عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق

  

لا يستقيم تحليل اتفاقيَّة السَّلام الشامل عامة، وبروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق خاصة، دون النظر إلى الطريقة التي بها وضعت الحرب الأهليَّة في السُّودان أوزارها العام 2005م.  فلا الحكومة السُّودانيَّة استطاعت أن تنتصر على الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، ومن ثَمَّ تفرض نفوذها على مناطق سيطرة الحركة الشَّعبيَّة، ولا الحركة الشَّعبيَّة نجحت – من جانبها – في تحقيق نصراً شمولاً على الحكومة وتنزِّل مفهوم السُّودان الجديد على بقيَّة أرجاء القطر.  من هذا المنطلق النظري بدأ الطرفان يتفاوضان فجاءت اتفاقيَّة السَّلام على هذا النحو، وبخاصة الجزء الخاص بجنوب كردفان والنيل الأزرق وبشكل ما منطقة أبيي.  وكذلك فإنَّ السبيل الذي سلكه الطرفان للوصول إلى هذا البروتوكول الخاص بهذه "المناطق الثلاثة" في ذلك الرَّدح من الزَّمان يعود إلى المحاولات السياسيَّة الأولى التي تناولتها القوى السياسيَّة السُّودانيَّة المختلفة، بما فيها الحركة الشَّعبيَّة ذاتها، في تحقيق السَّلام في السُّودان.  وكان هذا السبيل هو تقسيم مشكل الحرب الأهليَّة في السُّودان يومئذٍ بين الجنوب والشمال والمناطق المهمَّشة الأخرى – أي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ومنطقة أبيي.  فما هي الجهود السياسيَّة التي أتت بها الأحزاب السياسيَّة منفردة أو مجتمعة باسم التجمع الوطني الديمقراطي، وكانت لها دور رائس في بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق ومنطقة أبيي فيما بعد؟

 

إذن، إنَّه لمن الأمر الأساس النظر إلى الخلفيَّة التأريخيَّة التي منها انبثق بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق.  ففي إعلان المبادئ الذي أطلقته دول "الإيقاد" في 20 أيار (مايو) 1994م، تقول الفقرة 2-2: "يجب التأكيد على حق تقرير المصير لجنوب السُّودان لتحديد وضعهم المستقبلي عن طريق الاستفتاء."  وقد تحفَّظت الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان حول "تعريف الجنوب"، لكن التحفُّظ دوماً ما هو إلا منطقة وسطى بين القبول والاعتراض، وإذا تجاوز التحفُّظ هذه المنطقة ليصبح اعتراضاً، فإنَّه ينبغي أن يكون للاعتراض أي اعتراض أنياب وأظافر لانتزاع الحق المسلوب أي حق.  أمَّا الإعلان المشترك بين الحزب الاتحادي الديمقراطي والحركة الشَّعبيَّة في القاهرة في يوم 19 تموز (يوليو) 1994م فقد كان شاملاً، بحيث تحدَّث عن كل من هو متضرِّر من الوضع السياسي في السُّودان دون التركيز على الجنوب بعينه.  ففي هذا الإعلان الذي وقعه الدكتور أحمد السيِّد حمد (نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي) والقائد يوسف كوة مكي (رئيس المؤتمر القومي للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان) - وفي الفقرة السادسة منه - يقول الإعلان: "في حالة الإخلال أو العدول عن المبادئ الأساسيَّة التي يتم الاتفاق عليها في المؤتمر (القومي) الدستوري، يكون للطرف أو الأطراف المتضرِّرة الحق في تقرير مصيرها، وذلك عن طريق استفتاء للطرف المعني.  ويجب الالتزام بنتيجة الاستفتاء."(92)  أمَّا فيما يختص بإعلان شقدوم الموقَّع بين حزب الأمة من جهة، والحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان من جهة أخرى، في يوم 21 كانون الأول (ديسمبر) 1994م فقد اعترفت الحركة الشَّعبيَّة اعترافاً كاملاً بحق تقرير المصير للشعب في جبال النُّوبة وإقليم أبيي، وجبال الأنقسنا، على أن يُمارس هذا الحق في استفتاء حر تحت رقابة دوليَّة، بينما رفض حزب الأمة ذكر وتضمين جبال النُّوبة، إقليم أبيي، وجبال الأنقسنا في الفقرة الخاصة بحق تقرير المصير لأيَّة مجموعة خارج جنوب السُّودان.(93)  إذ لم يكن موقف حزب الأمة تجاه النُّوبة وقضاياهم بجديد.  فللحزب في هذا الموقف السلبي ضد النُّوبة خاصة، وأهل الهامش عامة، سابقة وقدمة، ولعلَّ سياسات الحزب في الحكومة المركزيَّة في الفترة ما بين (1986-1989م) في تمليش القبائل العربيَّة وعسكرتها ضد النُّوبة أثناء الحرب الأهليَّة أوضح مثال لسوءات حزب الأمة في جبال النُّوبة.  وكانت تحالفات حزب الأمة مع الحركة الإسلاميَّة مثيرة للاشمئزاز، ولا يطمئن عليها الحادبون على مصلحة السُّودان والمنادون بإنصاف أهليهم من جور السلطة وأصحابها.  لذلك حين شرعت حكومة الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة تتحدَّث عن المصالحة الوطنيَّة من باب التزيُّد هدَّد الأب فيليب عباس غبوش – رئيس الحزب القومي السُّوداني الحر – "بالدخول إلى الغابة وحمل السِّلاح وتحريض سكان جبال النُّوبة ضد السلطة إذا توصَّلت الحكومة إلى صيغة تعاون مع السيَّد الصَّادق المهدي – رئيس الوزراء الأسبق (...) لأنَّه فشل من قبل في إدارة شؤون البلاد."(94)

