدأت تخرج من رحم الحركة ومدى تأثيرها على أهل الجنوب، أو تأثُّر الجنوب بها على نحو ما.  وكانت مساعي الحكومة لتوقيع هذه الاتفاقات معها ليست إخلاصاً للسلام ولا تصديقاً لهم، بل خداعاً لأولئك وهؤلاء من أجل توسيع الفجوة بينها وبين الحركة الشعبيَّة حتى لا يفكروا في العودة إليها، وبخاصة أنَّ كثراً من هذه الفصائل – أو لنقل قادتها – استمرأوا ظاهرة التنقل بين الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة، بحثاً عن منصب ومال.  ومن هنا نستطيع أن نفهم دواعي انجذاب هؤلاء القادة الرحل بين الغابة والعاصمة، أي طلباً للمغانم.  ومن هنا أيضاً نستطيع أن نفهم كيف تفنَّنت حكومة "الإنقاذ" في استغلالهم لدرء الهزائم التي كانت تحيق بها حين تكشف الحرب عن ساقها.  وليس من دليل أفضل من ضياع الاتفاق وبقاء النفاق أكثر من خروج كل من اتفق مع ذلكم النظام الذي لا يراعي عهداً، ولا يكترث لميثاق الوفاق بين الرفاق حملة السِّلاح من أبناء البلد الواحد.  فالحال هذه لم تقتصر على سكان الجنوب قادة وحركات مسلَّحة، بل اتَّسعت لتشمل التجمع الوطني الديمقراطي والإطار المكاني الذي كان يعمل فيه، أو لنقل أظهر جزءاً من العمل فيه، إن صح التعبير متصلاً.  وبرغم من تودد النظام لقادة الأحزاب الإسلاميَّة وتراحمه لهم بالتوحد باسم شعيرة "أهل القبلة"، إلا أنَّها في الأصل كانت مفارقة لفظيَّة تخفي خبثاً سياسيَّاً ودهاءاً طرقت حكومة "الإنقاذ" بها طالبة التخلُّص من الطائفيَّة، والإبقاء على العصبيَّة العرقيَّة العربيَّة كإطار جامع بينهم.