حكومة الصَّادق المهدي (1986-1989م) .. ظلام عند الظَّهيرة
د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قبيل البدء في تفنيد سياسات حكومة السيِّد الصَّادق الصدِّيق عبدالرحمن المهدي تلقاء النُّوبة كان حري بنا أن نسلط أضواء كاشفة على شخصيَّة سليل المهدي.  ففي السيِّد الصَّادق المهدي شخصيَّة ينتابها شعور يجنح للسُّلطة ومولع بالحكم، وتتجاذبها نوازع شتى متناقضة مع بعضها بعضاً: فهو يحاضر كمفكر إسلامي تارة، ويقدِّم نفسه كسياسي ديمقراطي حريص أيما الحرص على مفاهيم الدِّيمقراطيَّة الليبراليَّة تارة ثانية، ويحاول التَّعبير عن انتمائه العربي سلالة ووجوده في ثرى أفريقيا جغرافياً تارة ثالثة، ويسعى تارة رابعة إلى الجمع بين هذا الشتات وتلك السمات في غير توفيق.  وفي هذا الصراع الشَّخصي النَّفسي يزعم الصَّادق دائماً بأنَّه يستطيع أن يقدم أنموذجاً خليطاً من هذه الصفات في الحكم.  وكذلك لتجدنَّ الصَّادق المهدي متشبثاً بأفكار الفقهاء الإسلامويين كأبي الأعلى المودودي، ويردِّد دائماً بأنَّه بمقدوره تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة ومفهوم الشورى في نظام ديمقراطي في السُّودان كما تتطلَّع "الأغلبيَّة" المسلمة مع عدم التَّفريط في حقوق "الأقليَّة" غير المسلمة.  وتتركَّز هذه الضمانات الحقوقيَّة – والحديث للصَّادق المهدي – في "كفالة حريَّة العقيدة للمسلم وغير المسلم، وكفالة حق المسلم في الإمتثال لمطالب دينهم ما داموا ملتزمين بمراعاة حقوق المواطنة للآخرين، وحقوق الأديان الأخرى، وبالنَّهج الدِّيمقراطي في تحقيقها."(31)  وبعد كل هذا يكثِّف الصَّادق استخدام لغة العرب مدخلاً لمزج مجموعة كبيرة من المواقف والتَّعبيرات التي تختلط فيها الفلسفة بالحقوق، والدِّين بالسلوك البشري، والنَّوازع البشريَّة بالوقائع التأريخيَّة؛ وفوق ذلك فهو كاتب كبير وغزير الانتاج وله من معين طاقة لا ينضب، أي أنَّه رجل نشاط ودأب حقيقي بطريقة مواربة.  ثمَّ لترونه يحاضر في أمور كثيرة، ومع هذا فإنَّ معرفة أمور كثيرة ليس من شأنها أن تجعل من الإنسان عارفاً؛ ولا يكون عارفاً إلاَّ ذلك الشَّخص الذي يمكنه حقاً أن يبرهن على معرفته بالأفعال والوقائع، التي تقوم على مبادئ أساسة مثل التَّسامح الدِّيني، والعدالة والمساواة وهلمجرَّاً.  أمَّا عن حرصه على السُّلطة فيمكننا أن نذكِّره بقول الكاتب الياباني نوبواكي نوتاهارا: "إنَّ الزَّعيم الحقيقي لا يلهث وراء السُّلطة، إنَّما السُّلطة لتأتي إليه، يفرضها عليه وعي المسؤوليَّة والشعور بالواجب."  هذه هي بعض ملامح شخصيَّة الصَّادق المهدي التي حاول استغلالها في اللَّعبة السياسيَّة التَّقليديَّة في السُّودان القائمة على التحالفات المتغيِّرة والثَّابتة والتكتلات بين زعامات تستند إلى مزيج من الأصول التأريخيَّة والعصبيَّة والطَّائفيَّة والشَّعبيَّة والقوى الانتخابية التي تفرزها هذه المتناقضات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والدِّينيَّة والثقافيَّة بين الفينة وأخرى.  إذ يبدو واضحاً أنَّ الصَّادق بهذا الجهد السياسي لا يعدو أن يكون جزءاً من إرادة عليا غير واعية ولا واقعيَّة، تختبئ خلف الوقائع، لكنها تسيطر عليها تماماً وبالتَّالي تسيطر على كل نشاطاته السياسيَّة؛ فكم مرة يمكن فيها المرء أن يبرِّر سلوكه واختياراته السياسيَّة طوال حياته؟
إنَّ الدِّيمقراطيَّة لهي عقد اجتماعي بين معتنقيها، وتحقِّقها منظومة سياسيَّة واجتماعيَّة وشروط بيئيَّة محيطة تجعل تنظيم الحياة السياسيَّة والعامة عقداً تلتزم به الأطراف أكتعون، وتجد فيها مصالحها.  وهذا لا يتم – ولا يتأتَّى – إلاَّ في بؤرة حقيقيَّة فيها يتجمَّع النَّاس وينظِّمون أنفسهم على أساس مصالحهم واحتياجاتهم.  إنَّ المشاركة في صناعة القرار لهي المعنى الأساس للدِّيمقراطيَّة، وإنَّ استبعاد الخاسرين المتأثِّرين بالقرارات عن دوائر صنعها يشكِّل انتهاكاً أساساً للديمقراطيَّة، والحال أنَّ الاستبعاد والاقصاء والاختزال، سمات متحكِّمة في الحياة السياسيَّة السُّودانيَّة.  وفي السُّودان، الذي فيه لم تتبلور الدِّيمقراطيَّة بعد، وفيه عجزت الليبراليَّة، بسبب جفاف ينابيع التعدُّديَّة في تراثنا، نجد أنَّ من العوائق والمعضَّلات التي ما زالت تواجه الدِّيمقراطيَّة في هذا القطر في مجالاتها النظريَّة والتطبيقيَّة (العمليَّة) هي: مسألة العلاقة بين الإسلام والدِّيمقراطيَّة، والوقوف أمام التراث (العرف) والمعاصرة، والحوار الإيجابي بين أطياف المجتمع السُّوداني، من إسلاميين وعلمانيين، وجنوبيين ونوبة وأهل الفونج ودارفور وأهالي البجة وغيرهم.
وفي غياب هذا الحوار الإيجابي والمجادلة بالتي هي أحسن يكثر الحديث في السُّودان دائماً عن الأقليات العرقيَّة وما أدراك ما الأقليات في صورةٍ أكثر إذلالاً؛ وبخاصةً حين يتعلَّق الأمر بالشعارات الإسلامويَّة المرفوعة ومسألة الحقوق المدنيَّة والفرض على العباد أفكار البشر وجعلها ديناً لهم ومنهاجاً لحيواتهم.  فقد استندت الحكومات المتعاقبة على السُّلطة في السُّودان إزاء ما أسمَّته "الأقليات القوميَّة" على المنطق القائل إنَّ مجرد الاعتراف لهذه القوميات بحقوقها والسماح لها بممارسة تلك الحقوق سيقودها إلى الانفصال عن الدَّولة الأم، ويشكل ذلك في نظر تلك الحكومات تهديداً للوحدة الوطنيَّة، بل إنَّ الذي يهدِّد الوحدة الوطنيَّة هو الظلم، وهو الذي يدفع كثراً من تلك القوميات أن تتطالب ب"حق تقرير المصير"، أي الحق الذي يشكل أحد العناصر الأساسة في شرعة حقوق الإنسان.  إذ أنَّ من حق هذه القوميات أن تعبِّر بحريَّة عن ذاتها، وعن هُويَّتها الثقافيَّة والقوميَّة، وأن يكون لها في البلد الذي تنتمي إليه وتصر على أنَّها جزء مكوَّن منه ومن شعبه، حقوقها المتساوية مع الآخرين في كل ما يتَّصل بالشأن العام، وفي كل ما يتَّصل بالشأن الخاص بالمجموعات والأفراد، على حدٍ سواء.  فالسُّودان دولة أفريقيَّة قديمة، دخلت إليها العروبة عن طريق الإسلام، ولذلك فالسُّودانيُّون الذين يدَّعون العروبة – بهذا المعنى والفهم – هم عرب مستعربون مثل العديد من العرب في الأزمنة المعاصرة.  وقد شكَّل الإسلام مع مرور الزَّمن دين البعض في هذا البلد، على الرَّغم من وجود آخرين مسيحيين، وآخرين يدينون بالديانات الأفريقيَّة النبيلة.  وإذا كان قد تأخر السُّودانيُّون الأفارقة في طرح قضيَّتهم بشقيها القومي والدِّيني داخل الوطن السُّوداني، فإنَّ مجرَّد البدء بطرح مسألة الحقوق القوميَّة قد وضعهم في قفص الاتِّهام بتهديد وحدة الوطن ووحدة الشَّعب، ففي رأي الأغيار استحقوا العقاب.(32)  ويصر البعض، وبخاصة القوميُّون العرب، أنَّ استعانة المقهورين الوطنيين بالأجانب لمساندة قضاياهم تضعهم في خانة الخونة، ناسين أنَّ استعانة الحكومات السُّودانيَّة بالأنظمة العربيَّة لتمويلهم بالمال والسِّلاح لسحق مواطنيها السُّودانيين تضع قادة هاتيك الحكومات ليست في حالة الخونة فحسب، بل في تعداد مجرمي الإبادة الجماعيَّة والجرائم ضد الإنسانيَّة ومجرمي الحرب؛ وهذه الجرائم يعاقب عليها القانون الدَّولي قبل القانون الوطني إن كانت هناك عدالة قوميَّة.
والجدير بالذكر أنَّه لا يوجد في السُّودان أية أقليات بالمفهوم المحدد للمصطلح، أي "مجموعة إثنية أو دينيَّة/ثقافيَّة تعيش وسط السُّودان، وتخضع لمنظومة إثنيَّة أخرى أو دينيَّة/ثقافيَّة غالبة".  هكذا يقول المنطق كما يقول التأريخ، ولكن توجد منظومات قبليَّة وتفويضات عرقيَّة وتركيبات ثقافيَّة تشكِّل في مجموعها ما يُعرف سياسيَّاً باسم شعب السُّودان.  وفي هذا الصدد يقول بعض علماء الاجتماع إنَّ النُّوبة وغيرهم يمكن أن تنطبق عليهم صفة مجتمع ذي ثقافة أحاديَّة (Monocultural community) مقابل مجتمعات ذات ثقافات متعدِّدة (Multi-cultural community).  إذ أنَّ الثقافة تشرح النمطيَّة التي فيها يعيش الناس حيواتهم، فنجدها – أي الثقافة – تعتمد على عوامل عدة، منها : الذكريات، التجارب الحياتيَّة المشتركة والتأريخ المشترك، الإثنيَّة والهُويَّة، أسلوب نمط الحياة ونمو الأسرة، العادات والتَّقاليد، البيئة، الطبقة، المال، الدِّين، النَّهج الذي به يتم تقسيم الأدوار بين النساء والرجال وهلمجراً.  وهكذا نجد أنَّ الثَّقافة غير ثابتة كما أنَّها غير ساكنة؛ إنَّها تتطوَّر وتتجدَّد بالنسبة للأفراد والجماعات وفق سيرورة سنن الحياة الخاصة والعامة لهؤلاء الأفراد ولتلك الجماعات.  فالنُّوبة، الذين قاسوا مراراً وعانوا كثراً من هذا الأسلوب الاقصائي، "ليسوا أقليَّة بأي حالٍ من الأحوال حيث أنَّهم تجمُّع قبلي يضم عدداً من القبائل الزنجيَّة ذات الجُّذور المشتركة تأريخيَّاً، والثَّقافة المتماثلة، على الرغم من التباين الدِّيني/الثَّقافي نتيجة الاختلاطات العرقيَّة التَّاريخيَّة، ويجمع بينهم التَّكتُّل المكاني في مناطق جنوب غرب وجنوب أواسط السُّودان (...) وبهذا الفهم لا يكون النُّوبة أقليَّة كما لا يكون غيرهم أغلبيَّة؛ وكذا الحال بالنسبة للشايقيَّة والمحس والدينكا والبجة والرزيقات والزغاوة والفور والزَّاندي والكاكوا وغيرهم."(33)  فإذا علمنا أنَّ شعب السُّودان يتكوَّن من 597 قبيلة – حسب احصائيَّة ماكمايكل – ويتحدَّث بأكثر من 150 لساناً، لا يكاد يخرج سوداني واحد أو سودانيَّة واحدة من الانتماء إلى واحدة – أو أكثر – من هذه القبائل.  أما إذا تمَّ العزل التعسُّفي عن السياق العام لتركيبة الشَّعب السُّوداني، فبهذا المنطق "يمكننا اعتبار الدَّناقلة أقليَّة" وكذلك الشايقيَّة والجعليين والمحس وغيرهم. أما الذين يسبحون ضد تيَّار التأريخ، ويحاولون سبر أغوار الشخصيَّة القوميَّة بالعروبيَّة، فإنَّهم يتلذَّذون من هذا المنحى المعوج مهما كلَّف ذلك أحواضاً من دماء الأبرياء وأرواح البؤساء.  فبعد خروجه من المعتقل في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، برز السيِّد الصادق المهدي حاملاً بضع آراء. أكَّد الصَّادق أنَّ السُّؤال الذي يطرح نفسه هو كيف تكوَّنت الأقليَّة في المقام الأول؟  ثم أضاف قائلاً: "إنَّ علماء المسلمين نظروا إلى الأوضاع التي أحرز فيها المسلمون نصراً بعد المواجهات العسكريَّة"؛ وهنا كان يشير السيِّد الصَّادق المهدي - تلميحاً - إلى معركة دنقلا العام 652م بين قوات عبدالله بن سعد بن أبي سرح وجيش النوبة (شمال السُّودان) بقيادة ملكهم قليدور؛ وقد ذكر ذلك صراحة في مواقعٍ أخرى.  تكاثرت الهجرات العربيَّة للنُّوبة وحالة الفوضى التي آلت إليها المنطقة من صراعات الملوك حول السُّلطة وغزوات سلاطين مصر حتى سقطت الدولة المسيحيَّة في دنقلا في بداية القرن الرابع عشر الميلادي وانفتح الباب على مصراعيه للقبائل العربيَّة فتدفَّقت جنوباً وأخذوا يكوِّنون بنياتهم ومجتمعاتهم القبليَّة؛ وكما قال ابن خلدون: "وانتشرت أحياء العرب من جهينة في بلادهم (أي بلاد النُّوبة) واستوطنوها وملكوها وملأوها عبثاً وفساداً، وذهب ملكوك النُّوبة إلى مدافعتهم فعجزوا ثمَّ صاروا إلى مصالحتهم بالمصاهرة."(34)
مهما يكن من أمر - والحديث ما زال للصَّادق - فإنَّ الأقليات الحاليَّة من طبيعة مختلفة. ولهذا اقترح الصَّادق تناولاً جديداً للمشكلة بكاملها، وذلك عن طريق تحديث مفهوم الذمَّة.(35)  إنَّ استفسار الصَّادق عن كيفيَّة نشأة ما يسميه الأقليَّة لأمر عُجاب.  مخطئ من ظنَّ أنَّ الصَّادق لا يدري أنَّ موطن قبيلة الشُّلك كان الجزيرة أبا قبل وبعد هجرة أسرة الإمام المهدي إليها "وتصاهرت الأسرة بواسطة كبيرها - أخوة محمد - وأسرة كبير الشلك في القرية؛ وهناك الآن بعض أفراد أسرة المهدي ممن خلفتهم هذه المصاهرة، منهم عبد المولى وبتول وزهرة وثلاثتهم من أم شلكاويَّة."(36)  وإنَّ النُّوبة والنوير والدينكا واللاتوكا وغيرهم كانوا بالسُّودان قبل دخول العرب إليه "باحثين عن الكلأ والماء، أو جاءوا عابرين على ظهور أمهاتهم فطاب لهم فيه المقام، أو جاءوا مع الفاتحين كحرفيين مرتزقين".  إنَّ البحث الدؤوب عن أرضيَّة مشتركة لالتحام فئات الشَّعب المختلفة من أهم الواجبات والمسؤوليَّات القوميَّة التي ينبغي أن تكد الحكومات السًّودانيَّة لتحقيقها؛ وهذا يقودنا إلى الجدال حول تعاريف وأدبيات التماسك والالتحام الاجتماعي (Community cohesion and social inclusion)، وكيفيَّة تطبيق النظريات التي لها مفسِّرة، والمحاولات المستمرة لتشخيص العناصر الرائسة التي تساعد على خلق علائق فعولة ومترابطة بين المجموعات الإثنيَّة المتباينة.  ولا يتأتَّى ذلك إلا من خلال تحديد الأهداف الآتية:
تحديد المجالات الرئيسة والطرائق التي بها نستطيع تحقيق مبدأ التماسك (أو الالتصاق) الاجتماعي.