 وفي مؤتمر القضايا المصيريَّة بأسمرا – حاضرة إريتريا – في الفترة من 15-23 حزيران (يونيو) 1995م، فقد جاءت الفقرات التي تخاطب مشكل جبال النُّوبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قراري التجمع الوطني الديمقراطي حول قضيَّة تقرير المصير وشكل الحكم (في الفترة الانتقاليَّة).  فماذا وصى التجمع في هذين القرارين؟  في البد الخامس حول قرار تقرير المصير قرَّر التجمع "الالتزام بالسَّلام العادل والديمقراطيَّة والوحدة القائمة على الإرادة الحرة لشعب السُّودان، وحل النِّزاع الرَّاهن بالوسائل السلميَّة عبر تسوية عادلة ودائمة.  ولتحقيق هذه الغاية، فإنَّ التجمع الوطني الديمقراطي يدعم إعلان المبادئ الصَّادر عن مجموعة الإيقاد كأساس عملي للتسوية العادلة والدائمة."  ومن ثَمَّ اعترف التجمع في البند السَّادس من هذا القرار "أنَّ حق تقرير المصير هو حق إنساني ديمقراطي أساسي للشعوب يحق لأي شعب ممارسته."  وقد أكَّد التجمع في البند التَّاسع "أنَّ المناطق المتأثرة بالحرب هي جنوب السُّودان ومنطقة أبيي وجبال النُّوبة وجبال الأنقسنا."  ثم أشار التجمع في البند الثاني عشر "أنَّه فيما يتعلَّق بجبال النُّوبة والأنقسنا فإنَّ الحكومة الانتقاليَّة ستسعى للتوصل إلى حل سياسي لتصحيح الظلامات التي عانى منها أهل تلك المناطق، وستنظم استفتاء لمعرفة آرائهم حول مستقبلهم السياسي والإداري خلال الفترة الانتقاليَّة."  هذا الإقرار بمبادئ الإيقاد دون تحفظ على أيَّة نقطة من نقاطها يجعل منطقة جنوب كردفان والأنقسنا وأبيي خارج تعريف الجنوب الذي يحق له ممارسة حق تقرير المصير بحدوده القائمة في أول كانون الثاني (يناير) 1956م قبيل انتهاء الفترة الانتقاليَّة.  ولكن عموم الفقرة التالية يعطي جبال النُّوبة الحق في ممارسة حق تقرير المصير، وذلك لأنَّه "حق إنساني ديمقراطي أساسي للشعوب يحق لأي شعب ممارسته."  ومن جانب آخر، فإنَّ الإقرار بمبادئ الإيقاد ليعني أنَّ منبر الإيقاد هو الإطار السياسي الذي به يمكن حل مسألة الحرب والسلم في السُّودان، بما في ذلك النزاع في جبال النُّوبة.  وفي هذا المؤتمر أصدر كذلك التجمع الوطني الديمقراطي قراراً حول شكل الحكم، حيث جاءت التعريفات على النحو التالي:(95)

الكيان الجنوبي يعني المديريات الجنوبيَّة بوضعها الذي كانت عليه في الفاتح من كانون الثاني (يناير) 1956م.

 

بما أنَّ للجيش الشَّعبي وجود في بعض مناطق جبال النُّوبة وجبال الأنقسنا وأبيي، وبما أنَّ المصير النهائي لهذه المناطق سيُحسم من الناحية السياسيَّة والإداريَّة وفق الفقرة 5و6 من قرار التجمع حول تقرير المصير:

 يُدار مركز أبيي وبعض المناطق التي يسيطر عليها الجَّيش الشَّعبي في جبال النُّوبة خلال الفترة الانتقاليَّة وإلى حين إكمال الإجراءات المشار إليها أعلاه حول الوضع السياسي والإداري لهذه المناطق عن طريق سلطة مدنيَّة مشتركة بين حكومة إقليم كردفان والحركة الشعبيَّة.تُدار المناطق التي يسيطر عليها الجَّيش الشَّعبي في جبال الأنقسنا عن طريق سلطة مدنيَّة مشتركة بين حكومة الإقليم الأوسط والحركة الشَّعبيَّة.

هذا، فقد حددَّ المؤتمر الفترة الانتقاليَّة بأربع سنوات تبدأ منذ مباشرة الحكومة الانتقاليَّة لسلطاتها.  وبما أنَّه لم يشارك أي من فصائل الحزب القومي السُّوداني في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة ولا اتحاد عام جبال النُّوبة، إلا أنَّ تمثيل شعب النُّوبة في هذا المؤتمر المصيري كان مقصوراً على الحركة الشعبيَّة، وكان من ضمن أعضاء وفد الحركة القائد دانيال كودي، وهو من أبناء النُّوبة.  ولا شك في أنَّ قرارات وتوصيات التجمع حول مسألة النُّوبة كانت منصفة.

 وحسبما ورد في بروتوكول مشاكوس الإطاري الموقع بين الحركة الشعبيَّة من ناحية، والحكومة السُّودانيَّة من ناحية أخرى في 20 تموز (يوليو) 2002م، فقد خصَّ البروتوكول شعب جنوب السُّودان بالذكر والتحديد في مواقع عدة.  ففي الجزء الخاص بالمبادئ المتفق عليها، ورد ما يلي:

إنَّ وحدة السُّودان، التي تقوم على أساس الإرادة الحرة لشعبه والحكم الديمقراطي، والمساءلة، والمساواة، والاحترام، والعدالة لجميع مواطني السُّودان، ستظل هي الأولويَّة بالنسبة للطرفين، وأنَّه من الممكن رد مظالم شعب جنوب السُّودان وتلبية طموحاته ضمن هذا الإطار.

 

شعب جنوب السُّودان له الحق في رقابة وحكم شؤون إقليمه والمشاركة بصورة عادلة في الحكومة القوميَّة.

 

شعب جنوب السُّودان له الحق في تقرير المصير وذلك، ضمن أمور أخرى، عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً.

 

تخطيط وتنفيذ اتفاقيَّة السَّلام بغية جعل وحدة السُّودان خياراً جذَّاباً، وبصفة خاصة لشعب جنوب السُّودان.

 

وكما أشار البروتوكول واضحاً بأنَّ "شعب جنوب السُّودان له حق تقرير المصير، وذلك – ضمن أمور أخرى – عن طريق استفتاء لتحديد وضعهم مستقبلاً"، لم يعط البروتوكول هذا الحق لإقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ولئن جاء وضع أبيي في مقام وسط بين الشمال والجنوب في الترتيبات النهائيَّة لاتفاقيَّة السَّلام الشامل.  وقد جاءت هذه الأمور الأخرى، الواردة نصاً في البروتوكول، فيما عُرِفت بحكومة جنوب السُّودان بأجهزتها التنفيذيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة والعسكريَّة والأمنيَّة والماليَّة ومكاتب حكومة الجنوب بالخارج في شكل أشبه بالبعثات الديبلوماسيَّة.  وفيما يختص بالجزء المخصص للدين والدولة، فقد شملت البنود الواردة فيه حقوقاً دينيَّة وثقافيَّة تسري على النُّوبة وأهل الجنوب وغيرهم ممن يعتنقون غير الإسلام ديناً ويتثاقفون بثقافة غير عربيَّة.  وكذلك يمنح الجزء الخاص بهياكل الحكم حقوقاً مشروعة، مما يدخل منطقة جبال النُّوبة – إذا جاء التعداد السكاني مصدِّقاً بين أيدينا – في مجال هذه الخصوصيَّة.  والبندان هما:

 

التشريعات التي تُسن على الصعيد القومي، المطبقة على الولايات الجنوبيَّة و/أو الإقليم الجنوبي، يكون مصدرها التوافق الشعبي، وقيم وعادات شعب السُّودان (بما في ذلك تقاليدهم ومعتقداتهم الدينيَّة، احتراماً للتنوع في السُّودان).

