عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

"سبقت المواطنة دخول الإسلام في السُّودان (...)، وسبق المجتمع المتعايش المتثاقف قيام الدَّولة الحديثة، فلا مناص من تقييد الدَّولة بواقع الاجتماع السُّوداني المتعدِّد المتصالح غير المؤدلج.  فحينما اتجهت الذَّات الإسلاميَّة إلى فرض الإسلام على الملي والإحيائي، استنفر هذا الآخر بمواطنيته الأقدم في إفريقيا، واستصحب برنامج إزاحة الإسلام عن السياسة، والالتزام بالعلمانيَّة أو بالانفصال ملاذاً أخيراً، وكل هذه المواقف خسائر فادحة لتأريخ "العرب" في السُّودان؛ فالمواطنة لا تنشأ من العرق ولا الجهة؛ فالعرقيَّة – سواء قال بها مسلمون أو غير مسلمين – هي مرض قديم ناسخ لاستواء البشر، وهي استرقاق واستعلاء."(1)

   

الحارث إدريس الحارث

   

مقدِّمة

  

لا مُراء في أنَّ السُّودان، كواحد من الدول النامية، قد مر بمشكلات سياسيَّة واجتماعيَّة جسيمة في عصور التكوين المختلفة، وتفاقمت هذه المشكلات بفشل القادة الوطنيين في ترميم الإرث الاستعماري المتمثل في جهويَّة المشاريع التنمويَّة، والتعليم الفئوي لقلة قليلة ذات امتيازات سياسيَّة، واعتبارات أثنيَّة، وتفاضل ديني، وتكريس الموارد الاقتصاديَّة في يد نخبة استأثرت في نهاية الأمر بالسلطات السياسيَّة والاقتصاديَّة معاً.  بل انتهج هؤلاء القادة مسار الاستعمار، ولمَّا أُوتوا عدة فرص لتصويب الأخطاء قبل استفحالها، وقبل أن تدخل فيها عناصر جديدة، استكبروا استكباراً، وأخذتهم العزة بالإثم، ومضوا فيما هم فيه يستغلون ويستهونون الآخر.

 

لذلك ظلَّت قضيَّة الحرب والسَّلام في جنوب السُّودان هاجساً بعبيَّاً للحكومات المتعاقبة على سدة الحكم في الخرطوم ردحاً من الزمان، كما أمست هذه القضيَّة كذلك محور اهتمام الحركة السياسيَّة السُّودانيَّة، بما في ذلك النخب الجنوبيَّة على اختلاف مشاربهم وتعدُّد رؤاهم في الحل والعقد لهذا المشكل.  وبرغم من كل الاجتهادات العديدة التي طرق أبوابها أهل السياسة في السُّودان – حكومات وأحزاب – وأصحاب الرأي والأكاديميُّون، إلا أنَّ محاولات العبور بالمسألة الحربيَّة إلى بر الاستقرار والسلام ظلَّت عصيَّة المنال، حتى الحقبة السلميَّة التي أعقبت اتفاق أديس أبابا العام 1972م فنجدها سرعان ما انهارت لتعود مسألة العدائيات إلى السطح كرة أخرى، ولتمسي القضيَّة المركزيَّة الأولى أو العقبة الكأداء التي تحطَّمت عندها كل محاولات الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصاديَّة، والوحدة الوطنيَّة وهلمجراً.  هكذا، كانت اتفاقيَّة أديس أبابا، التي طالما استبشر بها الناس خيراً وحسبوها خلاصاً للتقتال الأهلي، عاد أصحاب السلطة، ونفثوا غزلهم بعد سنوات قليلات.  وكانت استطالة الحرب ودخول قوى جديدة في الصِّراع قد أدَّت إلى امتداد الحرب جغرافيَّاً وديمغرافيَّاً إلى وسط وشرق وغرب السُّودان.  فبدلاً من "مشكل جنوب السُّودان" غدا الأمر يُعرَف ب"مشكل السُّودان" الذي أوضح بجلاء أنَّ ثمة شيئاً نتناً في الخرطوم، أي مركز السلطات التنفيذيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة والعسكريَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة والإعلاميَّة وغيرها.  ولعل في سبيل تمحيص هذا الداء العضَّال الذي جثم على البلاد ينبغي النظر إلى الخلفيَّة التأريخيَّة التي لعب فيها الإنسان السُّوداني دوراً محوريَّاً، والبواعث الثقافيَّة والاجتماعيَّة التي أخذت تغذِّي هذا الصِّراع السياسي-العسكري، والأنظمة السياسيَّة التي اختارها السُّودانيُّون – أو فُرِضت عليهم عسكريَّاً – ليحتكموا إليها.  ومع ذلك لتجدنَّ سياسة الحكومات المتعاقبة على السلطة في الخرطوم تجاه "قضيَّة الجنوب لم تتغيَّر في جوهرها منذ بدايتها باستثناء إضفاء العامل الديني عليها بصورة صارخة خلال السنوات الأخيرة."(2)  غير أنَّ أكثر ما هو خطير في هذا الأمر كله هو أنَّه لم يكد هذا المشكل مقصوراً على الجنوب وحده في علاقته المضطربة مع الشمال، بل بات الأمر يشكِّل تهديداً لتماسك القطر الحائن، أي الذي حان هلاكه.  إذ أنَّ الصفوة الذين توارثوا الحكم بعد الاستقلال قد عمتهم السلطة عن التأمل فيما لو نما الوعي السياسي عند أهل المناطق المهمَّشة الأخرى، ونسوا – أو لنقل بالأحرى تناسوا – أنَّ الشعوب تتعلَّم وتتطوَّر، وكأنَّما الغراب كان دليل أولئك الصفوة يدلُّهم على دار الخراب، كما قال الشَّاعر:

 

إذا كان الغراب دليل قوم          يدلُّهم على دار الخراب

 هذا، فلم نصطنع في هذا البحث ذلك المنهج الفلسفي الذي استحدثه "ديكارت" للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر.  والناس جميعاً يعلمون أنَّ القاعدة الأساسيَّة لهذا المنهج هو أن يتجرَّد الباحث عن كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً.  بل إنَّ الأمر تجاوز ذلك، ولهذا كذلك انتهجنا منهج التحليل الوصفي (Descriptive analysis)، وذلك لأنَّ هناك أضغاثاً من الأكاذيب قد كُتِب من قبل عن موضوع هذا الباب في الكتاب، وكثراً من الإساءات المغرضة قد قيلت عن شعب السُّودان الذي يقيم في الجنوب، وكان ينبغي علينا أن نأخذ هذه الأقاويل التي قيلت، والإساءات التي كُتِبت، بشيء من التشريح كثير، ونستعيض عنها بالصحيح المفيد.    

إشكالية الجنوب.. المنشأ التأريخي والمشكل المعاصر

  

لا مريَّة في أنَّ مشكل الحرب الأهليَّة، التي اشتعلت واشتدّ أزيمها في جنوب السُّودان في عقابيل تمرد كتيبة توريت في 18 آب (أغسطس) 1955م واستمرَّت حتى 27 آذار (مارس) 1972م، هو أكبر تحدي واجه السُّودان منذ الاستقلال؛ وذلك لما أفرزته من تداعيات أعاقت الوحدة الوطنيَّة، وتسبَّبت في التصدع السياسي، وعطَّلت التنمية الاقتصاديَّة والخدمات الاجتماعيَّة، وكذلك أمست بذرة لحركات مطلبيَّة في المستقبل.  ولا جدال في أنَّ هناك أسباباً متشعبة في أكثر ما يكون التشعب، ومعقدة في أشد ما يكون التعقيد قد عملت على استفحال المشكل، حتى أضحى عصي الحل.  وقد ذهب القادة السياسيُّون في تعداد مسبباتها، وطفق الأكاديميُّون السُّودانيُّون وغير السُّودانيين في دراسة وتحليل جذورها ومعالجاتها؛ فمنهم من بدا موفَّقاً في مسعاه، ومنهم من سعى يزوِّر الحقائق لأمر في نفسه مريب، ومنهم من اتَّخذ موقفاً متأرجحاً بين الحقيقة والتزوير.  بيد أنَّ الشيء المعلوم هو أنَّه حين يفنِّد أهل الشمال المغالون مسببات المشكل يتحدَّث كل منهم بأسلوب فيه شيء من الغلو كثير تارة، والبعد عن الحقيقة تارة أخرى، وغياب العزيمة السياسيَّة لدي أولي الحكم تارة ثالثة.  فكيف نشأ هذا المشكل، إذن، وبات يقسِّم السُّودان تبسيطاً بين الشمال والجنوب، ويصنِّف أهله دينيَّاً بين الشمال المسلم من جانب، والجنوب المسيحي أو صاحب كريم المعتقدات الإفريقيَّة النبيلة من جانب آخر؟  ففي الخطاب الافتتاحي الذي ألقاه السيد رئيس الوزراء الانتقالي – سر الختم الخليفة – في بداية مؤتمر المائدة المستديرة في يوم 16 آذار (مارس) 1965م، ذكر رئيس الوزراء "أنَّ المشكلة التي تواجه السُّودان في المديريات الجنوبيَّة، مثلها كمثل نظائرها في بقيَّة الأقطار الإفريقيَّة مشكلة معقَّدة ترجع لأسباب طبيعيَّة تتعلَّق بجغرافية القطر وتكوينه البشري من جهة، ولأسباب تأريخيَّة أهمها السياسة الاستعماريَّة التي كانت متبعة في القطر قبل الاستقلال من جهة ثانية، ولأسباب سياسيَّة معاصرة على رأسها الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات القوميَّة المتعاقبة منذ الاستقلال (من جهة ثالثة)، ثمَّ التدخل الأجنبي ودوره الفعال في تأجيج نار الفتنة في البلاد وعرقلة سيرها في طريق الوحدة والتقدم (من جهة رابعة)."(3)

