عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

الصَّادق المهدي وإهدار فرص السَّلام (1986-1989م)

 

إنَّ طبيعة البشر لمبنيَّة على التناقض، ويختلف حجم التناقض والتناغم من شخص لآخر، ويشمل هذا التناقض الأمور الاجتماعيَّة، ويتعدَّاها إلى المواقف السياسيَّة.  ففي جانبه الاجتماعي الخاص قد لا يُضار الناس من هذا التعارض الرؤيوي، بيد أنَّه حين يتعلَّق الأمر بالقضايا العامة، فمن هنا يشتد البلاء والابتلاء على البلاد والعباد.  ومن هنا كذلك ظلَّ السُّودان مليئاً بالشخوص الذين يحترفون هذا التناقض، ويمتهنون فنونه، فلربما كانت حال البلد قد أنبتت فيهم هذه الخصال التي يستظهرونها على الناس ويخفونها عن أنفسهم، طلباً في مغنم أو هرباً من مغرم.  فتنازع السُّودان بين العروبة والأفرقنة، والإسلام والمسيحيَّة ومعتقدات إفريقيَّة، واللغة العربيَّة واللغات القوميَّة الأصيلة، كلها تشكل إشكاليات التناقض السُّوداني.  ولعلّ شخصيَّة السيد الصَّادق المهدي تعد من أكثر الشخصيات العامة في السُّودان جدلاً، سواء كرئيس حزب سياسي، أو زعيم طائفة دينيَّة، أو رئيس وزراء، أو داعية ديني، أو مؤلف مكثار، أو متحدث ثرثار.  ولكن أشدّ ما يثير الجدل عنه لدينا هو حياته العامة لارتباطها بالوطن الذي أمسي ينزف دماً، وتسوده الأميَّة، ويتهتك أهله بالأوبئة المستديمة.  والصَّادق قد أمضى حياته كلها وهو يحاول سبر أغوار ذلك الازدواج الذي يطاول بعض المرء في جوانيَّته وبرانيَّته.  وسنبين بعد حين من أمر الصَّادق ومسيرة السَّلام في السُّودان، لأنَّه لم يكن يمثِّل شخصاً منفردا، بل حكومة بعينها، وحزباً سياسيَّاً حاكماً، لذلك لم نكن لنهتم بشخص، وإنَّكم لسوف تجدوننا نشير إلى الوزراء من حوله، والجماعات من حزبه، الذين كوَّنوا حكومته، وباتوا يشاركونه في رأيه ومذهبه.  أتظن أنَّ السيِّد الصَّادق كان يمكن أن يستمر في حكمه إذا خالفه وزراؤه، وانفضوا من حوله، وانسحبوا من حكومته كلهم أجمعون أكتعون؟  كلا!  فحديثنا – ولئن ابتدأ برأس الحكومة – لسوف يسمو من الجزئي إلى الكلي.  لذلك سوف يصب تحليلنا إلى شخص السيِّد الصَّادق المهدي لنصل إلى دقائقه ودخائله في أمر عام، كما يفعل علماء التأريخ الطبيعي في معاملهم، ولكن – كما أسلفنا قولاً – الشخص وحده لا يكفينا ولا يعنينا، وإنَّما نتخذه وسيلة للإلمام بنوع حكومته، وحزبه الحاكم، نتخذ هذا الجزئي وسيلة إلى الكلي.

فبرغم من فشل الصَّادق في الحكومة والمعارضة معاً تصايح أنصاره وخلصاء حزبه وأشياع قومه بعد أن أجمعوا أمرهم وتنادوا بأنَّ "الصَّادق أمل الأمة"!  فانشرح صدره، وهو انشراح المرء حين يسمع المديح من أهل الغرض فيظنه صدقاً.  ولسوف نرى في القسم اللاحق وفي تفاصيل لاحقة هل كان الصًَّادق حقاً أمل الأمة أم كان ما رفعه مريدوه شعاراً أجوفاً أفضى إلى احتضار البلد.  غير أنَّ السيِّد الصَّادق المهدي – رئيس وزراء السُّودان المنتخب في انتخابات شبه عامة العام 1986م – كان قد سُخِّر له الحكم بحكم الدستور رخاءاً، لكنه لم يكن بذي مرة للسَّلام.  ومن المعلوم أنَّ حزب الأمة قد وقَّع – مع من وقَّع – على إعلان كوكادام كما أبنا سلفاً.  ألم تر كيف بدَّد السيد الصَّادق المهدي – رئيس حزب الأمة – بعد أن أمسى رئيساً للوزراء فرص السَّلام!  فلقد جادل الصَّادق جدالاً باطلاً بأنَّ الحزب الاتحادي الديمقراطي – الذي هو شريك في حكومته – لم يوقع على الإعلان، وكذلك الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، لذلك فإنَّ إعلان كوكادام خارج عن السؤال.  وحين ذُكر الصَّادق بأنَّ حزبه قد وقَّع على الإعلان وعليه الالتزام الأخلاقي بالعهد والميثاق لأنَّ العهد كان مسؤولاً، وكان لزاماً عليه أن يجتهد الاجتهاد كله في إقناع شركائه في الحكومة لقبول ما التزم به حزبه، وتعهَّد على تنفيذه.  فما كان من الصَّادق إلا أن طفق مجادلاً بأنَّ الذين ذهبوا إلى كوكادام من حزبه لم يكونوا مفوَّضين بالتوقيع نيابة عن حزب الأمة.  ومع ذلك حين جاء كوكادام كان الصَّادق المهدي مشغولاً شغوفاً بالانتخابات، ولم يسترع إعلان كوكادام انتباهه.