 

عندما يكون هناك تشريع قومي نافذ المفعول في الوقت الحالي، أو تمَّ سنه ومصدره قانون ديني أو عرفي، فإنَّ أيَّة ولاية أو إقليم لا تمارس أغلبيَّة السكان فيه مثل هذه الديانة أو العادات، يجوز لهم عندئذٍ:

 

إصدار تشريع يسمح بأعراف أو ممارسات في ذلك الإقليم، تتماشى مع دياناتهم أو عاداتهم، أويُحال القانون إلى مجلس الولايات للموافقة عليه بأغلبيَّة الثلثين أو البدء في تشريع قومي ينص على مثل هذه الأعراف البديلة اللازمة حسبما هو ملائم.

 

فلا ريب في أنَّ المؤتمر الوطني قد اجتهد الاجتهاد كله كي لا يستفيد النُّوبة من هذه البنود التي ضُمِّنت في دستور السُّودان الانتقالي، وبذلك بضم ولاية غرب كردفان سابقاً – بعربه المسلمين – إلى ولاية جنوب كردفان، حتى تختل المعادلة الديمغرافيَّة في التعداد السكاني والإحصاء الانتخابي وأي استفتاء عام أو أيَّة مشورة شعبيَّة.

 

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أنَّ لكل الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق المحليَّة أو الإقليميَّة أو الدوليَّة مرجعيَّات، واتفاقيات السَّلام بالسُّودان ليست باستثناء.  إذ كانت مرجعيَّة اتفاقيَّة أديس أبابا العام 1972م لحل مشكل جنوب السُّودان هي تلك التوصيات والقرارات التي خرج بها مؤتمر المائدة المستديرة العام 1965م، وصاغتها لجنة الأثني عشر المنبثقة من المؤتمر، وفشلت في تنفيذها حكومة الأحزاب السياسيَّة السُّودانيَّة يومئذٍ، حتى أخذهم انقلاب العقيد جعفر محمد نميري العام 1969م بغتة وهم لا يعلمون.  ثم جاء قادة الانقلاب وصاغوها في اتفاقيَّة أديس أبابا.  كذلك إنَّ الوضع السياسي الذي خرجت به ولاية جنوب كردفان والنيل الأزرق - وبشكل أو بآخر منطقة أبيي – هو المشروع السياسي الذي ارتضته القوى السياسيَّة (التجمع الوطني الديمقراطي) في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيريَّة في حزيران (يونيو) 1995م، وإن جاءت التوصيات في ذلك المؤتمر دون تحديد النسب المئويَّة، كما هو واضح أعلاه.  فما هو الدَّرس الذي ينبغي تعلُّمه من هذا كله؟  إنَّ أي عمل سياسي ينبغي ألا يُبنى على جرفٍ هاو، وذلك لأنَّ ملحقاته لسوف تعتمد اعتماداً كليَّاً على هذا الأساس، فإن كان هشَّاً سوف ينهار البناء عند تعرُّضه لأول عاصفة سياسيَّة.  أفلم تروا كيف آلت اتفاقيَّة أديس أبابا إلى الزوال العام 1983م لأنَّها لم تتضمَّن بنوداً هامة تجاه ضمانات الاتفاق من عسكريَّة وسياسيَّة وإقليميَّة ودوليَّة وأمميَّة؟  بلى!  أفلم تروا كيف انقلب استقلال إريتريا في نيسان (أبريل) 1993م إلى تجدُّد الحرب بينها وبين إثيوبيا العام 1998م لأنَّ الاستقلال الثوري هذا لم يحسم كل القضايا المشتركة بين البلدين، بما فيها قضيَّة الحدود والأراضي المتنازعة عليها؟  بلى!  أفلم تروا كيف انقلبت الوحدة بين شطري اليمن (الجنوبي والشمالي) العام 1994م إلى اندلاع الحرب الأهليَّة في ذلكم البلد لأنَّ الوحدة لم تخاطب جميع القضايا السياسيَّة والاقتصاديَّة الاجتماعيَّة وغيرها بين الشعبين السَّابقين؟  بلى!

 

