ذكرى ووفاء

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إنَّنا نتجمهر هنا اليوم لإيفاء ديناً علينا غالياً في شخصيَّة الدكتور خليل إبراهيم محمد، والذي اغتالته جهات ظنَّت أنَّها قادرة على إسكات صوت الشَّعب وإصرار بنيه، وذلك في فجر الخميس 23 ديسمبر 2011م.  فالدكتور خليل لم يكن يمثل نفسه، بل كان مثقلاً بهموم شعب عانى المعاناة كلها في كل حقب الأنظمة الوطنيَّة السودانيَّة منذ استقلال السُّودان العام 1956م.  والجدير بالذكر أنَّ شعب دارفور لم يقبل بالهوان والرزح تحت نير الاضطهاد يوماً، وشعب كريم معتز بنفسه كهذا لا يستكين إلى الظُّلم، حيث قاد إباؤه هذا إلى رفض الاستعمار البريطاني-المصري (1898-1956م).  هكذا كان دارفور آخر إقليم تمت تبعيَّته إلى السُّودان الحديث في نوفمبر العام 1916م، وذلك بعد هزيمة السلطان علي دينار وتدمير سلطنة الفور.  ومن جانب آخر، اشتبك المساليت مع الفرنسيين في أكثر من موقعة في القرن العشرين من الميلاد، وخرجوا منها منتصرين، وفوق ذلك كله لم يستطع البريطانيُّون فرض نفوذهم بالكامل على دار مساليت إلا العام 1922م، حتى ظللنا نسمع بمناضلين عظام كالسلطان علي دينار "سبق الطيار" والسلطان بحر الدين وعبد الله السحيني وآخرين.  ومن بعد، لم تخمد نيران نضال أهل دارفور الذي بدأ باكراً في شكل تنظيمات سياسيَّة-احتجاجيَّة مثل "حركة اللهيب الأحمر" العام 1957م كحركة سريَّة بعد العام فقط من إعلان الاستقلال؛ وظهر هناك كذلك التنظيم العسكري الذي حمل اسم "حركة سوني" في الفترة ما بين (1963-1964م)، والتي كان قوامها من الضباط والعسكريين المتقاعدين من القوات المسلَّحة بعد أن حاربوا في جنوب السُّودان، ثمَّ "جبهة نهضة دارفور" في الفترة ما بين (1964-1965م).

وحين أقف أمامكم متحدثاً عن الدكتور خليل فإنَّ ذلك يمثَّل بالنسبة إلىَّ فقداناً شخصيَّاً، وذلك لمعرفتي به ومعاصرتي له بجامعة الجزيرة في الثمانينيَّات.  فعندما دخلت الجامعة في فبراير 1982م كان خليل قد سبقني إليها بأربع سنوات، حيث كان طالباً في كلية الطب (الدفعة الأولى)، وكنت أنا طالباً في كلية العلوم والتكنولوجيا (الدفعة الرابعة).  لذلك لا أحسبه أنَّه كان يعرفني، ولكن جاءت معرفتي له من منطلق أنَّه كان عضواً نشطاً في تنظيم "الاتجاه الإسلامي"، وهو الإسم الذي كانت تُعرف به جماعة الإخوان المسلمين في الجامعات والمعاهد العليا.  وبما أنَّني لم أدر ترتيبه في ذلكم التنظيم، إلا أنَّه كان رأس الرمح في نشاطات التنظيم السياسيَّة وتصادماته الجهاديَّة، وقد ظهرت شجاعته في أحداث الإعلان عن قوانين سبتمبر العام 1983م، التي أعلنها الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري.  ففي ذلك الحين خرج طلاب الإتجاه الإسلامي يجوبون شوارع مدينة واد مدني، وعادوا إلى داخل الحرم الجامعي مع كل من هبَّ ودبَّ من أقاصى المدينة وضواحيها، واصطدموا مع غالبيَّة الطلاب الذين رفضوا الخروج في المبتدأ، وصدوا لهم، وكان الطالب خليل مقاتلاً باسلاً يتقدَّم صفوف الجماعة إياها.  وقد تطرَّقت إلى هذه الحادثة في كتابي (السُّودان.. انتفاض مواطني المناطق المقفولة) في القسم الخاص بدارفور.  وكذلك قد كتب الأخ والزميل الأستاذ علي عسكوري عن سيرة حياة الدكتور خليل النضاليَّة بشيء من الصدق شديد، وذلك حين كان طالباً – بحكم زمالتهما بالجامعة، وفي نفس الدفعة، وحراكهما في العمل السياسي بها – وكذلك حين التقيا في الحياة العامة بعد تخرجهما في الجامعة.  ويمكنكم الإطلاع على هذه السيرة العطرة التي سطَّرها قلم الأستاذ علي عسكوري في موقع "سودانايل" الإلكتروني.