وفي أواخر تموز (يوليو) 1986م عُقِد اجتماع  بين الدكتور جون قرنق والسيد الصَّادق المهدي في العاصمة الإثيوبيَّة، أديس أبابا، حيث استمر الاجتماع لأكثر من تسع ساعات متصلة دون تحقيق أيَّة نتائج ملموسة (Without a break or a breakthrough).  ففي نهاية الاجتماع قال قرنق للمهدي: "إذا ذهبت إلى الخرطوم واتخذت خطوة جريئة بصدد القوانين "السبتمبريَّة" – أي قوانين الشريعة الإسلاميَّة – فلسوف تجدنا قد اتخذنا خطوة جريئة أيضاً."  أما السيد الصَّادق المهدي فقد قال لقرنق ووفده: "إذا تحدثتم للإعلام عن هذا اللقاء الذي تمَّ بيننا وبينكم فقولوا إنَّ الاجتماع قد استغرق ثلاث ساعات!"  فرد عليه قرنق: "أهكذا بدأنا بالكذب من الآن؟!"  نحن نعلم حق العلم أنَّ الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب، ولكن حين يأتي "الشروع في الكذب" من شخص يُدعى الصَّادق فإنَّ في هذا لأمراً عُجاب.  هذا، وقد تركَّز حوار الساعات التسع بين السيِّد الصَّادق المهدي – الذي اُستقبِل بصفته رئيساً لحزب الأمة وليس رئيساً للوزراء - والدكتور جون قرنق في الأساس على كيفيَّة تمتين الوحدة الوطنيَّة.

على أي، فما أن وقَّع الحزب الاتحادي الديمقراطي من جهة، والحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان من جهة أخرى على مبادرة السَّلام السُّودانيَّة في أديس أبابا في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988م، حتى شرع الصَّادق وجماعته يتميَّزون من الغيظ.  إذ جاءت هذه المبادرة بعد أن مهَّد لها لقاء لندن في تشرين الأول (أكتوبر) 1986م لتبادل وجهات النَّظر بين الطرفين، والاتفاق على الخطوط الرئيسة، ثمَّ تلت ذلك لقاءات بين وفدي الحركة الشعبيَّة (بقيادة الدكتور لام أكول) والحزب الاتحادي الديمقراطي (بقيادة السيِّدين سيد أحمد الحسين ومحمد توفيق) في أديس أبابا، حيث تمخَّض عن تلك اللقاءات مشروع اتفاق بين الحركة والحزب في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 1988م.  على أيَّة حال، فقد نجحت المبادرة في استجماع القوى الرَّاغبة في السَّلام، ويقف شاهداً على ذلك الاستفتاء الشَّعبي الرَّائع الذي عبَّرت عنه الجماهير لدي استقبالها للسيِّد محمد عثمان الميرغني والوفد المرافق له عند عودته للبلاد بعد التوقيع؛ أو كما كتب الدكتور منصور خالد: "لقيت مبادرة الميرغني ترحيباً عند أهل السُّودان، الذين خرجوا في عشيَّة عودته من أديس أبابا، سراة على أقدامهم ومحمولين على متن كل ضامر."(76)  هكذا نجد أنَّ "النقابات والاتحادات المهنيَّة، وقوى الانتفاضة الشَّعبيَّة، وطلائع النضال الديمقراطي الحديث (القوى الحديثة) قد وجدت في المبادرة - من موقع معاناتها الحقيقيَّة - مخرجاً مقبولاً للخلاص من ضغوط القوى السياسيَّة الماضية في تصعيد الحرب والشقاء، وما يعنيه ذلك من سوء في الحياة، وتدهور في مصالح الوطن.  وبدورها، تأثِّرت القوات المسلَّحة السُّودانيَّة تأثُّراً واضحاً بإسقاط المبادرة في الجمعيَّة التأسيسيَّة، وما دار في ظلالها من حساب دقيق لموازين القوى الإقليميَّة والدوليَّة في دائرة الأوضاع الأمنيَّة القوميَّة، وأثَّر كل ذلك على قدرات الجَّيش؛ وكانت مذكرة القوات المسلَّحة السُّودانيَّة (في 22 شباط (فبراير) 1989م) في هذا الشأن نتاجاً مسؤولاً لتلك الأجواء السياسيَّة والأمنيَّة الحسَّاسة."