 

إذ أنَّ الحديث عن طبيعة وجغرافية القطر هو الإشارة إلى هذا القطر الشاسع المترامي الأطراف، والذي يتعلَّل به قادة السُّودان أنَّه هو أحد الأسباب الرئيسة في مشكلات البلاد السياسيَّة والتنمويَّة والخدميَّة.  ونحن لا نظن أنَّ الأمر صحيح عندما ينتهي إلى هذين التحليل والتعليل.  أفلم تكن جبال النُّوبة في كردفان ومناطق دارفور قريبة نسبياَّ من مركز صنع القرار في الخرطوم، وكذلك إقليم شرق السودان الذي يقع بين الميناء البحري الحيوي للبلاد والعاصمة الخرطوم؟!  ومع هذا القرب تعاني هذه المناطق كلها من شح في المشاريع التنموية التي ينبغي أن تعود بالفائدة لأهلها متاعاً لهم ولأنعامهم، ويشكون من نقص مريع في الخدمات الاجتماعيَّة.  إذن هناك عامل – أو قل مجموعة عوامل – يستخدمها أهل الحكم في الخرطوم معياراً لتوزيع المشاريع الخدميَّة والمشاركة في السلطة.  إذ يقف العاملان العرقي والديني على قمة هرم هذه العوامل الرئيسة.  أما السياسة الاستعماريَّة فصحيح قد عملت على إدارة السُّودان في أطار إقليمين متباينين في بعض الجوانب التعليميَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة وغيرها، إلا أنَّ الحال بعد الاستقلال العام 1956م توضح بجلاء تام أنَّ الذين ورثوا السلطة بعد المستعمرين ساروا على نهجهم، وسبحوا مع تيارهم، والتهجوا أسلوبهم في إدارة شؤون البلاد والعباد، وبخاصة في أمر التعامل مع المناطق التي كانت تسمى حتى قبيل الاستقلال ب"المناطق المقفولة"، بل ازدادوا سوءاً في كثير من الأمور.  وكما أبان جوزيف قرنق، "فقد تواصل الاستغلال في صورته البغيضة على أيدي فئات شبه الإقطاع والبرجوازيَّة وكبار البيروقراطيين في جهاز الدولة، بالإبقاء على ضريبة "الدقنيَّة"، وضريبة العشور، والعمل القسري، والفوارق في الأجور، وشح الأموال المخصَّصة للتعليم؛ وكذلك سياستها الهوجاء لفرض الثقافة العربيَّة-الإسلاميَّة على سكان المديريات الجنوبيَّة."(4)

 

مهما يكن من شيء، فقد أصدر السكرتير الإداري ج و روبرتسون في يوم 16 كانون الأول (ديسمبر) 1946م منشوراً دعا فيه لإعادة النظر في السياسة البريطانيَّة تجاه جنوب السُّودان.  ومنذ الوهلة الأولى كان الإداريون البريطانيُّون يساورهم شك مريب حول مستقبل العلاقة بين شمال السُّودان وجنوبه، وقد نشأ هذا الشك من تجارب خبرتهم الطويلة في السُّودان، وما وجدوه من سلوك الشماليين تجاه رصفائهم الجنوبيين.  إذ يتضح هذا الشك في أكثر ما يكون الإيضاح في رد مدير واو وحاكم بحر الغزال بتأريخ 6 كانون الثاني (يناير) 1947م على مذكرة السكرتير الإداري السالف الذكر بأنَّ "الموضوع الهام الذي ما زال يحتاج لمزيد من البحث حتى يتمكن المعنيون من الاتفاق عليه هو الضمانات التي يُصان بها كيان الجنوب".  وكان رأيه الخاص أن "يقوم على تفضيل إنشاء نوع من الحكم الإقليمي أو النظام الاتحادي (الفيديرالي) بين إقليمين متميِّزين متساويين، وعلى تصريح واضح تبيِّن فيه الحكومة البريطانيَّة التزامها بحراسة هذا الوضع المقترح حتى يجيء الوقت الذي فيه يستغنى الجنوب عن الحماية الخارجيَّة.. وقد (أبان) تفاصيل هذا الاقتراح في مذكرة مستقلة".  إذ أنَّ خطاب السكرتير الإداري كان قد حدَّد موقف الحكومة من وحدة شطري البلاد، وعليه تصبح دعاوي أهل السياسة في شمال السُّودان أنَّ الجنوبيين عقدوا عزمهم على الوحدة في مؤتمر جوبا، الذي عُقِد في الفترة ما بين 12-13 حزيران (يونيو) 1947م، باطلة.  وكان كل ما حدث يومئذٍ هو الامتثال بأهل الجنوب وليس تمثيلهم، وتثبيت أمر الوحدة - التي أقرَّته الحكومة في العام السابق – بالابتزاز من قبل ممثِّلي الشمال تارة، والرشاوى تارة أخرى، والتغفيل تارة ثالثة.  وكما ثبت لاحقاً "فقد كشفت وقائع مؤتمر جوبا افتقار القادة التقليديين (زعماء القبائل والسلاطين) إلى الحنكة التي تؤهِّلهم لمجاراة الأحزاب السياسيَّة في الشمال، وهي الأكثر حنكة ودهاءاً."(5)  وفوق ذلك كله، نجد أنَّ هذا المؤتمر قد جاء أساساً استجابة "للقلق الشديد" الذي أبداه 14 موظفاً بريطانيَّاً من العاملين في الجنوب بسبب توصيات مؤتمر الإدارة الذي كان قد عُقِد في الخرطوم في آذار (مارس) 1946م، وكانت من جملة التوصيات التي تقدَّم بها توصية ينصح فيها بإلغاء "المجلس الاستشاري لشمال السُّودان" وإنشاء جمعيَّة تشريعيَّة بدلاً عنه تُمثَّل فيها المديريات الجنوبيَّة إلى جانب المديريات الشماليَّة.  هذا، وقد "أوضح الموقِّعون على الخطاب – المرسل إلى السكرتير الإداري في 10 آذار (مارس) 1947م – اعتراضهم واحتجاجهم على عدم إشراك أحد من الجنوبيين في مؤتمر الإدارة، وعلى كونهم قد مثَّلوا في المؤتمر المذكور بواسطة أثنين من مديري المديريات الجنوبيَّة؛ ثمَّ خلصوا إلى المطالبة بعقد مؤتمر الإدارة آخر خاص بجنوب السُّودان في إحدى المديريات الجنوبيَّة".  وهذا ما كان من أمر مؤتمر جوبا.

 

إذن، أين جاء مبعث التخوُّف والقلق إزاء حقوق أهل الجنوب كما أشرنا إليه سلفاً في خطاب مدير واو وحاكم بحر الغزال؟  جاء مصدر هذا التخوُّف في مذكرة السكرتير الإداري الذي فيها أقرَّ ب"أنَّ الشعور السائد حاليَّاً بين نفر قليل من عقلاء الشماليين بأنَّه لا يجوز لهم، بعد الحصول على الحكم الذاتي، تحمُّل المسؤوليات الماليَّة والاجتماعيَّة، التي يعتقدون أنَّها ستظل ملازمة للجنوب، قد يتطوَّر مستقبلاً فيصير تيَّاراً سياسيَّاً عاماً."(6)  هذا، ولم يكد يُستثنى من هذا التيار العام العارم وسط "ثلة من عقلاء الشماليين" وفي أحزاب الشمال سوى الحزب الجمهوري الاشتراكي بزعامة إبراهيم بدري، الذي نذر الرحمن أن يقول الحق كل الحق ولا شيء غير الحق حتى آده الأمر أوداً - أي بلغ من مجهوده – وقبل أن يدجو ليل الحوادث حول السُّودان، ولكن لم يجد قوله هذا من الآخرين إلا استنكاراً واستكباراً.  ويقول قائل من قادة الحزب الجمهوري الاشتراكي: إنَّه قد حدث "في معرض المفاوضات بين الأحزاب السُّودانيَّة ودولتي الحكم الذاتي العام 1952م (طالب) الحزب الجمهوري الاشتراكي بمنح الحاكم العام البريطاني سلطات استثنائيَّة فيما يتعلَّق بالجنوب خلال فترة الحكم الذاتي، وعندما قُوبِل اقتراحنا بالرَّفض قال إبراهيم بدري إنَّه ليس نبيَّاً، لكنه لن يستغرب وقوع فتنة في الجنوب لا تبقي أو تذر عقب جلاء البريطانيين".(7)  إذ لم تتبدَّد هذه المخاوف "البدريَّة" لتمسي أمناً، بل صدقت تنبؤات إبراهيم بدري ومحاذير رجال الخدمة المدنيَّة البريطانيين حين أصبحت السَّودنة العام 1946م في الواقع شمألة بالنسبة للجنوب.

