عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

إخوة يوسف العائدون عشاءاً يبكون والقناعة بما دون النجوم

  

إنَّ اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام، التي جاءت عقب التَّوقيع على ما سُمِّى حينئذٍ ب"ميثاق الخرطوم" في 21 نيسان (أبريل) 1996م، لم تكن تشكِّل الوعاء الأشمل أو الأسلوب الأمثل لمعالجة قضايا السُّودان المحوريَّة؛ إذ أنَّها أكَّدت حقيقة نظرة الطغمة الحاكمة لمسألة الحرب والسَّلام في السُّودان.  وقد أرادت بذلك الاتفاق زيادة تفاقم المشكلات السياسيَّة من خلال تحويل الحرب الأهليَّة المشتعلة إلى جنوبيَّة-جنوبيَّة، أي تقطيع أواصر الشَّعب السُّوداني ووضع بعضه في مواجهة البعض الآخر.  ولسوف نحاول أن نفي هذا الموضوع حقه من الجدال في باب آخر من هذا البحث.  هكذا ظنَّت الحكومة السُّودانيَّة أنَّ الشريحة الصغيرة، التي انشقَّت عن الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وأطلقت على نفسها اسم الحركة الشَّعبيَّة – قطاع جبال النُّوبة، قادرة على افتعال مواجهة نوباويَّة-نوباويَّة.  ومن قبل قد استطاعت قيادة الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في جنوب كردفان – بحكمة القائد يوسف كوة مكي – أن تتجاوز مرحلة الانشقاق، الذي حدث في صفوف الحركة في آب (أغسطس) 1991م، وحافظت على كيانها المتَّحد.

 

ففي تلك الآونة تابعنا - كغيرنا من أبناء النُّوبة - باهتمام بالغ ما بدا يدور في السَّاحة السِّياسيَّة من هيط وميط شديدين عن أنباء انسلاخ محمد هارون كافي أبوراس والذين معه وعادوا إلى الخرطوم عشاءاً يبكون ويكيلون السب واللَّوم على الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان. غير أنَّ الأمر لم يكن مفاجأة بالنَّسبة لنا – ولئن أمست فجيعة لنا - حيث كان للرَّجل، في الأعوام الأخيرة، اتِّصالات مشبوهة بأعوان النِّظام حسبما ورد في بيان الحركة الشَّعبية.(53)  وقد زاد الأمر ايضاحاً حينما "أعلن بيانه (ملحق رقم (17)) في قاعة الصَّحافيين بنيروبي تحت كل التَّرتيبات اللاَّزمة بواسطة السَّفارة السُّودانيَّة بكينيا، وكُلِّف المدعو شول دينج وهو أحد الذين حضروا من الخرطوم، بعد توقيعهم مع الدِّكتور رياك مشار وكاربينو كوانين وأروك ثون أروك وثيقة الاستسلام مع الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة، محمَّلاً بالدولارات لتقديم التَّسهيلات اللاَّزمة لضعاف النُّفوس."  وقد علمنا أنَّ كافي – في ذلك الرَّدح من الزَّمان – كان إنساناً انطوائيَّاً، وأنَّ شخصاً بهذه السمات قد يكون متهوِّراً ذا مفهوم معوج للقيم وعادة ما يكون يائساً، وهذا النوع من الناس يمكن أن يشكِّل خطراً يصعب التنبؤ به.  أما عن رعاية النظام "الإنقاذي" لهذه المسرحيَّة الملهاة فيقول المهندس رزق الله بخات، الذي سافر من القاهرة إلى نيروبي بعد تلقيه دعوة من محمد هارون كافي في حزيران (يونيو) 1996م: "إنَّني لمقتنع كل الاقتناع بأنَّ التذاكر التي أُرسلت بأنها حتماً من الحكومة السُّودانيَّة ممثلة في سفارتها بكينيا، وهذا لا يمنع قدومي إلى نيروبي لأنَّني أرى بأنَّ تلك هي إمكانيَّة السُّودان الماديَّة، ونحن منه وإليه، ولا ضرر ولا ضرار في استخدامها."(54)  وقد تأكَّدت قناعته في أكثر ما تكون القناعة في دعم حكومة السُّودان لهذا الانسلاخ في اجتماع اللجنة المركزيَّة – قطاع جبال النُّوبة مع لجنة السَّلام (الحكوميَّة) القادمة من الداخل (الخرطوم)، حيث تمَّ هذا اللقاء في منزل يخص السفارة السُّودانيَّة كان مخصصاً لسكن أعضاء لجنة السَّلام.  هذا وقد حضر سفير السُّودان بكينيا – السر محمد أحمد (أبو أحمد) – في صحبة المدعو تيراب (؟) مسؤول أمن الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في السفارة هذا الاجتماع.  كذلك ذكرت مصادر صحيفة سودانيَّة يوميَّة معارضة كانت تصدر بالقاهرة "أنَّ محمد هارون كافي – المنشق عن الحركة الشَّعبيَّة – الذي عاد مؤخراً إلى السُّودان في صفقة بناء "السَّلام من الداخل"، استلم مبلغ 750 مليون جنيهاً سودانيَّاً عداً ونقداً من سلطات نظام الجبهة (القوميَّة الإسلاميَّة) ومنزلاً حكوميَّاً بحي المقرن؛ وقالت مصادرنا إنَّ كافي ليستقبل يوميَّاً العشرات من أبناء جبال النُّوبة، ويغريهم ويقنعهم بالانخراط في النظام في إطار عمليَّة بناء "السَّلام من الداخل"."(55)  ففي الفترة ما بين 8 – 14 تموز (يوليو) 1996م عقدت اللجنة المركزيَّة للحركة الشعبيَّة (قطاع جبال النُّوبة) سلسلة من الاجتماعات في نيروبي حول المشكلات التي تواجه الحركة وشعبها.  وكان من ضمن مواضيع البحث اختيار أعضاء اللجنة التنفيذيَّة وممثليها بالخارج.(56)