النَّظر إلى السبل التي بها نتعامل مع الصراعات الإثنيَّة على المستويات المحليَّة والجهويَّة والقوميَّة.
إبراز التطبيقات الناجحة والنَّاجعة على المستوى المحلي وإخضاعها إلى شتى قضايا المجتمع من المنظور الدَّولي.
التَّنسيق والعمل سويَّاً مع كافة ممثلي المجموعات الإثنيَّة المختلفة لتحقيق مبدأ المشاركة في صناعة القرار.
تحديد الأسئلة الاسترتيجيَّة والإجابة عليها على النطاق المحلي والإقليمي لبناء التماسك الاجتماعي.
تنمية المهارات والطاقات أثناء عمليَّة تحدِّي المخاطر المحدقة بالالتحام الاجتماعي.
البربريَّة حين يغيب العقل
كما ذكرنا في المبتدأ فإنَّ الحرب التي وصلت غمراتها إلى جبال النُّوبة منذ العهد الانتقالي لقيت تعاملاً من لون خاص من قبل السلطات الحاكمة حينذاك.  فباسم مكافحة التمرُّد سادت البربريَّة في غياب العقل، وعملت العنصريَّة عملها في النَّاس حتَّى نبش الجمر الثاوي في القلوب.  إذن، لا يمكننا النَّظر إلى إنسان جبال النُّوبة بصفته نتاجاً لبيئة وضحيَّة لها.. لكننا نرى في الوقت نفسه أنَّه لم يتوقَّف سكان هذه البقعة لحظة عن النِّضال ضد قوة غاشمة لا تتوقَّف عن الجهد لإلحاق الهزيمة به، متَّخذة في ذلك الجهد شتى الوسائل والسبل، هكذا لجأ النُّوبة إلى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان ليلتمسوا عندهم العون حين حزّ بهم أمر وحلَّ بهم جلل.  إذ تبرز أهميَّة الحديث عن الحرب الأهليَّة في منطقة جبال النُّوبة في قضايا جوهريَّة نكشف منها ما يأتي:
لا ريب أن الحرب تسبب كوارث اقتصاديَّة وإنسانيَّة عديدة، مثل: تدمير الاقتصاد الوطني، تحطيم البنية التحتيِّة، انتشار المجاعات، تفشي الوبائيات، التشريد والنزوح الدَّاخلي واللجوء الخارجي إلى دول الجوار بأعداد فلكيَّة، خراب الديار والعمران، التجاوزات الجسيمة في حقوق الإنسان، وتفكيك أواصر الوحدة الوطنيَّة.
شععور قادة الحكم في الخرطوم أنَّه في حال نجاح حركة التمرد في جبال النُّوبة وفشل الحكومة في اقتلاعها من جذورها قد يعطي إشارات خطيرة لأفراد النُّوبة في القوات المسلَّحة، التي قد تؤدي إلى عصيان وشرخ في جسم المؤسسة العسكرية وضياع سلطة أهل الشمال، مما ينذر بتغيير جذري في مؤسسات الحكم واستقرار أجهزة الدولة السُّودانيَّة.
نزوح الحرب تلقاء الشمال وبعيداً عن مواقع التقتال التقليديَّة في أحراش الجنوب كما كان العهد بها في التمرُّد الأول (1955-1972م)، قد يهدِّد كذلك سلطات أهل الحكم في الخرطوم، إذا أمست مسألة الزحف صوب العاصمة القوميَّة قاب قوسين أو أدنى.
كذلك، عند قراءة هذه السطور يستطيع المرء أن يقارن – دون اتِّباع الظن وما تهوي الأنفس – ما إذا كان هناك ثمة اختلاف بين حكومة الصَّادق المهدي والنِّظام العسكري الذي جاء بعدها فيما يختص بمسألة جبال النُّوبة.
هذه هي الأسباب - وغيرها المستورة - التي دفعت أهل العقد والحل في الخرطوم يتصرَّفون بصورة هستيريَّة في التعامل مع مواطني جبال النُّوبة الأبرياء، بحكم انضمام بعض أبنائهم البررة إلى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشعبي لتحرير السُّودان؛ لذلك كذلك انفعل قادة الحكم وتفاعلوا في التعامل مع الحرب التي شارفت جنوب النِّيل الأزرق – أي مناطق جبال الفونج.  وما أن وصلت العمليات الحربيَّة إلى مدينتي الكرمك وقيسان في جنوب النِّيل الأزرق وسقط مئات من الجيش الحكومي وهم، في محاولة يائسة، يذودون عنهما دفاعاً مستميتاً العام 1987م حتَّى أيقن أهل الشمال – قادة وأحزاباً وشعباً – بأن الحرب المدمِّرة التي تدور رحاها في الجنوب لا ريب فيها آتية تلقاء الخرطوم فترى القوم في هرج ومرج شديدين.  ومن ثَمَّ ارتجف المرجفون في المدينة، وتبرَّع من تبرَّع منهم بما يملك "لدعم القوات المسلَّحة"، هكذا قالوا.  أما المسؤولون الحكوميون فمنهم من ذهب إلى قذَّافي ليبيا، ومنهم من وقف طارقاً باب مليك الأردن، ومنهم من قصد صدَّام العراق آتياً بالطائرات القاذفة للقنابل؛ وفي كل رحلات الاستنجاد والاستشحاذ هذه كانت حجَّتهم أنَّ أخوتهم العرب في السُّودان في خطرٍ محدق.  لم يلق هذا الاهتمام الاعلامي والحكومي كل المدن الجنوبيَّة التي كانت تسقط في يد الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان الواحدة تلو الأخرى.  وفي هذه الأجواء الحربيَّة عرض التلفيزيون السُّوداني مشهد رجل من أبناء الجنوب، وقد علَّق مقدِّم البرنامج أنَّ الجَّليس الذي أمامه هو واحد من "جواسيس" الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وقد زعم أنَّه أُعتقل في الكرمك.  أمَّا الجليس الحبيس فقد كان يتحدث بلغة عربيَّة متعتعة تكشف هُويَّته وتفضح الزبانية الذين قاموا بتعذيبه، وكانت بادية عليه آثار الضرب المبرح، وعلى رأسه المتورِّم من الجروح كثير.  ولا نعلم ماذا حدث للرَّجل التَّهيم بعدئذٍ؟
سالكاً النَّهج القومي لحل المشكلات الوطنيَّة، نادت جميع تنظيمات النُّوبة بمختلف مشاربها بإنهاء الحرب الأهليَّة سلميَّاً؛ ويتَّضح ذلك جليَّاً في بيانٍ أصدره اتِّحاد عام جبال النُّوبة فيه داعياً الحزب القومي السُّوداني إلى تكوين لجان موحَّدة على أسس ديمقراطيَّة تعمل من أجل:(37) 
وأد جميع محاولات الفتنة العنصريَّة، ومن أجل الإخاء والتوفيق بين المواطنين.
كشف أيَّة تجاوزات ضد (حقوق) الإنسان من قبل الجَّيش السُّوداني أو الحركة الشَّعبيَّة أو السُّلطات التَّنفيذيَّة.
تعبئة كل فئات الشَّعب السُّوداني ضد الحرب وضد السِّياسات العنصريَّة لإجبار الحكومة على الدُّخول بجديَّة إلى المفاوضات.
لم يكن التَّركيز على لفظة العنصريَّة في بيان الاتِّحاد عبثاً؛ فلقد جعلت الحكومة من هذه العنصريَّة سمة رئيسة في خطاب السُّلطة الرَّسمي، وكذلك طُعمة سائغة لأجهزة الإعلام المرئيَّة والمقروءة والمسموعة، وذلك عند التَّحدُّث عن الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان أو الحرب الأهليَّة، وكأنَّما كل الأقوام - ذوي السِّمات الأفريقيَّة أو الزنجيَّة - يحاربون في صفوف الجَّيش الشَّعبي.  إذ قامت السُّلطات المحليَّة في جنوب كردفان بتجاوزات على حقوق الانسان تجعل الولدان شيباً، مما حدا بطلاَّب جبال النُّوبة بالجَّامعات والمعاهد العليا - الذين لم يروقهم شقاء أهليهم بالجِّبال - أن يصدروا بياناً حول الأوضاع السِّياسيَّة والاجتماعية بالمنطقة، فيه أدانوا عمليات الاعتقال والتَّعذيب.  لقد وصف البيان كيف عذَّبت السُّلطات الرَّسميَّة "العشرات من أبناء النُّوبة بصورة وحشيَّة تحت حجج مختلفة؛ منها تأييدهم للحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، أو (نتيجة) وجود بعض أقاربهم مع الحركة، أو حسب الانتماء الدِّيني والقبلي."(38)  وكم قرأنا في تقارير منظَّمة العفو الدوليَّة عن تجاوزات مشينة لحقوق الإنسان في جبال النُّوبة لها ينفطر القلب أسى وحزناً، وسمعنا عن مشاهد سوداء مرعبة ومركَّبة، مسكونة بالقَّمع والقَّهر، ومليئة بالمطاردة والاعتقال والتَّعذيب الجسدي والنَّفسي، حيث تنتشر عتمات أقبية السجون، وتفوح روائح وعفونة المعتقلات.  إنَّ التَّعذيب، الذي يعني تعمُّد إنزال الآلام المبرحة أو المعاناة الجسديَّة أو العقليَّة بواسطة مسؤول رسمي (مثل الشرطة أو قوات الأمن أو جنود الاستخبارات العسكريَّة) أو من ينوب عنه أو بموافقته على ذلك، قد يؤدِّي إلى تكبُّد الضحايا إصابات جسديَّة مثل الكسور أو الجروح التي تحتاج لبعض الوقت لتندمل وربما تتعرَّض للالتهاب.  كما أنَّه قد يؤدِّي في معظم الحالات إلى مشاكل نفسيَّة مثل فقدان الثقة في الآخرين وعدم الشعور بالاطمئنان المتمثِّل في الخوف من التعرُّض للتَّعذيب مرة أخرى حتى في حالة العيش في ظروف آمنة.  وقد تلازم آثار التَّعذيب الجسديَّة والنفسيَّة ضحايا التَّعذيب مدى الحياة.  وربما تبدو هذه الأعراض للبعض ممن لم يتعرَّضوا لهذه التجربة القاسية أو يعايشوها كضربٍ من المبالغة والافتقار للمنطق، في الوقت الذي تعتبر هذه الأعراض في واقع الأمر رد فعل طبيعي جراء التعرُّض لصدمة هذه البشاعة.  وتعد الأعراض النفسيَّة الناجمة عن التَّعذيب من الآثار الجانبيَّة الشائعة التي يواجهها ضحايا التَّعذيب.  وتشمل هذه الأعراض صعوبة في النوم، والاستيقاظ المبكر المصحوب في بعض الأحيان بحالةٍ من الرُّعب والصراخ بسبب الكوابيس المخيفة، وضعف الذاكرة وعدم المقدرة على التركيز، والتهيُّج المفرط، والشعور الدَّائم بالخوف والقلق، والاكتئاب، وعدم المقدرة على الاستمتاع بجوانب الحياة المختلفة.  فقد واجه النُّوبة القمع السياسي والتَّعذيب من أجل إخراس أصواتهم وزرع الخوف في نفوس الآخرين من الأفراد والجماعات، كما تعرَّض بعضهم بعضاً للتَّعذيب لمجرَّد وجودهم في المكان والزمان غير المناسبين.  إذ غالباَ ما يخطئ أصحاب السُّلطة أنَّهم بالقتل والتَّعذيب يستطيعون ردع وترويع غيرهم وإجبارهم على السير في فلك النظام القائم ناسين بذلك تطبيقات القانون الثالث للحركة لإسحق نيوتن (1742-1727م)، الذي تعلَّمناه شباباً في دروس الفيزياء، والذي يقول: "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضادٍ له في الاتجاه".  وبناءاً على هذا نجد أنَّ العنف المؤسساتي (Institutional violence) يدفع الأغيار – الذين إن لبثوا في ديارهم قليلاً لأخذتهم زبانية النظام أخذاً وبيلاً – إلى الفرار للبحث عن مرافئ الأمان والآليَّة التي بها يقومون بالانتقام لذويهم المقتولين والمضطهدين، فضلاً عن تنظيم أنفسهم في كيان سياسي وعسكري للمطالبة بحقوقهم المدنيَّة المشروعة، وذلك عن طريق النضال التحرُّري؛ كما قال جون-بول سارتر: "إنَّ العنف الثَّوري ضروري لمحاربة العنف الرجعي وتنظيف الطريق نحو الحريَّة" (Revolutionary violence was needed to combat reactionary violence and clear the path to freedom).  لا ريب، إذن، أنَّ الحياة السياسيَّة بمنطقة جبال النُّوبة في سياقها العام، وتطوُّرها خلال الثمانينيات من القرن الماضي تطرح عدَّة تساؤلات حول القوانين التي ظلَّت متحكِّمة في اللَّعبة السياسيَّة يومئذٍ لفهم مجرياتها وخلفياتها.  وقد نعتنا هذه السنوات ببداية سنوات الرصاص؛ وكانت السجون ما أن تبدأ تعرف بعض الأماكن الفارغة حتَّى تبدأ بالإمتلاء مرة أخرى، ولا يحسب البعض أنَّ هذا الفراغ قد حدث نتيجة إطلاق سراح المعتقلين، بل لأنَّه تمَّت تصفيتهم جسديَّاً. 