على أي، ففي الشهادة التي أدلى بها الدكتور فرانسيس دينج أمام الكونغرس الأمريكي العام 2002م في جلسة استماع مهمة حول "تحديد الخطوة التالية في طريق السَّلام في السُّودان"، حيث تحدَّث فيها ثمانية من المسؤولين والخبراء الذين لهم صلة بملف السُّودان، قال الدكتور دينج أنَّه لا يمكن للطرفين، أي الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشَّعبيَّة، أن يكسبا الحرب في المدى القريب.  وعليه يكون البديل هو التعايش داخل إطار دولة واحدة بنظامين، برغم أنَّ النُّوبة وبقيَّة المناطق المهمَّشة ترى في هذا الاقتراح إخراجاً لها عن المعادلة، مما يجعلهم يطالبون بعدة أنظمة بدلاً عن نظامين.  وبما أنَّ مواطني جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وأبيي من المهمَّشين سياسيَّاً وتنمويَّاً واجتماعيَّاً وثقافيَّاً، فينبغي إيجاد صيغة لحل مشاكلهم أيضاً.  لقد كانت التوصية المركزيَّة لجون دانفورث هي أنَّ جهود السَّلام يجب أن تتواصل في طريقين: أولهما برغماتيَّاً محفِّزاً، وثانيهما يتعلَّق بالسَّلام الشامل الذي يتعاطى مع القضايا الخطيرة في الصراع.  وكان المدخل التدرجي هو اتفاق وقف إطلاق النار بجبال النُّوبة – كما أشرنا سلفاً، وكان يمكن أن تجري ترتيبات مشابهة في المناطق الحدوديَّة الأخرى بين الشمال والجنوب لا سيما منطقة دينكا أبيي التي تفصل بين جنوب كردفان وشمال بحر الغزال.  أما المدخل الثاني فهو البحث عن سلام شامل، وذلك ببذل المزيد من الجهد طالما أنَّ الخطوات التدريجيَّة في جبال النُّوبة قد ساعدت على جلب المساعدات للمنطقة.  ثم شرع الدكتور دينج يتحدَّث عن مبدأ تقرير المصير، الذي قبلته كل القوى السياسيَّة في البلاد، ولكن بدرجات متفاوتة كما رأينا، وعدَّه الدكتور دينج مساهمة فاعلة لعمليَّة سلام "الإيقاد".  فلو أنَّ قيادة السُّودان في الشمال أدركت أنَّ الوحدة المستدامة لا تُفرض، ولكنها تتحقَّق إجماعاً، عليه سيكون الاعتراف بحق تقرير المصير دافعاً للراغبين في الوحدة لخلق ظروف مؤدية للوحدة، ولو فشلوا في ذلك، فينبغي أن يقر الجميع بأنَّ الوحدة ليست هدفاً في ذاتها، لكنها وسيلة للأهداف الأعلى لخير البلاد وشعبها.  لكن إذا كانت الوحدة أساساً للقمع والاضطهاد والإذلال، إذن لن يمكن تبريرها.(96)  ولكي لا تلجأ الشعوب دوماً إلى "حق تقرير المصير" ينبغي تطبيق مبدأ المساواة في المواطنة مقرونة بالعدالة ووحدة البلاد والوطن، وذلك بالاستناد إلى مبادئ رفض كل أشكال الظلم والتعسف والتمييز ذي الطابع القومي أو العرقي أو الطائفي.  وإنَّ في إقامة ميزان عادل ومساواة مواطنيه واعتراف بالخصوصيَّة وحقوقها الثقافيَّة أو الدينيَّة أو اللغويَّة لتجنب البلاد طغيان الأغلبيَّة التي تأتي بالديمقراطيَّة، وتمارس هذه الأغلبيَّة في سن القوانين بالأكثريَّة البرلمانيَّة – كما حدث في حال حزب الأمة (1986-1989م).  لذلك ينبغي أن يصبح القسط أو العدل قاعدة التأسيس.  وقد يتطلَّب الوضع تشكيل نظام محاصصة، أو نظام فيديرالي حقيقي، أو حكم ذاتي، أو إتحادي كونفيديرالي، الأمر الذي يتطلب التراضي، بحيث يتم إسقاط مبدأ الانفصال، الذي ينبغي اللجوء إليه في الحالات القصوى التي يصل فيها الصِّراع إلى الاختيار بين أهون الشرين.  كانت هذه التأكيدات لمبدأ تقرير المصير لشعوب جنوب السُّودان فقط تعطي إشارات سالبة لقضيَّة جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ومنطقة أبيي، وقد أصرَّت الحركة الشعبيَّة على أنَّ هذه المناطق جزء لا يتجزأ من الكيان السياسي الجنوبي، وذلك بحكم التأريخ المشترك في الظلم الاجتماعي والاضطهاد العرقي منذ عهود الرِّق السحيقة.

 

وحين ينفي البعض أن تكون منطقة جبال النُّوبة جزءاً من جنوب السُّودان، تجدوننا نقول – لذلك كذلك، وبذات المنظور – إنَّها ليست جزءاً من شمال السُّودان، وإلا من ذا الذي قسَّم السُّودان إلى شمال وجنوب؟  وما إذا كان هذا التقسيم مقدَّساً؟  كانت هذه المنطقة تُدار بقانون "المناطق المقفولة" حتى العام 1922م على عهد الحكم البريطاني-المصري في السُّودان (1898-1956م)، ولم تكن جزءاً من شمال السُّودان الإداري.  وإنَّ تقرير المصير لحق مكفول لكل أجزاء السُّودان، وليس للجنوب وحده، ليقرِّر السُّودانيُّون بحر إرادتهم موقفهم من الوحدة والانفصال، بالتراضي الطوعي، وسلطة "الإنقاذ" التي كانت ترفض حق تقرير المصير لبعض مناطق القطر لم تكن تملك تفويض الرَّفض لأنَّها كانت مرفوضة هي في ذاتها، فضلاً عن أن تمنح شيئاً.  إنَّ الوحدة لا يمكن أن تُفرض بالقوة لكي تقوم على الهيمنة والتغييب والوصاية، كما لا تقوم على الأماني والوهم العاطفي، إنَّما تقوم على مرتكزات تأخذ بعين الاعتبار تركيبة المجتمع السُّوداني المعقَّد، وتجد لها الحلول لبناء مجتمع مدني قائم على التعدُّد الثقافي والعرقي والديني.  ولا نكون قد حدنا عن الحق إن قلنا إنَّ أكثر من 70% تقريباً من سكان السُّودان لمن أصل إفريقي، لهم لغاتهم الإفريقيَّة، وإنَّ اللغة العربيَّة التي يتحدَّثها الجنوبيُّون والنُّوبة وأبناء الأنقسنا، بل ومعظم سكان السُّودان من ذوي الأصول الإفريقيَّة بطريقة ركيكة، لا تعبِّر عن هويَّتهم وانتمائهم الإفريقي الذي به يعتزُّون.  فكما أنَّ للذين يدَّعون العروبة الحق في التحدُّث بلغتهم العربيَّة وتبني ثقافتها، فإنَّ للذين يؤكِّدون أنَّهم من أصل إفريقي حقاً مساوياً لاختيار اللغة التي يريدونها، والتي تعبِّر عن هُويَّتهم وثقافتهم الإفريقيَّة، وما الحرب التي استعرت في السُّودان واستمرَّت ردحاً من الزَّمان إلا مصداقاً لغياب الحل الديمقراطي لقضايا السُّودان.(97)

 