 

وكان يعتقد السير جيمس روبرتسون – السكرتير الإداري السابق لحكومة السُّودان، ومهندس مؤتمر جوبا العام 1947م – أنَّ أسوأ ما في الاتفاقيَّة المصريَّة-البريطانيَّة الخاصة بالسُّودان في 12 شباط (فبراير) 1952م هو "لجنة السَّودنة".  إذ أنَّها هدفت إلى سودنة جميع الوظائف الإداريَّة ووظائف البوليس وقوة دفاع السُّودان (القوات المسلَّحة لاحقاً) سودنة تامة قبل مرور ثلاثة أعوام من اليوم المعيَّن، ولن يتم تقرير المصير إلا بعد أن تتم السَّودنة، وقد جعل هذا الوضع السُّودانيين في ورطة.  فهم إذا لم يسودنوا جميع الوظائف لن ينالوا استقلالهم!  وإذا تمكَّنوا من سودنتها فإنَّهم سيجدون أنفسهم يدخلون مرحلة الاستقلال وبلادهم في مستوى من الإدارة العامة لا تُحسد عليه؛ إذ لا بد من مرور عشرة أعوام على الأقل لملء الفراغ إذا ترك رجال السلك الإداري من الربط بين العمل في ظرف ثلاث سنوات.  وفي تموز (يوليو) 1953م ألقى روبرتسون خطاباً في الجمعيَّة الملكيَّة لشؤون الإمبراطوريَّة بلندن، قال فيه: "إنَّ الجنوبيين جميعاً يتخوَّفون من أن يسيطر عليهم الشماليُّون، ويعزي هذا إلى أسباب عدة منها أنَّهم ما زالوا يذكرون تأريخهم القديم وعهد تجارة الرقيق، ومنها أنَّهم يخافون من المسلمين الشماليين على كنائسهم ودياناتهم المسيحيَّة، ومنها أيضاً أنَّهم لا يلقون من الشماليين ذلك العطف وتلك الصداقة التي كانوا يجدونها في حكامهم البريطانيين، ثمَّ هناك المتعلَّمون في الجنوب وهؤلاء يخشون أن يسيطر الموظَّفون الشماليُّون على الوظائف الإداريَّة في الجنوب فيسدون بذلك الطريق أمام مستقبلهم هم أبناء الجنوب."(8)

 

مهما يكن من الأمر، فقد تشكَّلت لجنة السُّودنة – كأحد بنود اتفاقيَّة الحكم الذاتي للسُّودان بين مصر وبريطانيا في 12 شباط (فبراير) 1952م – من خمسة أعضاء ثلاثة سودانيين وعضو مصري وآخر بريطاني للقيام بسودنة الإدارة والبوليس وقوة دفاع السُّودان وغير ذلك من الوظائف في فترة لا تتجاوز ثلاثة أعوام، ولكن استطاعت اللجنة أن تنجز هذه المهمة في سنتين فقط.  وكان رئيس هذه اللجنة هو الدكتور عثمان أبوعكر (مقرِّراً) والعضوان السودانيَّان الآخران هما: محمود الفضلي وإبراهيم يوسف سليمان.  وقد تخرَّج محمود الفضلي وإبراهيم يوسف سليمان في كليَّة غردون التذكاريَّة (جامعة الخرطوم حاليَّاً)، بينما تخرَّج عثمان أبوعكر في مدرسة كتشنر الطبيَّة (كليَّة الطب بجامعة الخرطوم حاليَّاً)، وعمل محمود في البدايَّة بالخدمة المدنيَّة كاتباً على الآلة الكاتبة، بينما عمل إبراهيم محاسباً، أما الدكتور عثمان أبوعكر فقد تنقَّل بين مستشفيات الأبيِّض، جوبا وشمالاً وشرقاً وغرباً، بل أُرسل أيضاً مع مجموعة من الممرضين للعمل في الحبشة (إثيوبيا حاليَّاً) وطبيباً خاصاً للإمبراطور الإثيوبي هايلي سيلاسي.  وكان من المفترض أن تكون رئاسة اللجنة بالتناوب شهراً لكل عضو.  وكان – كذلك – من المفترض أن يتولَّى منصب القائد العام لقوة دفاع السُّودان (القوات المسلحة حاليَّاً) – حسب الرتب العسكريَّة – إبراهيم عبود، ولكن رأت القيادة السياسيَّة أن يشغل هذا المنصب أحمد محمد الذي كان وقتها في الاستيداع.  وتولَّى الدكتور عثمان أبوعكر مهمة إنشاء السلاح الطبي برتبة الأميرالاي (العميد).  ومن جانب آخر، عُهِدت مهمة التعيين في الوظائف إلى لجنة برئاسة القاضي أحمد متولي العتباني وعضويَّة آخرين منهم: الدرديري نقد ومحمد صالح الشنقيطي، وكانت في يد هذه اللجنة قوائم بأسماء السُّودانيين الذين سوف يملأون وظائف البريطانيين.  وفي أمر هذه الوظائف يقول رئيس لجنة السُّودنة: "إنَّ حظ الجنوبيين في التَّعليم كان ضئيلاً في عهد الإدارة البريطانيَّة- (المصريَّة)، وقد تقدَّم أحد الإداريين الإنكليز، وهو كان اسمه "جون"، باقتراح لحل هذا المشكل في تعيين جنوبي كضابط مجلس ثمَّ بعد فترة يتم تعيين آخر وهكذا، فقلنا – والحديث لرئيس لجنة السُّودنة – له إنَّ هذا لسوف يستغرق سنوات، فالسُّودنة لا بد أن تتم في فترة سنتين فقط، ولا يبقى بعدها إنكليزي واحد."(9)

 

وقبيل إعلان الاستقلال تمَّ تكوين لجنة الدستور بشيء من الإجحاف كثير.  فقد ضمَّت ثلاثة فقط من أبناء الجنوب، حيث صوَّتت هذه اللجنة الغريرة ضد النظام الفيديرالي الذي كان يطالب به ممثلو أهل الجنوب بإلحاح، مما قادت هذه الواقعة – ووقائع أخرى – إلى اندلاع العدائيَّات في جنوب السُّودان.  وبما أنَّ مطلب الفيديراليَّة كان أكثر المطالب السياسيَّة إلحاحاً لدي قادة أهل الجنوب، إلا أنَّ  أمره كان عجباً.  إذ اعتبر أهل الحكم في الخرطوم هذا المطلب انفصالاً في ثوب قشيب، ومن ثَمَّ اختاروا أسلوباً موارباً للتعامل مع هذا الطلب الملحاح.  فقد وعدتهم قيادة الشمال أنَّ طلبهم هذا عن الحكم الفيديرالي للمديريات الجنوبيَّة الثلاثة سوف يلقى الاعتبار الكافي بعد الاستقلال، ولكن حين انجلى صبح الاستقلال داخل البرلمان، وما الإصباح منهم بأمثل – دون الاستفتاء كما جاء نصاً في اتفاقيَّة الحكم الذاتي للعام 1952م – في 19 كانون الأول (ديسمبر) 1955م، شرع أهل الشمال يلعبون بالألفاظ؛ وفي ذلك الرَّدح من الزمان صرَّح محمد أحمد محجوب، أحد زعماء حزب الأمة، أنَّهم أرادوا بذلك "الاعتبار الكافي" خداع الجنوبيين.  ومن بعد أدرك أهل الجنوب أنَّهم عاشوا على أمل كاذب ورجاء خائب.  ويقول البروفسير الراحل محمد عمر بشير: "(إنَّ) للإقليميَّة في إطار العلاقات بين الشمال والجنوب تأريخ وطريق ونتاج مختلف؛ فإنَّ المناداة بالإقليميَّة في جنوب السُّودان قد نبعت من إيمان وقناعة الصفوة من أبنائه واعتقادهم بأنَّ الجنوب كان له تراث تأريخي وثقافي يميِّزه عن بقيَّة الأهالي في سائر مناطق السُّودان الأخرى".(10)  ويستطرد البروفسير بشير: "وقد طالب هؤلاء مدفوعين بهذا الإيمان وهذه القناعة بأن يتم الاعتراف بهم والسماح لهم بتكوين مؤسسات تتفق (مع) هذا الاعتراف."(11)  وقد أخذ أولئك التقليديُّون، الضيِّقو الأفق، من أنصار النزعة العنصريَّة، لا يكفون عن إنكار هذا التراث التأريخي والثقافي لأهل الجنوب، وشرع كثرٌ لا يعيرون وجوده أدنى التفات.  أما هذا فليس إلى الشك في سبيل أنَّه قد تم الاعتراف بهذه الأعراف الجنوبيَّة بعد إراقة دماء كثيرة، وبعد فجع وولع وإخلاف وتبديل.