وإنَّ المرء ليحتار عما الذي يدفع بالشَّخص السليم في العقل للإقدام على مثل هذه التصرُّفات الهوجاء الشوهاء!  إذ علمنا أن شراح المذاهب الفقهيَّة من أهل الملل والنحل يقسِّمون النَّفس البشريَّة إلى حالات ثلاث، والتي تتصل بحالات الإنسان الطبعيَّة والأخلاقيَّة والروحانيَّة، ولكل حالة من هذه الحالات الثلاث ينبوعاً خاصاً تنبع منه.  فالحالة الأولى هي النَّفس الأمارة بالسُّوء "إنَّ النَّفس لأمارة بالسُّوء" (يوسف 12/54).. أي أنَّ من خواص النَّفس الأمارة بالسُّوء إنَّها لتميل بالإنسان إلى فعل السيئات التي تُغاير الأخلاق وتنافي الكمال، وتدفعه إلى السير في مسالك السُّوء ومذاهب المنكر.  فخروج الإنسان عن حد الاعتدال وجموحه إلى السيئات حالة تسبق حالته الأخلاقيَّة وتستولى عليه طبعاً.  وتسمى هذه الحالة طبعيَّة، ما لم يمش الإنسان في ظل العقل والمعرفة، وإنَّما يتبع – كالبهائم – النَّوازع الطبعيَّة في الأكل والشرب والنوم واليقظة والغيط والغضب وما شابه ذلك من الميول والأهواء.  أما إذا تصرَّف في حالاته الطبعيَّة على ضوء توجيه العقل والعرفان، وراعى فيها حدَّ الاعتدال المطلوب، فلا تبقى هذه الحالات طباعاً، بل تصير أخلاقاً.  أما الحالة الثَّانية فهي النَّفس اللوَّامة – أي كثيرة اللَّوم، والتي أقسم بها الله في محكم تنزيله "ولا أقسم بالنَّفس اللوَّامة (القيامة 75/3).. أي النَّفس التي تلوم على كل مأثمة تغشاها أو زلة تبدر منها.  هذه النَّفس اللوَّامة هي التي تنشأ منه الحالات الأخلاقيَّة.  وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة نجا من مشابهة الأنعام، ولا ترضى له أن يسترسل في دوافعه الطبعيَّة استرسال الأنعام المطلقة القيود وأن يعيش عيشة البهائم، بل يريد ألاَّ يصدر منه إلاَّ خير الحالات وصالح الأخلاق، وألا يتجاوز حد الاعتدال في جميع لوازم الحياة، وأن يلبِّي رغباته وأهواءه الطبعيَّة باسترشاد من العقل.  والنَّفس اللوَّامة وإن كانت تمقت الانصياع للنوازع الطبعيَّة، ولا تنفك تلوم نفسه.. فإنَّها مع ذلك لا تكون قادرة كل القدرة على عمل الصالحات، بل إنَّ النَّوازع الطبعيَّة تصرعها أحياناً، فتتعثَّر وتسقط كأنَّها الطفل الضَّعيف الذي يحاول ألاَّ يسقط، إلاَّ أنَّه يسقط بسبب ضعفه ويأسف على عجزه هذا.  إنَّ هذه حالة أخلاقيَّة تجمع بها النَّفس في ذاتها مكارم الأخلاق، وتكره الطغيان والفسوق.. ولكنها لا تستطيع بعد أن تتغلَّب على النَّفس الأمارة حق الغلبة.  أما الحالة الثَّالثة فهي النَّفس المطمئنَّة، وتعتبر منشأً للحالات الروحانيَّة كلها، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم "يأيتها النَّفس المطمئنة. إرجعي إلى ربِّك راضية مرضية. فأدخلي في عبادي.  وأدخلي جنَّتي" (الفجر 89/28-31).  وهذا هو المقام الروحاني الذي تتخلَّص فيه النَّفس من كل ضعف، وتمتلئ من القوى الروحانيَّة.  فهذه هي الحالات الثلاث التي يمكن أن نسميها – بعبارة أخرى – الحالات الطبعيَّة والأخلاقيَّة والروحانيَّة.(39) 
ذلكم هو التفسير الديني للنفس البشريَّة، أمَّا التفسير الثقافي للفرد الذي تنسرب إليه عدوى التعصُّب، الذي يجاوز رغبة الاقصاء إلى الاستئصال، فيتم عبر أساليب كثيرة: منها النشئة الاجتماعيَّة أو السياسيَّة أو الثقافيَّة من منظور الإفراد جنباً إلى جنب منظور الجمع.  إنَّ هناك ظروفاً وأجواءاً تستخلص من النَّاس أسوأ ما فيهم، وظروفاً أخرى تستخلص من النَّاس أفضل ما فيهم؛ فمن الأهميَّة البالغة قراءة الأفكار السياسيَّة في ضوء الظروف التأريخيَّة والاجتماعيَّة والبيئيَّة والثقافيَّة التي أحاطت بالشخوص السياسيين وأفرزت ما فيهم من سلوك.  وتقترن هذه الأنواع والظروف وتأخذ شكل العنف المادي أو المعنوي الذي تمارسه الذات بوصفه رد فعل عفوياً على قمع خارجي مباشر أو غير مباشر؛ وعندما يحدث ذلك، يتحول الفرد إلى أداة تنفيذ فوري لتعاليم الجماعة في حدودها القصوى التي لا تقبل التردد أو الشك.  وسواء كان خطاب العنف مقترناً بالفرد في استجاباته الثقافيَّة إلى أقرانه، أو مرتبطاً بالمجموعة الاجتماعيَّة أو السياسيَّة في استجابة كل مجموعة إلى غيرها المختلف عنها، فإنَّ الظاهرة تظل قائمة، ينبِّهنا إليها إلحاحها في التكرار، ويحذِّرنا منها تتابع الأضرار الناتجة منها.(40) 
وعلى صعيد آخر، نجد أنَّ التَّفسير النَّفسي والتَّحليل النهائي للسلوك البشري ودوافعه ولوازمه يأخذان في الاعتبار مراحل الطفولة (المبكرة والمتأخِّرة) التي ينشأ فيها الشخص وظروف الأسرة والبيئة والمجتمع الذي حوله وقصص الأجداد – الخياليَّة منها والواقعيَّة – وغيرها.  فبالرَّغم من أنَّ جميع الفئات البشريَّة التي تسكن في إقليم جبال النُّوبة فقراء كادحين وذات ثقافة شبه متجانسة إلاَّ أنَّ السلطة السياسيَّة في الخرطوم عمدت إلى تضخيم الفوارق العرقيَّة والدينيَّة والثقافيَّة لتكوين فئة تعمل كسد منيع ضد ما اسمته ب"امتداد التمرد".  فلعبت بعقول الدهماء من الناس وأمست قلوب بعضهم تهفو إلى هذه الأكاذيب، ووجدت في الأنفس الشريرة التي سبقت الإشارة إليها منتجعاً، وساعدت الفوارق الثقافيَّة الواهية والتباين الديني المختلق والفروق العرقيَّة التي تكاد لا ترى بالنسبة للإنسان المتبصر المتفحص ساعدت في اجتذاب أهواء الرعاء من النَّاس وجذبت ارتياداً من ضعاف النفوس.  هذا هو الواقع الفاجع الذي كان فيه الناس في غدوهم ورواحهم؛ فالظلم الجاثم أمسى ظاهرة، والظاهرة في مجملها انعكاس لفقدان البعض – ممن شذَّ منهم – ثقتهم بأنفسهم واختاروا طريق الغدر والتقتال، فأصبحوا كالأنعام أو أضل سبيلاً.
أيَّاً من التَّفاسير أعلاه للنَّفس البشريَّة منها انحدر القتلة الفجرة، بيد أنَّه لا مُراء أنَّ عمليات القتل خارج نطاق القضاء استمرَّت سنيناً عدداً ومروراً بالعام 1987م.  وفي هذه الأثناء عقد أبناء النُّوبة مؤتمراً ريفيَّاً تنموياً لمدينة هيبان وضواحيها برئاسة نائب الدَّائرة إبراهيم سعيد، ودعوا كل أحزاب أهل الشَّمال للمشاركة.  لم يأت حزب واحد من هذه الأحزاب؛ وعقب المؤتمر أوقفت الحكومة المذابح لمدة سنة فقط، حيث بدأت المجازر تعيد سيرتها الأولى العام 1988م.  فقد تدهورت الشؤون الأمنيَّة في المنطقة؛ إذ اكتفت الحكومة بالصَّمت اللَّعين نحو صرخات المستغيثين وأنين المظلومين. ففي شباط )فبراير) 1988م هاجمت مليشيات المراحيل منطقة شات، وأحرقت مزارع القبيلة وقراهم وقُتل تسعة من أفراد القبيلة، بالإضافة إلى جرح العشرات من المواطنين.(41)  لم تكتف المليشيات بالهجمة الأولى؛ وكذلك لم تتَّخذ السُّلطات المحليَّة أو المركزيَّة الاجراءات اللاَّزمة، كأضعف الإيمان، لمنع تكرار تلك الجَّريمة البَّشعة حيث رفضت احضار الجُّناة إلى الكتاب.  وفي صباح 24 شباط (فبراير) 1988م - أي في نفس الشَّهر - "تجدَّد الهجوم على القبيلة مما تسبَّب في قتل ثلاثة رجال وإمرأة، التي أُحرقت داخل منزلها.  فقتلوهم قياماً وقعوداً، وعلى جنوبهم قتلوهم.  وأحرقت المليشيات أكثر من ستين منزلاً وأجران (صومعتان) للذُّرة، مما أدَّى لهروب أبناء المنطقة إلى كادقلي."(42)  مهما كانت دوافعهم، فإنَّ القتلة خرقوا القانون غير المكتوب الذي يحرم قتل المرأة – أي كما تقول الفرنجة (Who ever ordered the hit broke an unwritten rule: nobody kills a woman).  بئس - وأيم الله – ما صنعت أيديهم واقترفت قلوبهم وأمرت أنفسهم! إنَّما يقيس القوي قوَّته إلى الأضراب والنظراء،(43) فأما أن يقيسها إلى النساء والأطفال والشيوخ والمستضعفين من النَّاس فهذا - وحق السماء - الجبن والخرق.(44)  ومن المعلوم أنَّ الاسلام، الذي هم يتبنوه عقيدة وجهاداً، أوجب الرَّحمة في الحرب؛ فحرَّم قتل النِّساء والاطفال والمرضى والشيوخ والرهبان، وحرَّم الإجهاز على الجريح وتتبُّع الفار. لكن في جميع حروب السُّودان الأهليَّة لم ينج الشَّيخ الفاني أو الطِّفل الذين لم يظهروا على عورات النِّساء أو إمرأة.
وسيقول قائل بأنَّنا نبالغ ونغالي في الكتاب، وعلم الله أن لا مبالغة ولا مغالاة فيما نقول إنَّ سياسة الحكومة في الجبال كانت، ومازالت، انتقائيَّة بحيث تُسمح لبعض القبائل ممارسة نشاطاتها في غلواء، وحرمان البعض الآخر.  وفي هذه السَّانحة نذكر مؤتمر الرواوقة الشهير الذي عُقِد في كادقلي يومئذٍ، ولم نقصد بهذه الذكرى إثارة لعجاجة، ولكن تبياناً للعلاقة بين السلطة والذين لا سلطة لهم.  وفي ختام هذا المؤتمر دعا الرواوقة - فيما دعوا - لمراجعة الأحلاف القبليَّة السابقة التي كانت تربطهم بالسكَّان المحليين، على الرَّغم مما كان يسود هذه العلائق من استغلال بغيض من الجلاَّبة ضد النُّوبة واستخدامهم كالسُّخرة في مشاريعهم الآليَّة بعدما أخذوا جميع الأراضي الزراعيَّة منهم وبتواطؤ من جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم السَّودان وممثِّليها في السُّلطات المحليَّة.  أما الحديث عن النَّهب المسلَّح، فقد استنكر المؤتمرون أي استذكار له، لأنَّ مجرد الإشارة إليه تعني اتِّهام الرواوقة الذين امتلكوا السِّلاح وعرفوا مصادر التَّسليح.  أمَّا انتقاداتهم للكنيسة والمنظَّمات الأجنبيَّة العاملة في مجالات الإغاثة والتَّعمير - لا التَّبشير كما ادَّعى المؤتمرون الرواوقة - فانَّها مجرد ترديدات ببغاويَّة لتصريحات الحكومة دون وعيهم بالحقيقة. ثم ندلف الى موضوع رفض تمثيل النُّوبة بقيادة يوسف كوة مكي في المؤتمر الدَّستوري، كما أقرَّ المؤتمرون المتآمرون.  فاذا لم يتم تباحث سبل السَّلام بين الفرقاء، فلماذا - وبين مَن - يُعقد هذا المؤتمر الدَّستوري؟ وأيضاً نجد أنَّ المؤتمرين الرواوقة قد تنكَّروا على موطنهم "التَّأصيلي" – لأنَّ التَّأصيل هو محاولة جعل الجديد أصلاً لمن لا أصل له - الحمَّادي وليس كادقلي كما ارتأى البيان الختامي.(45)  نرجع البَّصر كرتين إلى مؤتمر الرواوقة القبلي لنستبين - بالإضافة إلى ما ذكر سلفاً - ماذا أرادوا بهذا عملاً؟ عُقِد المؤتمر تحت زعامة ستة من عمدهم هم العمدة محمد شريف والعمدة محمد سليمان والعمدة الهدى سومي والعمدة عبدالجليل محمد والعمدة عبدالله المراد والعمدة كنونة هلال.  إذ اجتمع المؤتمرون وأجمعوا على "التَّمسُّك بحق القبيلة في الدِّفاع عن نفسها مما يستلزم التسليح المقنن بواسطة العمد والمشايخ". كما أشادوا "بقبائل المسيريَّة الحُمر والزُرُق والحوازمة الذين دعموا القبيلة بسلاحهم"، ودعوا إلى "قيام اتِّحاد عام للقبائل العربيَّة بجبال النُّوبة."(46) 
كان هذا الشرط الأخير هو النقطة المرجعيَّة التي استند عليها نظام "الإنقاذ" لاحقاً وحاول تغيير اسم المنطقة من جبال النُّوبة إلى "تلال العرب" بعد ما أباد ما أباد من مواطنيها النُّوبة وشرَّد ما شرَّد منهم.  فقد تمَّ هذا المكر تحت مظلة الأدارة الأهليَّة.  إذ أنَّ الأدارة الأهليَّة التي تجتمع لتحيك المؤامرات، هي نفسها التي تمَّت محاولة إعادتها باسم "المعاون الإداري" وخلقت صراعاً مريراً بين النُّوبة والعرب حيث حُرمت القبائل غير العربيَّة من حق الترشيح للمنصب فنظَّمت النُّوبة الاحتجاجات ولجأت لكافة السلطات الإقليميَّة.  وعند العودة إلى اسم جبال النُّوبة تجدر الإشارة إلى أنَّ اسم جبال النُّوبة هو إرث تأريخي، والتأريخ لا يمكن محوه بجرة قلم، كما أنَّ الاسم يمثِّل دالة جغرافيَّة على الرَّغم من احتوائه صفة الإثنيَّة الغالبة في التركيبة البشريَّة فيها، وهذه الدَّالة الجغرافيَّة تتمثَّل في احتواء المنطقة على إثنيات أخرى غير النُّوبة كالعرب (الحوازمة والمسيريَّة) والتجار الجلابة في مدن الإقليم المختلفة والفلاتة وغيرهم.  والدوال الجغرافيَّة كالمعالم الطبيعيَّة، وهي راسخات كالجبال لا تتبدَّل تبديلاً ولا تتحوَّل تحويلاً.  وكما لا يكمن تعريض الموروثات التأريخيَّة والدوال الجغرافيَّة للتغيير، بوسعنا – والأمر كذلك – ألا نعرضها للتطوير على الرَّغم من أهميَّة التفرقة بين التطوير والتغيير؛ ذلك أنَّ مقتضى التَّطوير – في ظاهره على الأقل – هو تحسين الموجود والارتقاء به لتحقيق الأهداف المرجوة، أما التَّغيير فالمراد به هو إدخال تعديلات على الموجود لبلوغ أهداف جديدة لم تكن واردة من قبل.  وينطبق القول نفسه على إقليم دارفور الذي هو موطن الفور وغيرهم من الزغاوة والمساليت والداجو والبرقد والميدوب والمعاليا والتعايشة وهلمجراً؛ إذ اقترح بعض من المواطنين الغلاة تغيير اسم إقليم دارفور إلى الإقليم الغربي وكأنَّ المشكل السُّوداني يمكن اختزاله في الاسم، وكأنَّ في هذا الاسم الجديد المقترح البلسم الشافي لكافة مشكلات الوطن، وبتغيير الاسم يكون قد حُلَّت المشكلات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة التى حولها يصطرع السُّودانيُّون.
كما سبقت الإشارة، فقد اختلطت قضايا الأرض والرَّعي والموارد الطبيعيَّة والهُويَّة الثقافيَّة والسياسات الحكوميَّة، والظلم الاجتماعي ونقص الخدمات وفقدان العدالة والمساواة وغيرها حتَّى شكَّلت العناصر الرائسة في الصراع المسلَّح فيما بعد.(47)  فأخذ أراضي النُّوبة غصباً، واستخدام العرب مواشيهم لإتلاف مزارع النُّوبة عنوة واقتداراً، وغيرها من القضايا التي جعلت أبناء النُّوبة يحثون السلطات المحليَّة والإقليميَّة والمركزيَّة من أجل الانصاف دون جدوى، حتَّى بدأت الجهات الأمنيَّة تطاردهم واضطرتهم الحال إلى الالتحاق بالحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان لواذاً من الانتقام.  ففي بيانهم إلى الحكومة، انتقد السيِّد محمد موجو شلالي - رئيس رابطة أبناء شات بالعاصمة - تصريحات السيِّد أحمد تاجر (أحد قادة الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة) الذي حاول جاهداً تحريك وتفعيل القبائل العربيَّة بالمنطقة ضد العناصر غير العربيَّة؛ وأنَّ أحمداً هذا كان من أهل المحاشد والمخاطب – أي من الذين يخطبون الناس، ويحثُّونهم على الخروج والاجتماع للفتن.  بتوضيحه للحقائق وذكره أكبر مَعلَم للفتنة في المنطقة، حدَّد السيِّد شلالي الدَّاء الشَّلول طالباً استقصاءه من جسم المنطقة لكيما ينعم الأقوام بالعافية فهيهات من مجيب. 