أما بعد، فلم تكن المحادثات التي استمرَّت زهاء العامين ونصف العام – منذ التوقيع على بروتوكول مشاكوس الإطاري في تموز (يوليو) 2002م حتى لحظة التوقيع على اتفاقيَّة السَّلام الشامل في كانون الثاني (يناير) 2005م – هيِّنة ليِّنة، بل اتَّصفت بالمراوغة والمداورة، والشد والجذب بين طرفي النِّزاع (أي الحكومة السُّودانيَّة والحركة الشعبيَّة)، والترهيب والترغيب، والوعيد والنذير من جانب الوسطاء، فضلاً عن خروقات وقف إطلاق النار هنا وهناك، وبخاصة من جانب الحكومة السُّودانيَّة.  إزاء هذه الضغوط الدوليَّة وتعنُّت نظام الخرطوم، عجزت الحركة الشَّعبيَّة أن تمضي بمطالب هذه المناطق أكثر مما جاء به البروتوكول المعني.  هذه هي الخلفيَّة التفاوضيَّة التي فيها دخل أهل النُّوبة في الحركة الشَّعبيَّة في التفاوض مع حكومة السُّودان، وخرجوا بما خرجوا به من النسب المئويَّة المدرجة في البروتوكول إياه في السلطة التنفيذيَّة والتشريعيَّة (45% للحركة الشَّعبيَّة، و55% للمؤتمر الوطني).  وكما جاء في البروتوكول فإنَّه ينص على أن "يُشكَّل المجلس التشريعي للولاية من أربعة وخمسين عضواً (54)، ستة وثلاثين عضواً (36) من منطقة جنوب كردفان وثمانية عشر عضواً (18) من منطقة غرب كردفان سابقاً بما في ذلك أبيي.  ومع ذلك فإنَّ تمثيل المنطقتين يخضع للتعديل وفقاً لنتيجة تعداد السكان وقرار المفوضيَّة القوميَّة للانتخابات حسب مقتضى الحال."  كذلك نص البروتوكول أنَّ "كل واحدة من المنطقتين – أي جنوب كردفان وغرب كردفان سابقاً – يكون لها ممثل واحد في مجلس الولايات، إلا أنَّ ذلك الترتيب يخضع لأي تغييرات مستقبليَّة يتم الاتفاق عليها."  وكذلك تستفيد منطقة غرب كردفان سابقاً من نسبة ال2% التي تشكل نصيب المسيريَّة في بترول أبيي، وفي نفس الحين تُقسَّم بالتساوي نسبة ال2% التي تُشكِّل نصيب غرب كردفان من نصيب بترول أبيي بين جزئي الولاية لكل واحد منهما 1%.  تُرى كيف استحوذت منطقة غرب كردفان سابقاً على نصيب الأسد في التمثيل السياسي وميزانيَّة الولاية والتنمية برغم من أنَّها لم تتأثَّر بالحرب، وقد تتغيَّر الأوضاع لصالحها أكثر فأكثر في ظل التلاعب بالتعداد السكاني والدوائر الجغرافيَّة ونتائج الانتخابات وتزوير إرادة الشعب في منطقة جبال النُّوبة.  فبينما كانت الحكومة السُّودانيَّة تفاوض الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان لحل النِّزاع المسلح في جنوب كردفان، كانت تسعى لغرس عوامل الاستثمار السياسي مستقبلاً في هذه المنطقة من خلال تذويب نسبة الحركة الشعبيَّة في السلطات التنفيذيَّة والتشريعيَّة والقضائيَّة، وذلك باستخدام المسيريَّة في غرب كردفان.  إذ كان الغرض الأساس من إعادة هذه الولاية السابقة، التي تبدو ظاهراً بأنَّها مكسب سياسي للنُّوبة، هو في حقيقة الأمر لعبة سياسيَّة ماكرة قام بها المؤتمر الوطني لزيادة حجمه الانتخابي، ولاختلاق متاعب أمنيَّة ضد النُّوبة إذا دعت الضرورة.  هذا، وكان قبول الحركة الشعبيَّة باستيعاب ولاية غرب كردفان سابقاً في جنوب كردفان خصماً على قضايا دستوريَّة وسياسيَّة، وهي حق تقرير المصير لشعب جبال النُّوبة واسم الإقليم – أي جنوب كردفان بديلاً ل"جبال النُّوبة".  والجدير بالذكر أنَّه في الماضي انخرط شباب المسيريَّة في قوات الدفاع الشعبي التي حاربت في خندق واحد مع الجيش الحكومي ضد الجيش الشعبي لتحرير السُّودان والمواطنين المدنيين في جنوب السُّودان وجنوب كردفان.  وقد شكَّل هؤلاء الشباب المدرَّبون على حمل السلاح من المسيريَّة هاجساً أمنيَّاً للنظام بعد أن وضعت الحرب الأهليَّة أوزارها في جنوب السُّودان وجنوب كردفان، وبخاصة بعد أن عجزت الدولة أن تلبي مطالبهم المتمثلة في الحوافز الماليَّة والتنمية والتعمير في مناطقهم.

 وبما أنَّ هاتين القضيَّتين – أي حق تقرير المصير واسم الولاية – يمكن أن تشكلان أجندة المشورة الشعبيَّة في المستقبل، إلا أنَّه ليس هناك ضمانات يمكن أن تكون لصالح النُّوبة.  فإضافة منطقة غرب كردفان بسكانها - الذين لم يتأثَّروا بالحرب الأهليَّة كما تأثَّر النُّوبة، ولم ينزحوا من ديارهم كما نزح النُّوبة – لسوف تشكِّل عاملاً ديمغرافيَّاً ضد مصائر النُّوبة، ولا شك في أنَّ التلاعب السياسي بالدوائر الجغرافيَّة والعمليَّة الانتخابيَّة والتعمد في عدم تسهيل برامج إعادة التوطين والتعمير والتنمية وتوفير الخدامات الاجتماعيَّة في مناطق جنوب كردفان ذات الكثافة النُّوباويَّة قد قصد منها التأثير السلبي على الاستقرار والعودة الطوعيَّة لمواطني جبال النُّوبة إلى قراهم لصالح المؤتمر الوطني، والحد من فرص العمليَّة العادلة في هذه المسائل، وبذلك يفقد النُّوبة مكاسب دستوريَّة وسياسيَّة وإداريَّة يومئذٍ.  كذلك إدخال إقليم يقطنه العرب في آخر أغلب سكانه من النُّوبة هو امتداد لسياسة المؤتمر الوطني في اختلاق نزاعات أثنيَّة بين المجموعات القبليَّة المختلفة التي تقطن في المنطقة، وانشغالها بالاقتتال القبلي وعدم الاستقرار حتى لا تُوجد أيَّة فرصة لتوحيدهم مستقبلاً ضد السياسات الضارية التي تتبعها الحكومات المركزيَّة في الولاية.

