عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

العودة إلى العدائيَّات العام 1983م.. إيثار العوارء على العيناء

 

لا شك في أنَّه كان هناك نشاط سياسي سري قبل انفجار الوضع الأمني في جنوب السُّودان العام 1983م، لكن لا أحد يستطيع على وجه الدقة تحديد متى بدأ هذا النشاط السياسي وسط قادة الأنيانيا السابقين والساسة الجنوبيين.  بيد أنَّ الشيء الذي يمكن تأكيده هو إفرازات هذا النشاط في تمرد بعض أفراد قوات الأنيانيا السابقين العام 1975م، حتى وإن لم يتم التنسيق بينهم.  كذلك إنَّه لمن المعلوم أنَّ اتفاق أديس أبابا لم يلب رغبات جميع المحاربين، بما فيهم النقيب حينئذٍ جون قرنق دي مابيور، وكان أكثر بنود الاتفاق التي وجدت رفضاً من النقيب جون قرنق هي الإجراءات الأمنيَّة.  وكذلك كانت الأوضاع الأمنيَّة التي بدأت تسوء في مناطق شرق أعالي النِّيل والبحيرات تنذر بكارثة وشيكة، حيث شهدت الأراضي الحدوديَّة في إثيوبيا مشاريع تنمويَّة على امتداد حدودها الغربيَّة مع السُّودان؛ إذ لم يحدث نظيرها، أو ما يشابهها في كثير أو قليل، في السُّودان.  وقد أثَّرت هذه المشاريع التنمويَّة في سلوك القبائل المحليَّة على امتداد الحدود، حيث رأى البعض أنَّه من الأجدر أن ينتموا إلى إثيوبيا، بدلاً من السُّودان.  ثمَّ كانت حملات "الكشة" – أي القبض على الناس في الشوارع العامة – السيئة السمعة، والتي كانت تتم على أساس عنصري ضد ممن تبدو ملامحهم إفريقيَّة أكثر منها عربيَّة.  وقد شعر هؤلاء المعتقلون المطرودون من المدن الشماليَّة بالإحباط والدونيَّة، وفقدان الثقة في أهل الشمال، الذين لم يعاملوهم كأخوتهم حتى تتقوى أواصر الوحدة الوطنيَّة التي طالما تشدَّقوا بها ردحاً من الزَّمان، بينما ولى الاستوائيُّون وجوههم شطر شرق إفريقيا.(24)  ومع ذلك، عملت الأسباب الآتية في اشتعال الحرب مرة أخرى واستفحالها واستطالتها:(25)

(1)     طبيعة نظام مايو الديكتاتورية قد أدَّت إلى تدخلات مستمرة من قبل الرئيس نميري في شؤون الأقاليم عامة والإقليم الجنوبي خاصة، بما يخالف روح ونص اتفاق أديس أبابا للعام 1972م.

(2)     إهمال الحكومة المركزيَّة التزاماتها الاقتصاديَّة والماليَّة تجاه الجنوب.

(3)     التظاهرات الطلابيَّة والشعبيَّة العارمة ضد مشروع قناة جونقلي العام 1974م.

(4)     الاختلاف حول موقع المصفاة الجديد للبترول السُّوداني، التي عزمت شركة شيفرون الأمريكيَّة إقامتها لاستغلال البترول العام 1980م، بين إقامة المصفاة في كوستي وإقامتها في بانتيو، ولكل دوافعه ومبرراته الاقتصاديَّة، ولئن أخفت الحكومة المركزيَّة في الخرطوم دوافعها السياسيَّة.

(5)     النزاع حول حدود المحافظات العام 1980م، حيث استقطع نميري أراضي بانتيو – الغنيَّة بالنفط – والأراضي الخصبة للزراعة الآليَّة في شمال أعالي النيل، ومحاولة دمجها في محافظتي جنوب كردفان والنيل الأبيض، على التوالي.

(6)     لم تُنفَّذ بعض بنود اتفاقيَّة أديس أبابا، وبخاصة فيما يختص بالمسألة الأمنيَّة؛ إذ لم يتم تجنيد الجنوبيين في القوات المسلَّحة السُّودانيَّة خلال الفترة (1972-1982م) باستثناء 270 جنديَّاً العام 1974م من جوبا.  وكذلك تمَّ تجاهل لوائح القبول بالكليَّة الحربيَّة، وعمل اللازم تجاه تنفيذ الاتفاق الخاص بإدخال الجنوبيين في القوات المسلَّحة بما يوازي 30% من مجموع المقبولين بالكليَّة الحربيَّة سنويَّاً، وبالعكس لم تتجاوز نسبة المقبولين من أبناء الجنوب بالكليَّة الحربيَّة خلال هذه السنوات 5%.

(7)     قيام نظام الرئيس نميري بتطبيقه البند الخاص بدمج القوات المسلَّحة العام 1982م دون تحضير كامل، مما أعطى انطباعاً لكثر من الجنوبيين بأنَّ نظام الخرطوم قد خرق الاتفاقيَّة، وهو الانطباع الذي استصحب بموجة عالية من الرفض والتمرُّد بلغ قمته في تمرُّد الكتيبة (105) التي كانت متمركزة في بور عندما رفضت تنفيذ قرار النقل، حيث وقع قتال بين القوات المسلحة التي أُرسِلت من جوبا من جهة، والكتيبة المتمرِّدة من جهة أخرى، وكذلك الحال بالنسبة لكتيبتي بيبور (104) وأيود.

(8)     القرار الجمهوري بتقسيم الإقليم الجنوبي، الذي أصدره الرئيس نميري وتعديل اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1983م بسبب المنافسة على منصب رئيس المجلس التنفيذي العالي بين أبيل ألير وجوزيف لاقو من ناحية، وبسبب التخوُّف من بقاء الجنوب ككتلة واحدة من ناحية أخرى، واحتمالات تأثيره على قرارات الحكومة المركزيَّة بسبب الموقف من أزمة المصفاة.

(9)     فرض القوانين الإسلاميَّة المعروفة بقوانين أيلول (سبتمبر) 1983م في جميع أرجاء البلاد، أي في نفس العام الذي فيه ظهرت الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.

(10)   كان من أشراط المصالحة الوطنيَّة بين نظام نميري والمعارضة الشماليَّة (الجبهة الوطنيَّة المتحدة) العام 1977م ما يلي:

1)      قيام ثلاث أقاليم في الجنوب، بدلاً من إقليم واحد.

2)      التمسك بالدستور الإسلامي، بدلاً من الدستور العلماني.

3)      إعادة النظر في الترتيبات الأمنيَّة المصاحبة لاتفاقيَّة أديس أبابا.

4)      تعيين رؤساء الأقاليم، بدلاً من انتخابهم.

5)      تضمين الدستور نصاً يحدِّد صراحة ديانة رئيس الإقليم الجنوبي بأن يكون مسلماً.

6)      إعادة ترتيبات العلاقات الماليَّة بين المركز والأقاليم.

ففي هذه الحرب الأهليَّة الثانيَّة التي اندلعت العام 1983م دخلت أقاليم أخرى في الصِّراع؛ إذ لم تعد الحرب شمالية-جنوبيَّة، بل أمست بين أهل الهامش أو ما كانوا يُعرفون بسكان "المناطق المقفولة" من جهة، والمركز المسيطر والثقافة والمهيمنة من جهة أخرى، ودخلت مفردات سياسية في هذا الأمر، ألا وهي المشاركة في السُّلطة السياسيَّة، وتوزيع الثروة القوميَّة، والارتقاء بالخدمات التنموية على نطاق واسع من القطر، وحقوق الأغيار في المشاريع الاقتصادية وغيرها.  وحسبنا أن نتساءل كيف يمكن تركيز الجهاز القضائي، الجَّيش، الخدمة العامة، الشؤون الخارجيَّة، الهيئة التَّشريعيَّة، المؤسَّسات الاقتصاديَّة والتَّجاريَّة في فئة قليلة – وفي منطقة جغرافيَّة بعينها - تنعت نفسها بالعروبة والإسلام دون الآخرين، مما أوغر في صدور الأغيار الشُّعور بالإحباط والتَّململ، وهكذا بدأوا يكدحون كدحاً في هذه الأحوال المليئة بالجُّور، وأخذوا يسألون بإلحاح عن نصيبٍ لهم حول المائدة السياسيَّة.  وعندما تبنَّت الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان مبدأ تحرير السُّودان في طرحها استهزأ أهل الشمال هذا الطرح، واستهجنوه وطفقوا يتساءلون تهكماً: تحرير السُّودان من مَنْ؟  فلم تأت الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان من العرب والمسلمين كما يزعمون، بل جاءت لتحرير السُّودان من الأفكار المتخلِّفة والرجعيَّة التي ترسَّبت في أذهان الذين يعملون على إقصاء الآخر وتهميشه، وتحرير السُّودان من الفساد والمحسوبيَّة والعنصريَّة والقبليَّة والظلم والاضطهاد والديكتاتوريَّة والهيمنة والاستبداد وتسلُّط الفرد وحكم القبيلة والجهويَّة والطائفيَّة والشموليَّة، ولتحرير السُّودان من النفعيين المستغلين والظالمين الذين ينهبون ثرواته، وينهشون لحم المواطنين البسطاء وينخرون عظامه ويشربون دمه، ولتحرير السُّودان من الذين يفرِّقون بين أبناء الوطن الواحد بتكريس سياسة "فرِّق تسد" الاستعماريَّة.  وتبنَّت الحركة الشعبيَّة في أدبياتها السياسيَّة المساواة والعدالة والوحدة، وتوزيع الثروات توزيعاً عادلاً، من دون اعتبار للون أو عرق أو دين أو جهة أو جنس أو لغة.  هذا، وقد قال الدكتور جون قرنق بالحرف الواحد، وأكثر من مرة: "نحن لم نقصد تحرير السُّودان من منو، بل تحرير السُّودان من شنو – أي ليس تحرير السُّودان ممن، بل تحرير السُّودان مم (من ماذا؟)."  هذا، وقد قصدت الحركة تحرير إرادة أبناء السُّودان، وتحرير عقولهم من التعصب من أجل بناء دولة عصريَّة للجميع على معطيات وحقائق الواقع السُّوداني ليجد كل مواطن سوداني مكانه فيها لا على الوهم والتضليل، ولا على الظلم والأباطيل.