وكما أسلفنا كتابة وذكراً، فإنَّ النُّوبة في مدن السُّودان المختلفة – كما هي حالهم في الأرياف - ظلَّوا ضحية اضطهاد اجتماعي وعرقي، وتجريم بالباطل من قبل مستخدميهم.  ففي كوستي تعرَّض ثمانيَّة من المواطنين النُّوبة من أعضاء الحزب القومي السُّوداني للتعذيب الجسدي المروع على يد الاستخبارات العسكريَّة في تهمة جنائيَّة لم تثبت إدانتهم دع عنك تقديمهم للمحاكمة، عادلة كانت أم ظالمة.  ففي هذه الأثناء لم يكن الاتِّهام سياسيَّاً ولو كان ذلك لما رأى المتَّهمون النُّور مرة أُخرى.  لقد تمَّ سجن هؤلاء المدنيين في سجون الجيش لا البوليس وبدون استصدار أمر توقيف من القاضي الجنائي في تهمة سرقة مجوهرات منزليَّة.  والغريب في الأمر أنَّ أغلب الذين تمَّ حبسهم هم - في الأساس - أصدقاء المتَّهم البرئ كالذئب من دم يُوسف.  مهما يكن من الأمر، فقد بذل سكرتير الحزب القومي بكوستي من الجهد كبير تضمَّن رفع شكوى ضد الاستخبارات العسكريَّة حتَّى يروا العدالة، ولكن دون جدوى.(48) 
من جانب آخر، لم ينس أهالي النُّوبة حراسات الشرطة والاستخبارات العسكريَّة في كل من الدَّلنج وكادقلي التي كانت مليئة بالأبرياء المشتبه فيهم بمساندة الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، فضلاً عن التَّعذيب الجسدي والنَّفسي الذي كان يُمارس ضدهم حتَّى توفى كثر منهم من جرَّاء هذا التَّعذيب؟ وفي هذا كان يسخر أهلنا البسطاء في حراسة الدَّلنج بأنها "تل أبيب السُّودان"، مشيرين إلى السُّجناء الفلسطينيين في معتقلات تل أبيب الإسرائيليَّة.  وكأنَّ ألسنة أهلنا في جبال النُّوبة كانت تردد قول الأديب الإنجليزي وليام شكسبير (1564-1616م) في مسرحية ماكبيث: "أكاد أجزم أنَّ وطننا يقبع تحت الاضطهاد؛ إنَّه ليبكي وينزف؛ وكل يوم جديد يُضاف إلى جروحه جرحاً جديداً. إنِّي لأعتقد – فوق ذلك – أنَّه سوف تكون هناك أيدي تُرفَع من أجل حقِّي – أو لنصرتي (...)."  وإنَّ المتَّهمين الأوائل في كل هذه المجازر هم قادة الاستخبارات العسكريَّة.(49)  وهل كان ثمة ما هو أفظع على اعتداء الإنسان على الإنسان في حريَّته وماله وعرضه وأرضه؟  وفي غضون هذه التجاوزات اللاإنسانيَّة المثيرة للاشمئزاز، ما فتئت تساؤلات عدة تُطرَح بالحاح لدي كل ذي بصيرة: لماذا، اذن، يتجرأ السيِّد الصَّادق المهدي في انتقاد الحكومة العسكريَّة التي حلَّت محل إدارته في مسألة انتهاكات حقوق الإنسان في جبال النُّوبة؟(50)  ذلكم هو الصَّادق المهدي الذي كان يترنَّح دوماً بين تحكيم شرع الله والدِّيمقراطيَّة الليبراليَّة في البرلمان؛ فلم يغب عن ذهن نجل المهدي بأنَّ هذين ضدَّين لا يمكن أن يلتقيا.  ثُمَّ ماهي صفات القيادة التي يتحلَّى بها الصَّادق المهدي دون سواه سوى أنَّه حفيد المهدي (The importance of being the scion of the Mahdi)، بالرَّغم من أنَّه يحاول دوماً في كثر من خطبه التنصُّل من هذا العبء الوراثي بنبرة اعتذاريَّة؛ وقد قال ذات مرة: "أنا أشعر بأنَّ ما ورثت من حقوق ماديَّة ومعنويَّة غير مستحقة بمجرد صدفة الوراثة! لذلك أجدني مهموماً بأمرين: الأول الاعتذار، والثاني بذل جهد خارق لأجعل ذلك الأرث مستحقاً، أي اكتسب إرثي؛ كنت ولا زلت كثير التأمُّل في مسألة الوراثة.(51) بيد أنَّ الصَّادق المهدي هو الصَّادق المهدي ولو تأمَّل كثيراً في مسألة الوراثة، وكأنَّ لسان الشَّاعر كان يعنيه شعراً حينما أنشد:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه   ثمَّ قد ساد قبل ذلك جدُّه
كان الشئ المبتغى من حكومة الصَّادق هو العدل والانصاف قبل التفكير في البتر والتَّصليب باسم الدِّين لأنَّ، كما ذكر ابن خلدون في مقدِّمته، الظُّلم مؤذن بخراب العمران؛ وكما قال، أيضاً، شيخ الإسلام ابن تيمية "(...) وأمور النَّاس إنَّما تستقيم في الدُّنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظُّلم في الحقوق وإن لم يشترك في إثم"؛ ولهذا قيل: إنَّ الله يقيم الدَّولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظَّالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدُّنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظُّلم والإسلام. وذلك أنَّ العدل نظام كل شئ، فإذا أقيم أمر الدُّنيا بالعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الدِّين من أخلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة (...)."  هذه بعض من أقوال علماء الإسلام أخذناها اقتباساً وإخراجاً، أو إنتاجاً وتذكرة للصَّادق والذين حكموا معه في عهد ما سمِّي ب"الديمقراطيَّة الثَّالثة" لعلَّهم يتذكَّرون ويعتذرون للنُّوبة، وذلك أضعف الإيمان.
إنَّ حيازة السلاح لغير المنوط بهم في الجبال قد تسبَّبت في حوادث نهب مسلَّح منذ أوائل الخريف العام 1986م حينما قام ثلاثة مسلحون يرتدون زيَّاً عسكريَّاً بنهب عربة لوري كانت تقل عدداً من المغتربين بالقرب من مدينة لقاوة.  كان أخطرها ثلاث حوادث وقعت "في الفترة من 15 آذار (مارس) 1988م حتَّى أوائل نيسان (أبريل) 1988م".  "فالحادث الأول وقع في الطَّريق بين مدينتي المُجلد ولقاوة، حيث اعترض مسلَّحون عربة كانت تحمل مرتَّبات الوحدة العسكريَّة بلقاوة، والحادث الثَّاني وقع في نفس الطَّريق وتمَّ نهب ما يُقدَّر بألفي جنيه خاصة بركاب عربة قادمة من المُجلد في طريقها إلى لقاوة، والثَّالث - والذي راح ضحيته أحد رجال الشرطة - وقع في طريق لقاوة كادقلي."(52)  إنَّ هذه الحوادث لتكشف بوضوح شديد لا لبس فيه أنَّ السلاح الذي كان مملوكاً عند القبائل والأفراد كان يفوق في معظم الأحيان ما تمتلكه الحكومة، وإلاَّ فما وجد هؤلاء المسلَّحون سبيلاً للاعتداء على عربة تحمل مرتَّبات الوحدة العسكريَّة وكان يقوم على حراستها ثلاثة من رجال الشُّرطة.  تردت الحالة الأمنيَّة في المنطقة الجنوبيَّة بصورة مؤسفة، حتى قال النائب يوسف مرفعين كوكو (الحزب القومي السُّوداني): "إنَّ 88 شخصاً قتلوا وفُقِد 13 آخرون في منطقة أم دورين على أيدي المليشيات ... وأضاف أن 904 قطيَّة (منزل) أُحرقت تماماً، وتم نهب 4,680 بقرة، و650 رأساً من الضَّأن."(53)  كذلك، من التصرفات الطَّائشة لدي السُّلطات المحليَّة في جنوب كرفان نورد الحدث المأسوي الآتي: أثر بلاغ خاطئ من أحد المواطنين للجَّيش بأنَّ شيخ قرية هيبان يخبئ عدداً من "الخوارج" (أفراد الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان) في منزله، وتصادف وجود رجال الشُّرطة بمنزل الشَّيخ الذين حضروا لإرجاع أبقار من "الخوارج".  وقد قذف الجَّيش المنزل (بمدافع) الهاون توفَّى على أثره ثلاثة من رجال الشُّرطة وجرح أثنان، وردَّت الشُّرطة مما أدَّى لوفاة أثنين من الجَّيش.(54)  لم تبذل الحكومة أي جهد للتحقيق في الحادث.  وللمزيد من الأدلة الكاشفة، يذكر محمد سيد أحمد المطيب في "قصَّتي مع الجَّبهة (القوميَّة) الإسلاميَّة".. وقفات وتأمُّلات": "أنَّه قد أُتيحت له فرصة للقيام بزيارة صحفيَّة لإقليم كردفان العام 1988م تلبية لدعوة كريمة من حاكم الإقليم آنذاك الأستاذ عبد الرسول النُّور.. ومن مدينة الأبيض – حاضرة إقليم كردفان – امتدَّت بي تلك الرحلة إلى مناطق جبال النُّوبة برفقة وفد من جماعة الأخوان المسلمين كان قد قدم من العاصمة الخرطوم إلى كردفان تتعلَّق بتفقد الأوضاع هناك والوقوف على أحوال ما يسمى ب"عمليات الدفاع العسكري الشَّعبي" في مواجهة عمليات حرب العصابات الأهليَّة التي يقودها (العقيد) جون قرنق.. وخلال تلك الزيارة الصحفيَّة لمست بنفسي كيف أنَّ ذلك الذي كان يسمَّى ب"الدفاع الشَّعبي" لم يكن سوى مليشيات مسلَّحة معادية لأهالي جنوب كردفان من المواطنين النُّوبة البسطاء."(55) 
في إطار برنامجها لتثقيف الرِّيف، بعدما عجزت السُّلطة المركزيَّة عن القيام بهذا الدَّور، نظَّمت رابطة هيبان بالجَّامعات والمعاهد العليا أسبوعاً ثقافياً صيفيَّاً تحت شعار "الطِّفل نصف الحاضر وكل المستقبل" في منطقة ريفي هيبان. وفي وضح نهار الدِّيمقراطيَّة، قامت "بعض أفراد القوات النِّظاميَّة بتعطيل الأسبوع، ودعوا لحل الرَّابطة، وأمروا أفرادها بمغادرة المنطقة، ومنعوا لجنتهم من الاجتماع بالضَّابط الإداري،  واعتقلوا بعضهم صباح الثلاثاء 3 أيار (مايو) 1988م لمدة يومين."(56)  هذه السُّلطات التي تمنع قيام ونشاط عمل اجتماعي بحت ولا دخل للسياسة فيه هي التي تسعى لعقد مؤتمرات سلام محليَّة.  فبالرَّغم من عدم قيام هذه المؤتمرات، ما كانت أن تحرز أي نجاح نسبة لهشاشتها وسوء القصد.  إنَّ المشكلة الأمنية في جنوب كردفان لا تتجزَّأ من مشكلة الحرب الأهلية في السُّودان؛ فعليه إذا أرادت الحكومة معالجة الوضع جذريَّاً، كان من الأجدر لها مخاطبة قيادة الحركة الشَّعبيَّة سياسياً وفي المؤتمر القومي الدَّستوري الذي ما فتأت الحركة الشَّعبيَّة داعية لها منذ أمد غير قصير، لأنَّ عساكر الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في الجبال ماهم إلاَّ جنود الميدان، لا يحق لهم عقد اتِّفاقات أو إبرام صفقات مع النِّظام متجاهلين قياداتهم.  كان الشئ المتوقَّع من حكومة الصَّادق المهدي كثراً، لكن هذه الحكومة المنتخبة في انتخابات جزئيَّة، والحديث للسيِّد حسن كندة كرية - أحد قادة تضامن قوى الرِّيف، "سارت في نفس نهج الحكومة الانتقاليَّة فقد دعا السيِّد (العميد) فضل الله برمة ناصر لتسليح القبائل، كما أيَّد ذلك السيِّد بكري أحمد عديل في لقاء جماهيري بمدينة الدَّلنج في تموز (يوليو) 1988م".(57)  وفضل الله برمة ناصر قد يكون اسمه منسيَّاً بعض الشئ اليوم.  غير أنَّه خلال الثمانينيات من القرن العشرين كان ملأ الأسماع والأبصار في الخرطوم والتخوم، وبخاصة مجتمع جبال النُّوبة.
على أيَّة حال، إنَّ الحكومة التي طالما صمتت حول التَّوصيات الخطيرة التي خرج بها مؤتمر الرواوقة بكادقلي، بدأت في تنفيذها علناً.  هؤلاء القوم ائتمروا وأرادوا قتل الحزب القومي السُّوداني تحت دعاوي واهيَّة لا يسندها القانون الذي يكفل حريَّة التَّعبير وتكوين الأحزاب السِّياسيَّة.  وما "اعتقال 37 عضواً من أعضاء الحزب القومي السُّوداني في جنوب كردفان من بينهم جميع أعضاء المكتب السِّياسي بمدينة كادقلي وكذلك النائب البرلماني هارون إدريس كافي"(58) إلاَّ تكريساً للدكتاتوريَّة المدنيَّة التي سعى إليها السيِّد الصَّادق المهدي.  فقد علمنا أنَّ الاستخبارات العسكريَّة هي التي قامت باعتقال هؤلاء المواطنين الأبرياء، ولم تأت أيديهم ولا ألسنتهم بشئ به يستدعي توقيفهم، حيث أنَّ مؤاخذة الإنسان البرئ بذنب لم يرتكبه ظلم صراح.  وعندما تسلَّم السيِّد رئيس الوزراء ووزير الدِّفاع – السيِّد الصَّادق المهدي - مذكرة الحزب القومي السُّوداني، كما قال محمد حمَّاد كوة - أحد قياديي الحزب القومي السُّوداني، حوَّلها إلى وزير الدَّاخليَّة؛ إذ أنَّ الجهة التي اعتقلتهم تابعة لوزارة الدِّفاع وكان عليه أن يعالج القضيَّة بنفسه بصفته وزير الدِّفاع دون تحويلها إلى وزير الدَّاخليَّة.  تلكم هي حال الحزب القومي السُّوداني الذي ارتضى أسلوب العمل السِّياسي الشَّرعي في التَّفاعل مع حكومة السيِّد الصَّادق المهدي التي انتهجت هي الآخرى القهر التَّعسُّفي في التَّعامل مع الذين لا يشاركهم في الرَّأي.