(77)  وقد تمخَّضت عن هذه الأجواء تغيُّرات كاسحة في تركيب السلطة الحاكمة، إذ تشكَّلت حكومة جديدة موسعة من ممثِّلي القوى الحزبيَّة والنقابيَّة، وأجازت الجمعيَّة التأسيسيَّة المبادرة كاتفاقيَّة سودانيَّة للسَّلام تضم الملامح الرئيسة لبرنامج قومي لإيقاف الحرب بتجميد مواد الحدود وكافة المواد ذات الصِّلة المضمنة في قوانين أيلول (سبتمبر) 1983م، وإلغاء كل الاتفاقيات العسكريَّة التي تؤثِّر على السيادة الوطنيَّة، ورفع حالة الطوارئ، ووقف إطلاق النار، وتشكيل لجنة تحضيريَّة للإعداد للمؤتمر الدستوري القومي (ملحق رقم (1)).  هذه المبادرة حملت بين طياتها آمال أمة وطموحات شعب؛ ولسوف نرى لاحقاً أنَّ جميع المقرَّرات والاتفاقات التي أفرزتها لقاءات واجتماعات ومؤتمرات التجمع الوطني الديمقراطي قد تأسَّست على روح هذه المبادرة وموجهاتها العامة، ولم تكن متناقضة، بل متطابقة معها وأساس لها، وروح بثَّت فيها الحيويَّة والقوة، وكانت امتداداً طبيعيَّاً لها.  كما أنَّها قد وضعت – والحديث هنا للفريق أول فتحي أحمد علي، رحمه الله – المشكل السُّوداني في إطاره الصحيح، ومهَّدت لإنهاء حالة العداء والحرب، وحل المشكل سياسيَّاً.  ولكن قبل أن تعبر المبادرة من مرحلة الاعتماد على الموقعين إلى الجهات التنفيذيَّة والتشريعيَّة، دعنا نبين بعضاً مما جرى من مناورات حزبيَّة وسياسيَّة خارج الجمعيَّة التأسيسيَّة وداخلها.

فما أن تمَّ التوقيع على مبادرة السَّلام السُّودانيَّة حتى لعب الكيد السياسي لعبته القذرة.  وقد شهدنا كيف اجتهد السيِّد الصَّادق المهدي وحزبه – أي حزب الأمة – في أعظم ما يكون الاجتهاد في تعكير صفو هذه المبادرة، والعمل على تسويئها.  وقد رأينا أنَّ السيِّد الصَّادق المهدي قد أبت نفسه إلا أن يتزاور عن هذه المبادرة يميناً ويساراً، ويراوغ عنها في أشد ما تكون المراوغة، ثم تنكَّر عنها ردحاً من الزمان.  وعندما ضاقت بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأرض بما رحبت، وتضجر أعضاء الحزب من هذا السلوك المهدوي، خرجوا من حكومة الائتلاف، لأنَّ سليل المهدي قد انساق وراء طارقي طبول الحرب – أي زعماء الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة.  وأخيراً – أي بعد ثلاثة أعوام من هذه المسرحيَّة الملهاة – اضطرَّ السيِّد الصادق المهدي اضطراراً أن يدرك أنَّ السلام مطلب شعبي، ومن بعد طفق يعمل من أجله.  إذ لم يكن عدوله عن طرائقه الأولى إلا لكي تأتي الانتخابات العامة وهو قد حقَّق شيئاً لحزبه من أجل الكسب الانتخابي أولاً، ولأنَّه لم يكد يستطيع أن يقف ضد التيار الشعبي والعسكري أكثر من ذلك ثانياً، وكذلك ربما قد بردت حمية الغيرة الحزبيَّة الأولى التي انتابته ضد السيِّد محمد عثمان الميرغني بعد أن نجح الأخير في توقيع مبادرة السَّلام السُّودانيَّة مع الدكتور جون قرنق دي مابيور؛ الشيء الذي أخفق الصادق نفسه في إحرازه.  فلا مُراء في أنَّ الصَّادق يحمل ذات أيديولوجيَّة الحركة الإسلاميَّة، والتي تمثِّل الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السُّودان ناصيتها.  وتعاون الصَّادق المثير للجدل مع، وتقاربه اللصيق للجبهة القوميَّة الإسلاميَّة يؤكِّدان ذلك، برغم من أنَّهما جلبا سخط أنصار حزب الأمة في غرب السُّودان، حيث أنَّ الجبهة تعتمد على صفوة الخرطوم في قيادة الحزب، مما يعني الابتعاد عن أهل الهامش المطحونين رويداً رويداً.  فالصَّادق لم يكن يرغب في أن تتفوَّق عليه الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في التبشير بالقيم الإسلاميَّة، ولا أن يسبقه الحزب الاتحادي الديمقراطي في الإتيان بمبادرة سلام سودانيَّة.  ومن هنا نشأت عقدة الصَّادق تجاه هذين الحزبين، وما سلوكه السياسي، إلا انعكاساً لهذه العقدة الكأداء التي تمزَّق دوماً شخصيَّة الرجل الذي تقطَّعت به السبل، وحار به الدليل، واضطربت حوله الأحوال السياسيَّة اضطراباً شديداً.