ولكن يبدو أنَّ الشهيد خليل كان مدركاً ومهموماً بقضايا أهله بدارفور خاصة، وجل المهمَّشين في السُّودان عامة، منذ أمد مديد.  وقد صابر وتعايش مع الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي حالياً) ردحاً من الزمان، وممنياً نفسه في أن تنصف الجبهة، وبخاصة بعد استيلائها على السلطة في يونيو 1989م، أهل السُّودان المسحوقين، حتى تعلو القيم الإسلاميَّة التي ينشدها قادتها قولاً لا فعلاً، ولكن هيهات!  ومثلما فعل الشهيد داؤود يحيي بولاد حين قاد الجيش الشعبي إلى دارفور في أكتوبر 1991م بعد أن أدرك نفاق الجماعة إياها وظلمهم، هجر الدكتور خليل هؤلاء الجماعة هجراً ملياً، وتجاسر في قتالهم بلا هوادة.  فلتجدنَّه كان يقود العمليات العسكريَّة بنفسه، والشاهد على ما نحن فيه قائلون هو قيادته لعمليَّة "الذراع الطويل" في أم درمان العام 2008م، وكان يقف وسط مقاتليه الذين أخذوا يردِّدون شعار "كل القوة خرطوم جوَّة"، حيث دخلوها ضحى والناس صحواء، ولم تعتد قواتهم – أي قوات حركة العدل والمساواة – على طفل أو إمرأة أو شيخ هرم، ولم ينهبوا بقرة، أو ينحروا ناقة، أو يسرقوا متجراً، أو يقتلعوا شجرة، كما يفعل جند النظام في إقليم دارفور أو جنوب كردفان أو النيل الأزرق؛ بذلك لذلك خرج الرِّجال والنساء والأطفال ووقفوا صفاً يهتفون ويزغردون بقدوم المنقذ الجديد.