ومع ذلك، فالواضح مما جاء في المشورة الشعبيَّة هو أنَّ بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق ليس بتسوية نهائيَّة للنزاع في هاتين المنطقتين.  إذ أنَّه لسوف يخضع لآراء "ممثليهم المنتخبين بصورة ديمقراطيَّة في المجالس التشريعيَّة"، وذلك بعد تداولهما لتقارير اللجنة البرلمانيَّة للتقويم ولقياس تنفيذ اتفاقيَّة السلام الشامل في كل ولاية.  كما يخضع البروتوكول لتقرير لجنة مستقلة لتقويم تنفيذ اتفاقيَّة السلام الشامل في كل ولاية من الولايتين، حيث ترفع اللجنة تقريرها إلى الحكومة القوميَّة وحكومتي الولايتين لتصحيح أي إجراء يحتاج إلى تصحيح لضمان التنفيذ المخلص للاتفاق.  وعندما يعتمد الشعب هذا الاتفاق من خلال المجلس التشريعي لأي من الولايتين، ويرى أنَّه يحقِّق تطلعاته عندئذٍ يصبح الاتفاق تسوية نهائيَّة للنزاع السياسي في تلك الولاية.  أما إذا قرَّرت أي من السلطتين التشريعيتين في الولايتين، بعد استعراضهما للاتفاقيَّة، أن تُصحح – في إطار الاتفاقيَّة – قصوراً في الترتيبات الدستوريَّة والسياسيَّة والإداريَّة للاتفاقيَّة – عندئذٍ تشرع السلطة التشريعيَّة في التفاوض مع الحكومة القوميَّة بغرض استكمال النقص.  وكما أشرنا في سطور سابقة وفي صفحة سابقة، إذ يعتقد كثر من أبناء النُّوبة بأنَّ الحركة الشعبيَّة قد قبلت بالمشورة الشعبيَّة بديلاً لحق تقرير المصير لشعب جبال النُّوبة، ولكي تكسب موقفاً تفاوضيَّاً حول النزاع لمنطقة أبيي بشك خاص وضمان حق الجنوب لتقرير المصير بعد الاستفتاء العام 2011م على وجه العموم.  هذا ما كان من أمر المشورة الشعبيَّة.  ومع ذلك، فهناك الكثيرون من أبناء النُّوبة – وحتى في أوساط السياسيين – من يعتقدون بأنَّ حق المشورة هو حق الخيار في الانضمام إلى أي من الدولتين في حال انفصال جنوب السُّودان، وهناك من يظن أنَّ المشورة الشعبيَّة هي الحق في تعديل الاتفاقية بعد فترة من جانب واحد، فهذا قول يجافي الحقيقة القانونيَّة، لأنَّ حق المشورة يعني أنَّ للجان التشريعيَّة في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق الحق في معالجة أوجه القصور والخلل الناتج من عدم تنفيذ الاتفاقيَّة، وليس التعديل لأنَّ التعديل من جانب واحد وبعدم موافقة الطرف الأخر الموقع على الاتفاقية يعني نقض الاتفاق.  وقد أعدَّ المؤتمر الوطني أدواته ووسائله للتعامل مع هذا المشورة الشعبيَّة في المستقبل.  فما هي إستراتيجيَّته في هذا الشأن؟  حسبما جاء في إفادات آدم الفكي – نائب رئيس المؤتمر الوطني لولاية جنوب كردفان العام 1986م – أنَّ المؤتمر الوطني يرى "أنَّ الخروج المبكر من دائرة المشورة الشَّعبيَّة والاتفاقيَّة (بروتوكول جنوب كردفان) على أن ينتخب مجلس تشريعي ولائي بعد الفترة الانتقاليَّة، وهذا المجلس هو الذي ينظر في الكيفيَّة التي تتم بها المشورة الشَّعبيَّة، ونحن كمؤتمر وطني نرى من الأهداف الإستراتيجيَّة التي يمكن العمل عليها لتقديم أو تأخير المشورة الشَّعبيَّة من خلال ثلاثة محاور، هي:(98)

 

المحور الأول: يجب أن يكون الوالي منتخباً حراً من الجماهير بأغلبيَّة ساحقة من المؤتمر الوطني.

 

المحور الثاني: يجب أن يجتهد المؤتمر الوطني في كسب تأييد أغلبيَّة أعضاء المؤتمر الوطني في المجلس الوطني والممثلين لجنوب كردفان.

 

المحور الثالث: كذلك على المؤتمر الوطني أن يجتهد في المجلس الولائي حتى إذا أتت المشورة الشعبيَّة يكون للمؤتمر الوطني وجوداً.

 

هذه هي إستراتيجيَّة المؤتمر الوطني في التعامل مع مسألة المشورة الشعبيَّة، وهي غير خافية على أحد.  وبما أنَّ المشورة الشعبيَّة هي التي لسوف تعبِّر عن المستقبل السياسي والدستوري والإداري لولاية جنوب كردفان، يعتبر نصيب الولاية من الثروة القوميَّة هو الضمان الأساس في إعادة التوطين والتعمير والتنمية وتحسين الخدمات الاجتماعيَّة (صحة وتعليم وأمن غذائي) والأحوال الأمنيَّة وغيرها، حتى يشارك جميع سكان الولاية برؤاهم في هذه المشورة عن طريق انتخاب ممثليهم الشرعيين انتخاباً حرَّاً نزيهاً (Free and fair elections).  لذلك كذلك خصَّص البروتوكول نسبة 2% من عائدات البترول المنتج في الولاية كما هو محدَّد في اتفاق اقتسام الثروة، وحدَّد البروتوكول أن تُمثَّل الولاية في مفوضيَّة تخصيص ومراقبة الإيرادات الماليَّة بما يكفل الشفافيَّة والعدالة فيما يختص بنصيب الولاية من الإيرادات المحققة قوميَّاً، وذلك للتأكد من أنَّ المخصصات المستحقة للولاية لا تُحتجز.  وقد جاء في اتفاق الطرفين – حكومة السُّودان والحركة الشعبيَّة – أن تُخصَّص 75% من الموارد الإجمالية للصندوق القومي لإعادة الإعمار والتنمية للمناطق المتأثِّرة بالحرب، وبخاصة جنوب كردفان والنيل الأزرق، بينما يُخصَّص الباقي (25%) لأقل المناطق نمواً.  بالإضافة إلى مخصصات الميزانيَّة ونصيب الولايتين من الصندوق القومي لإعادة الإعمار والتنمية، يخصص رئيس الجمهوريَّة مبلغاً من المال لكل ولاية من الولايتين.  كما أنَّ لكل ولاية من الولايتين الحق في "استدانة المال من الداخل والخارج بضمان الولاية فقط في إطار الاقتصاد الكلي القومي كما تحدِّده وزارة الماليَّة."  وقد استنجد مالك عقار – والي النيل الأزرق من قبل الحركة الشعبيَّة – بهذا البند وقام في نهاية العام 2007م بالتفاوض مع دول الخليج، حيث تحصَّل على أثره على قروض ميسَّرة لمشاريع التنمية في الولاية، وذلك دون تدخل من حكومة الوحدة الوطنيَّة في الخرطوم.  كان هذا مما جاء في بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق فيما يختص بنصيب الولاية من الثروة القوميَّة، لكن هل باتت حكومة الوحدة الوطنيَّة، التي يتحكَّم فيها حزب المؤتمر الوطني، تنفِّذ نصوص وبنود هذا البروتوكول كما ينبغي استحقاقاً لسريان مفعول السلام؟  كلا!  حتى إذا طُبِّق بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق كاملاً فسوف لا يزيل الغبن التأريخي الضارب بجذوره في وجدان شعب جبال النُّوبة تماماً، إلا أنَّه سوف يعطي إشارة موجبة أنَّ أصحاب السلطة في الخرطوم أخذوا يراعون المواثيق والعهود لأول مرة في تأريخ السُّودان.  إذن، ماذا جرى لميزانيَّة واستحقاقات الولاية من المال العام؟