ففي المبتدأ ماذا حدث لمبادرة السَّلام السُّودانيَّة؟  بعد أن فشل السيِّد الصَّادق المهدي في الحصول على موافقة مجلس الوزراء جاء بالمبادرة إلى الجمعيَّة التأسيسيَّة ليست كاتفاقيَّة للموافقة عليها، أو تعديلها، أو الاعتراض عليها، لكنها بصورة مغايرة تماماً: أي تفويض رئيس الوزراء – لا حكومته – بأن يقوم على تطبيق مبادرة السَّلام السُّودانيَّة.  كان هذا ما اعترضت عليه كتلة المعارضة الإفريقيَّة في الجمعيَّة التأسيسيَّة، وطالبت الكتلة الجمعيَّة بالموافقة على المبادرة على النحو الذي عليه تمَّ التوقيع.  غير أنَّ هناك من كان في الجمعيَّة التأسيسيَّة ممن كان في نفسه حساسيَّة مفرطة حول ذكر اسم "الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان"، وكان اعتراضهم ينبني على أنَّ الموافقة على المبادرة بوجود هذا الاسم يعني الاعتراف بالحركة الشعبيَّة، فطالبوا بإسقاط عبارة "الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان" من المبادرة.  ومن ثَمَّ جاء الحزب الاتحادي الديمقراطي باقتراح تقاربي بالموافقة على المبادرة دون ذكر أطراف المبادرة – أي بعد أن أحدثوا فيها تبديلاً وتنويعاً، وكأنَّما هذه المبادرة قد نزلت من السماء دون ملائكة تحملها، أو شيطان ينقلها، أو عفريت من الجن قبل أن ترتد إليهم أبصارهم!  ثمَّ ذهبت مجموعة من حزب الأمة إلى المعارضة الإفريقيَّة، وطلبت منها مساندة اقتراح الحزب الاتحادي الديمقراطي، حتى يتفق الجميع حول الأمر الذي هم فيه يختلفون.  هكذا اتفق الجميع على قبول صيغة الحزب الاتحادي الديمقراطي المعدَّلة.  إذن، ماذا حدث في اليوم التالي؟  إنَّ المجموعة التي أتت إلى المعارضة الإفريقيَّة بالأمس قد أغوتها مجموعة أخرى، وفي نهاية الأمر لم يكن هناك شيء للموافقة عليه.  وبعد ثلاثة أيام حسوماً من الذهاب والإياب، والوسوسة في دهاليز مبنى البرلمان، والهمس واللمز، وتمرير قصاصات الورق بين النواب البرلمانيين، انكشفت الأقنعة وقالت المجموعة، التي ذهبت بالأمس القريب إلى المعارضة الإفريقيِّة لإقناعها بقبول صيغة الحزب الاتحادي الديمقراطي المعدَّلة، قالت في ساعة الصفر إنَّ كل شيء ينبغي حسمه بالتصويت.  هكذا صوَّت أعضاء البرلمان ضد صيغة الحزب الاتحادي الديمقراطي التوفيقيَّة.  وإذا كان الأمر كذلك في هذه الصيغة التقاربيَّة فماذا كان يمكن أن يكون الأمر بالصيغة الأصليَّة للمبادرة؟  أيَّاً كان من الأمر، فالصَّادق حينما كان يودّ المصادقة على مشروع قانون أو لائحة لصالح حزبه يعتمد على "الأغلبيَّة الميكانيكيَّة" في الجمعيَّة التأسيسيَّة لإجازتها، أما في حال الاعتراض على مسألة بعينها، فإنَّه يتعلَّل بعدم وجود "إجماع" حولها، مع علمه مسبقاً بأنَّه من المستحيل أن يجد إجماع سوداني حول قضيَّة بعينها.  وهذا ما جرى حول مبادرة السَّلام السُّودانيَّة، والتي نحرها الصَّادق قبل أن يرضخ إلى ضغوط السَّلام.  ولعلَّ مناورات الصَّادق هذه قد كشفت كم أنَّ المرء يمكنه أن يكون على غير وفاق مع مجتمعه، وأن يشعر بالمرارة إزاء نجاحات الآخرين، وأن يتمرَّد على كل شيء في ذلك المجتمع، وعلى منظومة الإنسانيَّة والعقلانيَّة في الآن نفسه.