فحين استقال محمد أحمد محجوب وصالح عبد القادر وأحمد يوسف هاشم من الجمعيَّة التشريعيَّة، وأُطلق عليهم يومذاك اسم الفرسان الثلاثة، كوَّنوا مع آخرين ما سُمِّي بهيئة تحرير السُّودان ومن بين أهدافها محاربة الطائفيَّة.  حينئذٍ رأى أهل الشمال في هذا الأمر شيئاً عاديَّاً طالما لم يأت من قادة جنوبيين.  وكما أبان جون لوك "كل الأفكار الجديدة يشتبه فيها، ثمَّ تُقاوم لا لسبب إلا لأنَّها لم تعد بعد عاديَّة."  فالشيء الجديد وغير العادي في هذا الأمر هو أنَّه جاء من أهل الجنوب.  إذن، ما فعلته الحركة الشعبيَّة هو تفعيل مصطلح موجود في الأساس في تأريخ السُّودان المعاصر، وذلكم هو التفسير التأريخي للواقع السُّوداني.  ثمَّ كانت مسألة الهُويَّة السُّودانيَّة أحد الإشكالات الشائكة، لأنَّها أمست أداة طاردة وهي كانت السبيل – وما تزال – إلى الحروب الأهليَّة والإبادة الجماعيَّة في السُّودان، لكن هو الطرف المسكوت عنه في الصِّراع السياسي-العسكري.  وقد أبان الدكتور فرانسيس دينج في مقدِّمته لكتابه "بذرة الخلاص" (Seeds of Redemption) "أنَّ كتابته نابعة من إيمان عميق بأنَّ ما يفرِّق السُّودانيين ثقافيَّاً وعنصريَّاً هو في الأغلب أسطورة نمت وتطوَّرت نتيجة لتأريخ طويل من التفرقة والطبقيَّة، ويؤمن الكاتب أنَّه لا سبيل أمام السُّودانيين جميعاً إلا أن يتعايشوا كأمة واحدة؛ فهو يكتب عن اقتناع بأنَّ التمازج العرقي والثقافي في السُّودان ليس فقط حقيقة واقعة، بل هو مصدر إثراء وقوة، ويجب علينا في النهاية أن نسعى بشدة لخلق شعور جماعي لمعنى وجودنا."(26)  وفي كتاب آخر – "حرب الرؤى.. نزاع الهُّويَّات في السُّودان" – صُدِر له اشتعل الدكتور دينج منهج الكتاب في البحث في أحد أكثر الأسئلة حرقاً في السُّودان" سؤال الهُّويَّة، "باعتبارها أس الصراع في السُّودان والمحور المفصلي للأزمة الوطنيَّة الشاملة."  وقد أشار الدكتور دينج في تقديمه لهذا الكتاب إلى "أنَّ نزاع الهُويَّة يحدث في إطار الدولة عندما تتمرَّد مجموعات، أو بمعنى أدق عندما يتمرَّد مثقفوها ضد ما يرونه اضطهاداً غير محتمل، تمارسه المجموعات المهيمنة، ويتم التعبير عنه بعدم الاعتراف، والإبعاد عن مجريات الأحداث والتَّهميش، وربما يعبِّر عنه أيضاً بالتهديد بالتدمير الثقافي، أو حتى بالتصفية الجسديَّة."  ويتمثَّل العامل الرئيس في هذا المشكل في السياق التأريخي الذي تبلور في سودان ما بعد الاستقلال باعتبار السُّودان قطراً عربيَّاً، والشيء الذي تبدو تداعياته على نظام التعليم والبرامج الثقافيَّة والعلاقات الخارجيَّة.  ولكن كل الحجج "توكِّد بأنَّ التكوين الجيني للبلاد لا يقدِّم أي سند لادعاءات النقاء العرقي والثقافي، ناهيك عن التفوق.  ويعود ذلك إلى وجود عنصر إفريقي مؤثِّر في الشمال يربط السكان بالمجموعات غير العربيَّة داخل الشمال والجنوب، ولهذا فإنَّ الهويَّة الإفريقيَّة لتقدِّم القاسم المشترك الذي يمكن أن تقوم عليه هُويَّة وطنيَّة موحَّدة."  ويمضي الدكتور دينج بالقول: "إنَّ الرسالة التي تحتويها هذه الحجة لتعبِّر عن حقيقة مرة يصعب تقبلها من قبل الذين التزموا بالهُّويَّة العربيَّة.  فهي تعني تذكير الشماليين بأنَّ ما ظلوا يحملونه من مفاهيم الهُويَّة العربيَّة ما هو إلا وهماً وخيالاً، وإنَّها لادعاءات تفتقر إلى السند الوراثي والتأريخي، ثم إنَّها أدَّت إلى انقسام البلاد بصورة يصعب احتمالها."  وهؤلاء السُّودانيُّون المستعربون مضطرون إلى إبراز هذا الغلو اضطراراً ليثبتوا – أو يحاولوا أن يثبتوا – فضلهم على القوميات السُّودانيَّة المغلوبة على أمرها، واضطرارهم يشتد ويزداد شدّة بمقدار ما يفقدون من السلطان السياسي، أو بمقدار ما كادوا يفقدونه، ثمَّ بمقدار ما ترفع هذه القوميات المغلوبة رؤوسها.  هذا، وقد بحث في أمر هؤلاء السُّودانيين الدكتور الباقر عفيف مختار ونعت تماهيهم ب"متاهة شعب أسود ذو ثقافة بيضاء."

وفي هذا الإطار يعبِّر الدكتور لام أكول أجاوين عن هذا الواقع السُّوداني بالقول: "(إنَّ) أزمة الهُويَّة الناتجة عن التنوع الثقافي والعرقي، وشعور الجماعات المهمشة بالاضطهاد والاستعباد من جانب الجماعات المسيطرة على مقدرات الدولة، ولدت مشاعر الاستياء والسخط؛ وكإفراز لذلك تنشأ داخل الجماعات المهمشة حركات سياسيَّة واجتماعيَّة ترمي إلى (إحدى الأمرين): إما تخليص الجماعة من نير الاضطهاد وعدم المساواة، وإما الانفصال بها عن مجتمع لا يعبِّر عن هُويَّتها؛ وتلك الحركات غالباً ما تلجأ إلى استخدام كافة وسائل العنف في سبيل بلوغ غاياتها."(27) هذه الكارثة الاجتماعيَّة-السياسيَّة التي ابتلي بها السُّودان هي التي يسميها البعض "مشكل الهُويَّة"، ويصفها البعض الآخر ب"جدليَّة المركز والهامش"، ويصنفها الآخرون ب"الصراع بين الخرطوم والتخوم"، أو " النزاع بين العروبة والإسلام من جهة، والإفريقيَّة والمسيحيَّة والأديان الإفريقيَّة من جهة أخرى".  فعندما طرحت الحركة الشَّعبية والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان - ولأول مرة في تأريخ السُّودان الحديث - فكرة تحديد هويَّة الدولة قبل تحديد الحلول للمشكلات التي تواجه السُّودان، انبرى البعض إلى اتِّهامها بأنَّها حركة عنصريَّة تارة، وغير جادة في معالجة أوضاع السُّودان المستفحلة تارة أخرى.  وما قولهم هذا إلاَّ لأنَّ تحديد الهوية يفرض عليهم إعادة النَّظر في مواقفهم من الدِّين والدَّولة، والعروبة والأفرقنة وهلمجرَّاً.  ثمَّ قد يلجأ المؤتمرون - لو قدر للمؤتمر الدستوري القومي أن يُعقد - إلى مناقشة قضايا وأفكار يعتبرها البعض مسلَّمات غير قابلة للنِّقاش، مثل "عروبة" أهل السُّودان ثقافة وجنساً، وإسلاميتهم عقيدة وإيماناً.  كان علينا - نحن معشر السُّودانيين - أن نسأل أنفسنا صراحة السُّؤال التَّالي؟  إلى أية منظومة حضارية ننتمي؟  وبعبارة أخري، هل يمكن أن نفهم المشكلات الرَّاهنة في بلادنا بمعزل عن استيعاب تاريخنا القديم والحديث ومعتقداتنا وتقاليدنا وماضينا التَّليد والطارف؟  و"مَنْ نحن" سؤال يطرحه السُّودانيُّون على أنفسهم في سياق أزمة بدأت وبدت تهدِّد وجودهم الشخصي أو الاجتماعي أو الوظيفي أو السياسي، وهو بذاته سؤال "الهُويَّة" الذي يثور – أو بالأحرى يُثار – على المستوى القومي أو العرقي أو الأثني حين استشعرت الجماعة المعنيَّة خطراً يتهدَّد وجودهم.  وليس تساؤلنا "مَنْ نحن" نابعاً من مجرد الرغبة في إعادة التعرُّف على الذات، برغم من أهميَّة ذلك لدي الذين ينتابهم شك مريب في ذاتهم، بل تعور أهميَّة السؤال إلى التأكيد على الذات المتأصل فينا وعليه نشأنا وترعرعنا.

أيَّاً كان الأمر، فقد حدَّد مانيفستو الحركة الشَّعبيَّة الذي أُعلن في تموز (يوليو) 1983م أنَّ الحركة تهدف إلى إعادة صياغة العلاقات السياسيَّة-الاجتماعيَّة داخل المجتمع السُّوداني من أجل خلق السُّودان الجديد.  وفي ورقة تحديد السياسة العامة التي صدرت في الثَّالث من آذار (مارس) العام 1984م أعلن قائد الحركة الشَّعبيَّة – الدكتور جون قرنق - أنَّ التسوُّس والتآكل الأخلاقي وكل أمراض السُّودان لا يمكن معالجتها إلا في إطار السُّودان الموحَّد.  وقد تمَّ تكرار هذا المعنى في حديث رئيس ومفتاحي في 22 آذار (مارس) 1985م، حيث حدَّد الأهداف السياسيَّة الأساس فيما يلي:

(1)     التزام الحركة بتحرير السُّودان، وبوحدة شعبه وأراضيه.