 

لا مريَّة في أنَّ غياب النوايا السليمة واعتماد التسايس أساساً للشراكة من قبل حزب المؤتمر الوطني هما اللذان حدَّدا وهدَّدا مصير السلطة في جنوب كردفان.  هكذا لم يستطع حاكم الولاية من الحركة الشعبيَّة – خميس إسماعيل جلاب، ولمدة العام ونصف العام – لم يستطع تشكيل حكومة الولاية.  إذ مضت سبعة أشهر قبل أن يتفق الشريكان على وزير الماليَّة.  وما أن تم تعيين الأمير عبد الله كمبال وزيراً للمالية (حزب المؤتمر الوطني) حتى احتكر الوزارة ولم يكد الوالي خميس جلاب – يعلم ما يدور في الوزارة، أو حتى النفاذ إلى رؤساء المصالح الأخرى.  وبالتواطؤ مع وزارة الماليَّة المركزيَّة في الخرطوم ودون إتباع الإجراءات الحكوميَّة المعهودة للعطاءات، وافق وزير الماليَّة الولائي على توقيع عقودات التشييد مع شركات ذات الصلة بحزب المؤتمر الوطني.  وعندما تمَّ تعيين الوالي الجديد من المؤتمر الوطني عمر سليمان، ونائبه من الحركة الشعبيَّة دانيال كودي، استمرَّ الشلل في أجهزة الحكم التنفيذيَّة في الولاية.

 

ولعلَّ واحداً من هذه الشركات المشبوهة هي شركة نابكو، والتي تحوَّلت إلى نبتة، وعامل الشبهة هو أنَّها تديرها الاستخبارات العسكريَّة وجهاز الأمن، حيث حازت على عقد مقداره 32 مليون جنيه سوداني (16 مليون دولار أمريكي) العام 2007م لحفر 165 بئراً واستيراد 110 عربة للولاية.  وهذا العقد لم يتم اعتماده عبر القنوات الرسميَّة التي ينبغي أن يسلكها أي عطاء حكومي.  وبما أنَّ هذا العقد كان قد كُتِب على ورقة (مروسة) باسم محامي في الخرطوم على أن ينفَّذ العمل في هذه المشاريع بحلول الفاتح من آذار (مارس) 2008م، إلا أنَّه كان قد تم التوقيع على العقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2007م، مما يجعل الأمر مستحيلاً لإكمال هذه المشاريع في هذه الفترة الزمنيَّة الوجيزة.  ومع ذلك، لم يرد في العقد تفاصيل الدفع.  وشركة نابكو هذه فرع من شركة أواب، والتي زُعم أنَّه تقع تحت إدارة وزارة الداخليَّة.  كذلك تم إعطاء عقد مقداره 35,4 مليون جنيه سوداني (17,7 مليون دولار أمريكي) لشركة إثار، وهذه الأخيرة تديرها قوات الدفاع الشعبي، لحفر 100 حفير.  ووقعت شركة جوهرة العطشان عقداً مع وزير الماليَّة في الخرطوم في تشرين الثاني (نوفمبر) 2007م لتوفير المياه قبل شهر فقط من تسجيلها لدي وزارة التجارة.  وفي النصف الأول من ولاية جلاب لم يستلم المعلمون وموظفو الصحة رواتبهم الشهريَّة لمدة أربعة أشهر حسوماً.  وقد تعمَّد المؤتمر الوطني عدم إرسال ميزانيَّة جنوب كردفان لإفشال إدارة الحركة الشعبيَّة في الولاية، وكذلك تأخَّر إرسال مالية التنمية حتى كانون الثاني (يناير) 2008م – أي بعد 6 أشهر من استلام الحاكم الجديد عمر سليمان (من المؤتمر الوطني) مقاليد السلطة في الولاية.  ولا شك في أنَّ الحكومة الولائيَّة قد نفَّذت بعضاً من المشاريع التنمويَّة في الطرق، حفائر المياه، المراكز الصحيَّة، والمستشفيات، لكنها في المناطق التي يسكنها العرب في ولاية غرب كردفان سابقاً.  هكذا لم تحظ مناطق النُّوبة في شرق وجنوب-شرق الولاية بأيَّة مشاريع تنمويَّة-خدميَّة، باستثناء 30-40% من ال115 عقداً تم توقيعه بمبادرة من إدارة جلاب، حيث تمَّ تنفيذه بعد 3 سنوات من توقيع اتفاقيَّة السَّلام الشامل العام 2005م.

 

ولا ريب في أنَّ أموال الولاية تعتمد اعتماداً كليَّاً على التحويلات الفيديراليَّة، لذلك تجدها عرضة للتلاعب على المستوى القومي.  وحسبما جاء في تقرير البنك الدولي، فإنَّ جنوب كردفان يحصل على نصيب أقلَّ من الجنوب ومما كانت تحصل عليه ولاية غرب كردفان سابقاً، أي قبل اتفاقيَّة السلام الشامل.  وإنَّ أغلب هذه الأموال لا تصل إلى الولاية أو إنَّها لتُصرف خارج الولاية.  وهناك أكثر من 70% من ميزانيَّة الولاية تبقى في الخرطوم دون أن تصل إلى خزينة الولاية في كادقلي، وتُستخدم في دفع تعهدات العقودات.  وإنَّ إعطاء هذه العقودات للشركات المذكورة أعلاه بواسطة الحكومة المركزيَّة – وبدون موافقة حكومة الولايًَّة – لتساعد على نمو الفساد المؤسساتي لصالح شركات حزب المؤتمر الوطني وأفراده.