والجدير بالذكر أنَّ الساحة السياسيَّة- المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة - لم تبخل بالمبادرات الفرديَّة وورش عمل، التي كانت كلها تصب في قالب السَّلام، حيث تقدَّمت أكثر من جهة حكوميَّة أو حزبيَّة أو شخصيَّة بما يعادل 28 مبادرة سلام.  وكان من هذه النداءات البيان المشترك بين كل من اتحاد الأحزاب الإفريقيَّة السُّودانيَّة، والحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وأنيانيا تو، والذي صُدِر في العاصمة الإثيوبيَّة – أديس أبابا – بعد اجتماعات استمرَّت في الفترة ما بين 19 – 23 آب (أغسطس) 1987م.  وقد عُقِدت هذه الاجتماعات تحت رعاية مجلس الكنائس السُّوداني.(78)  ومن بعد، توسَّل رئيس الوزراء السُّوداني السيِّد الصَّادق المهدي إلى الرئيس اليوغندي يويري موسيفيني أن يتوسَّط هو الآخر في عمليَّة السَّلام بين حكومة السُّودان من جهة، والحركة الشعبيَّة من جهة أخرى.  بناءاً على هذا الطلب اجتمع وفدا اتحاد الأحزاب الإفريقيَّة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة في العاصمة اليوغنديَّة - كمبالا – تحت رعاية حركة المقاومة الوطنيَّة (الحزب الحاكم في يوغندا) في الفترة ما بين 6 – 7 أيلول (سبتمبر) 1987م.  وتوصَّل الطرفان إلى نتيجة خلاصتها أنَّ السُّودان يمكن أن يتخلَّص من المخاطر المحدقة به إذا حشدت كل القوى السياسيَّة السُّودانيَّة عزيمة كافية وأصرَّت على حل المشكلات القوميَّة السائدة، وهي: قضيَّة الهُويَّة، مسألة الدين، حقوق الإنسان الأساسيَّة، نظام الحكم، التنمية غير المتوازية، العدالة الاجتماعيَّة والمساواة.(79)  ثم جاء البيان المشترك بين الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان من ناحية، واتحاد الأحزاب الإفريقيَّة السُّودانيَّة من ناحية أخرى في العاصمة الكينيَّة – نيروبي – بعد الاجتماعات التي تمَّت بين الطرفين في الفترة ما بين 19 – 22 أيلول (سبتمبر) 1987م.  ودعا البيان – فيما دعا إليه في 7 نقاط – كل القوى السياسيَّة السُّودانيَّة - بغض الطرف عن طيوفهم العقائديَّة، انتماءاتهم العرقيَّة، ومعتقداتهم الدينيَّة – إلى الالتفاف حول جهود السلام التي يقوم بها اتحاد الأحزاب الإفريقيَّة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان بناءاً على إعلان كوكادام في آذار (مارس) 1986م، وعلى الحكومة السُّودانيَّة الإسراع في عقد المؤتمر الدستوري القومي.  وكذلك حثَّ البيان المنظمات الدوليَّة والإقليميَّة (منظمة الدول الإفريقيَّة وجامعة الدول العربيَّة) على الضغط على حكومة السُّودان للموافقة على عمليَّة السَّلام الجارية يومئذٍ.(80)  ثمَّ تبع ذلك منبر سلام أديس أبابا في الفترة ما بين 5 – 7 تموز (يوليو) 1988م بين الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير من جانب، واتحاد الأحزاب الإفريقيَّة السُّودانيَّة من جانب آخر.  وبعد الإقرار بكل الجهود السابقة تجاه عمليَّة السلام، دعا وفدا المنبر – فيما دعا إليه من 6 نقاط – إلى عقد المؤتمر الدستوري القومي قبل نهاية العام 1988م، كما عبَّرت عن ذلك كل القوى السياسيَّة في البلاد.  وكذلك حثَّ المنبريُّون قوى انتفاضة 6 نيسان (أبريل) 1985م – إضافة إلى الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، والقوى السياسيَّة الأخرى في البلاد – على عقد اجتماعات تمهيديَّة على روح إعلان كوكادام العام 1986م لمناقشة برامج، أجندة، مكان وزمان عقد المؤتمر الدستوري القومي.  ومن جانبها التزمت الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان بوقف إطلاق النار خلال فترة عقد هذه الاجتماعات التمهيديَّة، بناءاً على الوضع السائد حينئذٍ.  وأكَّدت الحركة الشعبيَّة ضماناتها لتوصيل مواد الإغاثة من المنظمات الدوليَّة إلى كل المواطنين السُّودانيين في المناطق المتأثِّرة بالحرب.  كما كرَّرت الحركة الشعبيَّة عرضها السابق في تبادل سجناء الحرب مع الحكومة السُّودانيَّة من خلال اللجنة الدوليَّة للصليب الأحمر.(81)