(2)     الالتزام بتأسيس وخلق سودان جديد وديمقراطي.

(3)     الالتزام بمعالجة الإشكالات الوطنيَّة والدينيَّة بشكل يرضي كل المواطنين السُّودانيين في إطار ديمقراطي وعلماني.

(4)     الوقوف مع قيام حكم ذاتي حقيقي أو نظام فيديرالي لكل مناطق السُّودان.

(5)     الالتزام بعمليَّة إعادة البناء الجذريَّة لسلطة الحكومة المركزيَّة بشكل يعالج – وبشكل نهائي وأساس – تمركز السُّلطة في أيدي أيَّة مجموعة.

هذا، "فقد أحدث الدكتور جون قرنق انقلاباً جوهريَّاً في مفهوم الحركة السياسيَّة الجنوبيَّة التي ظلَّت تدور حول حصول الجنوب على قدر من الاستقلال بأقدار تفاوتت بداية من الفيديراليَّة وانتهاءاً بالانفصال من السلطة المركزيَّة المعقود لواؤها بيد الشماليين منذ الاستقلال.  غير أنَّ رؤية قرنق لقضيَّة الجنوب لا تؤمن بما استقرَّ في الوعي الجنوبي من إقرار بأنَّ السُّودان للشماليين، وأنَّ حل قضيَّتهم هو الفكاك لا الارتباط، لقد كان رهان قرنق هو رفض الاستسلام لهذا الواقع، بل تفكيكه وإعادة تركيبه وفق معادلة جديدة لا يكون فيها الجنوبيُّون ضيوفاً على السُّلطة المركزيَّة، بل شركاء أصليين فيها."(28)  برغم من ذلك كله لم يأخذ كل النَّاس تعهدات الحركة بالوحدة مأخذ الجد، ومن بين هؤلاء ساسة الحكومات المتعاقبة في الخرطوم.  فقد أُثيرت العديد من الاتهامات والإشاعات والشكوك هنا وهناك حول مدى إخلاص واقتناع والتزام الحركة بالمحافظة على وحدة التراب السُّوداني؛ ومع ذلك، كان الدكتور قرنق يدفع عن رؤى الحركة ما أُلصِقت بها من تشوهات، وما لحقها من افتئات في سياق الصِّراع السياسي في السُّودان.  وهناك مثالان يوضِّحان ذلك الافتئات:

(1)     كانت إحدى الروايات تقول إنَّ الحركة الشَّعبيَّة عبر توسلها بالوحدة فإنَّها لتظهر الحرص، لأنَّها تحتاج لتأييد إثيوبيا التي كانت في ذلك الوقت تحارب الانفصاليين في إريتريا.  ومن ناحية أخرى لا تريد أن تعزل نفسها من بقيَّة دول القارة الإفريقيَّة التي ظلَّت سياستها دائماً تؤكِّد على المحافظة على الحدود التي وُرِثت من الحقبة الاستعماريَّة لدولها.  وكانت تجربة "الأنيانيا" في السُّودان و"البيافرا" في نيجيريا قد أوحت للحركة الشَّعبيَّة بأنَّ منظَّمة الوحدة الإفريقيَّة لن تتعاطف مع أيَّة منظَّمات انفصاليَّة، كما أنَّ القانون الدَّولي يضع سيادة الدول على أراضيها فوق وقبل كل شروط الحكم الصالح.  كما أنَّ الأمم المتحدة تعتبر كل النِّزاعات الأهليَّة شؤوناً داخليَّة للدول المعنيَّة.

(2)     كانت النظريَّة الثانية تقول إنَّ الحركة الشَّعبيَّة لتخادع بحمل راية الوحدة، فهي تريد بذلك أن تجرِّد الحكومة السُّودانيَّة من محاولة إصباغ الشرعيَّة على الحرب باعتبارها دفاعاً عن وحدة التراب، فيما تعمل (الحركة) في الوقت نفسه على فصل الجنوب دون أن تتحدَّث عن ذلك.

وفي سبيل لهث الحركة وراء وحدة القطر شعباً وأرضاً وتمني يقول ستيفن وندو – ممثل الحركة الشَّعبيَّة في الولايات المتحدة الأمريكيَّة في التسعينيَّات – "إنَّ الحركة الشَّعبيَّة كانت عرضة للسخريَّة من بعض الجنوبيين الذين كانوا يقارنوها بالعانس التي تتوسل بلا ملل من أجل الزواج بمن ليس لديه الرَّغبة في ذلك.  وكان آخرون يتساءلون لماذا ينزف الجنوب بالملايين من أجل وحدة السُّودان، التي لم تعطهم شيئاً سوى البؤس؟  وكان آخرون يجادلون بأنَّ عدم استجابة الشماليين لدعوة الحركة سببها أنَّهم لم يقاسوا بما يكفي من النِّظام الحالي حتى يجدوا دافعاً للعمل المسلَّح.  وطبقاً لهذه المدرسة فإنَّ من العبث أن تحاول تحرير أُناس لا يحسُّون بأنَّهم مظلومون؛ وإذا كان لديهم هذا الإحساس فإنَّهم لن يحتاجوا للوخز والحث المستمرَّين."  فلقد وجدنا تصريحات الدكتور حسين سليمان أبو صالح – وزير خارجيَّة حكومة السيِّد الصَّادق المهدي و"الإنقاذ" لاحقاً – توضِّح في أمقت ما يكون التَّوضيح العنصرية اللئيمة عند عرب أهل السُّودان.  فماذا قال الدكتور أبو صالح: صرَّح أبو صالح قائلاً: "إنَّ الأغلبيَّة ممن يموتون في حرب الجنوب هم من الجنوبيين، والمدارس والمزارع والمستشفيات التي يتم تدميرها كلها في الجنوب، إذن فمن مصلحة الحركة الشَّعبيَّة – لا الحكومة – أن يتم وضع حد لهذه الحرب بلا نهاية."(29)  وقد سبق أن صرَّح السيِّد الصادق المهدي بمثل هذه التصريحات، مما دفع الدكتور وولتر كونيجوك (من حزب المؤتمر السُّوداني الإفريقي) أن يقدِّم استقالته من حكومته في الثمانينيَّات.  هذه نظرة عنصريَّة مقيتة، وهي التي تقسِّم الشَّعب السُّوداني إلى فئتين: فئة تنال الاستحقاق واهتمام الحكومة، وفئة أخرى تُحظى بالاستحقار واللامبالاة حتى إذا أُبيدت عن بكر أبيها.

على أي، فقد رفعت الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان منذ العام 1983م شعار "بناء السُّودان الجديد".  فما هي الملامح الأساسيَّة لهذا الشعار أو التصوُّر الذي يمكن أن يصبح واقعاً معاشاً؟ ولكيما نفهم المراد من تعبير "السُّودان الجديد" لا بد من أن نحدِّد ما هو السلبي في "السُّودان القديم"؟  فالقديم نعني به الأسلوب الذي ظل يُحكَم به السُّودان منذ الاستقلال العام 1956م، والمفاهيم السياسيَّة والثقافيَّة التي ظلَّت تسود الحياة العامة في تلك الفترة.  السُّودان القديم قام على التَّهميش السياسي والاقتصادي لمجموعات وطنيَّة كبيرة، وهو أمر عبَّرت عنه هذه المجموعات بصورة أو بأخرى فنُعتوا بالعنصريَّة، وشمل هذا النعت المقيت أهل الجنوب (متمرِّدي الأنيانيا)، أهل دارفور (حركة اللهيب الأحمر، حركة سوني، وجبهة نهضة دارفور)، النُّوبة (اتحاد عام جبال النُّوبة والحزب القومي السُّوداني)، والبجة (مؤتمر البجة) وغيرهم.  وليس صحيحاً الادعاءات أنَّ الظروف التأريخيَّة هي التي أدَّت إلى تكريس النمو الاقتصادي والسيطرة السياسيّة في الشمال "الخرطومي"، لأنَّ ذلك لم يكن عفواً، بل إنَّ الأنظمة المتعاقبة لم تقدم على إعادة هيكلة السُّلطة السياسيَّة، والثروة القوميَّة، حتى تنهي هذه المظالم.  والقديم أيضاً سعى لأن يقيم الدولة السُّودانيَّة على أساس عرقي وديني، عربي وإسلامي برغم من أنَّ هذين العاملين لا يجمعان كل أهل السُّودان، فبين أهل السُّودان من هو ليس بمسلم، ومن هو ليس بعربي كذلك.  الرباط الذي يجمعنا – نحن معشر السُّودانيين – هو السُّودانويَّة (Sudanism)، وهذا هو ما أسميناه بالهُويَّة المبتغاة.  وفي هذا الصدد يقول إدوارد سعيد – الكاتب الفلسطيني الذائع الصيت، والذي رحل عن دنيانا – إنَّ الدولة التي تُبنى كليَّاً على أثنية عرقيَّة ودينيَّة لتحطِّم الحقيقة التأريخيَّة القديمة التي تقول إنَّ الثقافات والحضارات لتعتمد على بعضها بعضاً، وتسري من بعضها إلى بعض، وهذه نظرة عالميَّة (Cosmopolitan vision) لمفهوم الهُويَّة.