 

وبعد تعيين حاكم من المؤتمر الوطني – عمر سليمان – حاول حزبه تقسيم مهام وزير الماليَّة، وذلك بعد أن تيقَّن أنَّ هذه الحقيبة سوف يتولاها أحد أعضاء الحركة الشعبيَّة، والذي قد يضع حداً لهذا التلاعب بأموال الولاية في الوزارة.  وقد اقترح المؤتمر الوطني إنشاء وزارة جديدة للتخطيط التنموي، ولتكون مسؤولة عن إدارة ميزانيَّة التنمية.  وكان أساس الفكرة لدي المؤتمر الوطني هو الإبقاء على والاحتفاظ بالأموال التي خصَّصها للشركات التابعة له، مما سيقلِّل منصب وزير المالية (من الحركة الشعبيَّة) إلى دور المحاسب فقط.  لذلك رفضت الحركة الشعبيَّة هذا الاقتراح جملة وتفصيلاً.  وبعد انقضاء ثمانية أشهر، توصَّل الطرفان إلى اتفاق بموجبه تمَّ إنشاء وزارتين، حيث قضى الاتفاق بإنشاء وزارة الاقتصاد والاستثمار لتخطيط مشاريع التنمية، بما فيها التشييد والأشغال العامة، فيما تدير وزارة المالية كل عمليات التنفيذ، وهي: منح العطاءات، تحويلات المال والنفقات.  وكان على رأس وزارة الماليَّة الدكتور أحمد عبد الرحمن سعيد (الحركة الشعبيَّة)، ووزارة الاقتصاد والاستثمار محمد نايل (المؤتمر الوطني)، حيث منع الوالي عمر سليمان وزير المالية الدكتور أحمد سعيد من تعيين موظفيه، مما اضطر الأخير أن يعمل مع الطاقم الوزاري القديم – أي الحرس القديم (The old guard).  وإزاء عدم الثقة الذي اختلقه تقسيم الوزارة الأصليَّة، لم يستطع حكومة الولاية اتخاذ القرارات التنفيذيَّة الهامة في مشاريع البناء والتعمير.  وكذلك أُصيب عمل المجلس التشريعي بالشلل التام.  وفي أيلول (سبتمبر) 2008م اشتد الخلاف حول إدارة الميزانيَّة بين الحاكم عمر سليمان ووزير الاقتصاد والاستثمار محمد نايل من ناحية، ووزير الماليَّة الدكتور أحمد سعيد من ناحية أخرى، مما أدَّى إلى إقالة الدكتور سعيد من منصبه وقفل وزارة المالية لعدة أسابيع في ذلكم الشهر.  وكان الوالي، الذي وجد نفسه مهدَّداً بتحقيقات قام بها وزير الماليَّة لإعادة النَّظر في عقودات التشييد، قد زعم أنَّ قرار إقالة الدكتور سعيد جاء بتفويض من النائب الأول لرئيس الجمهوريَّة (ورئيس الحركة الشعبيَّة) سيلفا كير ميارديت، الأمر الذي لم يقرَّه دانيال كودي، والذي أصرَّ أنَّ القرار قد تمَّ اتخاذه دون التشاور مع الحركة الشعبيَّة.(99)  وقد علمنا أنَّ الأمر كله اعتمد على المؤامرات التي أُحبِكت وأُحِيكت بين عشيَّة وضحاها ومن وراء الجدران، سواء كان من قبل المؤتمر الوطني أو أعضاء في الحركة الشعبيَّة نفسها.  هذا ما كان من أمر صعوبة ضبط مالية الولاية، وذلك لما لها من الأثر المباشر على مشاريع التنمية والخدمات الاجتماعيَّة والأمن الغذائي.  لقد تمت هذه التجاوزات الماليَّة برغم من وجود نص صريح في بروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق.  فحسبما جاء به البروتوكول في المبادئ العامة من الديباجة فإنَّ "تنمية الموارد البشريَّة والبنية التحتيَّة هو الهدف الرئيس للولاية، وينبغي تحقيقها لتلبية الاحتياجات الإنسانيَّة وفقاً لأفضل الممارسات المعروفة للتنمية المستدامة في إطار من الشفافيَّة والخضوع للمساءلة."

 ومن بعد استعراض شمول، وقراءة متأنيَّة، ورؤية مستقبليَّة لبروتوكول جنوب كردفان والنيل الأزرق، ومن بعد أن أعطيناه حظنا من النظر لنلم بالفوائد والشوارد لتقييدها والتمعُّن فيها، ولنفحم به أكابر أهل المؤتمر الوطني، ومن بعد هذا كله التمسنا في هذا البروتوكول عنصرين في غاية الأهميَّة، هما: المشورة الشعبيَّة ونصيب الولاية من الثروة القوميَّة.  فالمشورة الشعبيَّة هي التي لسوف ترسي دعائم الاستقرار النهائي في الولاية، وذلك بعد حسم القضايا الدستوريَّة والسياسيَّة والإداريَّة التي عجز البروتوكول في الإيفاء بها، أو المضي قدماً في حلها.  لذلك كان البروتوكول بمثابة إجراء مؤقَّت لوقف العدائيات وإعادة نشر القوات، واستغلال السياسة وعاملي المكان والزمان لحسم هذه الأمور الشائكة، والتي استعصى على المتفاوضين والوسطاء أمر حسمها.  هذا، فقد ارتبطت هذه السياسة، التي آل إليها أمر البت في القضايا المؤجَّلة، ارتباطاً وثيقاً بالانتخابات العامة ونتائجها، والعامل المكاني هو الولاية نفسها، والتي لسوف تدور فيها هذه المعركة الانتخابيَّة، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" (المطففين 83/26).  أما البعد الزماني فقد تغيَّر من ميقاته المرصود كما حدَّده البروتوكول "بحلول السنة الرابعة من التوقيع على اتفاقيَّة السلام الشامل"، أي العام 2009م، وذلك نسبة لتأجيل الانتخابات العامة من ميعادها.  هكذا بات مستقبل الولاية محكوماً بما سيسفر عنه هذه المشورة الشعبيَّة، ولكن – قطعاً بلا شك - إنَّها قد لا تكون العصا السحريَّة التي سيتوقف عليها حل جميع مشكلات جنوب كردفان.أما نصيب الولاية من الثروة القوميَّة فلم تجد سبيلها إلى الولاية حسبما خُطِّط لها.  فلو أنَّ النوايا السياسيَّة صلحت، وصفت القلوب من رواسب العنصريَّة البغيضة، وبخاصة من قبل حزب المؤتمر الوطني، وتمَّ الإيفاء بالالتزامات الماليَّة، ومحاربة الفساد إعلاميَّاً وتنفيذيَّاً، واتخاذ خطوات عمليَّة لتنفيذ مشاريع التنمية والتعمير وجعل الولاية جاذبة لإعادة التوطين، فلو أنَّه تمَّ كل هذا وذاك لاستطاعت المنطقة أن تخطو خطوة نحو الرفاهيَّة الاجتماعيَّة.  وبما أنَّ قضيَّة التنمية المتوازية كانت أحد أسباب اشتعال الحرب الأهليَّة في السُّودان العام 1983م فعدم إعطاء أولويَّة لهذه المسألة الهامة سيظل عامل غبن لسنين عدداً، مما ينذر بكارثة وشيكة أو آجلة.  وبالطبع، هناك مشكلات أخرى تهدِّد الاستقرار والسَّلام في المنطقة كما سنبين في الصفحات القادمة.