 

على أي، ففي أواخر شهر كانون الثاني (يناير) 1953م ألقى وزير الخارجيَّة البريطاني أنتوني أيدن خطاباً حول السُّودان أمام مجلس العموم البريطاني

 

جاء فيه: " (...) إنَّ مختلف الأحزاب السياسيَّة السُّودانيَّة قد دخلت في مفاوضات بشأن اتفاقيات مختلفة مع ممثلين من الحكومة المصريَّة (...)؛ فإنَّ اختلاف الاتفاقيات، وعدم اشتراك أي ممثل عن الجنوب فيها قد أظهر أهميَّة إخراج برلمان سوداني إلى حيز الوجود في أقرب فرصة ممكنة، لكي يتسنى الاستماع إلى وجهات نظر جميع فئات السكان، وأظن أنَّ المجلس يعلم أنَّ العقبة الأولى كانت في سبيل الضمانات التي نصَّت عليها مسودة قانون الحكم الذاتي، والتي صادقت عليها الجمعيَّة التشريعيَّة في السُّودان، وهي ضمانات تعطي الحاكم العام سلطات خاصة لحماية مصالح المديريات الجنوبيَّة؛ وأرى لزاماً عليَّ أن أقول إنَّ حكومة صاحبة الجلالة البريطانيَّة لم تقترح إدخال هذه الضمانات في نصوص المسودة، ولكن كان ذلك في دستور ينص على تلك الضمانات، (حيث) وافق عليه ممثلون من الجنوبيين، ونحن لا نرى وجوب حذف هذه الضمانات دون أن نسمع رأي الجنوبيين في ذلك."(12) ويضيف المستر إيدن: "بالنسبة للوضع في المديريات الجنوبيَّة إنَّني آسف لكون موقفنا في هذه المسألة قد أثار الشكوك في أنَّنا نرغب في فصل المديريات الجنوبيَّة عن الشمال، فليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا القول.  إنَّ الحفاظ على وحدة السُّودان إنَّما يتوقَّف على التعاون الاختياري وعلى الثقة المتبادلة بين مختلف الطوائف في السُّودان، وفي رأينا أنَّه لا شيء يمكِّن على ذلك أكثر من أن نثبت بعين الاعتبار عند تسوية المسائل ذات الأهميَّة الحيويَّة بالنسبة لهم."(13)

 

ومع هذا لا بدّ من القول إنَّ القوى السياسيَّة الشماليَّة اعتمدت في انتقادها على السياسات الاستعماريَّة تجاه الجنوب، والتي تمثَّلت في تعميق الفرقة والجفاء بين شعبي الوطن الواحد، على عدة أسباب مهما يكن من أمرها.  وعلى هذا النحو عدد حسن أحمد الحسن – وغيره من الأكاديميين السُّودانيين - العوامل التي أدَّت إلى بذر بذور مشكل ما كان يُعرف ب"مشكلة جنوب السُّودان" في الآتي:

 

قانون المناطق المقفولة (المغلقة) للعام 1922م، والذي فصلت بمقتضاه المديريات الجنوبيَّة الثلاثة (بحر الغزال، أعالي النيل، والاستوائيَّة) مع مناطق من كردفان (جبال النُّوبة) ودارفور والنيل الأزرق وكسلا.

 

سياسة عزل الجنوب التي انتهجها الاستعمار، والتي تمثَّلت في المذكرة السريَّة التي أرسلها الحاكم-العام البريطاني إلى حكام مديريات الجنوب الثلاثة في 25 كانون الثاني (يناير) 1930م، والمتمثلة في إيجاد وحدات عنصريَّة وقبليَّة ذاتية، ويكون هيكل هذه الوحدات وتنظيمها مبنيَّاً على عادات السكان الأصليين وممارساتهم ومعتقداتهم الدينيَّة، وتقديم موظفين من غير الشماليين لا يتكلَّمون العربيَّة، فضلاً عن مراقبة حركة التجار الشماليين المهاجرين إلى الجنوب، وغير ذلك من لوائح وقوانين محليَّة ترمي بالريبة والشك في قلوب المواطنين السُّودانيين من أهل الجنوب والشمال ومن مقيمين وقادمين.

 

ربط المثقف الجنوبي عضويَّاً بالفضاء الإفريقي فقط نافراً ومقيِّداً له من التلاقح مع المحيط العربي الإسلامي.

 

إنشاء المجلس الاستشاري لشمال السُّودان (1943-1947م) ليكون مقصوراً على ممثلي المديريات الشماليَّة.

 

السياسة التعليميَّة بالجنوب والإعانات المقدَّمة من الحكومة للمدارس التبشيريَّة.  أي المبشرون الذين تركَّزوا في القطاع التعليمي والذين راحوا يزرعون الشك في نفوس المواطنين (الجنوبيين)، ويزرعون في قلوبهم الخوف من أهل الشمال، وذلك من خلال تنشيط الذاكرة الجمعيَّة في الجنوب بذكريات ممارسة تجارة الرقيق وتجَّاره، وغرس هذه المفاهيم من خلال الوسائل التعليميَّة المستخدمة.

 

جهل الشماليين أنفسهم وعدم إدراكهم وتفهمهم لقضية الجنوب، ولواقع الظلم الاجتماعي، الذي يحيط بهم، وتفاقم هذا الجهل بسبب عزلة الجنوب والافتقار لوسائل المواصلات وأسباب الاتصال.

 

الانقسامات الحادة ذات الطابع القبلي والإقليمي والسياسي في صفوف الجنوبيين، لا سيما المثقفين منهم، مما زاد من حدة المشكل وترامي أطرافها.

 

ظهور حركة "الأنيانيا" التي سدَّت منافذ الحل السلمي، مؤدية لاستقطاب مضاد في اتجاه التصعيد العسكري.

 وطالبت القوى السياسيَّة الشماليَّة – فيما طالبت – بإلغاء هذه السياسات التعليميَّة والثقافيَّة جملة وتفصيلاً، علاوة على إدخال اللغة العربيَّة أسوة بالشمال، وتشجيع حركة التنقل والمواصلات بين شطري الوطن، وتحسين شروط الخدمة للعاملين بالجنوب.  بيد أنَّ الذين يستنكرون دعم السلطات البريطانيَّة للمدارس الكنسيَّة في جنوب السُّودان بشكل خاص وجبال النُّوبة بشكل عام لا يستهجنون دعم هذه السلطات نفسها للخلاوي – أي المدارس القرآنيَّة التقليديَّة – التي كانت المؤسسة التعليميَّة الأبرز في شمال السُّودان لقرون طويلة.  وحدث أنَّه "في العام 1917م اقترح بابكر بدري (للبريطانيين) تجربة إنشاء خلاوي نظاميَّة تموِّلها وتشرف عليها الدولة، مما يعني تعيين المعلمين فيها من قبل الحكومة والإشراف على أدائهم، ونُفِّذت الفكرة".(14)  وكذلك فقد ظلَّ أهل الشمال يرسلون أبناءهم المسلمين إلى مدرسة الإرساليَّة الأمريكيَّة (American Mission School) بمدينة أم درمان – حي الموردة – وبعد اجتياز الطلاب الدارسين المرحلة الابتدائيَّة بهذه المدارس كانوا يُبعثون لأمريكا لإكمال الدراسة الثانويَّة والجامعيَّة بالولايات المتحدة، ومن أبرز الطلاب الذين بُعِثوا إلى أمريكا الطالبان كبيدة ودكة ودرسا في جامعاتها الزراعة.. وحين عادا إلى السُّودان، عادا قساوسة!  وبعد هذه العودة قاطع السُّودانيُّون من المسلمين هذه المدارس، وأخرجوا أبناءهم منها، والتحق العديد منهم بمدرسة أم درمان الأميريَّة.(15)  فالمسيحيَّة والإسلام ديانتان نشأتا أساساً خارج السُّودان، ولئن سبقت المسيحيَّة الإسلام في الانتشار داخل السُّودان.  وإنَّ المسيحيَّة والإسلام لعقيدتان تستعينان بالوسائل المجرَّدة لمخاطبة عقول العلماء ونفوس الدهماء من الناس على السواء.  فأمَّا الذين أُوتوا العقل والعلم فيميِّزون بين الحق والباطل؛ وأما الجُهَّال فيلجأون إلى العواطف لتفسير ما يُلقى إليهم من النصوص، وآية ذلك تخبطهم في هذه الحياة الدنيا دون الهداية إلى الحق والعدل بين الناس.  هكذا استغل مروِّجو شعار "الإسلام هو الحل" الشعور الإسلامي والجهل المتفشي لدي كثر من أهل السُّودان للترويج لبضاعتهم السياسيَّة الكاسدة.  أيَّاً كان من أمر المسيحيَّة والإسلام، فقد أجمع الباحثون والممثلون لأهل الجنوب أنَّ هناك ثلاثة أخطاء بارزة في فترة حكومة الأحزاب الأولى (1953-1958م) ساهمت في تعميق قضيَّة الجنوب:(16)

تجاهل وتهميش القوى الجنوبيَّة في المشاركة في المناقشات التأريخيَّة التي شهدتها القاهرة بين الأحزاب الشماليَّة لتوقيع الحكم الذاتي في شباط (فبراير) 1953م.