ومن بعد، عُقِدت ورشة عمل في مدينة أمبو الإثيوبيَّة في الفترة من بين 4 – 7 شباط (فبراير) 1989م  بين الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان من جهة، ومجموعة من المفكرين والأكاديميين من الخرطوم من جهة أخرى.  وجاءت الورشة تحت عنوان "السُّودان: المشكلات واحتمالات الحلول" (Sudan: Problems and Prospects).  وكان الهدف الرئيس من هذه الورشة هو تشكيل رؤية مشتركة وتفاهم حول مشكلات السُّودان المحوريَّة، وإنشاء إطار عام لبرنامج عمل مشترك لاتحاد القوى الوطنيَّة الديمقراطيَّة.  وبعد حوار صريح خرج المشاركون برؤية مشتركة حول القضايا مثار البحث.  وشملت القضايا التي جرى حولها النقاش: المرحلة التأريخيَّة المعاصرة، الثورة الوطنيَّة الديمقراطيَّة، مشكلات التشكُّل الوطني وشكل الحكم، الاقتصاد والمجتمع، والفقر والمرض والجهل، وهلمجرَّاً؛ وهي كلها مشكلات من صميم الأزمة السُّودانيَّة التي قادت إلى الحرب الأهليَّة.(82)  فبدلاً من أن تتبني الحكومة توصيات وقرارات هذه الورشة، فوجئنا وفُجعنا بأنَّ وزير الداخليَّة السيِّد مبارك الفاضل المهدي قد أمر بتفتيش حقائب أعضاء الوفد الأكاديمي العائد من إثيوبيا، واستجوابهم بواسطة الشرطة، ثم الزج بمسألة مستعجلة عن ورشة أمبو إلى الجمعيَّة التأسيسيَّة (البرلمان) للنِّقاش.  أفلم يكن من الأجدر أن يجلس السَّادة البرلمانيُّون في جلسة مفتوحة للتفاكر حول الأوراق التي قُدِّمت، وكيفيَّة الاستعانة بها لوقف نزيف الدماء في البلاد، وتحقيق التنمية الشاملة، بدلاً من افتعال الجدال حول ملاحقة وإدانة المشاركين في النَّدوة.  وفي هذا الصدد نذكر كيف ردَّ أحد أعضاء البرلمان من الإقليم الجنوبي حين رفض أن يجاري جمهرة الظلمة والجهلة؛ إذ قال لهم حينئذٍ: "إذا كان الاتصال بجون قرنق جريمة يعاقب عليها القانون، فعليه ينبغي اعتقال رئيس الوزراء السيِّد الصَّادق المهدي لأنَّه جلس مع الدكتور جون قرنق في أديس أبابا لمدة تسع ساعات دون انقطاع أو إقناع أحدهما الآخر."  وإذا كان هناك من ثمة انتقاد لورشة أمبو فهو إنَّها اقتصرت على الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان من جهة، وما عُرف ب"اتحاد القوى الوطنيَّة الديمقراطيَّة" من جهة أخرى.

ففي الفترة ما بين 23 – 24 شباط (فبراير) 1989م أقام مركز الدراسات التنمويَّة بجامعة بيرغين بالنرويج بتمويل من وزارة التعاون التنموي مؤتمراً تحت شعار "إدارة أزمة السُّودان: المشكلات والحلول"، حيث شاركت فيه الأحزاب السياسيَّة السُّودانيَّة بما فيها الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وعدد من الشخصيات ذات الاهتمام بالشأن السُّوداني، وأصدقاء السُّودان من النرويج والسويد والمستقلون والأكاديميُّون.  وقد نبعت الفكرة في الأساس من أهمية جمع وجهات النظر المختلفة لأولئك وهؤلاء لأول مرة وجعلهم يستمعون لبعضهم بعضاً، ويناقشون القضايا من مختلف وجهات نظرهم.  وكذلك هدف المؤتمر إلى تحديد حجم الفجوة بين هذه الآراء، وما إذا كان من الممكن تضييقها.  أما عن وجود مبادرات كثيرة في الساحة السياسيَّة حينئذٍ فإنَّها لتكشف كيف أنَّ كل حزب كان قد سعى إلى تخذيل الطرف الآخر بالتوقيع على هذه المبادرة أو تلك، وليس عن قناعة حقيقيَّة بالسَّلام.  هكذا نشأت أزمة ثقة بين هذه الأحزاب مع بعضها بعضاً من جهة، وبينها وبين الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان من جهة أخرى.  ومن خلال المداولات والمحاورات والسجالات التي جرت في مؤتمر بيرغين ظهرت ثلاث وجهات نظر.  فالرؤية الأولى ظلَّت تعبِّر عن وجهة رأي الشمال، والتي تجاوزت حدود حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي، ويمكن تسميتها "رأي الأغلبيَّة الصَّامتة في الشمال".  وهي الوجهة التي تعترف بحقيقة أنَّ السُّودان مجتمع متعدد الثقافات، والانتماءات، والديانات وأشكال التماهي الأخرى.  