برغم من أنَّ القوميَّة العربيَّة في السُّودان لا يُذكر إلا بالأفكار المفتقرة إلى الواقعيَّة، وبرغم من أنَّه – لذلك كذلك – متورِّطة بشكل كبير في إنتاج مشكلات السُّودان السياسيَّة الراهنة من حرب تُشن باسمها، إلا أنَّ أصحابها ما فتأوا يمجِّدونها كأعظم ما يكون التمجيد على حساب الدولة السُّودانيَّة والانتماء الذاتي المحلي.  وهنا تبرز المقارنة بين القوميَّة الذاتية والقوميَّة المقابلة، وتعالي الثانية الجارحة والفارغة على الأولى، وهذا الموقف - في أسوأ حالاته – يفضي إلى فرضيات عدائيَّة ضد الهويَّة العربيَّة داخل السُّودان ذاته، لأنَّها تنخرط في الهجوم على القوميات المحليَّة الأخرى.  إذن، إنَّ إنشاء تعريف هُويَّة قوميَّة ليحتاج أولاً إلى دراسات علميَّة شديدة الصراحة والصدق مع النفس قبل الآخر، بحيث تُطبَّق لا على الواجهات السياسيَّة للبلد فحسب، والتي ترفض استنطاق الشارع، وتحرص على إبقاء ميوله في الظل، وتزوِّر صوته وصورته بما يلائمها، ولكن على الناس، أي الشعب – عموم الشعب – حتى تخرج بنتائج عقلانيَّة حول ترديدات المفاهيم والخيارات والسلوكيات والمواقف والميول الحقيقيَّة لهذا الشعب السُّوداني.  وليس في مستوى أحد من أدعياء عروبة السُّودان أن ينزل إلى الشارع عياناً بياناً ويكشف عن انتمائه المزعوم إلى القوميَّة العربيَّة في أي بلد عربي دون أن يُتَّهم بأنَّه مصاب بهذيان عظمة الذات أو محض افتراء على الجيران الآخرين.  هذا وقد اشتط بعض السُّودانيين وغالوا غلواً جعلهم يصطبغون هُويَّة القارة الإفريقيَّة كلها بالعروبة والإسلام.  فقد قال قائلهم عن جذور تعريف "الزنج" و"العروبة" و"السُّودان" إنَّه "لم تكن إفريقيا لتعني الزنج، ولم تكن تعني السُّودان، وهي إشارة لإقليم، والانتماء للقارة، لا لأي جنس من البشر، انتماء إقليمي بحت؛ أمَّا الزنج فهم مجموعة من السُّودان العرب، (و) في تعريفهم للناس كانوا يتحدَّثون عن البيضان أو البيض، وعن السُّود باعتبار أنَّهم يقعون بين الاثنين، هم ليسوا سوداً وليسوا بيضاً، ومن ثَمَّ يتحدَّثون عن السُّودان وعن البيضان."(30)  ولا نخال أنَّ كل من لديه عقل صائب وبصر حديد يمكن أن يصدِّق قول القائل إنَّ اللون الأسود ليقع بين الأبيض والأسود نفسه، إلا إذا كان به مس من الشيطان، أو عندما لا يستطيع الذهن أن يتبيَّن طريقه بوضوح.

وفي ميثاق الحزب الاتحادي الديمقراطي "يؤكِّد الحزب الاتحادي الديمقراطي أنَّ السُّودان جزء لا يتجزأ من الأمة العربيَّة الواحدة، وهو امتدادا طبيعي للوطن العربي الكبير"، كما يحرص الحزب على "تعريب وتوحيد مختلف القوانين والتشريعات والقواعد والمقاييس والأسس بين البلاد العربيَّة، وتوحيد البرامج التعليميَّة فيها حتى تتوفَّر للوحدة العربيَّة الشَّاملة الأرضيَّة الصلبة التي تقوم عليها".(31)  فالذين يتحدَّثون اللغة العربيَّة، كغيرها من اللغات العابرة للقارات، ينبغي ألا تأخذهم الظنون – وإنَّ بعض الظن إثم – أنَّهم عرب.  وإن كان الأمر كذلك فما بال المستشرقين الذين تعج بهم الساحات الأكاديميَّة في دول الغرب، ويتحدَّثون لغة الضاد بفصاحة فائقة، ويجيدون علم النحو والبيان والبديع وغيرها من فنون اللغة العربيَّة.  فليسوا بعرب في شيء، فاللغة العربيَّة كغيرها من اللغات الحية يمكن أن يتعلَّمها المرء ويحسن استخدامها.  إنَّ اللغة وحدها غير كفيلة بتحديد الهُويَّة، إذ ينبغي أن تقترن اللغة بعوامل أخرى استرسلنا فيها في كتابات سابقة.  فقد هاجر سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام من مسقط رأسه في نينوى بالقرب من فارس (إيران حاليَّاً)، فمرَّ بفلسطين ومصر وأخيراً أسكن ذريَّته في وادي غير ذي زرع – أي مكة المكرمة – فنسي ذريته لغة أهلهم الفارسيَّة، وتكلَّموا العربيَّة، ومن ثَمَّ شب بنوه يتحدَّثون اللغة الجديدة المكتسبة من البيئة الجديدة، ومنذئذٍ سموا بالعرب المستعربة.  بيد أنَّهم لم ينتموا إلى هويَّة أجدادهم الأولين، بل استنبطوا هويَّتهم من البيئة الجديدة التي أقاموا فيها نازلين، وأخذوا تقاليدهم وموروثاتهم من هذه البقعة من الأرض التي فيها استوطنوا وفيها استحسنوا المعاش.  كان من باب البداهة أن تتماهى العرب المستعربة في السُّودان مع التوجه الإفريقي ليس لأنَّهم نشأوا على تربة إفريقيَّة فحسب، بل لأنَّ هناك دماءاً إفريقيَّة تجري في شرايينهم وأوردتهم، فضلاً عم سحناتهم وملامحهم الإفريقيَّة، وذلك بحكم المصاهرة التي جمعتهم مع الأفارقة.  بيد أنَّهم تنكَّروا لهذا الواقع الماثل، والذي لا يخطئه بصر، وأصبح هذا التنكر سمة لكل من أتى إلى السُّودان حتى من دول الجوار الإفريقي، حيث نجده قد ترك إفريقيَّته وادَّعى العروبة.  وهذا ما حدث للبقَّارة في السُّودان بناءاً على نظريَّة "عقدة تقليد المغلوب للغالب" لأنَّه يشعر بالنَّقص أمامه وبالكمال عند الغالب.  هكذا نجد أنَّ قبائل البقَّارة الرعويَّة قد هاجروا من نيجيريا إلى السُّودان برغم من أنَّهم لا يحتفظون بتقاليد شخصيَّة عن أصولهم الغرب-إفريقيَّة، وجاءت مصادر علمنا بتلك الهجرة من القبائل المجاورة أو من خلال الرحَّالة العرب.(32)  فاليوم يتحدَّث البقَّارة اللغة العربيَّة التي اكتسبوها في السُّودان، لا لغة الفولبي لغة أجدادهم الأوائل.  ولعلّ هذا يوضح كأكثر ما يكون الإيضاح أنَّ الانتماء للعروبة له جاذبيَّة لا سبيل إلى مقاومتها إلا عند أولي العزم، وذلك لما يتبعه من الإيثار بالسلطة السياسيَّة، والثروة القوميَّة، والوضع الاجتماعي الخاص.  إذن، لا البقَّارة عرب بالأصول ولا بالملامح والعادات والتقاليد وغيرها، بل هم أقرب إلى الأفارقة (النُّوبة) منها إلى العرب، ولعلَّ الأجنبي يجد المشقة الشاقة والعسر العسير في التفريق بين المجموعتين، وعلام الشجار بينهما؟  أولم يكن من الأجدر لهؤلاء المهاجرين إلى السُّودان حديثاً من حيث أتوا أن يدينوا بالولاء "الهُويَّوي" لأرض السُّودان التي عليها أنشأهم الخالق البارئ وفيها يعيدهم؟!  غير أنَّهم اختاروا أن يكونوا عرباً أكثر من العرب الأقحاح أنفسهم، مثلهم كمثل البعيد الذي بات يبكى بأعلى صوته أكثر من أهل الفقيد – أي كما تقول الفرنجة (The outsider who wept louder than the bereaved).

فلا مُراء في أنَّ أيَّة مجموعة تعيش تحت ظروف مغايرة، وهي تواجه واقعاً يتحتَّم عليها إعادة اختراع نفسها، تتقهقر إلى الوراء، مستعينة بملامح مجرَّدة ومبالغة فيها عن الهُويَّة الماضيويَّة.  وهي فوق ذلك، تصر عادة على الاستمرار فيما باتت أشلاءاً مبعثرة، لكنها محشوة بنسيج اجتماعي كبير عن تعاضد وتكافل ماضيويين.  وتلك الهُويَّة الماضيويَّة نفسها ربما كانت مشحونة بالنزاعات والتناقضات.  فالهُويَّة عند العرب المستعربة في السُّودان ليست هي ولاء صادق لإخوة العروبة في بلاد العرب، بل اقتناء ثقافي استنساخي لخدمة الدالة البرجماتيَّة في سبيل الحصول على الموارد الماديَّة والفرص الانتهازيَّة، كما هي الحال مع المؤلفة قلوبهم.  إذن ما الذي ينشأ من هذا الوضع المستريب؟  لا ريب في أنَّ مثل هذا الوضع يُولد احتكاكات اجتماعيَّة محسوسة، وليس لها من الاعتراف قدر كبير.  هذه هي حال العروبة المزعومة في السُّودان.  وقد آن الأوان على السُّودانيين أن يتعاملوا – وبصورة واضحة – مع قضيَّة العروبيَّة وتأثيراتها الاجتماعيَّة والسياسيَّة، وذلك بمفهوم أنَّها واقع مؤسف له تداعياته السلبيَّة على مسيرة الدولة السُّودانيَّة.  وقد حان الحين كذلك ألا نغض الطرف عن هذا الأمر الكبير، وينبغي على أصحاب مزاعم الانتماء العروبي أن يعيدوا النظر في هذا الادعاء – أو على الأقل – بصورة أخف من الطرح المكثَّف الموجود الآن وقبل الآن.  ودعوتنا هذه نابعة من يقيننا أنَّ الغالبية الساحقة من السُّودانيين هم من أصول غير عربيَّة أصلاً وتأريخيَّاً حتى أقصى شمال السُّودان - البوابة الحضاريَّة لتأريخ السُّودان الحديث – وشرق السّودان.