 

بناءاً على البند (8) لاتفاقية الحكم الذاتي بإنشاء لجنة السَّودنة بإحلال قيادات سودانيَّة المواقع التي كان يحتلها البريطانيُّون والمصريُّون، وعندما قُدِّم تقرير السَّودنة للبرلمان نجد أنَّ أبناء الجنوب لم يحصلوا إلا على 6 وظائف من جملة 800 وظيفة عليا، ولم تأخذ اللجنة أيَّة اعتبارات سياسيَّة، وبخاصة لأبناء الجنوب، بل تمَّت على الأقدميَّة فقط، وتناول حزب الأحرار الجنوبي بمؤتمره في جوبا في تشرين الأول (أكتوبر) 1954م هذه الحادثة بغضب، وشحذ الجنوبيين للتضحية في سبيل الحصول على حقوقهم.

 

رؤية النخب الشماليَّة لطرح الفيديراليَّة مؤامرة بريطانيَّة لفصل الجنوب، كذلك لجنة دستور السُّودان للعام 1956م جاءت مخيبة لآمال أهل الجنوب، حيث مُنِح الجنوب ثلاثة مقاعد فقط من جملة 46 مقعداً للجنة، مما دفع الثلاثة للاستقالة فيما بعد، وذلك لعدم الأخذ بمقترحاتهم مأخذ الجد.

 

على أي، فقد ذهب كثر من الأكاديميين والساسة الجنوبيين في تعداد هذه المظالم في شيء من التدوين كثير، وكذلك قلة من أهل الشمال الذين نذروا الرحمن أن يدوِّنوا الحق والحق كله من أجل الشعب السُّوداني عامة وأهل الجنوب خاصة.(17)   وكذلك لخَّصت اللجنة التي تم تكوينها للتحري في أحداث توريت الدمويَّة في 18 آب (أغسطس) 1955م أغلب أسباب مشكلات أهل الجنوب.(18)  فلا مرية، إذن، في أنَّ محصلة هذه الاحتقانات هي التي قادت إلى الحرب الأهليَّة الطويلة التي استمرت 17 عاماً، وزُهِقت فيها من الأرواح ما لا يمكن إحصاؤها، وسُفِكت فيها دماء كثيرة.  إذ أنَّ الذين كانوا حتى في السلطة في الخرطوم من الجنوبيين لم يكونوا راضين بأوضاع أهليهم في الجنوب، وقد عبَّر السيد لويجي أدوك – عضو مجلس السيادة عن الجنوب حينئذٍ – عن استيائه عن الأوضاع السياسيَّة في الجنوب بالقول: "إنَّه شخصيَّاً لو لم يكن عضواً بمجلس السيادة لكان في ذلك الوقت مقاتلاً إلى جانب أهله في الجنوب، وإنَّ اثنين من أشقائه قتلا في حرب الجنوب، ولكنه قبل بفقدهما لأنَّه كان في سبيل القضية، ولسوف يبقى في وضعه كعضو بمجلس السيادة لتحقيق ما هو عملي لقضيَّة الجنوب."  ولا جدال في أن الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان كانت قد أدخلت السُودان في حلبة الصراع مع القوى السياسيَّة في إفريقيا الوسطى.  إذ أنَّه كان هناك تعاون وثيق بين حكومة السُّودان وثوار الكونغو، وكانت حركة الأنيانيا تقف ضد الأخير لأنَّهم قاموا بتسليم بعض أفراد الأنيانيا لحكومة الفريق إبراهيم عبود في الخرطوم، لذلك حاولت قوات الأنيانيا الاستيلاء على أسلحة كانت في طريقها من السُّودان إلى ثوار الكونغو، وكان مصدرها في الغالب مصر أو الجزائر اللتان كانتا تدعمان ثوار لوممبا بالسلاح.  أما على الصعيد الجنوبي نفسه، فقد اشتعلت الخلافات وقتها داخل حزب سانو من جهة وبين الحزب وحركة الأنيانيا من جهة أخرى.  إذ انقسم حزب سانو إلى ثلاث مجموعات: أما أولها فكانت تحت زعامة وليم دينج، وأما ثانيها فقد كانت بزعامة جوزيف أودوهو، وأما ثالثها فكانت تحت قيادة أقري جادين.  وكانت المجموعة الأولى تنادي بانعقاد مؤتمر المائدة المستديرة داخل السُّودان وفي جوبا تحديداً – إن أمكن ذلك – وترى ضرورة حل مشكل الجنوب سلميَّاً، بينما رفضت مجموعة أودوهو انعقاد المؤتمر في السُّودان وراهنت على الحل العسكري، فيما بدت المجموعة الثالثة متردِّدة في هذا الشأن.  أما بالنسبة لقيادات حركة أنانيا، فإنَّهم كانوا يعتقدون أنَّهم يجب أن يكونوا أصحاب القرار، وليس قادة حزب سانو، باعتبارهم هم الذين يسيطرون على الأوضاع في الأرض.

 

على أيَّة حال، فقد انعقد مؤتمر المائدة المستديرة للبحث في الوضع الدستوري للبلاد في الفترة بين 16-25 آذار (مارس) 1965م في الخرطوم، وضم 45 عضوا بينهم 18 عضواً مثَّلوا الأحزاب الشماليَّة و27 آخرين مثَّلوا الجنوب، كما ضمَّ أربعة مراقبين من يوغندا، وكيني واحد، واثنين من نيجيريا، واثنين من الجمهوريَّة العربيَّة المتحدة (مصر)، وأربعة من غانا، واثنين من تنزانيا، وثلاثة من الجزائر.  وترأس المؤتمر البروفسير النذير دفع الله (مدير جامعة الخرطوم) وتزعم الأمانة العامة الدكتور محمد عمر بشير (السكرتير الأكاديمي للجامعة).  وفي هذا الصدد يكتب حسن أحمد الحسن أنَّه "دعت الكلمات التي ألقاها ممثلو الأحزاب الشماليَّة إلى مواجهة قضيَّة الجنوب مواجهة جديدة، والتخلي عن القوة (العسكريَّة)، والبحث عن حل سياسي بعدم تشجيع الاتجاهات الانفصاليَّة، وكان رأي الأحزاب الشماليَّة في العلاقة الدستوريَّة بين الشمال والجنوب هو إنشاء حكومة إقليميَّة لمديريات الجنوب الثلاثة، ووضع برنامج للعمل والإصلاح يضمن التنمية السريعة في النواحي الاقتصاديَّة والثقافيَّة والصحيَّة والاجتماعيَّة، وتخصيص التكافؤ بين الشمال والجنوب".(19)  ومن جانب آخر، ألقى أقري جادين – الذي كان متحدِّثاً باسم أحد جناحي الاتحاد الوطني الإفريقي السُّوداني (سانو) – كلمة استنكر فيها في أكثر ما يكون الاستنكار سيطرة أهل الشمال العربي-المسلم على مصائر أهل الجنوب، ودعا إلى الاستقلال السياسي لجنوب السُّودان، بينما ابتنى وليم دينج – في كلمته باسم الجناح الثاني ل"سانو" – طرح الاتحاد الفيديرالي بين الشمال والجنوب، فيما دعت جبهة الجنوب – من جانبها – إلى حق تقرير المصير.  وعند إعادة النظر إلى الأوراق التي قُدِّمت، كان أول مشروع قدَّمه الجنوبيُّون مشروعاً مشتركاً بين سانو وجبهة الجنوب، وكان يدعو هذا المشروع المشترك إلى إجراء استفتاء في الجنوب تحت إشراف مراقبين من الدول الإفريقيَّة لمعرفة آراء الجنوبيين إما بقبول الوحدة الفيديراليَّة، أو الاتحاد مع الشمال، أو الاستقلال أو الانفصال.  إذ لم تقبل الأحزاب الشماليَّة مجتمعة بهذا المشروع على اعتبار أنَّه دعوة لتقرير المصير، وإعلان واقعي للاستقلال يؤدِّي في نهاية الأمر للانفصال.  عليه، ردَّ حزب سانو بمشروع آخر يدعو إلى إقامة إقليمين في السُّودان لكل إقليم سلطة كاملة داخل أراضيه في الشؤون الماليَّة والتخطيط الاقتصادي والشؤون الخارجيَّة والقوات المسلَّحة والأمن الداخلي، ويقيم الإقليمان هيئة لتنظيم الجمارك وإدارتها وشؤون النقد والأعمال المصرفيَّة والتعليم والصحة والنقل والمواصلات، على أن يُشكَّل مجلس وزراء من الإقليمين لإدارة المصالح المشتركة.  كذلك لم تقبل الأحزاب الشماليَّة بهذا الطرح بحجة أنَّه يُعتبر بمثابة تعبير آخر عن المشروع الأول يقود في نهاية المطاف إلى قيام دولتين مستقلَّتين في السُّودان لا تربط بينهما سوى الخدمات المشتركة.  وحينما وصلت الأمور بين الطرفين إلى طريق مسدود، تشكَّلت لجنة الأثني عشر في 29 آذار (مارس) 1965م برئاسة يوسف محمد علي للنظر في المسائل الآتية:

 

"لتتولى بحث الوضع الدستوري والإداري الذي يضمن مصالح الجنوب الخاصة، كما يضمن مصالح البلاد عامة.

 

أن تُكوَّن لجنة رقابة تشرف على تنفيذ الخطوات والسياسة المتفق عليها.

 

أن تخطِّط وسائل إعادة الأحوال في الجنوب إلى الأوضاع العاديَّة، وأن تُدرس الخطوات اللازمة لرفع حالة الطوارئ في الجنوب، واستتباب الأمن وحكم القانون".

 

وكان أكثر النقاط جدلاً هي النقطة الثالثة.  إذ كان السؤال الملح هو هل إعادة النظام وحكم القانون خطوة تسبق بالضرورة تنفيذ القرارات كليَّاً أو جزئيَّاً؟  أم أنَّ الأصح هو أنَّ تنفيذ القرارات هو السبيل الوحيد لإعادة النظام وحكم القانون؟  وقد تبنى الأعضاء الشماليُّون النظرة الأولى، بينما تبنى الأعضاء الجنوبيُّون الثانية.  كما كان هناك خلاف في الموقف تجاه إدانة أعمال العنف.  فقد أعلن مؤتمر المائدة المستديرة اقتناعه بأنَّ الطرق السلميَّة هي السبيل الوحيد لحسم الخلافات.  ولذا فقد كان أعضاء اللجنة مجمعين على إدانة أعمال العنف.  ولكن على من تقع التبعيَّة؟  فالأعضاء الشماليُّون طالبوا بإدانة أعمال العنف التي تقوم بها منظمة الأنيانيا.  أما الأعضاء الجنوبيُّون فقد ردوا بأنَّ أعمال العنف ليست قاصرة على الأنيانيا، بل إنَّ قوات الأمن الحكوميَّة لترتكبها أيضاً؛ ولذا يجب إدانتها معاً.  وبرغم من أنَّ الرأيين نُوقِشا في جديَّة وتفصيل، إلا أنَّه لم يتوصَّل المؤتمرون في نهاية الأمر إلى الاتفاق على رأي واحد، فضلاً عن أنَّ الحكومة لم تكن متعاونة مع اللجنة للحد الأقصى، وبخاصة حكومة محمد أحمد محجوب.  ومن ثمَّ ركَّزت اللجنة اهتمامها في صلاحيتها الأولى والرئيسة.  وفي لحظات تأريخيَّة قرَّر حزب الشعب الديمقراطي انسحابه من اللجنة في 22 تموز (يوليو) 1965م، وكذلك الحزب الشيوعي السُّوداني في 19 آب (أغسطس) 1965م.  ومع ذلك، خرجت اللجنة – كما خرج مؤتمر المائدة المستديرة قبلئذٍ – بتوصيات، حيث قام رجال الأحزاب السياسيَّة السُّودانيَّة بتداولها في مؤتمر الأحزاب السياسيَّة الذي انعقد في الفترة من 18 تشرين الأول (أكتوبر) 1966م – 10 نيسان (أبريل) 1967م.  وحسبما جاء في خطاب رئيس الوزراء – السيِّد الصَّادق المهدي – في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 1966م حصر المؤتمر بحثه في النقاط الآتية:

 

النظر في نقطتي الخلاف في لجنة الأثني عشر، وهما:

 

كيفيَّة اختيار رئيس الجهاز التنفيذي للأقاليم.

 

التقسيم الجغرافي للأقاليم.

 

هل يرى المؤتمر دعوة مؤتمر المائدة المستديرة أم يكتفي بالالتزام الحزبي وتحويل المشروع برمته إلى لجنة الدستور.

 

وفي نهاية الأمر فرغت اللجنة من صياغة تقريرها ورفعها إلى لجنة الدستور، حيث كانت الأخيرة هي الأخرى في جدال حاد بين الدستور الإسلامي والخيار العلماني؛ فمنهم من أرادوه جمهوريَّة السُّودان الإسلاميَّة، وآخرون سعوا لتأسيس مملكة السُّودان الإسلاميَّة، ثم هناك فريق كان يري أنَّ عدم تسييس الدين كفيل بتعضيد أواصر المواطنة وترميم الوحدة الوطنيَّة.  ففي التأريخ السُّوداني – كما هي الحال في المجتمعات الإنسانيَّة الأخرى – لعب العامل العرقي دوراً شريراً في المشكلات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة التي وصلت ذروتها إبَّان تجارة الرق.  هذا، فقد تركت هذه التجارة تداعيات سلبيَّة مريرة في التعامل الطبقي بين مستويات سكان السُّودان، حتى بعد زوال هذه التجارة بصورتها المعهودة كما كانت تتراءى للناس في الماضي.  وفي شأن الاستعلاء العرقي يقول الحارث حسن إدريس: "قد تطوَّر الأمر حتى أصبحت كلمة عبد أو رقيق موازية لكلمة زنجي؛ وهو تطور ألقى بظلال سوداء كثيفة على علاقات شعوب الأرض، وامتدَّ بشكل أكثر كثافة على بلاد السُّودان، إلا أنَّ ذلك الوضع الجارح حدث نتيجة لتطورات تأريخيَّة طويلة ومتشابكة تحتاج إلى كثير من البحث والتقصي."(20)  ويعود هذا الوضع – بالطبع – إلى تجارة الرق، حيث "لم تقتصر تلك التجارة الملعونة على التجار الشماليين، بل شارك فيها تجار من مصر والشام وأوربا، وأسسوا إمبراطوريَّة في بحر الغزال والاستوائيَّة، فازداد تغلغل نظام الرق في البنية الاجتماعيَّة؛ وقد أدى انحصار تجارة الرقيق في العناصر الزنجيَّة الصرفة إلى تعميق الفارق الاجتماعي بين الشمال والجنوب، حتى أصبحت كلمة رقيق أو عبد تعني أفراد تلك القبائل سواء وقعوا في أسر الرق أم لا، مما كرَّس في الشمال إحساس بالتفوق العرقي غذته قدرات الجلابة الاقتصاديَّة ذات الارتباط العضوي بالمصالح الإمبرياليَّة، فاتخذت المديريات الجنوبيَّة مساراً مختلفاً أثَّر في تطورها فتعمَّقت الغربة بين الشمال والجنوب."(21)  إذ أنَّ "الجلابة" – كما هو معروف في حقائق التأريخ السُّوداني – هم مجموعة من التجار الشماليين المغامرين في إطار الاقتصاديات البدائيَّة، وقد عملت في مناطق وأسواق مختلفة من جنوب السُّودان وغربه ووسطه.  وينطوي اسم "الجلابة" في بعده التأريخي على ثلاثة رموز: رمز طبقي مستمد من وضعهم كتجار، ورمز أثني يحتوي على صفتهم كشماليين ينتمون إلى الأرومة العربيَّة، ثم رمز ديني يعبِّر عن اعتناقهم للدين الإسلامي.  فقد شرع السُّودانيُّون العرب يستظهرون بهذه العروبة مهما يكن من أمرها على الأغيار من سكان السُّودان الأصليين، ويستظهرون عليهم، كذلك، بما عندهم من أنساب تعود أصولها إلى صحراوات وواحات الجزيرة العربيَّة.  فكان الأجدر والمطلوب من قادة السُّودان الأوائل هو دراسة الآثار الناجمة عن مخلفات التأريخ السُّوداني المعاصر، والتي يمكن أن تؤدِّي إلى تفتيت وحدة التراب السُّوداني، وبخاصة عند إضافة عوامل أخرى إلى هذا الوضع الملتهب.  غير أنَّ أرباب الحكم اختاروا – تحت الإصرار على إعابة الاستعمار والعيب فيهم – أن يضيفوا عامل الدين الإسلامي بعد أن اصطفوه من عدة أديان يدين بها أهل السُّودان.  ومثلما فعل الانتماء إلى العروبة فعلته بين الناس في السُّودان، أضاف الجانب الديني كارثة على ما كنا فيه من قبل، وليمسي هذا الأمر أداة من أدوات التدليس باسم الوطن، وكأنَّما همّ أولئك وهؤلاء جلب النقمة وتنغيص عيش الأغيار.  ففي هذا الجو السياسي المتعدد الطوائف والملل، المختلف المنازع، والمتباين الأهواء، كان يعيش رجال الأحزاب والشعب السُّوداني مسلوبي الإرادة وفاقدي الأمل حتى جاءهم العقيد جعفر محمد نميري على رأس الانقلاب العسكري في فجر 25 أيار (مايو) 1969م ليدخل السُّودان في عهد عسكري ديكتاتوري جديد.