مهما يكن من أمر، فقد عزا عبدالله محمد أحمد (حزب الأمَّة) – الوزير السَّابق في حكومة الصَّادق المهدي ونظام "الإنقاذ" لاحقاً – تولي السيِّد الصَّادق المهدي حقيبة وزارة الدِّفاع مع أعباء رئاسة مجلس الوزراء والحرص أي الحرص على تبعيَّة جهاز الأمن لرئاسة الوزراء لعلاج ما فيها من خلل.  فما هو الخلل في التركيبة العسكريَّة والأمنيَّة الذي يدَّعي الوزير السَّابق وهو زعيم أنَّ الصَّادق المهدي هو كان أول من سبق الآخرين أكتعين في معرفة هذه الحقيقة الغائبة عنهم؟  يقول عبدالله محمد أحمد: "لقد اكتشف رئيس الوزراء المنتخب أنَّ 85% من القوات المدرَّعة والمشاه وسلاح الدبَّابات المتمركزة في الخرطوم من عناصر غير عربيَّة فاتَّخذ إجراءات أوليَّة لعلاج الموقف فأمر أن تكون نوبات الحراسة المسائيَّة في يد ضباط موثوق بهم من غير ذوي "الهُويَّة أو الميول العنصريَّة" إلى أن يتمكَّن من علاج الخلل بهدوء لحساسيَّة الموضوع".  ثم يمضي الوزير الكاتب قائلاً: "إنَّ الأب فيليب عبَّاس غبوش (قد) اكتشف هذه الظروف ليدبِّر مؤامرة عنصريَّة لإقصاء العنصر العربي السُّوداني من كل أوجه الحياة السياسيَّة والتَّنفيذيَّة وأفرقة البلاد".(59)  هذه هي حالنا في السُّودان؛ بيد أنَّ الأمر يختلف في شبه الجزيرة الهنديَّة، فقد أمر مستشارو رئيسة وزراء الهند – السيِّدة أنديرا غاندي – أن لا تعيِّن المواطنين السيخ في طاقم حراستها الخاصة.  تُرى ماذا كان رد السيِّدة رئيسة الوزراء؟ قالت لهم: "إنَّني لست بمفرِّقٍ بين أبناء شعبي".  مهما يكن من شأن السيِّدة غاندي والهند، إذ أنَّ شطارة السيَّد الصَّادق المهدي – رئيس وزراء السُّودان – التي أسعفته في إفشال ما تُعورِف على تسميتها ب"المؤامرة العنصريَّة"، لم تساعده هذه الشطارة في إحباط الإنقلاب "الإنقاذي" لاحقاً.  معبِّراً عن رضائه عن هذه الاجراءت التعسفيِّة، أعلن الدِّكتور عمر نور الدائم - الأمين العام لحزب الأمة - أثناء لقائه بالجالية السُّودانيَّة بالرياض، حاضرة المملكة العربيَّة السعوديَّة، "أنَّه تمَّ إعادة التَّوازن في القوات المسلَّحة، حيث كشف أن 85% من العناصر المنخرطة في الجيش كانت من الجنوبيين والوثنيين وغيرهم بينما كانت العناصر العربيَّة والإسلاميَّة الأخرى داخل الجيش تمثِّل 15% فقط، مما أحدث خللاً بيناً داخل القوات المسلَّحة بالنظر إلى الخارطة السكَّانيَّة التى تشمل 80% من العرب والمسلمين".(60)  وأي إساءة أكثر من وصف قطاع كبير من المجتمع بالوثنيين!  أما الحديث عن الأرقام والنِّسب المئويَّة فلا ندري من أين له بهذه الاحصائيات التي هي مبلغ ريبتنا وشكوكنا في الأمر كله.
كان على أهل الحكم في السُّودان أن يدركوا أنَّ بروز الجَّيش على قمة الهرم السُّلطوي هو النتيجة الحتميَّة من "صراع القوى بين الأجهزة المدنيَّة (الذي) يقود إلى تفتت وانعدام فاعليَّة أجهزة السُّلطة المدنيَّة.. وانعدام الفاعليَّة يقود بدوره إلى خلق فراغ لا تملؤه إلا القوَّة الوحيدة المنظَّمة، والمالكة لوسائل الحسم والرَّدع والسيطرة الفعَّالة، والتي تضم في تكويناتها المختلفة نماذج لكل طوائف المجتمع.  وهي مع هذا تتحرك بصورة عفويَّة ومؤسَّسيَّة وبتلقائيَّة وطوعيَّة تحمل المقود على طاعة القائد حتَّى وإن أدَّى هذا إلى هلاكه.  وهذه العناصر هي: الوحدة، والتماسك، والقدرة على التحرك السَّريع الحاسم، والقوة الماديَّة عناصر يكمل بعضها البعض.  وانتفاء أي واحد من هذه العناصر يؤدِّي إلى تشقق في الجيوش أخطر بكثير من تشقق الأجهزة المدنيَّة، لأنَّه إن كانت وسيلة تصفية الخلافات بين المدنيين هي عد الرؤوس، فهي بين العسكريين تهشيم الرؤوس."  ومع ذلك، كان علي أهل الحل والعقد في البلاد أن يعلموا ويعوا أنَّ "ضعف القوى الموازية، كالأحزاب، والنقابات والطوائف لا يعني أنَّ هذه الأحزاب والمؤسسات الاجتماعيَّة لا تملك القوَّة العدديَّة، ولكنه يعني إما أنَّ هذه القوى تمارس لعبة سياسيَّة لا تحترم أحكامه.. أو أنَّها تعمل في إطار دستور لا تلتزم به .. أو أنَّها تنادي بديمقراطيَّة تتجاوزها باخضاع كل العمل السياسي للإشارة والتفرُّد.. أو أنَّها تقفل الباب، بمثل هذه الممارسات، أمام القوى الحديثة إلى سدة الحكم.  ولا شك (...) أنَّ الذي جعل التَّجربة الهنديَّة تنجح حتى الآن في الهند هو وعي القيادات الهنديَّة بأنَّ بقاء النظام رهين باحترام الحاكمين لقواعد اللعبة السياسيَّة، مثل احترام الدَّستور، احترام القضاء، الاعتراف بالفوارق الثقافيَّة، احترام الرأي الآخر المعارض بتوفير حريَّة التَّعبير، والتَّشاور حول القضايا القوميَّة، وكفالة حق الأقليَّة في أن تصبح أغلبيَّة."(61)  فعلام التباكي والتصايح، إذن، على ولوغ الجَّيش في السياسة قبل إصلاح السياسة أولاً؟
لم يتعرَّض السيِّد الصَّادق المهدي في سفره "الأموي"، الدَّيمقراطيَّة في السُّودان: عائدة وراجحة، عن لجنة تقصِّي الحقائق حول ملابسات اعتقال النَّائب هارون إدريس كافي ومجموعة أعضاء المكتب السِّياسي للحزب القومي السُّوداني بكادقلي، على الرَّغم من أنَّ السَّفر قد مُلأ وزُيِّن باسماء لجان التَّحقيق - وهميَّة كانت أم حقيقية - وأعضاء هذه اللجان، دون أن يعترف رئيس وزراء السُّودان السَّابق أن حكوماته الثلاثة (حكومة الوحدة الوطنيَّة 1986-1987م، الوفاق الوطني1987-1989م، والجبهة الوطنيَّة المتَّحدة آذار (مارس) 1989 - حزيران (يونيو) 1989م) كانت كلها خطل وزلل.  تلكم اللَّجنة التي تكونت من النَّائب العام، الاستخبارات العسكريَّة، الشرطة والمستشار القانوني للجمعية التَّأسيسيَّة وبقرار من مجلس الوزراء تلكأت حتَّى في السَّفر إلى كادقلي لاستجلاء الحقائق والإتيان بالنبأ اليقين.  لماذا تجنَّب السيِّد الصَّادق المهدي ذكر هذه اللَّجنة، التي كوَّنها هو شخصيَّاً، كأنَّها رجسٌ من عمل الشَّيطان؟ ومما يبعث الأسى، أيضاً، إشارة الصَّادق في السفر المذكور آنفاً إلى أحداث دارفور الدَّامية بتبسيط مخل ومجافي لحقيقة المذابح وقتذاك. وقف الصَّادق المهدي عند الصراع الذي كان يعرف ب"النَّهب المسلَّح" في أقليم دارفور حينما كان يتحدَّث عن مشاكل الحكومة مع الاتحادي الدِّيمقراطي، موجزاً تلك الدَّماء التي سالت في خمس كلمات: "بعض الأوضاع الأمنيَّة في إقليم دارفور،" هكذا كتب الصَّادق. أمَّا عن أحداث الضِّعين المؤسفة، فتجاهلها الصَّادق كأنَّها لم تحدث ولم يسمع بها، وسوف نتطرَّق إلى هذه المذبحة وإفرازاتها في مكان آخر من هذا البحث.  كانت حكومات الصَّادق المهدي يعتورها الفشل المؤسسي؛ فلم توفِّر الأمن والطمأنينة للإنسان الأعزل في مناطق الصراع، بل أصبح هذا الإنسان الأعزل هدفاً مقصوداً من أجهزة الدولة الأمنيَّة والعسكريَّة؛ ولم توفِّر الغذاء والدواء والكساء في المناطق المهمَّشة التي تنوشها سهام الحرب، بل استخدمت المجاعات القاتلة كسلاح حربي ضد أولئك وهؤلاء  مما لا جريرة لهم في هذا النِّزاع، حتَّى اضطرَّ الفقراء الملجؤون إلى الاستجارة بغيرهم.  هكذا ينطبق قول الشَّاعر وضَّاح عن مثل هذا النمط من الحكومات التي تُدار بغير هدي، وفي عبث، وهي – فوق ذلك – لا نور يطل منها ولا نهار.  إذ أنشد وضَّاح:
مصائرنا تُدار بغير هَدي   ونجهل كيف في عبث تُدار
حكومات تلوذ بظل أخرى  ولا نورٌ يطل.. ولا نهار
ولا فجر يضئ بأفق ليل   ولا رأيٌ يجئ.. ولا قرار
فمثل حكومات السيد الصَّادق المهدي كمثل البناء الذي ما انهدَّ جانبه حتى تهاوى باقيه، كقول الشَّاعر:
إنَّ البناء ما انهدّ جانبه
لا يأمن النَّاس أن ينهدّ باقيه
بعد هذا وذاك، يخرج علينا بعض الكتَّاب بكتابات لتمجيد السيِّد الصَّادق المهدي وحرق البخور للإمام الهمام؛ ذلك أنَّ مثل هذه الكتابات قد يصحُّ اعتبارها أوفى نموذج لكتب الرياء المتهافتة، إذ تكتبها أقلام مرائية ومداهنة.
وبما أنَّ السيِّد الصَّادق المهدي قد رفض الاعتراف أنَّهم سلَّحوا القبائل العربيَّة ضد القبائل غير العربيَّة، إلاَّ أنَّه أقرَّ بتجربة الدِّفاع الشَّعبي الذي بدأ في عهده إذ قال: "سلَّحنا قبائل الغرب (دارفور وكردفان) كي تشارك السُّلطة في سعيها إلى وضع حد لظاهرة النَّهب المسلَّح في دارفور وكردفان".(62) فهل حقاًَّ وضعت هذه القبائل المسلَّحة حدَّاً لظاهرة النَّهب المسلَّح في هذين الإقليمين؟  إنَّ الإجابة لهذا التساؤل هي النفي.  وفي هذا الصدد "يعتقد القائد عبد العزيز آدم الحلو بأنَّ السُّلطة المركزيَّة في الخرطوم كانت تدعم العدوان على قبائل الزرقة (الأفارقة في دارفور) منذ العام 1986م، وإنَّ ما كانت الحكومة تطلق عليها عمليات النَّهب المسلَّح هو عمل منظَّم بإشراف السُّلطة المركزيَّة ومباركتها، وهو حرب إبادة على القبائل الأفريقيَّة في دارفور."  ويذكر الحلو "أنَّ في العام 1989م تحرَّكت أعداد كبيرة من بعض القبائل العربيَّة من ولاية كردفان القريبة على ظهور الخيل والجمال إلى دارفور للمشاركة في الحرب ضد الفور، وتمكَّنت تلك القبائل خلال حربها ضد الفور منذ العام 1986م من حرق حوالي 2,500 قرية واحتلال 235 أخرى في وادي صالح، وقتل حوالي 5,000 من المدنيين ونهب ما يزيد على الأربعين ألفاً من المواشي."(63) 
ومن جانب آخر، نجد أنَّ الإعلام في عهد حكومة الصَّادق المهدي – كما في أي وقت مضى في السُّودان - قد اُستخدِم بصورة منحازة لشريحة بشريَّة بعينها مما أضر بالنسيج الاجتماعي في البلاد؛ إذ أفرز هذا السلوك غير المستقيم الحراك الاجتماعي الذي ينشأ في المدن بين الفينة وأخرى.  هؤلاء الأغيار الذين يناطحون غيرهم بألسنة حداد وإليهم يلحدون، دون أن يسألوا أنفسهم في أنفسهم وغيرهم من ذا الذي يترك قريته الهادئة الوادعة ليذهب إلى الخرطوم دون أن يكون له أي سبيل لكسب العيش الكريم، إلاَّ إذا كان مرغماً. عليه، عندما يُصاب البنية التحتية باهتراء، وتنتشر الفاقة في التخوم، وتتحطَّم العلاقة التي كانت سائدة بين الحياة الاجتماعيَّة والعوامل البيئيَّة ينزح الناس داخليَّاً إلى الخرطوم ليكوِّنوا الطبقة الكادحة في المدن وفيها يقوموا بالأعمال الوديعة.  وخبرنا أنَّ الحكومات المسؤولة تساعد دائماً هذا النوع من الفئات البشريَّة في المدن بدعم الحرف التي يؤدونها لأنَّها تمثِّل دعائم الاقتصاد الوطني على المستوى الشَّعبي، فبدلاً من طرد باعة السجاير من الطرقات ينبغي منحهم تراخيص لتشييد الأكشاك ودفع الضرائب، وبدلاً من هدم منازلهم وتهجيرهم إلى الخلاء ينبغي فتح الطرق وتشييد المدارس والمراكز الصحيَّة والميادين العامة ومجاري لتصريف المياه وتوصيل الماء والكهرباء وتوفير التَّدريب المهني ومطالبة سكان هذه الأحياء بدفع قيمة مالية مقابل الأرض والخدمات على أن تُجبَى منهم في شكل أقساط للذين لا يستطيعون تسديدها كاملاً.  وكذلك ينبغي على الدولة حل القضايا التي تشكِّل مؤشِّرات النِّزاع مثل: الوسائل المتفاوتة (Differential access) في الحصول على الخدمات الاجتماعيَّة، التباين الثَّقافي، لعنة العنصريَّة، الصحة العامة، رفاهيَّة المواطنين، الأخلاق والسياسة، ومَنْ يستحق ماذا وغيرها من العوامل الماديَّة التي تحرم المجموعات المهمَّشة اجتماعيَّاً من فرص الحصول على الخدمات الاجتماعيَّة.  إذ لا يمكننا اعتبار متغيِّرات الحرمان المادي وحالة الطبقة الإثنيَّة هما العنصرين الوحيدين والمسؤولين عن التَّهميش دون الأخذ بالعامل السياسي والعنصري والثَّقافي في عدم المساواة في الصحة والتَّعليم والتَّنمية والخدمات الاجتماعيَّة الأخرى؛ وهنا تجدر الإشارة إلى الهُويَّة الإثنيَّة والثَّقافيَّة وكافة الأشكال غير الاقتصاديَّة للتمييز العنصري.  فالفقر كرصيد اجتماعي (Poverty as social capital) يمكن أن يتحوَّل إلى متغيِّر وبائي (Epidemiological variable) حينما تتلاشى الوقاية الطبيعيَّة في الإنسان المعلول، والظلم كرصيد اجتماعي يمكن مع العسر عسراً أن يتحوَّل – طال الزَّمن أم قصر – إلى صراع سياسي عقيم عندما لا تبدو في الآفاق أيَّة بارقة أمل للإنصاف والعدالة.