برغم من أنَّ التعدديَّة السياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة هي الوضع الأمثل لدولة كالسُّودان، إلا أنَّ الأحاديَّة والشموليَّة والسلطة المطلقة والاحتكاريَّة والهيمنة من رؤية بعينها وثقافة معيَّنة وجماعة معلومة هي الميزات التي انبنى عليها "السُّودان القديم".  وما الفترات الديمقراطيَّة التي تعقب عهود الديكتاتوريات العسكريَّة، إلا تغييراً في الرموز مع الإبقاء على الإيديولوجيَّة السائدة والشعارات الدينيَّة والأثنيَّة وهلمجرَّاً.  لذلك قال قائل من أهل السُّودان: "فالكمبلا وكرنق والمردوم والدرملي - أي أجمل الرقصات الشعبيَّة وأكثرها جماهيريَّة وتعبيراً وجمالاً في السُّودان – لا تظهر إلا كخلفيات مكمِّلة لموضوعات أخرى أو لأغراض الدعاية، وكأنَّ تراث منطقة جبال النُّوبة بتنوعه وتراثه يصيب هذه الأجهزة البراقة، ويدمغها بالتخلُّف إن عُرِضت قرون البقر على الرؤوس والكشكوش والرهط المتدلي من السيور على أصلاب الرجال برغم من أنَّه حقيقة."  ذلك لأنَّ هناك علاقة بين "الانتصار الثقافي" – أو بالأحرى "التعالي الثقافي"، الذي يتجنَّب أي تثاقف (تواصل، تفاعل أو حوار) - وبين التعصُّب.  ويستطرد قائلنا: "وفي الوقت الذي يبحث فيه المواطن المترف في الخرطوم عبر الفضائيات عن المصارعة الحرة، نجد أنَّ المصارعة السُّودانيَّة أجمل وأرقى ممارسة وأقل عنفاً، وقلَّ أن تجد من يوثِّقها كتراث نقدِّمه للآخرين."  ولم يزل صاحبنا يردِّد: "وكذلك نجد أنَّ اللغات المحليَّة تختزن تراثاً عظيماً ينبغي المحافظة عليه ورعايته، حتى نحتفي بمقولة "في التنوُّع والتعدُّد توحُّد وثراء"، وبدون هذا الكم المتنوع، وإتاحة الفرص المتوازنة لإظهارها والتَّعبير عنها في المنابر الجماهيريَّة المختلفة، لا يمكن القول إنَّنا لصادقون في سعينا للوحدة وتقوية النسيج الاجتماعي."  ويخلص إلى القول: "إنَّ الغلو الذي شاب العمليَّة التعليميَّة في السُّودان تمثَّل في إهمال القائمين – عن سبق الإصرار والقصد – على سياسات التعليم لخصوصيَّة مناطق البلد المختلفة وتعقيداتها، مما تيقَّن أبناء هذه المناطق أنَّ الدولة تسعى لمحو لغات أهليهم، وفرض الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة عليهم قسراً."(33)  فاللغة والتأريخ، إذن، يكوِّنان العاملين الأكثر أهميَّة في تحديد هويَّة الأمة الثقافيَّة والسياسيَّة.  وعليه فإنَّ الإطار التأريخي هو الأهم في تحديد المفهوم المشار إليه من ناحية، وفي إثارة المشاعر الوطنيَّة لأمة من الأمم من ناحية أخرى.  وقد كتب سامي سالم – رحمه الله رحمة واسعة - قائلاً: "بذل العقل السُّوداني جهداً خلاقاً في تشريح إشكاليات الثقافة السُّودانيَّة، وقد استقرَّت مجادلاته الخصبة في أنَّ "التعدد الثقافي" يمثِّل الحقيقة الجوهريَّة، والثابت الأساس في خريطة هذه الثقافة.  وبناءاً على هذا التشريح استيقنت رؤاه بأنَّ "الديمقراطيَّة الثقافيَّة" تمثِّل المدخل الصحيح لإطراد التفاعل بين المجموعات التي تشكِّل هذه الثقافة".(34)

فما هي الثقافة، إذن؟  إنَّ أشهر تعريف للثقافة هو ما قال به العالم الإنكليزي تايلور من "إنَّها ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والقيم والعادات والتقاليد وطرائق التفكير وأسلوب الحياة، التي تسود مجتمعاً من المجتمعات الإنسانيَّة، والتي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع.  والثقافة لها شقان: مادي ومعنوي؛ فالمادي هو كل محسوس ومنتج وصناعي أو تكنولوجي نجم عن خصيصة اجتماعيَّة متفرِّدة كالمباني والملابس."  أما المعنوي (غير المحسوس) فيشتمل على الفنون كالغناء والشعر والمعاني وغيرها.  وعلى ضوء هذا التعريف ظهرت مفاهيم جديدة "كالفجوة الثقافيَّة" (Cultural gap)، بناءاً على فكرة الفصل بين المادي والمعنوي، وإعطاء أهميَّة للمادي و"الصناعي" مع الافتراض بأنَّه لا بد من وجود توازن بين المجالين المادي والمعنوي؛ وأي إخلال في هذه العلاقة يحدث فجوة ثقافيَّة لا بدّ من سدها، وإلا تأخَّرت مسيرة تطور المجتمع.  وأعظم ما أسدى معروفاً للتعريف الحديث للثقافة عالم الاجتماع النرويجي "فردريك بارث"، والذي قام بدراسات حقليَّة مكثَّفة في السُّودان وإيران وأفغانستان وباكستان وعمان، ودرَّس في مناطق جنوب-شرق آسيا ومجموعة غينيا الجديدة وجزيرة مالي.  وحسبنا أن نذكر هنا أنَّ تعريف بارث للثقافة يقوم على ثلاثة عناصر أساسيَّة وهي: البيئة الطبيعيَّة، والتنظيم الاجتماعي، والأفكار والعادات والتقاليد، بما فيها الطقوس أو الشعائر المختلفة والأفكار الفنيَّة والدينيَّة.  وإنَّ تعريف بارث للثقافة ليقوم على ثلاثة عناصر أساسيَّة هي: البيئة الطبيعيَّة، التنظيم الاجتماعي، والأفكار والعادات والتقاليد، بما فيها الطقوس أو الشعائر المختلفة والأفكار الفنيَّة والدينيَّة.  والتفرقة المشار إليها تفرقة مؤقَّتة ولغرض التحليل، ولا ينبني على تقسيم حقيقي ومتعسف.  ويشير الدكتور إدريس سالم الحسن أنَّ "مجمل نظريَّة بارث الثقافيَّة ترتكز على تعريفها بأنَّها "رؤية كونيَّة" (Cosmology) في حال دائمة بين التغيُّر والثبات – أي أنَّها دوماً في حال تكوُّن (In the making)، وتحكمها عمليات اجتماعيَّة – بعضها مباشر وبعضها (الآخر) غير مباشر – وذات تأثيرات غير متساوية في محصلاتها النهائيَّة، وينطوي التعريف ضمناً على أهميَّة التأريخ، وتأثير حركته في تشكيل ثقافة بعينها.  كما يتضمَّن - أيضاً – النظر إلى الثقافة وكأنَّها موجات متدافعة لا يبين أثرها إلا بعد حين وبعضها قد يكون مستتراً عن العيان، ولا يمكن التعرُّف عليها إلا بالبحث المستقصي الدءوب وتتبع بداياتها إلى أن تصبح تياراً له عنفوان.  وقد ابتدع بارث تعريف الثقافة ومنهج دراستها منطلقاً من تساؤل أولي: كيف تتغيَّر الثقافات؟  لا بل كيف تتخلق (الثقافات) في المجتمعات الإنسانيَّة؟"(35)  ويستطرد الدكتور الحسن أنَّ منهجيَّة بارث المذكورة لها مزايا كثيرة، منها ما يلي:

(1)     إنَّها لتتيح دراسة الثقافات البسيطة والمعقَّدة في نفس الوقت، وتستطيع أن تتعامل مع بعضها البعض.

(2)     إنَّها لتسمح بإجراء مقارنات بين الثقافات المتقاربة والمتباعدة معاً.

(3)     إنَّ الموقف الضمني فيها لموقف إنساني عام ينادي بأنَّ كل الثقافات الإنسانيَّة متساوية، وليس هناك ثقافات أكثر تقدماً من غيرها، أو ثقافات متأخرة؛ كل ما في الأمر هو أنَّ خصائص الثقافات مختلفة وتقود إلى نتائج مختلفة.

(4)     القول بأنَّ الثقافة عمليَّة متجدِّدة ومتغيِّرة كالبنية الحية تتفاعل مع الظروف التي تعيش فيها سلباً وإيجاباً – أي إنَّ الثقافة لتعطي، وإنَّها لتأخذ في نفس الوقت.  وهذه نظرة واقعيَّة تبعد الباحث عن المثاليات، (والتطرُّف) في اتخاذ موقف مع أو ضد أيَّة ثقافة بحجة مركزيتها أو هامشيَّتها – أي هناك استبعاد كامل للإيديولوجيا وما يتبعها من مواقف استعلائيَّة متعصبة.

ولما كان الدكتور الحسن قد تحرَّى الدقة فيما كتب، واهتم بقضية الثقافة في السُّودان منهجاً ودراسة وتحليلاً نجد أنَّه قد أوفى البحث حقه، وكان صدوقاً يحمل في ذاته شهادة قيِّمة.  فالثقافة أيَّة ثقافة ينبغي أن تُنظر إليها  كرؤية كونيَّة متفاعلة مع بيئتها الطبيعيَّة والاجتماعيَّة.  ومع ذلك، فهي بنية معقَّدة ذات مستويات متعدِّدة وتداخلات كثيرة منها الظاهر ومنها المستتر، وقد يكون بعض عناصرها أشدَّ تأثيراً من غيرها، ويتوقَّف ذلك على العمليات الاجتماعيَّة والمصاحبة لهذا التأثير أو التغيُّر، وعلى السياق الذي يتم فيه التفاعل الثقافي اجتماعيَّاً وسياسيَّاً وتأريخيَّاً.