فلا شك في أنَّ هناك أغلبيَّة مسلمة من جانب، وأغلبيَّة إفريقيَّة من جانب آخر في السُّودان، وكذلك فإنَّ إسلام أهل السُّودان ليعني أشياءاً متباينة لمختلف السُّودانيين حسب الملل والنِّحل والطوائف الدينيَّة.  وعليه، في حال محاولة أيَّة مجموعة – حتى لو كانت أغلبيَّة عدديَّاً – فرض رؤاها على الأغيار لسوف يكون هناك صراع.  ويمكننا أن نقول إنَّ الإنسان قد عرف الدِّيانات منذ تحضَّر، ومنذ فكَّر أيضاً، فما استطاعت الدِّيانات أن تقضي على اختلاف المذاهب، ولا استطاع اختلاف المذاهب أن يقضي على الدِّيانات.  أما الرؤية الثانيةَّ، التي انبثقت من مؤتمر بيرغين، فهي مشروع الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، الذي يقوم على مبدأ مفاده أنَّ سكان السُّودان هم سودانيين، حيث يتميَّزون بأشكال مختلفة وألوان متعددة، ومعتقدات مختلفة.  والسبيل الأمثل لحكم المجتمع المتعدِّد هو ألا يتأسس الحكم على أي مظهر من مظاهر التعدديَّة، لأنَّ الديمقراطيَّة الميكانيكيَّة هي في حد ذاتها ديكتاتوريَّة الأرقام (Parliamentary majority is not democracy, but a dictatorship of numbers).  أما الرؤية الثالثة، التي برزت في مؤتمر بيرغين، فهي من بنات أفكار الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة، وهي رؤية متزمِّتة تطالب بتطبيق الشريعة الإسلاميَّة على جميع مناحي الحياة العامة في السُّودان.  ولم يبغ ممثل الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة – الدكتور علي الحاج محمد - في مؤتمر بيرغين أي نقاش حول هذا الأمر، أما بقيَّة القضايا فقد أبدى الرغبة في الحوار حولها.(83)

كثيراً ما سألنا أنفسنا في أنفسنا عن حجم وكثافة ومساحة الوطنيَّة في السُّودان، وعن معيار قياس هذه الوطنيَّة.  وكانت الدوافع الرائسة إلى هذا التساؤل هي استهتار السلطات الحاكمة للمعارضين من أهل الهامش في السُّودان، والناس شبه البدائيين الذين يسعون إلى تحسين حيواتهم ووجودهم من خلال تأمين شروط عيش جديدة تقوم على إنشاء عقد اجتماعي فاضل، وتعميم المساواة والعدل، وبناء مجتمعاتهم بصورة ترقى إلى مصاف الكرامة والنبل.  وكذلك كان دافع تساؤلنا يرجع إلى استكثار نعتهم بالخيانة، ووصفهم بأنَّهم يفتقدون الوطنيَّة، وإنَّهم لأعداء الوطن، وعملاء الاستخبارات الغربيَّة.  وليس في أمر إعلان هذه المواقف العنيفة ضد هؤلاء المسحوقين من أبناء الوطن استخبارات أجنبيَّة ولا يحزنون.  بيد أنَّنا قد قلبنا الطاولة عليهم، ويتضح هذا فيما يلي.  ففي حوار دار بين رئيس الوزراء، السيد الصَّادق المهدي، والعضو البرلماني اليابا جيمس سرور حول مسألة الحرب والسلم في السُّودان، قال السيِّد الصَّادق المهدي لجليسه: "إنَّ الحرب لم تصل إلى حدودنا بعد!"  ثم استوضح اليابا سرور الصَّادق المهدي عن الأمر بسؤال آخر: "هل تتحدَّث بصفتك رئيس وزراء السُّودان؟  وما هي حدودكم؟  أخبرني!  وهل سقوط كبويتا وتوريت وجيكو وكل هذه المدن (لا تقع في إطار حدود السُّودان)، ومن ثَمَّ تقول لي إنَّ الحرب لم تصل إلى حدودنا، إلا حين تصل الحرب إلى الكرمك (وقيسان)، وبذلك تكون الحرب قد وصلت إلى حدود السُّودان؟!"(84)  ومن خلال هذا الحوار نعلم أنَّ السُّودان عند الصَّادق المهدي هو ذلك الذي يمثل الشمال في الفكر القومي عنده، وبحدود عرقيَّة يعلمه هو، أما الحرب في أدغال الجنوب ومدنه البعيدة، فينبغي ألا يشغل بها باله، فهذا أمر متروك للجيش ليذهبوا ويموتوا هناك مع هؤلاء الجنوبيين وأهلهم.  ومثل السُّودان اليوم كحال فرنسا في القرون القديمة في تصنيف الشعب.  ففرنسا كانت أمتين: أمة النبلاء الذين يعتقدون أنَّهم تحدّروا من نسل الغزاة الفرانك، وعامة الشعب الذين يتحدَّرون في نظر النبلاء من نسل الرومان والغالبين المهزومين.  ولهذا لم تكن فرنسا تعتمد في حروبها على أبنائها الفرنسيين، بل كانت تعتمد على المرتزقة السويسريين.  ولكن فيما مضي من حديث الصَّادق المهدي مع اليابا سرور، الذي أشرنا إليه سلفاً في السطور السالفة، ندرك الإدراك كله لماذا لم يكن الصَّادق على عجلة من أمر السَّلام، ولم يكن يهمه بشيء.