وعوداً إلى دور الإعلام القومي في السُّودان، فلا نرى سبيلاً لغسل الأدمغة من الأدران التي أحاطت بها إلاَّ بإشاعة الفهم الصحيح لها من خلال جهد تعليمي وتثقيفي (تربوي) وإعلامي لغرس مفاهيم المساواة والعدالة وحقوق الإنسان وغيرها من القيم الإنسانيَّة الفاضلة.  وأي شئ أضرَّ بالعلائق الاجتماعيَّة ومفهوم الوحدة الوطنيَّة أكثر من الإعلام الذي يبث سموم الفرقة والشتات والتمييز العنصري!  فهذا هو كمال دقيل فريد يكتب في صحيفة سيَّارة وتحت عنوان "أم درمان.. البقعة المباركة.. عاصمة الدَّولة الإسلاميَّة.. تخطو نحو الأصالة، ويتحسَّر عليها بأنَّها "جار الزمان وأتت الهجرات العشوائيَّة من الرِّيف بدون مبرِّر، فكتب الكتَّاب مراثي يرثون بها المدينة"،(64) فكيف يصف حالها إذا أتاها جيش غازٍ من خارج البلاد؟ للتعبير عن كينونتهم وشعورهم بالاضطهاد، نظَّم "فقراء المدن أنفسهم في جمعيات تنمية القرى والمناطق وهي الجمعيات التي انتشرت في الاحياء الفقيرة؛ فقد ظهرت أكثر من 80 جمعيَّة لأبناء النُّوبة بالإضافة للجمعيات الأخرى من القطاع التَّقليدي".(65)  ولمعالجة قضيَّة الهُويَّة الثَّقافيَّة لأبناء جبال النُّوبة وقضايا التَّخلُّف الاقتصادي والسِّياسي والاجتماعي في المنطقة، رأى السيِّد بخيت فضل الله كجو - رئيس الحزب القومي السُّوداني بالإقليم الأوسط - أنَّ ذلك لا يتأتى الاَّ عن طريق:(66) 
وجود تنظيم سياسي يتحدَّث باسم النُّوبة ويطرح قضاياهم بشكل واضح، ويستطيع أن يضع المعالجات الصحيحة لمشاكلهم.
طرح قضيَّة التَّنمية الاقتصاديَّة المتوازية.
الحفاظ على عادات جبال النُّوبة وتقاليدها وتطوير ثقافاتها المحليَّة بحريَّة؛ وأن يُضمَّن كل ذلك في الدَّستور الدَّائم ليصبح حقاً دستورياً لا مساس به.
ثمَّ نأتي إلى الحديث عن منظَّمة الدَّعوة الإسلاميَّة التي أمسى المشير (م) عبد الرحمن سوار الدهب رئيس أمنائها في وقتٍ لاحق. تلك المنظَّمة ضُبِطت تمارس أعمال خارجة عن صلب وروح مسؤوليتها: لقد "اكتشفت سلطات الأمن بمدينة كادقلي وجود معسكر للتدريب بمباني هذه المنظَّمة يقوده طبيب حاول المقاومة. و(قد) عرف أبناء المدينة ذلك خلال مشادة علنيَّة بين رجال الدِّين وأحد مسؤولي الأمن وبعدها أرسل الطَّبيب للخرطوم."(67)  هذه الممارسات الخارجة عن نطاق القانون قد دفعت المنطقة إلى أتون مجنون. وفي هذه الأثناء أذكر أحداث هيبان الشَّهيرة التي وقعت بعد الانتفاضة الشَّعبيَّة العام 1986م ثمَّ جاءت أحداث أم دورين، وبالطَّبع، نجد المعيار المعمول به في السُّودان، حيث الصَّمت العمد مع سبق الإصرار في "الصُّحف التي تجعجع كثيراً عن موت شخص واحد (في العاصمة) ولكنَّها لا تأبه لموت العشرات من المواطنين في جنوب كردفان."(68) 
مع وجود هذه التَّجاوزات، لم تزل المنطقة تحتفظ بقلَّة من الأفذاذ الذين أملت عليهم قواعدهم الانضباطيَّة وسلوكهم المهني أن يحترموا ما تبقَّى من شئ اسمه القانون.  ويتجلَّى هذا واضحاً حينما "جاءت مجموعة من المواطنين لقائد حامية كادقلي تطلب منه الذَّخيرة لأنَّها تريد إحضار رأس المتمرد يوسف كوة مكي؛ فرفض القائد ذلك بحزم، موضِّحاً أنَّها مسؤوليَّة القوات المسلَّحة."(69)  فلقد اقتنع هؤلاء المواطنون السُذَّج بأنَّ يوسف كوة مكي قد أُهدِر دمه من قبل الخلفاء الراشدين في الخرطوم وكذلك والي كردفان حينئذٍ، وإنَّهم - أي طالبي السِّلاح - لرأس يوسف لمُحضِرون.  ربما كان لقائد الحامية وقتئذٍ رؤية مطابقة للنِّظام السياسي في الخرطوم، وربما كان له فهماً مغايراً، لكنه – أيَّاً كان الأمر - آثر أن يمارس مهنته بالضَّبط والرَّبط العسكري.  لم يكن يوسف عصبيَّاً تكره عصبيته العرب كما أُشيع عنه طوراً، ولم يكن عنصريَّاً تكره عنصريَّته العرب كما قيل عنه طوراً ثانياً، كان يوسف يحب الحق ويسعى إليه، ولا يحب إلاَّ الحق ولا يسعي إلاَّ إليه، بيد أنَّه كان عصبيَّا ضد الظُّلم، وكانت عصبيَّته تمقت الظلمة الفجرة، وما العنصريَّة التي به نُعت حيناً من الدَّهر إلا فرية بلقاء من العنصريين أنفسهم، الذين لا يرون من النُّوبة إلاَّ رقيقاً تروِّعهم حالهم إن هم أمسوا من النَّاجحين النَّابهين.  فلم يكن النُّوبة متعصِّبين متزمِّتين كما قالت الروائيَّة الأمريكيَّة توني موريسون في أبيها حينما أشارت أنَّ أبيها كان "متعصِّباً، وفي طفولته بولاية جورجيا، تأثَّر كثيراً بتصرف الرَّجل الأبيض، وكان يشعر طيلة حياته أنَّ عليه البحث عن سبب لاحتقاره للرَّجل الأبيض، بينما لا يحتاج هذا الأخير لأي سبب كي يحتقره كزنجي".(70)  على أيَّة حال، فقد تعلَّقت نفس يوسف كوة مكي "بالخدمة العسكريَّة، وكانت مؤهلاته الجسمانيَّة والعقليَّة جواز مرور للقبول بالكليَّة الحربيَّة – مصنع الرجال – وكان يمني نفسه بلحظة التخرُّج، حيث تتوهَّج النَّجمة على كتفه، ويمشي الخطوة البطيئة بجسمه المهيب ونظرته الثَّاقبة الفاحصة، ولكن تأتي الرِّياح بما لا يشتهي السفن، فقد تمَّ ابتعاده من الكليَّة الحربيَّة بدعوى عدم اللياقة الطبيَّة."(71)  رحم الله يوسف كوة مكي، وكأنَّ الوصايا الصادرة من جمعيَّة لندن للمراسلين إلى وفودها المسافرة العام 1796م كانت تخصُّه.  فماذا احتوت تلك الوصايا؟  احتوت الوصايا على نص وداعي يقول: "إنَّكم لتصارعون أعداء الجنس البشري، لا لمصلحتكم الخاصة، ولكن من أجل مصلحة الرَّضيع الذي يتعلَّق فمه بثدي أمِّه."  فلم نر أصدق من أبيات الشَّاعر أحمد بن عبد ربه، وهو يرثي ابناً له، في رثاء راحلنا يوسف كوة مكي حين كان لسان حال الشاعر يقول:
يا رحمة الله جاوري جدثاً  دفنتُ فيه حُشاشتي بيدي(72)
ونوِّري ظُلمة القبور على  من لم يَصِلْ ظُلمُهُ إلى أحد
من كان خِلْواً من كلِّ بائقة  وطيِّب الرُّوح طاهر الجسد(73)
عليه، ففي الوقت الذي فيه كانت الحكومة تكدح إلى إذكاء نيران الفتنة وتسعى سعياً حثيثاً لتديين الحرب الأهليَّة في السُّودان عامة وجبال النُّوبة خاصة، عملت كل تنظيمات النُّوبة على الحل السلمي والدفاع المدني عن حقوق النُّوبة سواءاً كان ذلك في الجِّبال أم العاصمة.  ويبدو ذلك جليَّاً في بيان اتحاد عام جبال النُّوبة الذي صُدِر في هذه الأثناء، والذي ركَّز على القضايا الآتية:(74) 
الدِّفاع عن حقوق الإنسان في جبال النُّوبة، وكشف السِّياسات القمعيَّة لحكومة الوفاق (الوطني 1987-1989م).
النِّضال من أجل فرض حل سلمي وعادل للحرب الأهليَّة.
مواجهة حملات التآمر وإلصاق التُّهم الكاذبة بالمواطنين من أجل الكسب السِّياسي الرَّخيص.
رفض تشريد المواطنين بالعاصمة وتكوين لجان شعبيَّة تدافع عنهم.
وكما قرأنا في صحافة الحرب يومئذٍ، نشرت صحيفة "الرَّاية" - لسان حال الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة - في باب أحداث السَّاعة وتحت عنوان "بنات المسلمين سبايا في جنوب كردفان" معلومات كاذبة "عن اغتصاب نساء المسلمين وحرق أزواجهم في كادقلي."(75)  هذه فرية ممجوجة.  لقد نقل كاتب المقال، محمد طه محمد أحمد، صورة معكوسة ومقصودة لما يجري في الجبال ضد النُّوبة.  تلك الجريدة كانت تبث السُّم اليحموم في المجتمع السُّوداني؛ وذلكم الكاتب كان يمثِّل صاحب اللِّسان السَّليط في صحافة الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة.  إذن، ماهي حقيقة ما جرى في كادقلي؟  "دخلت قوات الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان منطقة كادقلي صباح 22 آذار (مارس) 1988م، ودارت معركة بينها وبين القوات المسلَّحة في قرية فاما، ثمَّ توغَّلت حتَّى منطقة كرنقو جراد ودارت معركة أخرى."(76)  بعد نهاية المعارك غارت المليشيات الحكوميَّة المسلَّحة على المنطقتين، التي أرهقتهما الحرب السَّابقة، وفعلت ما فعلت فيهما من التجاوزات قتلاً وترويعاً واغتصاباً ونهباً.
إذا كانت الحكومة لا ترى الأحداث في جبال النُّوبة القصيَّة، فماذا عن أحداث الثَّورة التي تقع على بعد مرمى الحجر من منزل السيِّد رئيس الوزراء بودنوباوي - أم درمان؟ ولماذا تعمَّدت السُّلطات العمي عما حدث في كنيسة الثَّورة - الحارة 21؟ لقد اعتدى القوم "على الكنيسة والمرضى وكبار السِّن والأطفال وحرقوها دون مبرِّر."(77)  فقد قال حسن كندة - عضو قيادة اتحاد عام جبال النُّوبة - في معرض حديثه عن الفئة البَّاغية: "إنَّها لتمارس التقتيل في الجبال ولتتباكى في الخرطوم على دمٍ كذبٍ."  لقد تنكَّرت هذه القبائل المستعربة على الجود والكرم اللذين غمرهم بهم سكان الجبال الأولون؛ حيث يستعرض حامد محمد رحَّال، مك كادقلي، كيف "أنَّ قبيلة الفلاتة دخلت منطقة كادقلي في ذلك الوقت وبدأت في ممارسة الزِّراعة، فمنحها المك أراضي واسعة لتمارس عليها حرفة الزِّراعة مما يوضِّح احترام النُّوبة لكل من عايشهم وانصهر معهم."(78) 
وبينما كان الصراع الدَّامي يشتد ويتضاعف في منطقة جبال النُّوبة جئ يومئذٍ بالسيِّد عبد الرَّسول النُّور كحاكم لإقليم كردفان ليلج التأريخ من بوابة مأساة النُّوبة.  إنَّ ما أقدم عليه عبد الرَّسول النُّور يمثِّل الاستهلال  للإبادة الجماعيَّة للنُّوبة التي أقدمت عليها حكومة "الإنقاذ" لاحقاً وإكسابها طابعاً من القداسة الدِّينيَّة المتوهِّمة.  إنَّ تعيين عبد الرَّسول النُّور بدلاً من السيِّد محمد علي المرضي لا يعني أنَّ ما تمَّ هو إحضار أسوأ خلف لخير سلف.  فالأخير نفسه "تهاون مع المليشيات القبليَّة وتهرَّب من التَّصدِّي لمسألة جمع سلاحها، كما اتَّهم بطريقة غير مؤسَّسة الكنيسة الكاثوليكية بأنَّها تنظِّم ترحيل الجنوبيين إلى الشِّمال لأغراض سياسيَّة". إنَّ الأثنين كانا يطبِّقان "برنامج السيِّد الصَّادق المهدي الذي ينحاز تماماً للقبائل العربيَّة ويعادي - وبأشكال متعدِّدة تتنوَّع حسب الظُّروف - القبائل غير العربيَّة."  ولا اندهاش في ذلك حيث هذا هو الصَّادق الذي كان – وللمناسبة - "يدعو صراحة لرفض هُويَّات تلك المجموعات (غير العربيَّة) عندما تحدَّث عن الهويَّة العربيَّة الإسلاميَّة للسُّودان، ووصف الزنجيَّة والأفريقيَّة بأنَّها انتماء جغرافي فقط."(79)  وقد وصف الدِّكتور منصور خالد ذلك الرَّهط من السُّودانيين الذين يجادلون في العروبة بشئٍ من الشَّطط بقوله: "فحاكم مصر وحاكم سوريا ومليك الأردن ليسوا مطالبين بأن يثبتوا للنَّاس عروبتهم لأنَّها حقيقة يرونها في سحنهم ويعبَّرون عنها بلسانهم؛ أما هجائن السُّودان ومهاجينه فقد أوهموا النَّفس بأنَّ لا سبيل لإثبات عروبتهم إلاَّ بأن يكونوا عرباً أكثر من أهل نجد وتهامة."(80)
إنَّ عزل المرضي وتتويج النُّور، الذي فيه لعبت الجَّبهة القوميَّة الاسلاميَّة دوراُ فعيلاً، قد أدَّي لبروز "التَّجمع الوطني لأبناء كردفان بالعاصمة" وهو الكيان الذي تكوَّن أساساً من أعضاء حزب الأمة، وشكَّل أسلوباً جديداً للضَّغط لم يعهده الحزب من قبل.  فبالإضافة إلى افرازات ذلك التَّعيين استقال السيِّد بكري أحمد عديل من سلطاته الذي أشار - فيما أشار - في خطاب استقالته "بأنَّ قضايا المعيشة والأمن لم تجد الحيز الكافي بين قرارات الحكومة، بل انصرف الجهد في الحوار إلى قضايا لا ينبغي أن تجد الأولويَّة أمام قضايا الغذاء والأمن والخدمات الأساسة."(81)  وقد خرجت جماهير عديل في شوارع العاصمة - الخرطوم – يهتفون: "لا بديل لبكري عديل"!  فلنتمهَّل رويداً لنبحث عن أمجاد هذا الرَّجل - أي عبد الرَّسول النُّور - إن كان له أمجاد؛ ونمهِّد للتنقيب عنه بطرح التساؤل الطبيعي التَّالي: ماهو الإنجاز الخارق الذي قام به عبد الرَّسول النُّور هذا وفشل فيه معظم قادة حزب الأمَّة حتى استأثر – منفرداً - بحاكميَّة الإقليم؟ كان عبد الرَّسول النُّور هذا يعمل وزيراً للدَّولة بوزارة الصِّناعة قبل أن يتم تنصيبه حاكماً لإقليم كردفان.  وقبيل تعميده حاكماً لإقليم كردفان، طاف عبد الرَّسول النُّور جنوب كرفان في زيارة مطوَّلة استغرقت 23 يوماً؛ زار خلالها 63 مدينة وقرية. وفي طواف إفاضته هذا، حثَّ عبد الرَّسول النُّور المواطنين على "إنشاء ما يسمَّى بالاستخبارات الشَّعبيَّة لتعقُّب "الخوارج" (أفراد الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان) والمندسين من عناصر الطَّابور الخامس وسط الأهالي."(82)  وكان قد رافق عبد الرَّسول النُّور في تلك الجولة الجنوب-كردفانيَّة النُّواب حبيب سرنوب وحريكة عز الدَّين وحماد ابراهيم حمدون وادريس محمد سليمان وقمر حسين وكلهم من نواب حزب الأمة.  وعلى الرَّغم من فوز الحزب القومي السُّوداني بسبعة دوائر في تلك المناطق، لم يشرك أي من نواب ذلك الحزب عند زيارته لدوائرهم الجغرافيَّة وجماهيرهم الشَّعبيَّة!  وفي تلكم اللحظة كان الحزب القومي السُّوداني شريكاً في البرلمان (الجمعيَّة التأسيسيَّة) بثمانية نواب، حيث فاز أغلبهم في دوائر جغرافيَّة بجبال النُّوبة وهم: يوسف مرفعين (دائرة أم دورين)، عبد الرَّسول كجور (دائرة البرام)، هارون إدريس (دائرة دمبا – أرياف كادقلي)، علي قادم جرو (دائرة دلامي)، إبراهيم سعيد (دائرة هيبان)، أمين بشير فلين (دائرة سلارا – غرب الدَّلنج)، محمد أبوعنجة أبو راس (دائرة كادقلي)، أما الأب فيليب عبَّاس غبُّوش فقد فاز في دائرة الحاج يوسف بالخرطوم بحري بأغلبيَّة ساحقة، وهو كان آنذاك رئيساً للحزب القومي السُّوداني.