ولا مريَّة في أنَّ الثقافة حق أساس للإنسان، وشرط ضروري لتكوين معرفة متنامية تستوعب التجربة الحضاريَّة في بعديها التأريخي والواقعي المعاصر، وهي السبيل الحقيقي لصناعة المستقبل.  فالواقعيَّة (Realism) – بسبب الأصل الاشتقاقي للكلمة وهو لفظة واقع – كانت لها بذورها منذ أقدم الأزمنة، وكان التعارض قائماً بينها وبين المثاليَّة (Idealism)، حيث كانت كل منهما تمثِّل وجهة نظر فلسفة خاصة إلى الحياة والأحياء.  فالواقعيَّة ترى الحياة في أصلها شراً ووبالاً ومحنة، بينما تراها المثاليَّة خيراً وسعادة ونعمة.  والدور الطليعي الذي ينبغي أن يقوم به أي مسؤول تجاه أيَّة أمة من الأمم، ومصيرها في تأصيل الثقافة، هو توفير الدور المتاح للمواطن سياسيَّاً واجتماعيَّا ليعبِّر عن مكوِّناته الثقافيَّة بحريَّة، وذلك حتى تتسنَّى له المواكبة في المحافظة عليها في إطار التعدديَّة والتنوع (Pluralism and diversity).  إذ باتت التعدديَّة تشير - في علم الأخلاق والاجتماع المعياري – إلى أنَّ المجتمع الحديث لم يعد بناؤه ممكناً على قيم التسلطيَّة، بل إنَّما ليقوم على التلاقح بين الخطابات العقلانيَّة والمنفتحة داخل المجتمع.  وهذه التعدديَّة تعترف بالتنوع الذي تُمنح فيه الفرص لتعميم العدالة والمساواة والمشاركة من أجل الازدهار والتنمية المتوازنة والمستدامة من خلال قيم الديمقراطيَّة والحريَّة والتسامح الإيجابي.  ويتلخَّص هذا الدور الطليعي في الآتي:

(1)     اعتبار محو الأميَّة مشروعاً قوميَّاً يستهدف المتسربين من التعليم، وتعليم الكبار، وأن تتكامل الجهود الماديَّة والفنيَّة في هذا الاتجاه.

(2)     مسألة الديمقراطيَّة – بغض الطرف عن الإشكالات المعرفيَّة والمشكلات الواقعيَّة التي تحيط بها، حيث أصبحت الديمقراطيَّة أحد الموضوعات الرئيسة التي يدور حولها صراع الحضارات.  إذ أنَّ الديمقراطيَّة لم تعد مجرَّد مذهب سياسي، لكنها ضرورة للتقدم السياسي والاجتماعي، والجهد الفكري المبذول في مختلف القارات لتأصيل الممارسة الديمقراطيَّة، ولإبراز أنماطها المتعدِّدة، وتحليل إشكالياتها، والتصدِّي بإيجابيَّة لتذليل العقبات أمام تطوُّرها يعكس مدى أهميَّة الديمقراطيَّة في الحياة المعاصرة.

(3)     إنَّ العولمة بكل تجلِّياتها السياسيَّة والاقتصاديَّة أسهمت في رسم ملامح لحضارة عالميَّة جديدة.

(4)     إنَّ قيم حقوق الإنسان أصبحت بالفعل تعبيراً عن حضارة عالميَّة، وذلك بغض النظر عن المناظرات القائمة في هذا المجال بين العالميَّة والخصوصيَّة فيما يتعلَّق بالحريات الأساسيَّة للإنسان، وذلك على اعتبار أنَّ غالبيَّة القيم التي وردت في الإعلان العلمي لحقوق الإنسان والمعاهدات والمواثيق التي تلته إنَّما لتعبِّر في الواقع عن ضمير عالمي، وتقوم على أساس قيم عالميَّة متفق عليها.

ومع هذا، يعالج البعض إشكاليَّة الهويَّة في شكل جزئي تارة، أو بالخضوع لثنائيَّة التفكير (مع وضد) تارة أخرى – أي الثنائيَّة الطباقيَّة، كما اختار كتاب كثر المنظور الثالث طريقاً يقود إلى الاعتراف بالتعدديَّة في إطار الوحدة (Unity in diversity)، وهكذا نكون قد منحنا الشرعيَّة البديهيَّة لحق الاختلاف في مجال الهُويَّات واللغات وغيرهما.  كما أنَّ الهُويَّة تمتلك عناصر ثابتة موحدة، وعناصر متحركة متحولة عبر الزمن، لكن أيَّة هُويَّة في العالم كلها، لا يمكن أن تمحو نفسها لمصلحة هُويَّة أخرى.  لهذا السبب يفترض في الدولة الديمقراطيَّة أن تعترف بالهُويَّات المتعدِّدة بوضوح أولاً، ثمَّ أن تعترف بحق الاختلاف الذي هو جوهر الديمقراطيَّة ثانياً.  وتتبلور صورة الهُويَّة القوميَّة في تفاعل العلاقات بين الذات والآخرين في ثلاثة أشكال:

(1)     الصورة التي تكوِّنها الشخصيَّة عن ذاتها (الوعي الذاتي).

(2)     الصورة التي يكوِّنها الآخرون عن الشخصيَّة (الأنموذج – المرجع).

(3)     الصورة التي تعتقد الشخصيَّة أنَّ الآخرين كوَّنوها عن ذاتها (اللاوعي المتوقَّع).

ويبقى تفاعل هذه الصورة والمستويات فيما بينها في شكل فاعل ما يمنح الهُويَّة الحضور والتجذر والفاعليَّة.  وهذا الأمر تحديداً يحتاج إلى مسار وتجربة وعمق زمني تأريخي.  لأنَّ الهُويَّة الحضاريَّة هي حصيلة تفاعل الإنسان – أي المجتمع - مع الأرض عبر الزَّمن.  ولا يتم ذلك من دون الحريَّة وصراع الحريَّة بحسب السعادة.(36)  وكما يقول الحارث إدريس الحارث "فالهُويَّة ليست مشروعاً إيديولوجيَّاً، ولا مصالح سياسيَّة، بل هي أساس نابع من القيمة الإنسانيَّة وتفاعل الإنسان مع الجغرافيا والدين والتأريخ – أي مفردات الثقافة؛ ولا يمكن تبعيض النحن السُّودانيَّة إلى مفرداتها ومكوِّناتها الأولى.  فالمواطنة ليست بالضرورة نابعة من الدين – أسلمة أو علمنة – يلقي بظلاله على الهُويَّة سلباً وإيجاباً (...)."(37)  فبرغم من اشتداد قبضة العروبة والإسلام على جميع مناحي الحياة العامة والخاصة في السُّودان، إلا أنَّ البعض يرى "أنَّ الإحساس المتعاظم بقرب وقوع كارثة التفتت الوطني جعل التنازل (لمصلحة الإفريقيَّة تحت مصطلح السُّودانيَّة) أمام (الرؤية) الجنوبيَّة لموضوع الهُويَّة مخرجاً مقبولاً باعتباره أقصر الطرق لكسب ثقة الطرف غير العربي (...) لدرء شبح الانفصال، وبذلك دخلت قضيَّة تعريف الهُويَّة نفس مجال التسييس الذي كانت دخلته العقيدة الدينيَّة مكتسبة عنصر تعقيد إضافي."(38)  فما هو الحل – إذن – من أجل الخروج من هذه الأزمة "الهُويويَّة"؟  إذ يستطرد الحارث إدريس الحارث أنَّ الحل يكمن في "استواء كافة السُّودانيين أمام دولة المواطنة، وأمام الدستور والقانون بإزاحة العقليَّة التي تجيز صلاة الغائب سياسيَّاً، وتفرز الغول الناسخ والإقصائي تغدو من أولويات إعادة الاعتبار "لتعدديَّة" السُّودان الواقع، والمجتمع والدولة، وإلا أفلت الدولة لسيرها ضد منطق التأريخ، ولا سيما في عصر الهُويَّات والتعدديات والعولمة."(39)

هذا الصراع الحضاري أو الحراك الثقافي الذي يتمظهر في لباس الهُويَّة ينكره البعض، ويأتون بالألفاظ المرتبكة والتعابير المغروضة للإعراض عنه.  فقد كتب محمد أبوالقاسم حاج حمد – يرحمه الله - قائلاً: "ليس في السُّودان صراع هُويَّات لا قوميَّة ولا دينيَّة، وإن كان الكل يطرح ذلك، وإن كانت حدثيات الصراع والعنف تشي بذلك، فالإشكاليات هنا تتلبس بالهُويَّات المفارقة، والتماس في فهمها".  فهو كان قد فسَّر الصِّراعات المسلحة التي حدثت – وما تزال تحدث - في السُّودان بأنَّها نزاعات قبليَّة "سرعان ما تتلبس (الهُويَّة)".  وأضاف كذلك أنَّ "كل هذه الصراعات ذات جذور إداريَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة تلبسها الهُويَّة وقولبتها السياسيَّة".  ومضى الأستاذ حاج حمد في تحليله قائلاً: "إنَّ ما يسمى بالحال القوميَّة المميزة للجنوب في مقابل الشمال العربي-المسلم لا تستند إلى أساس علمي؛ فالجنوب "قبائل" وليس قوميَّات، وتُدرَّس تكويناته العرقيَّة والثقافيَّة والدينيَّة في إطار الدراسات "الأنثروبولوجيَّة" التي تهتم بأصول الأجناس وتطورها، مع التركيز على دراستها عرقيَّاً، وكذلك عاداتها ومعتقداتها؛ وهي دراسات تفضي في إطارها الأوسع لما يُعرف ب"الأنثروبولوجي".  تُرى ماذا أراد الأستاذ حمد بهذا كله؟  لقد هدف الأستاذ حاج حمد أن يعلن على الملأ أنَّ الجنوب لا يشكل قوميَّة في حد ذاتها، وإنَّ ديانات أهله لمرتبطة بالعادات والتقاليد التي ترتبط هي بالطوطميَّة (Totemic)، وثقافتهم ساكنة.  ثم خلص الأستاذ حمد إلى نتيجة مفادها أنَّه "ليس في السُّودان سوى هُويَّة واحدة تنطبق عليها مواصفات القوميَّة وهي العروبة وما عداها فمكونات قبليَّة؛ وليس في السُّودان سوى ديانة واحدة تنطبق عليها مواصفات الدين عالميَّاً وهي الإسلام، وما عداها تشكيلات من المعتقدات المرتبطة بنسيج من العادات والتقاليد الموقوفة على حالات عشائريَّة غير قابلة للتداخل مع الغير."(40)