 

إذن، لماذا فشل مؤتمر المائدة المستديرة؟  في سبيل الرد على هذا السؤال يرجع الدكتور محمد عمر بشير أسباب الفشل إلى عدة عوامل عدَّدها في الآتي:

 

انعقد المؤتمر في وقت تصدَّعت فيه الوحدة الوطنيَّة التي تحقَّقت عقب ثورة تشرين الأول ( أكتوبر) 1964م مباشرة، وفي الوقت الذي فيه طغت المناورات السياسيَّة بين القوى السياسيَّة الشماليَّة، حيث أصبح التركيز على الانتخابات العامة الشغل الشاغل لا قضيَّة الجنوب.

 

دخلت الأحزاب الجنوبيَّة منقسمة على نفسها، ولم تتفق على نوع محدَّد للعلاقة الدستوريَّة بين الشمال والجنوب تراها مقبولة بينها.

 

كانت غالبيَّة ممثلي الجنوب من العناصر المتزمِّتة التي لا تحبِّذ التفاوض، فضلاً عن أنَّها ذات خبرة محدودة.

 

تشديد العناصر المتطرِّفة وجماعة الأنيانيا من ضغوطها على ممثلي الجنوب، كما استغلَّت الأنيانيا ظروف السَّلام النسبي الذي حدث عقب ثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1964م لإعادة تنظيم نفسها، والحصول على أسلحة جديدة واستئناف هجومها على مراكز الجيش والشرطة في الجنوب، مما أفسد الجو المناسب لعقد مؤتمر السَّلام.

 

وحين ننظر إلى هذه الأسباب الأربعة التي عدها الدكتور بشير بأنَّها وراء انهيار مؤتمر المائدة المستديرة نجد أنَّه قد خص الأحزاب الشماليَّة بسبب واحد، بينما فصَّل الأسباب الثلاثة المتبقيَّة وألبسها على الأحزاب الجنوبيَّة أو ممثليهم في المؤتمر.  ومن خلال قراءتنا للكلمات الافتتاحيَّة وأوراق المؤتمر ومداولاته وتوصياته رأينا أنَّ المؤتمر قد فشل في ترجمة ما توصَّل إليه من قرارات إلى الجوانب العمليَّة للأسباب الآتية:

 

لم تبذل الحكومة ولا الأحزاب المنظِّمة للمؤتمر جهداً للاتصال بالحركة المسلَّحة – أي الأنيانيا – في جنوب السُّودان للاشتراك في المؤتمر، برغم من أنَّ مسألة الحرب والسلم هي القضيَّة المحوريَّة الأولى التي من أجلها انعقد هذا المؤتمر، بل اكتفت الأحزاب الشماليَّة بنعتهم ب"جماعات مسلَّحة خارجة على القانون تعيث فساداً، وتنهب وتسلب المواطنين الجنوبيين والشماليين على السواء، وتحرمهم من حريَّة التصرف والتَّعبير؛ وحتى اليوم لا يُعرَف من يقودها ولا تُعرَف أهدافها؟"

 

لم تبادر الحكومة بانعقاد هذا المؤتمر، بل انساقت له انسياقاً، وقد ورد هذا جليَّاً على لسان رئيس الوزراء الانتقالي – سر الختم خليفة – في خطاب الحكومة الافتتاحي حين قال: "إنَّ الأحزاب والهيئات السياسيَّة السُّودانيَّة اتفقت على أن تكون أولى خطواتها في سبيل حل المشكل هي الدعوة لهذا المؤتمر القومي، (وقد) رأينا – وإن لم تكن الحكومة طرفاً فيه – أن نؤيِّد الأحزاب فيما اتَّفقت عليه، وأن نبارك سعيها سائلين الله أن يسدِّد خطاها، وأن يهدينا جميعاً سواء السبيل".  هذا ما كان من دور الحكومة الذي اقتصر على التأييد والمباركة وسؤال الله في تسديد الخطى والهدى إلى سواء السبيل.  فبدلاً من اتخاذ خطوات عمليَّة وجريئة في تخفيف وطأة الحرب الأهليَّة في الجنوب والأخذ بناصية المبادرة في هذا المؤتمر، انحصر الدور الحكومي في هذا الجانب السلبي.

 

أما فيما يختص بحكومة محمد أحمد محجوب فقد عملت هذه الحكومة على تعطيل بعض أعمال لجنة الأثني عشر، واهتمَّت أكثر ما اهتمَّت بمحاولات حل – أو قل تصعيد - النزاع العربي-الإسرائيلي كما حدث في مؤتمر اللاءات الثلاثة في الخرطوم في آب (أغسطس) 1967م، والتوسط لحل النزاع اليمني الذي تورَّطت فيه كل من المملكة العربيَّة السُّعوديَّة والجمهوريَّة العربيَّة المتَّحدة (مصر)، بدلاً من الاجتهاد في حل قضايا السُّودان الداخليَّة، بما فيها مشكل الحرب الأهليَّة في جنوب البلاد.

 

عُقِد المؤتمر في الخرطوم في حين أنَّه كان ينبغي أن يُعقد في دولة محايدة حتى يتسنى للمتمرِّدين المشاركة الفعَّالة في مداولات المؤتمر والتوصيات النهائيَّة، بدلاً من تنكر أحزاب الشمال عليهم، وادعائهم بأنَّهم لا يعرفون "من يقودهم ولا تُعرَف أهدافهم".

 أحدثت الأحزاب الشماليَّة التقليديَّة انشطاراً وسط الجنوبيين بإتيانهم بأفراد من أهل الجنوب، وسمَّتهم "وجهات النظر الأخرى"، وذلك "قبيل انعقاد المؤتمر لتصب الماء على أي موقف متشدِّد (قد) يصدر عن أي من جناحي حزب سانو أو جبهة الجنوب حول مواضيع الخلاف."(22)

كان تطابق وجهتي نظر الحكومة والأحزاب الشماليَّة مجتمعة تؤكِّد أنَّه ليس هناك فرقاً بينهما، مما جعل الأحزاب الجنوبيَّة تقف موقف المدافع في معركة غير متكافئة وغير عادلة.

 

مهما يكن من الأمر، فقد أتاح مؤتمر المائدة المستديرة فرصة للساسة الشماليين وبعض قيادات أهل الجنوب للتعرف على تفاصيل القضيَّة، وتبادل مختلف وجهات النظر حولها.  ثمَّ كان المؤتمر أول مشروع سياسي غير حكومي لحل المشكل سلميَّاً.  بالطبع، كانت هناك مبادرات إقليميَّة وحزبيَّة وفرديَّة لحل مشكل الحرب الأهليَّة سياسيَّاً، وإن لم تبد قادة الحكومات المتعاقبة لها حماساً ولم تعيرها انتباهاً.  كل ذلك لأنَّ إيمانهم المفرط كان يوهمهم بأنَّ القوة العسكريَّة كفيلة بإلحاق هزيمة ساحقة بالمتمرِّدين حتى لا تقوم لهم قائمة، أو يأتوا إلى الخرطوم صاغرين.  فقد طلب الرئيس الغاني كوامي نيكروما التوسط بين الحكومة السَّودانيَّة وحركة الأنيانيا لإنهاء هذا النِّزاع الدموي سلميَّاً، إلا أنَّ حكومة محمد أحمد محجوب قد ردت على هذا الطلب الغاني بأنَّ هذا الأمر قضيَّة داخليَّة، وإنَّ حكومته غير راغبة في تدخل الآخرين.  ويذكر أندرو ويو أنَّه "في العام 1968م اقترح الأب فيليب عباس غبوش على البرلمان تكوين وفد برلماني للذهاب إلى كمبالا (حاضرة يوغندا) لمناقشة قادة الأنيانيا؛ (فقد) أخذ هذا الاقتراح فترة ثلاثة شهور في المداولات والنقاش، ومع الأسف الشديد قيلت بعض العبارات غير المسؤولة في مناقشة ذلك الاقتراح."(23)  على أيَّة حال، فقد صبر أهل الجنوب لهذه الحرب مهما كانت ضراوتها، واحتملوا فيها من ألوان المشقة ما ينوء بالرِّجال أولي العزم، ثمَّ تمَّ قتل أناس كثر، لكن كانوا مستعدِّين للتضحية بأنفسهم وأبنائهم وأموالهم لما يؤمنون به.

