عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



أحداث الفيض أم عبد الله

الذي يبحث أو يتقصَّى سياسات نظام "الإنقاذ" في تعاطيه مع الحروب الأهليَّة في السُّودان، التي أوقد جزءاً منها أو استفحلها، لسوف يصل إلى نتائج مؤسفة.  ففي حربه ضد الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، جعل النظام مسقط رأس رئيس الحركة الشعبيَّة الدكتور جون قرنق هدفاً إستراتيجيَّاً في العمليات العسكريَّة من ناحية، والفتنة القبليَّة من ناحية أخرى.  إذ رأى قادة النظام أنَّ تحقيق نصر مؤزر على الحركة وقائدها في عقر داره لسوف يمني القوات المسلحة السُّودانيَّة وميليشياتها المسلحة بحافز نفسي ويرفع من روحهم المعنويَّة، وفي ذات الوقت سيفل من عزيمة مقاتلي الحركة الشعبيَّة.  هذا من جانب.  ومن جانب آخر، تخصَّص النظام "الإنقاذي" – كسابقيه من الأنظمة التي أشعلت الحرب الأهليَّة أو عاصرتها – في افتتان القبائل الجنوبيَّة بعضهم بعضاً.  وما أن استطاع النظام في انشطار الحركة الشعبيَّة العام 1991م، حتى أوغرت وأوعزت لقبيل النوير في الهجوم على الدينكا في مدينة بور – مسقط رأس الدكتور جون قرنق – يقتلون رجالهم ونساءهم وأطفالهم وينهبون أبقارهم ويفرون بممتلكاتهم.  هذا، فلم تقتصر هذه السياسات الدنيئة في أيام الحرب، بل في أوقات السلم، والأدهى والأمر بعد التوقيع على اتفاقيَّة السَّلام الشامل العام 2005م.  إذ امتد هذا الافتتان القبلي وانتهاكات حقوق الإنسان المروعة ليشمل تلك المناطق التي لم تكن لديها عهد بالحرب الأهليَّة، كما هي الحال في أم برمبيطة ورشاد وتقلي في الجبال الشرقيَّة (ملحق رقم (4)).
ففي صباح 13 نيسان (أبريل) 2011م قامت ميليشيات الدِّفاع الشعبي بحرق 300 – 500 منزل في قرية الفيض أم عبد الله (مسقط رأس نائب الوالي عبد العزيز آدم الحلو)، وأدَّى الحادث إلى مقتل 20 شخصاَ بما فيهم النساء والأطفال.  كان الهدف السياسي من هذه العمليَّة هو تشتيت جماهير المنطقة حتى لا يصوِّتوا لمرشح الحركة الشعبيَّة لمنصب والي الولاية – الفريق عبد العزيز آدم الحلو، وبذلك يكون قد سقط في عقر داره، ومن ثم يقوم أهل المؤتمر الوطني بالدعاية الإعلاميَّة بأنَّه قد رفضته جماهير المنطقة حتى أهله الأقربين في مسقط رأسه.
مهما يكن من أمر، فقد كانت حروق المصابين في مستشفى رشاد بشعة، حيث الجثث المتفحِّمة والجرحى، وكذلك حال الجرحى في مستشفيات مختلفة بالأبيض، أم روابة والخرطوم.  وكان أحد المصابين الذين اشتركوا في الهجوم الغادر يرقد جوار الضحايا الأبرياء بمستشفى رشاد، وهو المدعو عبد الرحمن حسين المهدي من قبيل سلامات.  فبدلاً من أن تكوِّن الحكومة لجنة لتقصي الحقائق وتقديم الجناة إلى المحاكمة، ادَّعى أحد عناصر المؤتمر الوطني – حاج ماجد سوار – أنَّ للمؤتمر الوطني معلومات استخباراتيَّة تفيد بأنَّ الحركة الشعبيَّة هي التي أمرت بالهجوم على القرية إيَّاها.  إذ جاء تصريح حاج ماجد سوار متعارضاَ ومتناقضاً مع البيان الذي أصدره البروفيسور إبراهيم أحمد غندور – أمين أمانة الاتصال التنظيمي بالإنابة (في حزب المؤتمر الوطني) – والذي جاء في ختامه مقراً بأنَّ "حوادث الفيض تمَّت بواسطة قبائل عربيَّة موالية للمؤتمر الوطني، ولكن نحن قادرين بأن نثبتها فيهم لأنَّهم منفلتين، ويحملون أسلحة داخل (ولاية) جنوب كردفان، حيث أنَّ العدو سهره خير من نومه."  أرأيتم تلك الحماقات التي يخلفها الشعور الديني المتعصِّب أو العرقي العنصري أو الأثنين معا!  ومن نتائجهما هذا القدر من الشر والعنف.  ونحن نعلم أنَّ الوالي أحمد محمد هارون كان قد أطلق سراح بعض عتاة الجناة ومعتادي الإجرام وعصابات النَّهب المسلَّح، الذين سبق أن احتفظت بهم سلطات ولاية جنوب كردفان في سجن كادقلي.  وما إطلاق سراحهم في ذلك الوقت بالتحديد إلا لتخريب الحملة الانتخابية لمرشحي الحركة الشعبيَّة.  وما أحداث الفيض أم عبد الله كذلك إلا واحداً من نتائج إطلاق سراحهم.
أما بعد، فما نفَّذه الجناة في الفيض أم عبد الله هو بلا شك ما طلبه منهم أسيادهم في الخرطوم أو سادن النظام في كادقلي.  ونحن نرى – لذلك – أنَّهم لم يقترفوا هذا الإثم المبين أو الجريمة النكراء، التي تتعارض التعارض كله مع كل القيم الأخلاقية والقوانين القومية والمواثيق الدوليَّة، لإرضاء أيَّة نزعات دينيَّة.  فالدين أي دين لم يأمر بقتل الناس في ديارهم وهم نيام ودون أي سبب، ثمَّ إنَّهم لم يفعلوا ذلك لإرضاء ضمائرهم، التي لا ريب في أنَّها لم تحثهم على فعل الأفعال إيَّاها، بل كانوا مطية لأوامر السلطان في الخرطوم، وأشياعه في المؤسسات الأمنيَّة، أو سادن الخرطوم في كادقلي كما ذكرنا لكم آنفاً.