على أيَّة حال، إنَّ القادة العظام حين ينتقلون إلى عوالم أخرى، لم تمت قضاياهم، فثورة الشُّعوب ينبغي أن تستمر، وبخاصة الشُّعوب المهمَّشة، ولا بد أن تسود العدالة والمساواة، والقيم الإنسانيَّة في نهاية الأمر حتى ولو بدأ النِّضال عسيراً في أول الأمر.  فحين أُعدِم قادة اللواء الأبيض العام 1924م وسُجن من سُجن منهم، ونُفي من نُفي منهم، لم تتوقف مسيرة الشُّعب السُّوداني في سبيل الاستقلال من ربقة الاستعمار البريطاني-المصري؛ وحين تمَّ تنتفيذ حكم الإعدام على الملازم رينالدو لوليا قائد التمرد في كتيبة توريت في أغسطس 1955م – بعد الوعود الكذوب بمحاكمات عادلة – لم تقتلع الحكومة السُّودانيَّة جذور التمرد في الجنوب، بل اشتعل حرباً شعواءاً؛ وحين تمَّ اغتيال وليم دينق العام 1965م في أحراش الجنوب، استمر نضال أهل الجنوب حتى نالوا ما نالوه في اتفاقيَّة أديس أبابا للسلام العام 1972م، وبالطبع والطبيعة قبل أن ينقلب الساحر نميري على سحره؛ وحين قُتِل الشهيد داؤود يحيي بولاد العام 1991م ظن أهل الحكم في الخرطوم أنَّ قضية دارفور قد حُسِمت وأمسى أمرها مقضياً؛ وحين مات القائد يوسف كوَّة مكي العام 2001م، استمر أبناء وبنات النُّوبة في نضالهم، فلم تلين لهم قناة، ولم ينكسر لهم عود؛ وحين قُتِل الدكتور جون قرنق دي مبيور العام 2005م، استمرت عربة الحركة الشعبيَّة مندفعة إلى الأمام بعجلة ثابتة، وحقاً حين قال الفريق سلفا كير ميارديت يومئذٍ: "إنَّ الحركة الشعبيّة عربة بدون تعشيقة خلف،" برغم من كل العواصف والزوابع التي أثارها المؤتمر الوطني في سبيلها.  إذن، حين يُغتال الدكتور خليل اليوم فنحن على ثقة في أشد ما تكون الثقة بأنَّ قضيَّة دارفور على وجه الخصوص، والسُّودان على وجه العموم، ستظل مشتعلة، ولن تنطفيء جذوتها حتى ينقشع الظلم، ويختفي الفساد والاختلاس والمحسوبيَّة، ويذهب الطغاة، وتعود الديمقراطيَّة راجحة، ويسود استقلال القضاء، وينعم المهمشُّون الكادحون بالعدالة والمساواة والاحترام وحقوق الإنسان الأساسيَّة، والتنمية المتوازية، والتَّعليم والصحة، وتعلو ثقافاتهم، وتزدهر لغاتهم، وتُصان حرياتهم، وتتحقق كل قضاياهم التي في سبيلها يناضلون.
ومن هذا المنبر نعلن تضامننا الذي لا حد له مع أهل المناصير – وكل متضرِّري السدود التي أُقيمت في شمال السُّودان سواء كان خزان مروي أم الحمداب أم غيرهما – في قضاياهم العادلة، وضد الجور الذي مُورس عليهم في مسألة التعويضات.  ومن هنا كذلك نعلن وقوفنا مع قضايا البجة العادلة، ومواطني حلفا الجديدة، وبخاصة المتضرِّرين من المباني السكنيَّة التي شيَّدتها حكومة الفريق إبراهيم عبود في الستينيَّات لإيواء نازحي منطقة حلفا القديمة بعد أن غمرت أراضيهم مياه النِّيل المحتجزة بعد تشييد خزان أسوان في مصر.  هذه المباني مشيَّدة بالأسبستوس، وأخذ السرطان يفتك بهم فتكاً شديداً، فعلى المنظَّمات الإنسانيَّة المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة التحرُّك لإنقاذ حياتهم.

وأخيراً نودُّ أن نقول إنَّ اغتيال الدكتور خليل لمن الخطوب الجلل والأمور الفوادح، فلا نجد عذراً لمن لم تفض عيناه دمعاً.  وصدق الشَّاعر أبو تمام في رثائه لعزيزٍ له حين قال:
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر


والسلام عليكم، وأشكركم على حسن الاستماع.

عاش نضال الحركة الشعبيّة،،،
وعاش نضال الجبهة الثوريَّة السُّودانيَّة،،،

الدكتور عمر مصطفى شركيان
رئيس مكتب الحركة الشعبيَّة في المملكة المتحدة وجمهوريَّة أيرلندا
لندن، السبت، 7/1/2012م

______________________

(1)    الكلمة التي ألقاها رئيس مكتب الحركة الشعبيَة في المملكة المتحدة وجمهوريَّة أيرلندا – الدكتور عمر مصطفى شركيان – في حفل تأبين الشهيد الدكتور خليل إبراهيم محمد في لندن في يوم السبت 7/1/2012م.
\\\\\\\\\\\\\