ثمَّ - بعد هذا وذاك - نأتي إلى معركة التَّحكيم لشرع الله كما أراد أنصار الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة حتى يتحقَّق لهم قيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر حسب حد قول كبيرهم سيد قطب في "البيان".  لقد تعرَّضت قوانين التُّرابي البديلة لرفض شديد من جميع الفعاليات السياسيَّة.  وعبَّرت المعارضة الأفريقيَّة عن احتجاجها على إيداع مشروع هذا القانون، قانون أيلول )سبتمبر) 1988م، بالانسحاب من جلسة الجمعيَّة التأسيسيَّة في 19 أيلول (سبتمبر) 1988م.  إنَّ مسالة القوانين، وقضايا الهويَّة، وعدالة توزيع الثروة والسلطة كانت قد تمَّ الاتفاق بتأجيل البت فيها إلى حين قيام المؤتمر القومي الدَّستوري، الذي فيه يقوم السُّودانيُّون بحسم هذه القضايا. على الرَّغم من أنَّ الجمعية التأسيسيَّة لم يكتمل التَّمثيل الدَّيمقراطي فيها لأهل الجنوب، إلاَّ أنَّ الحكومة - وتحت ضغط من الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة - شرعت في تفعيل مسألة هذه القوانين المسماة إسلاميَّة.  وقد شنَّ السيِّد اليابا جيمس سرور هجوماً عنيفاً على هذا القانون الذي نعته بأنَّه "سيعوق مساعي السَّلام ويهدِّد الوحدة الوطنيَّة ويقنِّن التَّمييز الدِّيني والعنصري بين المواطنين؛ وستطبَّق عبرهم عقوبات تحط من كرامة الإنسان السُّوداني، وتقتلع الدِّيمقراطيَّة من جذورها وتعلن عن بزوغ فجر استعماري جديد باسم الأغلبيَّة الدِّينيَّة وتجعل من الجَّمعيَّة جمعيَّة لشمال السُّودان مما يقود إلى كارثة كبرى لا يحمد عقباها."(83)  ظلَّ الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي يصر أيما الاصرار على بقاء قوانين نميري "السبتمبريَّة" على قيد الحياة والعمل بها؛ وأخيراً تمَّ الاتِّفاق بين الحزبين المؤتلفين – الأمة والاتحادي الدِّيمقراطي - على "أنَّ القوانين الجديدة البديلة هي التي تلغي قوانين إيلول (سبتنبر) 1983م عندما يتم إصدارها، وبهذا حرص الحزب الإتحادي الديمقراطي على بقاء قوانين إيلول (سبتمبر) من الزوال إلاَّ بصدور القوانين البديلة.. ولعلَّ هذا كان أحد بنود الاتِّفاق السري الذي عُقِد بينه وبين الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة بعد ظهور نتائج الانتخابات (العام 1986م)."(84) 
امتثالاً لدوره السِّياسي، رفض الحزب القومي السُّوداني هيمنة الدِّين على الدَّولة، وطالب بسحب هذه القوانين من الجمعيَّة التأسيسيَّة. كان ذلك واضحاً وجلياً في التَّصريح الذي أدلى به السيِّد حماد كوة - رئيس الحزب القومي السُّوداني (القيادة الجماعيَّة).(85)  ممثلاً عن الحزب القومي السُّوداني في لجنة الثمانية لأحزاب الحكومة، قال السيِّد أمين بشير فلِّين "إنَّهم يعترضون على استثناء العاصمة وعلى استثناء الجنوب نفسه؛ وإذا كان لا بد من الاستثناء فلتستثنى منطقتي جبال النُّوبة والأنقسنا أيضاً."(86)  وقد علَّل النَّائب عبد الرَّسول كجور كوة (الحزب القومي السُّوداني) ذلك في قوله: "إنَّ التَّخلُّف يسود مناطق واسعة من البلاد، بل البعض ما زال يسيرون عراة لا يعرفون ماهو ستر العورة، فكيف يمكن تطبيق قانون على هؤلاء؟ وتساءل كيف يمكن أن نطبِّق حد السكر على من يعتبر المريسة (الخمر البلدي) غذاءه الرئيس، وقال كان على الدَّولة توفير التَّعليم والطَّعام والكساء قبل التَّفكير في قوانين العقوبات."(87)  إذا كانت هذه هي الحال في الثمانينيات علينا، إذن، أن نتساءل: ما هذه القوانين التي نحن إليها مساقون ثمَّ مختلفون؟ وإذا تأمَّلنا وتمَّعنا في بعض المتناقضات التي تفرزها هذه القوانين لنجدنَّ أنَّها مغالطات شائكة وعقيمة: هل يُطبَّق على أساس جغرافي أم على أساس شخصي؟ وهل تستثنى العاصمة أم لا؟ وفي خضم هذا الاختلاف الفقهي أذكر جواب مالك بن أنس للمنصور لمَّا عرض عليه أن ينشر الموطَّأ ويحمل الأمة عليها فأجابه: "لا يا أمير المؤمنين، إنَّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد تفرَّقوا في الأمصار ومع كل علم ... وإنَّك إن تفعل ذلك تكن فتنة."
فيما ظلَّ السُّودانيُّون على اختلاف قطاعاتهم الاجتماعيَّة ومشاربهم السياسيَّة بين مؤيِّد للقوانين "السِّبتمبريَّة" من ناحية، ومنادٍ للإلغاء من ناحية ثانية، وفريق يطالب بالتجميد من ناحية ثالثة، وآخر بالتَّبديل من ناحية رابعة "تم في اجتماع دام من ليلة الخامس من أيار (مايو) حتَّى السَّادس منه العام 1986م بين أحزاب ما تسمَّى ب" الأغلبيَّة" الثَّلاثة مناقشة (هذه) التَّشريعات الإسلاميَّة ... وكانت المؤشِّرات الأساسة لنقاط الاتِّفاق هي ضرورة تجنُّب الفراغ التَّشريعي، أي أن تستمر التَّشريعات الإسلاميَّة القائمة إلى حين إجازة البديل الإسلامي المنقَّح لها والمستجد من نصوص القرآن الكريم والسنة المطهَّرة.(88)  فلا نحسب أنَّ السُّودان يومئذٍ كان يفتقد بديلاً تشريعيَّاً؛ فحين نادت الجماهير عشيَّة الانتفاضة الشَّعبيَّة العام 1985م كان شعار العودة إلى دستور 1956م المعدل العام 1964م مرفوعاً بصوت جهور، ولا نظن أنَّ هذا الدستور كان عديم التَّشريع، كما أنَّ دستور العام 1973م لم يكن خالياً من أي تشريع إن هم عزموا على العمل به. إنَّ قولهم ذاك هو قول الباطل الذي أريد به غير الحق، أفلم نقل لكم إنَّهم غير مختلفين! تلكم هي القوانين "السبتمبريَّة" نفسها التي قال عنها السيِّد الصادق المهدي من قبل وعندما سئل في مؤتمر صحفي في لندن: "إنَّ مسألة الإلغاء كان من الممكن أن تتم خلال الفترة الانتقاليَّة بواسطة المجلس العسكري الانتقالي (1985-1986م) (...) كان ممكن يلغوها أثناء اجتماع لهم (...) كلَّهم كانوا يجتمعون في غرفة واحدة وكان ممكن يلغوها ونخلص."(89)  كان الصَّادق في الحملة الانتخابية يملأ الأرض ويناطح السماء عجيجاً بأنَّ هذه القوانين "السبتمبريَّة" لا تساوي قيمة المداد الذي كُتِب بها؛ فلِمَ لم يجد لها مكاناً في مزبلة التأريخ؟  تُرى ماذا كان رد السيد الصَّادق المهدي بعد فوز حزبه في الانتخابات البرلمانيَّة؟  قال الصَّادق كان بامكانيَّة قادة الحكومة الانتقاليَّة استخدام الشرعيَّة الثَّورية وإلغاء هذه القوانين، أمَّا الآن فنحن في عهد الشرعيَّة الدَّستورية، والتي تعني ضمنياً صعوبة إلغائها.
بعد هذا وذاك نعرج إلى مسألة تشريح الجُّثث في جامعة الخرطوم، وربما في الجامعات السُّودانيَّة الأخرى التي تدرِّس العلوم الطبيَّة.  عند التَّوقُّف والتَّأمُّل في خطاب البروفسير المنقوشي (ملحق رقم (2)) نستنتج أنَّ الأثنيَّة الزنجيَّة في السُّودان مستهدفة حتي بعد الممات.  فيذكِّرنا هذا السلوك بتعليق أحد الهنود الحمر في أمريكا اللاتينيَّة عندما علم أنَّ الرَّجل الأبيض ينبث قبور موتاهم لإجراء دراسات أنثروبولوجيَّة على هياكل الهنود الحمر، فعلَّق مستهجناً هذا السلوك بالقول: "إنَّ الرَّجل الأبيض لا يمكنه أن يتركك تستريح حتَّى بعد الموت."  فالشئ المعروف دائماً أنَّ للأموات قداسة تفوق في بعض الأحيان قداسة الأحياء، ولا يمكن العبث بهم؛ وكرامة الدَّفن (Dignity in funerary) حق يستحقه الميِّت.  وإذا تم أخذ الجُّثَّة للمشرحة في الجامعة أو المستشفى أو حتى نبث القبر القديم ينبغي أن يكون بموافقة أهل الفقيد، أو بوصيَّة من الميِّت نفسه، أو لإجراءات قانونيَّة كالتحقيق في جريمة ما. لكن في جامعة الخرطوم يتم ذلك دون استشارة ذوي الميِّت، والأغرب في الأمر أن يقترح المنقوشي أن يتم بيع أعضاء الجُّثث إلى دول النَّفط، وتقسيم الأرباح بين أعضاء هيئة التَّدريس كأنَّها سلعة رائجة. تتم هذه التَّجاوزات حاليَّاً في الصِّين، حيث تنزع أعضاء أجساد المحكومين عليهم بالإعدام لإسعاف الارستقراطيَّة الحاكمة أو تباع للمحتاجين، وكثيراً ما يحدث تمديد عملية الإعدام ليموت المحكوم بطيئاً، ومن ثَمَّ يُضمن سلامة الأعضاء المستخرجة منه.
ومن نافلة القول نستطيع أن نقول إنَّ مسألة الحقوق المدنيَّة ستظل من أهم القضايا الجوهريَّة التي تهم السُّودانيين أبتعين؛ فبينما يتطلَّع طلاب السُّلطة – وبخاصة في وسط السُّودان - إلى الحقوق الدَّستوريَّة لممارسة أنشطتهم السياسيَّة المتمثِّلة في دعم أو معارضة أنظمة الحكم المختلفة، يتشوَّق البسطاء من السُّودانيين بشئ من الشغف كثير إلى مقومات الحياة الأساسة مثل الأمن، سبل كسب العيش، الصحة، التَّعليم، الخدمات الاجتماعيَّة واحترام حقوق الإنسان.  وعند الحديث عن تجاوزات حقوق الإنسان في المناطق المهمَّشة عامة ومناطق العمليات العسكريَّة خاصة - بما فيها منطقة جبال النُّوبة - في هذين العهدين، لم نقصد بهذا الحديث أبناء النُّوبة الذين حملوا السلاح – ولظروف موضوعيَّة – وأعلنوها حرباً شعواء ضد الحكومة المركزيَّة، لكننا قصدنا أولئك وهؤلاء المواطنين العزل الذين جثموا في ديارهم وقبعوا في قراهم فأخذتهم جنود وشرطة وقوات أمن حكومتي الفريق (م) عبد الرَّحمن سوار الدَّهب والسيد الصَّادق المهدي بغتة وهم لا يشعرون.  وفي هاتيك الهجمات بات الإعلام غير الرَّشيد – أو قل المدفوع بالضغائن – يلهب مشاعر النَّاس تجاه الآخر المختلف عرقيَّاً ودينيَّاً، ويغري بينهم البغضاء والعداوة.  أمَّا في مناطق التماس الأخرى فقد تعرَّض المدنيُّون الذين ينتمون إلى الآخر المختلف إلى ما لا تُحمَد عقباه من ممارسات شنيعة وبشعة، فكانت النتيجة ما شهده السُّودانيُّون وقرأه العالم عن مشاهد قتل الأنفس وسبي النساء واختطاف الأطفال والاسترقاق لأبناء وبنات الدينكا فيما عُرِفت يومئذٍ ب"مذبحة الضِّعين" العام 1987م، لتكون ترجمة بصريَّة لتلك المزاجيَّة العامة لحكومة السيِّد الصَّادق المهدي.  هذه الحكومة – بعد ما استبشر بها النَّاس خيراً – أمست في نهاية الأمر كموج البحر الذي أرخى سدوله على الشَّعب السُّوداني على وجه التَّعميم وعلى أهالي جبال النُّوبة على وجه التَّخصيص بكل أنواع الهموم والمشكلات ليبتليهم بها؛ فلم يروا نوراً في نهاية النَّفق، بل ظلاماً عند الظهيرة.

ملحق رقم (2)
بسم اللَّه الرَّحمن الرَّحيم
هام وعاجل
31 مارس 1988م
السيِّد/ رئيس مجلس ابحاث كلية الطَّب
المحترم
تحية طيَّبة
الموضوع: مشروع بحث علمي متعدِّد الأغراض بالكلية
مقدِّمة:
بما أننا في قسم التَّشريح بالكلية نستعمل جثث الزنج (الجنوبيين والنُّوبة) للأغراض التعليمية، وبما أنَّ كلية الطب والجامعة قد ارتضت (برفضها التحقيق والمحاسبة) أن يتاجر بعض أساتذتها في هذه الجثث ويقتسمون العائد، وبما أنَّ الزنج يمثلون ثلث سكان السُّودان فقط فليس من العدالة الاجتماعية في شئ بأن تختص أقليتهم بكل هذا القدر من الإجحاف خاصة وقد أصبحت هذه الكلية العريقة تحتفل بتخريج دفعة جديدة من جزاري البَّشر كل عام ومن يُجزَر دون رقابة هم عادة بؤساء المجتمع (أي الزنج في هذه الحالة).  وعليه فإنَّني بهذا أتقدَّم بالمشروع الآتي لمجلسكم الموقَّر راجياً موافقتكم المبدئية لإجراء المزيد من الاتصالات ومد المجلس بالتفاصيل في حينه.
المشروع:

يتلخَّص المشروع في إنشاء وحدة لجزر الشِّماليين وعلى وجه الخصوص الحمرة الأباها المهدي (الأقباط وحثالة الفراعنة( الذين يمثِّلون أغلبية سكان السُّودان، وقد حوَّل الأخيرون كلية الطِّب إلى معهد لتدريب الجزارين وباعوا حاصل الجزارة لدول النَّفط.
لدي من الاتصالات العالمية ما يمكن بموجبه إنشاء هذه الوحدة لتحضير الجثث واستخلاص العظام البشرية لتغطية السوق المحلية (إذا وجدت) وتصدير الفائض لكليات الطب في العالم وما أكثر الطلب.