يا تُرى ماذا يمكن أن يقوله الأستاذ حاج حمد عن الدراسات الإنسانيَّة التي يعكف عليها علماء الاجتماع بين الحين والآخر عن بطون قبيل البجة في شرق السُّودان، وقبائل دارفور في غرب البلاد، وقبائل النُّوبة في جبال النُّوبة والفونج في جنوب النيل الأزرق وهلمجراً، وهي أقاليم تعتبر – بالمنظور الجغرافي-السياسي - جزءاً من الشمال؟!  أفلم تكن هذه البحوث كلها تتم في مجال علم الإناسة (علم الأجناس) و"الأثنوغرافيا".  فلا شك في أنَّ الدراسات التأريخيَّة لمجتمعات البجة وأساطيرهم تتمحور حول البحوث التي تقام على نظامهم القرابي، وبخاصة في حال تكوين مجموعة الهدندوة.  وإنَّ التكوين الأسري وعلاقات الزواج لتنبني على الدراسات الأنثروبولوجيَّة.  ومع ذلك قد قسَّم الأستاذ حاج حمد السُّودان إلى فسطاطين: الشمال والجنوب؛ واعتبر الأول متجانساً، وذلك بعد أن تعامى عن الواقع واستغفل النَّاس.  ففي هذا الشمال – الذي اعتبره الأستاذ حاج حمد وحدة قوميَّة – يوجد فيه النُّوبة وهم ليسوا بعرب وليس جلهم بمسلمين؛ وفي دارفور يقطن الفور والزغاوة والمساليت والبرقيد والميدوب والميما، وليسوا بعرب ولئن ارتضى جلهم بالإسلام ديناً؛ وفي جنوب النيل الأزرق تسكن قبائل الأنقسنا وهي قبائل إفريقيَّة لم تدَّع العروبة في يوم ما.  وحين نتحدَّث عن الفونج في جبال الأنقسنا لا نعني الخوض في المجادلة التأريخيَّة عن أصلهم ونسبهم وحسبهم مما كتبه المؤرِّخون، ودوَّنه  الرواة عن أصلهم الشلكي (قبيل الشلك على ضفاف النيل الأبيض) تارة، ونسبهم إلى العرب العاربة (حميريين) تارة أخرى، ثم قد حسبوهم من البرنو تارة ثالثة.  بل نود بالحديث هنا قبائلهم الحاليَّة من البرون والبرتا والأدوك والجمجم والراقريق والأنقسنا، وقبائل أخرى عديدة تتداخل وتتزاوج مع القبائل الإثيوبيَّة عند الحدود الإثيوبيَّة-السُّودانيَّة، حيث يعيش أهلها معشية ضنكاً، وظروفاً حياتيَّة تعيسة.  فماذا فعلت حكومات السُّودان الوطنيَّة منذ الاستقلال تجاههم لتحسين مستوى معاشهم، ونشر التعليم بين أطفالهم، ومحو الأميَّة وسط كبارهم، ومحاربة الأوبئة والفاقة والفقر المدقع في ربوعهم؟  كلا، لم تنجز حكومات السُّودان من هذه القضايا شيئاً.  وكذلك نجد البجة ببطونها المختلفة في شرق السُّودان، والنوبيين في أقاصي الشمال.  فلا العروبة عامل جامع لأولئك وهؤلاء، وإن استوطنوا في شمال السُّودان، ولا الدين الإسلامي يمكن أن يوحِّدهم كلهم أجمعين أبتعين في غياب عوامل الوحدة الأخرى.  لذلك – كذلك – لا يمكن اعتبار الشمال قوميَّة متجانسة، إلا بالقهر واعتصار القوميات الأخرى عنوة واقتداراً.

أما مسألة تتفيه ديانات أهل الجنوب فهذا أمر مريب.  إذ من ذا الذي يملك حق التوصيف بأنَّ هذه ديانة وتلك ليست بديانة؟  وعلام يرتكز تعريف الديانة؟  فمنذ ثلاثينيَّات القرن الماضي ظهرت أطروحة "لاهوت الأديان"، والتي عنت تحديد "مواصفات" معيَّنة، يُطلق بمقتضاها "اسم الدين" على المنظومة إذا تحقَّقت تلك المواصفات، وهي على العموم خمسة عناصر: وجود فكرة الألوهيَّة، وجود نظام لاهوتي وأخلاقي يقوم عليها، وجود نظام للعبادات، وجود مؤسسة دينيَّة أو كنسيَّة تحرس المنظومة وتدافع عنها، ووجود فكرة الخلاص.  والحق أنَّ ما يجعل اللاهوتيين أن يسموا نظاماً ما ديناً هو احتواؤه على العناصر المذكورة.  لذلك لم يجدوا أساساً مقبولاً للتمييز بين أديان "سماويَّة" وأديان "غير سماويَّة".  والأحرى أنَّ لكل الأديان – سواء أكانت "إبراهيميَّة" أم "براهمانيَّة" أم غير ذلك – صلة بالسماء أو بالأُلوهة.  إذ يكفي أن تسمي نفسها هكذا، وأن تعترف البديهة السليمة أو العقل أو الفطرة بجلال غاياتها ووسائلها.  فإنَّ المعتقدات الإفريقيَّة لمنظومات لاهوتيَّة تقوم على هذه المبادئ الخمسة التي ذكرناه؛ فهي – لذلك – تحث أفراد المجتمعات الإفريقيَّة بتهذيب النفوس وتشذيب الأخلاق، وذلك بالنهي على اقتراف بعض الموبقات التي تغضب آلهتهم وتؤدِّي بهلاك مجتمعاتهم وغيرها من أضراب العقاب التي يصوِّرونها.  ولعلَّ مشرِّعي دستور السُّودان العام 1973م كانوا أكثر وعياً وتفهُّماً لواقع هذه الأديان الإفريقيَّة ومآلها في المجتمعات السُّودانيَّة غير العربيَّة، فثبَّتوا حقوقهم في هذا الدستور وأطلقوا على هذه الأديان اسم "كريم المعتقدات"، وما حاول الأستاذ حاج حمد الإقدام عليه هو ضربة رجعيَّة مرتدة.  إذن كيف يحكم الأستاذ حاج حمد على هذه الأديان دون استثناء، مع العلم بأنَّ في الجنوب من هم مسيحيين، والمسيحيَّة ديانة سماويَّة مثلها كمثل الإسلام واليهوديَّة؟!  وكذلك كيف ينتقص الأستاذ حاج حمد من قيم أديان أهل الجنوب، مع العلم بأنَّ في الجنوب من هم مسلمين برغم من قلتهم؟!  كان ينبغي على الأستاذ حاج حمد أن يكون عدولاً، و"لا يجرمنَّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا" (المائدة 5/8).  

ففي لقاء صحافي مع القيادي الإسلاموي البارز في الحركة الإسلاميَّة أحمد عبد الرحمن، قال السيِّد عبد الرحمن: "إنَّ أغلب مواطني جنوب السُّودان لمشركون، الذين يعبدون الحجارة والأشجار والتماسيح والشمس وغيرها، وكل هذا يمثِّل تحدِّياً حضاريَّاً لنا جميعاً كعرب، لأنَّه كان هناك مشركون ويهود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلَّم، ونحن نعلم كيف كان المسلمون يعاملون المسيحيين واليهود."(41)  هذه الأقاويل عبارة إساءات بالغة أكثر منها أن تكون حقائق، ثمَّ إنَّها لتزعم بشيء من الإجحاف كثير بأنَّ الجنوبيين لم يتطوَّروا تأريخيَّاً، ولم يلتحموا تقدميَّاً مع العالم الخارجي.  وتبرز خطورة هذه الادعاءات حين يقرأها الذين ليس لهم إدراك بالطبيعة الاجتماعيَّة والأثنيَّة والروحيَّة لأهل الجنوب، وبخاصة في العالمين العربي والإسلامي.  إنَّ الدولة لينبغي أن تكون محايدة بين الأديان والطوائف، وإلا ظلَّت فئة تعتبر نفسها مظلومة، لأنَّ الدولة تتبع ديناً أو مذهباً غير مذهبها، ويتضاعف هذا الظلم حين يضاف إلى الدين عامل العرق أو عوامل أخرى، وهذه هي الحال في السُّودان. "أما في المجتمعات ذات الدين الواحد، فإنَّ الحكم باسم الدين ليهدِّد المجتمع بأن يتحول إلى نظام مطلق يقول بعصمة نفسه أو ذاته، فيضر المتديِّنين ويظلمهم، وقد يُحدث انقساماً في المجتمع برغم من وحدة الدين والمذهب."(42)  فالمطلوب من الحوار مع الآخر هو – على الأقل – تقليص الفوارق، وحمل الواحد على الاعتراف بالآخر، واحترام وجهة نظره.  إذ أنَّ "هذا النموذج البديل للحوار يحوِّل المقارنة بين الأديان من مقارنة "قيميَّة" قائمة على المفاضلة إلى مقارنة "وصفيَّة" قائمة على وحدة الجوهر."(43)