وفي حديث استكشافي دار بين رئيس الوزراء السيِّد الصَّادق المهدي والدكتور فرانسيس دينج – حين كان الأخير، مع الرئيس النيجيري أوباسانجو، عكوفين على محاولات إيجاد السَّلام في السُّودان – قال الصَّادق المهدي للدكتور دينج: "ما من شك في أنَّ المشكل الذي بيننا وبين الجنوب هو غياب القيادة التي يمكن الاعتماد عليها، ولسوف تكون مشكلاتنا أكثر سهولة إذا كانت لدينا قيادة يمكن التعامل معها والاعتماد عليها.  وإنِّي على إيمان بأنَّ (الحركة الشَّعبيَّة) والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان قد تجاوزت القيادات التأريخيَّة الأخرى، وهي القيادة التي يستطيع المرء أن يتعامل معها.  ومع ذلك، فإنَّها – أي قيادة الحركة الشعبيَّة – قد تفوَّقت على الأحزاب السياسيَّة داخل السُّودان."  وقد علَّق الدكتور دينج في نفسه لنفسه، وحين شرع في تسجيل مداولاته مع رئيس الوزراء على الورق، بأنَّ مثل هذه التصريحات لا يستطيع الصَّادق المهدي أن يتفوه بها علناً لوسائل الإعلام المسموعة أو المقروءة أو المرئيَّة.  وفي الحق، فما يذيعه الصَّادق المهدي في النَّاس داخل السُّودان يختلف عما يتلفَّظ به لشخصيَّة إقليميَّة أو دوليَّة، وما يفصح به في دولة إفريقيَّة يختلف عما يبوح به للأخوة العرب في ديار العروبة، وما يتشدَّق به بلغة الإنكليز في الغرب يختلف تماماً عما يمكن أن يسمعه الناس في مكان آخر على البسيطة.

ومع ذلك، احتفظ السيد الصَّادق المهدي بحكومته في حال تعليق القرارات السياسيَّة الحاسمة.  وفي الحين نفسه أُنشِأت أجسام سياسيَّة كثيرة هامدة لاتخاذ القرارات أكثر من أي تأريخ من تواريخ السُّودان السياسيَّة والاقتصاديَّة.  وفي خلال ثلاث سنوات جعل الصَّادق من نفسه "مديراً" هاماً لإدارة المجهول، حيث بات حكمه باقياً ليس بفضل ما هو فاعل، ولكن عن طريق اعتقاد الآخرين فيه بأنَّهم يفعلون شيئاً.  هكذا ظل نداء التحكيم إلى شرع الله يأخذ قوته، وأمسى المنادون به يردِّدونه بحتمية مهدِّدة، دون أن تأخذ هذه الحتمية دورها في الحياة العامة نتيجة لردود الفعل من الجانب الآخر.  وما أنَّ اشتدَّ عليه الضغط الجماهيري العارم بُعيد التوقيع على مبادرة السَّلام السُّودانيَّة، وضغط المؤسسة العسكريَّة التي تمثَّلت في مذكرة الجيش، وموقف النقابات المهنيَّة – كما أسلفنا ذكراً، اعتزم السيِّد الصَّادق المهدي على أخذ قضيَّة السَّلام بجديَّة، وكان ذلك في الوقت الضَّائع ولات حين مناص.  "ففي يوم الخميس 29 حزيران (يونيو) 1989م عقد رئيس الوزراء – السيِّد الصَّادق المهدي – اجتماعاً مع لجنة السَّلام الوزاريَّة تقرَّر بعده دعوة مجلس الوزراء لاجتماع استثنائي صباح الجمعة 30 حزيران (يونيو) 1989م لكي يقرِّر المجلس في التوصيات التي تقدَّمت بها اللجنة الوزاريَّة للاجتماع الذي تمَّ تحديده يوم 4 تموز (يوليو) 1989م، حتى تذهب اللجنة مكتملة الأوراق والوثائق تمهيداً لإعلان اتفاق السلام الشامل على كل الأمور في المؤتمر الدستوري (القومي) الذي تحدَّد انعقاده يوم 18 أيلول (سبتمبر) 1989م بموافقة الحركة الشعبيَّة، والذي كان من المفترض أن يكون يوم ختامه تأريخ ميلاد جديد للسُّودان تتوقف فيه الحرب، ويتحقَّق فيه السَّلام المنشود على أسس السَّلام العادل والحقوق المتساوية بين جميع السُّودانيين."(85)  على أي، فقد أنفق السيد الصَّادق المهدي معظم سنوات حكمه في اللقاءات الصحافيَّة ومخاطبة الندوات الأكاديميَّة والتجمعات الجماهيريَّة، أي إنَّه أولج نفسه في سائر ميادين القريض دون أن يحقق في الحكم شيئاً من الاستقرار السياسي، أو ترميم الاقتصاد السُّوداني، أو تمتين أواصر الوحدة الوطنيَّة، أو الحريَّة الدستوريَّة.  هكذا كان الفشل صنوه في معترك الحياة العامة، ومضطرع الأحداث الشَّائكة، برغم مما وصفه ديفيد غوردون – حفيد الجنرال غوردون، الذي قتله أنصار المهدي في معركة سقوط الخرطوم العام 1885م – بأنَّه يتمتَّع "بزرابة اللسان وتفهُّم القضايا".  غير أنَّ الصَّادق المهدي لم يكن بوسعه تفهُّم قضايا السُّودان المحوريَّة، والأمور التي فيها يختلف السُّودانيُّون دوماً لدرجة الاقتتال والتحارب.