يتم التمويل من الخارج باعتمادات مفتوحة بالدولار الحر لتغطية ما يلزم من مبان ومعدات ومحاليل وعمالة.  لا التزام على الجامعة إلاَّ تخصيص قطعة أرض مناسبة في موقع مناسب من رقعة المليون ميل مربع.
يمكن من هذه الاعتمادات المفتوحة ومن عائد الوحدة دفع حوافز ورسوم مجزية (داخل وخارج القطر) لجزر المعنيين أعلاه.
يمكن - ويستحسن - قبول أعداد أكبر من الطلبة للانخراط في الكلية، ويا حبَّذا لو خُفِّض أو أُلغي التدريس في العلوم الأساسيَّة توفيراً للوقت ولتخريج نوعيَّة أفضل من الجزَّارين.
الأغراض:
عدا تحقيق العدالة الاجتماعيَّة فإنَّ المشروع يخدم الأغراض التَّالية:
إتاحة الفرصة لطلبة الطب للوقوف على نوعية مختلفة من الأعضاء البشرية للمقارنة، وفي هذا إثراء لخبرتهم منذ الأيام الأولى في مسار حياتهم الطبيَّة.
إتاحة الفرصة لأساتذة العلوم الأساسية (التشريح بالذَّات) لإجراء الدِّراسات والبحوث التي ستجد التَّقدير العلمي وتدفع بهم في سلم الترقيات الأكاديمي بالجامعة وتشجعهم للبقاء بالقطر لخدمة بنيه.
أرجو أن تولوا هذا المشروع الدِّراسة الجَّادة وإفادتنا في أسرع وقت ممكن للمتابعة والتَّنفيذ.
ملحوظة:
في حالة نجاح المشروع يمكن الاستفادة من العائد في الصرف على بقيَّة الأقسام بالكلية والجامعة ككل وربما مرافق الدَّولة الأخرى.
مقدِّمه

البروفسير/ محمد المنقوشي عبد العال
أستاذ التَّشريح، كلية الطب، جامعة الخرطوم
________________________________
- صور العينات (at random) ممن ورد ذكرهم أعلاه لتوسيع قاعدة المشاركة وللتَّفاكر حول كيفيَّة إنجاح المشروع.
هوامش وإحالات
 (31) صحيفة "الحياة"، 23/7/2003م، العدد 14730.
(32) صحيفة "الحياة"، الخميس، 29/7/2004م، العدد 15098.
(33) عبد المنعم الجزولي، لا أقليات في السُّودان، صحيفة "الأهالي"، الأربعاء، 18/5/1994م، العدد، 658.
(34) محمد سليمان، دور الأزهر في السُّودان، الهيئة المصريَّة العامة للكتاب، 1985م.
(35) Inquiry, January 1987.
(36) مجلة "الوسط"، 27/6/1995م، العدد، 126.
(37) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 2/9/1987م.
(38) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 11/11/1987م.  وقَّع على البيان طلاَّب جبال النُّوبة في جامعة الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم وأم درمان الإسلاميَّة ومعهد الكليَّات التكنولوجيَّة (حاليَّاً جامعة السُّودان للعلوم والتكنولوجيا) والأحفاد ومعهد الموسيقى والمسرح والأشعة وود المقبول وبجمهوريَّة مصر العربيَّة.
(39) A, Hadhrat Mirza Ghulam, The Philosophy of the Teachings of Islam, Surrey, 1996.
العلاَّمة ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاويَّة، بيروت، 1407ه.
(40) صحيفة "الحياة"، الأربعاء، 17/3/2004م، العدد 14964.
(41) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 16/3/1988م.  إنَّ القتلى هم: (1) كاكي بلو، (2) كافي الأعيسر، (3) مار اسماعيل، (4) رحَّال نمر، (5) كافي قربوية، (6) كوة الأعيسر، (7) كوكو فجيجة، (8) موجو كوي، (9) توتو بري.
(42) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 16/3/1988م.  إنَّ القتلى الأربعة هم: (1) محمد كوكو خريف، (2) كوة كوكو، (3) عبدالله سعيد، (4) عائشة كافي، التي أُحرقت داخل منزلها.
(43) الأضراب والنظراء: المتماثلون والمتشابهون.
(44) الخرق: ضعف الرأي وسوء التصرُّف والجهل والحمق.
(45) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 17/2/1988م.
(46) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 16/3/1988م.
(47) أنظر أفريكان رايتس، نوبة السُّودان ومواجهة الإبادة، لندن، 1995م؛ الدكتور محمد سليمان محمد (مؤلف)، الدكتور صلاح آل بندر (محقق) ، السُّودان: حروب الموارد والهُويَّة، لندن، 2000م.
African Rights, Facing Genocide: The Nuba of Sudan, London, 1995; Lesch, A M, The Sudan: Contested National Identities, Indiana University Press, 1998.
(48) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 7/6/1988م.
(49) هؤلاء تمَّت تصفيتهم في محافظة كادقلي بواسطة الاستخبارات العسكريَّة بين عامي 1987-1988م
_________
الرَّقم الاسم    القبيلة  تأريخ الإعدام
-------------
1 موسى كبي   أبوهشيم  تشرين الثاني (نوفمبر) 1987م
2 آدم يعقوب    كيقا الخيل  تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1987م
3 الشَّريف    أبوهشيم  أيلول (سبتمبر) 1987م
4 الأحمر أبورفاس   كيقا الخيل أيلول  (سبتمبر) 1987م
5 عدلان كافي   كيقا الخيل نيسان  (أبريل) 1988م
6 جيمس توتو كودي   المورو  حزيران (يونيو) 1988م
7 توت بات    النوير  أيار (مايو) 1988م
8 رمضان عجبنا   ميري جوة 23 تموز (يوليو) 1988م
9 بحر الدِّين    المورو  كانون الأوَّل (ديسمبر) 1988م
10 علي تربوس   المورو  كانون الأوَّل (ديسمبر) 1988م
11 آدم كوال    الدينكا  أيلول (سبتمبر) 1988م
12 علي تيَّة    كادقلي  تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1988م
13 علي جمعة   الشواية  تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1988م
14 توتو أرميس   كاتشا  تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1988م
15 سكين    كاتشا  تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1988م
16 الحاج كوكو   شات الصفية تموز (يوليو) 1988م
17 أحمد كوكو   شات الدمام تموز (يوليو) 1988م
18 صابر تيَّة    المورو  كانون الأوَّل (ديسمبر) 1988م
19 إسماعيل خيراللَّه   المورو  أيلول (سبتمبر) 1988م (حُكم عليه بالسجن)
20 حمدان عدلان   كيقا الخيل  1988م
------------------

(50) صحيفة "الشَّرق الأوسط"، الأربعاء، 30/12/1992م، العدد 5146.  بعد أن تمَّت إزاحته عن السُّلطة، كتب السيِّد الصَّادق المهدي معيباً حكومة الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة بأنَّ "الرأي العام العالمي قد اطَّلع على وثائق تتعلَّق بمحاكمات إيجازيَّة في السُّودان، وباعتقلات تعسفيَّة، وبأدلَّة على التَّعذيب في بيوت الأشباح ... واطَّلع على مذكَّرات من جنوبيين ونوبة داخل وخارج السُّودان بأنَّهم هدف اضطهاد عرقي."
(51) صحيفة "الشَّرق الأوسط"، السبت، 26/2/2005م، العدد 9587.
(52) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 8/6/1988م.
(53) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 6/7/1988م.
(54) صحيفة "السُّوداني"، 1/9/1988م.
(55) صحيفة "الاتحادي الدَّوليَّة"، 31/5/1994م. 
(56) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 6/7/1988م.
(57) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 3/8/1988م.
(58) صحيفة "الميدان"، الثلاثاء، 30/8/1988م.
(59) يزعم عبدالله محمد أحمد أنَّ الإنجليز كانوا يجنِّدون عرب الأرياف - وأغلبهم من الأنصار والختميَّة - عسكراً، ويجنِّدون الضباط من أبناء زعماء العشائر غير المتَّفقين معهم في العقيدة الدِّينيَّة، ويمزجون أولئك وهؤلاء بأقليَّة من غير العرب، بحيث يكون هناك تباين دائم بين العسكر وضباطهم.  ويمضي عبدالله مدَّعياً – دون الإتيان باحصاءات لدعم دعواه – أنَّ جعفر نميري أخلَّ بهذه التركيبة وحشد القوات المسلَّحة بعناصر أفريقيَّة سودانيَّة ومن دول الجوار وعلى رأسهم التشاديين.  أما قوات الأمن فجنَّد لها لاجئين أريتريين وأثيوبيين وكنغوليين وجدوا في الجهاز حماية لهم من مطاردة أجهزة الجوازات والهجرة والجنسيَّة، ووجد نميري فيهم من الانضباط والأداء المتميِّز بالقسوة والشراسة في وجه معارضيه من أبناء البلاد.  وكأنَّ الوزير ليريد أن يجعلنا نصدِّق أن الذين مارسوا العنف والتَّعذيب ضد المعارضين ليسوا بسودانيين (صحيفة "القدس العربي"، 4/7/1997م، العدد 2536).
(60) صحيفة "البلاد" السَّعوديَّة، الأحد، 6/3/1988م، العدد 8811.  في العام 1990م أعلن القادة "الانقاذيُّون" عن احباط محاولة من داخل القوات المسلَّحة لقلب نظام الحكم، وأُتِّهم أربعة أشخاص من الذين حُوكِموا في محاولة 25 أيلول (سبتمبر) 1985م بالتورُّط في هذا الانقلاب وهم داخل السجون.  هؤلاء الأربعة حُكِم عليهم بالإعدام وخفضت الأحكام إلى 30 سنة وتقدَّموا للمحكمة وهم داخل سجن كوبر، ولم يتم الإفراج عنهم إلا في التسعينيات من القرن الماضي بعد احتجاجات شديدة من قبل منظَّمات حقوق الإنسان الدَّوليَّة.  ماذا تمَّ بعد حركة أيلول (سبتمبر) 1990م داخل المؤسسة العسكريَّة؟
تمَّ تصنيف الجنود بالقبائل، واستخراج النسبة المئويَّة لكل قبيلة: نوبة وجنوبيين وزغاوة ومحس وغيرهم.
أُصدر قرار بتنحية كل الذين عملوا أكثر من عشرين عاماً، وهم أصحاب الخبرة والكفاءة.
لا تجديد للذين تنتهي مدة خدمتهم، وكانوا يعملون بالمشاهرة لخبراتهم الطَّويلة، حتَّى لو كانوا بصحة جيِّدة.
هذه القرارت أضعفت الرُّوح المعنويَّة للقوات المسلَّحة طوال السنين التَّالية.  ومن بين الذين شملتهم الاعتقالات والمحاكمات نذكر: (1) النور أرمين دقش، العمر: 46 سنة، الوحدة: سلاح المهندسين، الرتبة العسكريَّة: رقيب )جاويش)، القبيلة: النُّوبة، التُّهمة: الاشتراك في المؤامرة العنصريَّة في أيلول (سبتمبر) 1985م، المادة: 68 من قانون القوات المسلَّحة، الحكم: 13 سنة، أعضاء المحكمة: العميد أبوبكر مشرف والعميد هاشم، المعاملة: سيئة جداً أثناء التحقيق، التُّهمة الثَّانية وهو نزيل كوبر: الاشتراك في حركة أيلول (سبتمبر) 1990م، المواد: 50/47/45 من القانون العسكري، الحكم: 20 سنة بعد التَّعديل من حكم الاعدام، أحد أعضاء المحكمة: العقيد عثمان خليفة؛ (2) عبدالرحمن خليفة محمد، العمر: 38 سنة، الوحدة: السلاح الطبي، الرتبة: رقيب، القبيلة: النُّوبة، التُّهمة: الاشتراك في المؤامرة العنصريَّة في أيلول  )سبتمبر) 1985م، المادة: 68 من قانون القوات المسلَّحة، الحكم: 15 سنة، أعضاء المحكمة: العميد أبوبكر مشرف والعميد هاشم، المعاملة: سيئة أثناء التحقيق، التُّهمة الثَّانية: الاشتراك في حركة أيلول (سبتمبر) 1990م وهو نزيل كوبر، المواد: 50/47/45 من القانون العسكري، الحكم: 20 سنة بعد تعديل الحكم من الاعدام، أحد أعضاء المحكمة: العقيد عثمان خليفة؛ (3) عثمان محمود سالم، العمر: 33 سنة، الوحدة: اللواء عشرين، القبيلة: النُّوبة، التُّهمة: الاشتراك في المؤامرة العنصريَّة في أيلول (سبتمبر) 1985م، المادة: 68 من قانون القوات المسلَّحة، أعضاء المحكمة: العميد أبوبكر مشرف والعميد هاشم، المعاملة: سيئة أثناء التحقيق، وتنطبق عليه التُّهمة الثَّانية؛ (4) عبد الهادي مكي الأمين، العمر: 32 سنة، الوحدة: اللواء عشرين، القبيلة: النُّوبة، التُّهمة: الاشتراك في المؤامرة العنصريَّة في أيلول )سبتمبر) 1985م، المادة: 68 من قانون القوات المسلَّحة، الحكم: 20 سنة، أعضاء المحكمة: العميد أبوبكر مشرف والعميد هاشم، التُّهمة الثانيَّة وهو نزيل كوبر: الاشتراك في حركة أيلول (سبتمبر) 1985م، المواد: 50/47/45 من قانون القوات المسلَّحة، الحكم: عشرين سنة بعد تعديل حكم الإعدام، أحد أعضاء المحكمة: العقيد عثمان خليفة.
(61) الدكتور منصور خالد، لا خير فينا إن لم نقلها، مقالات في صحيفتي "الصحافة" و"الأيَّام" في الفترة 1978-1980م، جامعة الخرطوم، قسم التأليف والنشر، صفحة 444.
(62) مجلة "الوسط"، 18/7/1994م، العدد 129.
(63) صحيفة "الحياة"، الثلاثاء، 27/7/2004م، العدد 15096.
(64) صحيفة "السُّودان الحديث"، الثَّلاثاء، 12/1/1993م.
(65) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 17/8/1988م.
(66) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 16/11/1988م.
(67) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 31/8/1988م.
(68) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 31/8/1988م.
(69) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 7/9/1988م.
(70) توني مريسون روائيَّة أمريكيَّة ظلَّت تناضل بأدبها من أجل حقوق زنوج أمريكا حتَّى نالت جائزة نوبل للآداب العام 1993م (صحيفة "الوسط"، 28/6/2004م، العدد 648).
(71) عبدالرَّسول النُّور، يوسف كوة بين زمالة الدِّراسة والحركة الشَّعبيَّة والعودة المستحيلة، صحيفة "أخبار اليوم"، 2/4/2001م.
(72) الجدث: القبر؛ والحُشاشة: بقيَّة الرُّوح في المريض أو الجريح.
(73) البائقة: الشر.
(74) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 5/10/1988م.
(75) صحيفة "الرَّاية"، الأثنين، 17/4/1989م.
(76) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 10/5/1989م.
(77) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 26/4/1989م.
(78) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 21/6/1989م.
(79) صحيفة "الميدان"، الأحد،  18/9/1988م.
(80) الدِّكتور منصور خالد، النُّخبة السُّودانيَّة وإدمان الفشل، الجزء الثَّاني، القاهرة، 1993م.
(81) صحيفة "الميدان"، الأحد، 18/9/1988م.
(82) صحيفة "الميدان"، الأثنين، 19/9/1988م.
(83) صحيفة "الميدان"، الثلاثاء، 20/9/1988م.
(84) صحيفة "القدس العربي"، 5-6/7/1997م، العدد 2537.
(85) صحيفة "الميدان"، الأربعاء، 21/9/1988م.
(86) صحيفة "الميدان"، الأثنين، 26/9/1988م.
(87) صحيفة "الميدان"، الخميس، 29/9/1988م.
(88) مجلة "الغرباء"، حزيران (يونيو) 1986م، العدد الرَّابع، السنة الثَّالثة والعشرون.
(89) مجلة "الغرباء"، كانون الثَّاني (يناير) 1987م، العدد الأول، السنة الرابعة والعشرون.