أما فيما يختص باللغة العربيَّة، فمثلما في الجنوب لغات متعدِّدة يذخر الشمال بلغات متنوِّعة.  ففي جبال النُّوبة، التي يعدها أهل الحكم جزءاً من الشمال، نجد فيها لغات غير قليلة، وكذلك الحال في دارفور وجنوب النيل الأزرق، ولغة البجة في شرق السُّودان ولغات المحس والدناقلة في أقاصي شمال السُّودان، بل في الوسط ذاته نجد من سكنوا الخرطوم من نازحي الحرب والجفاف والتصحُّر، ولكنهم يتكلَّمون لغاتهم القوميَّة ويدرسونها في الكنائس والدور الخاصة.  أما لِمَ حكم الأستاذ حاج حمد على ثقافة أهل الجنوب بأنَّها ساكنة (Static)، ووصف ثقافة أهل الشمال "العربي-المسلم" بأنَّها متحرِّكة (dynamic) فهذا أمر في غاية الغرابة.  وفي الحق، فإنَّ ثقافة أهل الجنوب – كغيرها من الثقافات الإنسانيَّة الأخرى – لمتحرِّكة؛ فالتعليم الذي حظي به نفر قليل من أبناء الجنوب، والعولمة التي باتت تجتاح العالم من كل صوب لا شك في أنَّها جعلت من ثقافة مواطني جنوب السُّودان متحرِّكة.  فاستخدام عربي جوبا في جنوب السُّودان، وانتشار المسيحيَّة وغيرها تدل في أكثر ما يكون الدليل أنَّ هذه الثقافة متحرِّكة، وآية ذلك استيعابه للغات جديدة ومفردات لغويَّة وطقوس دينيَّة تختلف عما ألفه القوم من قبل، ولا ينكر هذا إلا كل متكبِّر متجبِّر.  كان على الأستاذ حاج حمد أن ينتظر حتى تندمج أو تذوب هذه الثقافة الجنوبيَّة في ثقافة الشمال في الإطار المحلي، أو أيَّة ثقافة أخرى في إطارها الإقليمي، أو حتى تنقرض لغاتهم لكي تُنعت هذه الثقافة الجنوبيَّة بالسكون والانقراض، لأنَّ الشيء الساكن – أي دونما حركة أفقيَّة أو رأسيَّة – حتماً لسوف يتعرَّض في نهاية الأمر إلى التدهور والاضمحلال إلى حد التلاشي، بما في ذلك الحضارة أو الثقافة أو اللغة.

ومثلما سلك محمد أبو القاسم حاج حمد أسلوباً مراوغاً في البحث السياسي، ومنهجاً ملتوياً في العبث بالحقائق حتى انتهى سبيله إلى منزلة لا يطمئن إليها الناس الغلابة، ذهب الدكتور عبد الله علي إبراهيم مذهبه وسار في ركبه.  بيد أنَّه في لحظة الصفاء مع النفس التي لم نعتدها من الدكتور عبد الله علي إبراهيم كتب في شأن العنصريَّة البغيضة يقول: "لقد استثقل الماركسيُّون السُّودانيُّون أفكار ستوكلي كارمايكل – الناشط الأمريكي الأسود الذي زار السُّودان العام 1970م.  وقد أذاع أفكاره في سلسلة محاضرات بدار الثقافة بمدني، ودار اتحاد المعلمين ودار أساتذة جامعة الخرطوم، وكانت أميز الكتابات المعارضة لنظرات الرَّجل هي ما كتبه البروفسير محمد الأمين التوم في صحيفة "أخبار الأسبوع" (12/2/1970م).  وقد أزعج الماركسيُّون بوجه خاص تحليل كارمايكل للوضع العالمي وقوله إنَّ سمة الصراع الرئيسة فيه لهي التناقض بين البيضان والسُّودان، وهذا مخالف بلا شك لعقيدة الماركسيين السُّودانيين الذين يرون أنَّ التناقض الجوهري هو صراع الرأسماليَّة والاشتراكيَّة".  ويستطرد الدكتور إبراهيم أنَّ للمسألة العنصريَّة في السُّودان بعداً عنيفاً، حيث بات "الأفارقة" يصادمون "أولاد العرب" ذوي الدولة والصولة، وأمسى الأمر في الاستفحال في آخر السبعينيَّات وحتى يومنا الراهن.  ويتعجَّب الدكتور إبراهيم كيف وضع الرفاق السُّودانيين أصابعهم في آذانهم تجاه سؤال كارمايكل لهم أن يرتدفوا وعياً مناسباً بالسلالة والعنصر إلى وعيهم الأحادي الشاذ بالطبقة الاجتماعيَّة.  وقد نصحهم الرَّجل بمنعرج اللوى ولم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد، كما قال حكيم هوازن دريد بن الصمة:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى               فلم يستبينوا النُّصح إلا ضحى الغد

وهل أنا إلا من غزيَّة إن نموت            غويت وإن نرشد غزيَّة أرشد

هكذا ظل الماركسيُّون السُّودانيُّون في غيهم يعمهون حتى حين تكاتفت مشاعر الضيق بالعنصريَّة "الجلابيَّة" الشماليَّة وشقَّت طريقها إلى أدب العمل السياسي المسلَّح في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة والأنقسنا وغيرها.  والحق يقال – وما زال الحديث للدكتور إبراهيم – إنَّ الثقة في قدرة التحليل الطبقي وحده على دفع العمل الثوري للتغيير الاجتماعي كانت متمكنة على دفع الماركسيين السُّودانيين جداً.  وفيما يرى الجنوبيُّون – وأهل النُّوبة كذلك – في الحزب الشيوعي السُّوداني حزباً آخر من أحزاب الشمال أيضاً، ساد – من جانب آخر – في أروقة الحزب الشيوعي السُّوداني فكرة مؤداها أنَّ تداعيات مسألة جنوب السُّودان المستمرة قد أصبحت باباً للريح الصرصر التي تعصف بمنجزات الطبقة العاملة وحلفاؤها، وتحول دون بلوغهم سدة السلطة.  وينتقد الدكتور إبراهيم الماركسيين السُّودانيين أنَّهم وجدوا "أنفسهم بغير زاد فكري حيال المسألة العنصريَّة، حين أخرجت العنصريَّة أثقالها على مسرح السياسة السُّودانيَّة، وأصبحت تعبيراً دارجاً خطراً في مفردات الحرب الأهليَّة في البلاد (...) ولم يفتح الله على الشيوعيين بكلمة موثقة بخصوص كتاب الدكتور سليمان بلدو والدكتور عشاري محمود "مذبحة الضعين والرق في السُّودان العام 1987م" غير ما تداولوه شفاهة مع الكاتبين من إنكار لتجدد نظام الرق في وقت سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي".(44)  وقد كشف عن نوايا الدكتور عبد الله علي إبراهيم المواربة تجاه مذبحة الضعين الصحافي العملاق مصطفى البطل، حيث أفصح كتابة: "والغريب أنَّ ذات الحقبة كانت قد شهدت مساجلات حيَّة على صفحات الصحف بين الدكتور عبد الله علي إبراهيم نفسه والدكتورين عشاري محمود وسليمان بلدو حول تقرير مذبحة الضعين، والذي استبسل فيها الدكتوران في الدِّفاع عن تقريرهما في مواجهة زعم عبد الله بأنَّ التقرير عمل سياسي منحاز يفتقر إلى الموضوعيَّة."

وفي نهاية الأمر إذا رأينا كيف استحال الوضع في الجنوب من السلم إلى الحرب بعد العبث باتفاقيَّة أديس أبابا لعام 1972م، والأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أدَّت إلى إعادة الاقتتال في أحراش الجنوب.  وإذا استرسلنا في الجدال عن الذي ظلَّ مسكوتاً عنه ردحاً من الزمان، حتى استنطقته الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشعبي لتحرير السُّودان، وأذاعته في الناس، وحثَّت الشعب السُّوداني على التفكير فيه مليَّاً، والأخذ بأسبابه مأخذ الجد لا الهزل، ألا وهو سؤال "الهُويَّة السُّودانيَّة".  وإذا بعثرنا دواعي الالتباس في هذه الهُويَّة، وشرَّحنا رؤى أولئك الذين تبنوها في سبيل الجاه والصولجان والسلطان، والاغتنام والوجاهة الاجتماعيَّة.  وإذا بنا ننظر إلى تعاريف الهُّويَّة ذاتها وتبعاتها الثقافيَّة من زوايا مختلفة، ومن أكاديميين سودانيين: المنصفون منهم والمغالون.  ثمَّ وإذا بنا نستعرض في أكثر ما يكون الاستعراض العلاقات الاجتماعيَّة، والممارسات السياسيَّة الناشئة من تعاريف الدين، وتقسيم السُّودان تقسيماً جهويَّاً فقط بين الشمال والجنوب، حتى ارتكز الاستقطاب السياسي على قطبي هذا التصنيف غير المنصف، لأنَّه يتغاضى عن الأقاليم الأخرى في الشمال نفسه وفي غرب وشرق البلاد، وقد عانت هذه الأقاليم المعاناة كلها كالجنوب ذاته.  ومن هنا نشأ مشكل السُّودان – أو لنقل بالأحرى أزمة الحرب الأهليَّة في السُّودان بين المركز والهامش – والتي تُلخَّص على أنَّها انتفاضة عسكريَّة ضد المركز العربي-المسلم، والذي حاز على كل شيء.  وتحت شعار الدفاع عن وحدة البلاد وعروبتها وإسلاميتها، خاض صناع القرار في الخرطوم هذه الحرب الأهليَّة بشيء من البربريَّة كثير، وانقضت سنوات طويلة من الصِّراع المكلِّف بشريَّاً ومادياً ومعنويَّا.  وبعد عقود تبيَّن أنَّ الصِّراع فيه من المعطيات ما يتصل أكثر بعلاقة المركز بما هو سلطة احتكار وهيمنة، وأنَّ الجنوب بتشكيلاته السياسيَّة وأعراقه القبليَّة وطوائفه الدينيَّة، لم يكن ليطلب الانفصال، بل العدالة الاجتماعيَّة في توزيع السُّلطة السياسيَّة والثروة القوميَّة.  ولم يكن الحاكم في الخرطوم على مر هذه العقود مستعداً لتوزيع هذه السلطة وتلك الثروة بعدالة، حتى على محيطه في العاصمة نفسها، وما قولكم بسكان ما يسمَّى ب"السكن العشوائي" في ضواحى مدن العاصمة الثلاثة.  وإنَّ هذه الحرب – وحسب شيء عظيم، أو شيء في جملة الأشياء بكل بشاعة – قد أثَّرت على سلوك السُّودانيين سياسيَّاً واجتماعيَّاً ونفسيَّاً، أو على سلوك عدد منهم كبير.