 

بيد أنَّ وليم دينج، الذي وضع ثقته في حكومة الخرطوم وعاد إليها في 27 آذار (مارس) 1965م برفقة ثلاثة من مساعديه ورئيس البرلمان اليوغندي، لم يعش طويلاً ليرى ما ستؤول إليه الأوضاع بخصوص مسألة الجنوب؛ فقد اُغتيل في أحراش الجنوب العام 1968م.  هذا هو وليم دينج الذي شغل نفسه بعرض الحكومة السُّودانيَّة للعفو العام، وعاد إلى الخرطوم ظناً منه أنَّ القوم جديرون بالثقة.  مهما يكن من الأمر، فقد استمرت هذه الحرب الأهليَّة السُّودانيَّة حتى وضعت أوزارها بالتوقيع على اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م.  إذ أنَّ اتفاقيَّة السلام العام 1972م كانت مؤسسة على تحضيرات الديمقراطيَّة الثانية التي تمَّت عبر مؤتمر المائدة المستديرة العام 1965م وعبر لجنة الاثني عشر العام 1966م وعبر مؤتمر عموم أحزاب السُّودان العام 1967م.  وحسبما جاء في انتقادات النَّاس لاتفاقيَّة أديس أبابا فإنَّهم بخَّسوها لأنَّها لم تعط – في الواقع – حلاً حاسماً لقضيَّة التنمية الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة للمناطق الأكثر تخلفاً، أو الأقل تنمية في السُّودان عامة والجنوب خاصة.  فكل ما اهتم به اتفاق أديس أبابا هو منح الحكم الإقليمي لأهل الجنوب وتفويض السلطة السياسيَّة لأبنائهم، وهو الأمر الذي اعتبره البعض بمثابة "جنوبة الوظائف".  ومن المعلوم أنَّ "سودنة الخدمة المدنيَّة" في الشمال عشيَّة جلاء الاستعمار لم تقدِّم تنمية اجتماعيَّة أو اقتصاديَّة أو ثقافيَّة للسُّودانيين، وهكذا الحال في الجنوب بعد إبرام اتفاقيَّة أديس أبابا.  وقد استفادت مجموعة صغيرة من الجنوبيين من الاتفاقيَّة في اكتناز المال على حساب المواطنين المغلوبين على أمرهم، وكان عصيان بعض أفراد قوات الأنيانيا السابقة يعتبر تعبيراً عن شعورهم بالإحباط لأنَّهم لم ينالوا الوظائف الحكوميَّة العليا أو الرتب العسكريَّة الرفيعة التي فيها كانوا يطمحون ويطمعون.  ثم ذكر منتقدو اتفاقيَّة أديس أبابا أيضاً أنَّها عجزت في تقديم الديمقراطيَّة الحقيقيَّة سواء كان ذلك لأهل الجنوب أم الشمال؛ فكل ما أتت به هو تفعيل الاتحاد الاشتراكي السُّوداني في جنوب البلاد.  غير أنَّ "ديمقراطيَّة الاتحاد الاشتراكي السُّوداني" في الجنوب كانت أكبر درجة مما كانت في الشمال، وذلك لأنَّ الرئيس جعفر محمد نميري كان يراقب عن قرب وكثب كل ما يدور داخل أروقة هذا الاتحاد الاشتراكي السُّوداني في الخرطوم، ويعاقب من سوَّلت له نفسه الخروج من الخط المرسوم.  بيد أنَّ أكبر محاسن الاتفاق هو إيقاف إراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد، ووضع حد لتبديد موارد البلاد البشريَّة والماديَّة في الاقتتال.  غير أنَّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو لماذا عاد السُّودانيُّون إلى العدائيَّات كرة أخرى العام 1983م؟  إنَّ الإجابة على هذا السؤال هي أنَّ اتفاقيَّة أديس أبابا لم تكن فيها ضمانات أية ضمانات ذات أنياب مثل القوة العسكريَّة التي قد تحرس الانجازات الموقعة عليها، ولا حتى الضمانات الدوليَّة والإقليميَّة.  فلم تكن هناك إشارة واضحة عما سيفعله أهل الجنوب إذا خُرِق الاتفاق من جانب الحكومة المركزيَّة في الخرطوم، لذلك وجد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري الأمر هيناً، وطفق يلعب بالاتفاق يمنة ويسرة ككرة التنس دون أن ترمش له عين، أو يتأسَّى له الفؤاد، أو يرتاب من ذوي بأس شديد.

 

ولعلّ المشكلات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة التي باعدت الفجوة بين الشمال والجنوب كثيرة، حيث لا سبيل إلى الشك في أنَّ العجز الاقتصادي-التنموي بائن لمن يزور أيَّة منطقة في الجنوب، ولا ينكره إلا كل أفَّاك مبين، أو متغافل يبغي استغفال الناس، أو عنصري معتد أثيم.  ومع ذلك، فقد تعرَّض الجنوب عن قصد لسياسة الركود الاقتصادي؛ إذ لم يكن له من المشاريع التسعة الصناعيَّة والإنتاجيَّة التي تم إنشاؤها منذ الاستقلال غير مشروع واحد.  أما المشاريع الصناعيَّة التي قامت بعد الاستقلال كمشروع صناعة السكر بمنقلا بالاستوائيَّة قد نُقِل إلى الجنيد بشمال السُّودان (منطقة الجزيرة)، ولم يُمنح إذناً لإقامة مصنع الورق بالقرب من ملكال بأعالي النيل، وأغلق مشروع الزاندي الصناعي الذي أسسه البريطانيُّون في المديريات الاستوائيَّة، ونقل مصنع الأقطان العام 1961م إلى شمال السُّودان، ولم يقم مشروع تعليب الأسماك في ملكال.  بيد أنَّ الحكومة قد أسَّست معملاً لتعليب الفاكهة في الجنوب، وبدلا من وضعه في الاستوائيَّة حيث تكثر الفاكهة، فإنَّه وُضِع في واو التي تبعد حوالي 200 ميلاً من أقرب شجرة للفاكهة.  أي في محصلة القول قد تمَّ تعطيل المشاريع التي تقدَّم بها فريق البحوث العام 1954م، أي عشيَّة انصرام الاستعمار.  كذلك فإنَّ من المآخذ التي عمَّقت أزمة عدم الثقة بين الشمال والجنوب قد عبَّرت عنها تطورات معيَّنة منها:

 التصور السياسي الذي حمله الشمال للكيان السُّوداني منذ بداية الوعي الوطني، مركِّزاً على الانتماء الإسلامي-العربي وحده، ومغيباً ومهمشاً للأعراق غير العربيَّة وغير الإسلاميَّة.  أفلم يكن مصطفى لطفي المنفلوطي على حق حين كتب في كتابه العبرات: "وكل نبات يُزرع في أرض غير أرضه، أو في ساعة غير ساعته، إمَّا أن تأباه الأرض فتلفظه، وإمَّا أن ينشب فيها فيفسدها."  وهذه هي حال العروبة والإسلام في السُّودان.

لم يتم تحرك سريع لمعالجة أخطاء هذا التصور عند استدراكه، والتصدِّي للأغلاط الأخرى التي تعتري الوحدة الوطنيَّة.

 

تركيز التنمية الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والإدارة والأمن والدفاع، فضلاً عن التعبير عن سياسات السُّودان الخارجيَّة على رؤية ومصالح الشمال مع إهمال التعبير عن مصالح الأعراق الأخرى غير الشماليَّة، برغم من أنَّ هذا الخطأ قد ساهم الاستعمار في تكوينه، لكن يؤخذ على الحكومات الوطنيَّة التي جاءت بعد الاستقلال أنَّها حافظت عليه.

 التعامل مع أهل الجنوب وكأنَّهم يقبعون تحت نير الاستعمار الشمالي (العربي-الإسلامي)، وبخاصة في أوقات الحرب الأهليَّة أو لحظات نشوب النِّزاعات ذات الطابع الأثني (عربي-إفريقي)، حيث سرعان ما تأخذ السلطات الحكوميَّة في المركز والإقليم جانب الطرف العربي في الصِّراع وتدعمه ماديَّاً وعسكريَّاً وقضائيَّاً وإعلاميَّاً.