 

أياً كان الأمر، فإنَّ هارون لم يكن يملك أيَّة قوة عسكريَّة لأنَّه منذ انخراطه في الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان لم يقد فصيلة واحدة من الجَّيش الشَّعبي، ولم يخض معركة واحدة، ولم يطلق رصاصة واحدة حتَّى يعلن أمام الملأ من حوله أنَّه أمر بوقف إطلاق النَّار من جانب واحد، برغم من عدم علمنا بجنوده من الإنس والجن.  وبرغم من تمسكهم باسم الجَّيش الشَّعبي، إلا أنَّ "معظم الذين عادوا إلى السُّودان كانوا مغتربين في أوربا وبعض الدُّول العربيَّة، ولم يكونوا منخرطين في عمل الحركة الشَّعبيَّة الميداني.  وفي الحق، فالذين صاغوا إعلان المبادئ لهذه الاتفاقيَّة في نيروبي أصلاً ليسوا أعضاء في الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وكان جلُّهم يمارسون حياتهم الطبيعيَّة في أوربا وكينيا، وتمَّ استقطابهم لهذا العمل باسم قطاع جبال النُّوبة في حركة التمرُّد لتأتي هذه الاتفاقيَّة بعيدة عن الأطراف المشاركة فعليَّاً في حركة التمرُّد.  وعودتهم للسُّودان لم تترك تأثيراً على الحركة الشَّعبيَّة، ولكنهم جعلوا من أنفسهم أضحوكة ومحل سخرية أبناء جبال النُّوبة" الخلصاء حتى "إذا مروا بهم يتغامزون" (المطففين 83/30).  وكان "الممثِّلون الشرعيون لأبناء جبال النُّوبة (معروفين ولم) يوجد واحد منهم ضمن المجموعة التي عادت للسُّودان".(57) وفي هذه الأثناء قال سليمان آدم بخيت – ممثل الحركة الشَّعبيَّة بالقاهرة يومئذٍ: "إنَّ الذين انضموا إلى محمد هارون كافي بعد عمليَّة الانشقاق ليسوا بأعضاء في الحركة الشَّعبيَّة، وإنَّما جاءوا من المنظمات المدنيَّة التي ظهرت مثل: منظمات الإغاثة وحقوق الإنسان، وهذا خلط في الأوراق بين التنظيمات المدنيَّة والجسم السياسي؛ وبعد إدراكهم لهذه الحقيقة سارعوا – وعلى عجلة من أمرهم – بتكوين جسم سياسي أسموه "الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان – قطاع جبال النُّوبة."  ثم أضاف خميس إنجليز – رئيس الحزب القومي السُّوداني بالقاهرة في ذلك الرَّدح من الزمان: "(إنَّ) الذين قاموا بهذه الخطوة لا يمثِّلون إلا أنفسهم، ولا يملكون تمثيل أبناء جبال النُّوبة."(58)  ونسبة لدورهم الهامشي، قلَّل أمين بشير فلين – عضو المكتب السياسي للحزب القومي السُّوداني والناطق الرسمي باسم الحزب والنائب البرلماني السَّابق للحزب – قلَّل "من أهمية الانشقاقات التي حدثت في الحركة الشعبيَّة بانسلاخ بعض أبناء جبال النُّوبة، وقال إنَّها لن تؤثِّر كثيراً في قوة المعارضة المسلَّحة (...)".(59)  وقد كتب المهندس صلاح كباشي عن "جبال النُّوبة: الأهداف والمخاطر" قائلاً: "ستظل الساحة (السياسيَّة) مسرحاً للكثيرين من أصحاب البيانات والأطروحات المتضاربة، التي لا تعبِّر إلا عن أهواء ذاتيَّة تخدم الآخرين، وتحقِّق تكتيكاتهم المرحليَّة لضرب سماحة أهلنا، والسطو على موروثاتهم وثقافاتهم؛ (وبرغم) من كل ذلك لا اعتقد بأنَّه يوجد بيننا من يتحفَّظ بأية حال على كل ما من شأنه أن يخدم مصالحنا ويعضد قوانا، لكن في الإطار الذي نرتضيه جميعاً، لا بالمداهنات أو الاجتهادات المشبوهة والهرولة فوق أنقاض ضحايانا، مهما كانت المغريات (...)."(60)  وقد قيل عن محمد هارون كافي، الذي انضم إلى الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان العام 1986م قادماً من المملكة العربيَّة السعوديَّة التي غادرها في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1985م، حيث كان يعمل فيها مترجماً، إنَّه "اضطرَّ لاتخاذ هذه الخطوة بالانسلاخ من الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان وتحديد موقف مستقل لأبناء النُّوبة، وكان قد بدأ في دراسة وإعداد المشروع "الانسلاخي" منذ العام 1993م (...)."(61)  وبعد أن تمَّ إحباك المؤامرة في السَّفارة السُّودانيَّة في نيروبي أرسلت الحكومة من جانبها وفداً من صغار موظَّفي الدَّولة من أبناء النُّوبة برئاسة العميد الركن حمد عبد الكريم، وزير المالية بولاية جنوب كردفان، وحسن كندا كربوس عضو المجلس الوطني، ورمضان جبريل عضو المجلس وأمير النُّوبة بالدَّلنج للتحدث مع هؤلاء المنسلخين.(62)  وبعدئذٍ تحمَّس القوم لهذه الاتفاقيَّة في أشد ما يكون الحماس، ظناً منهم أنَّها الحق من عند ربهم، وقد تنزَّل إليهم بواسطة "الإنقاذ".  وفي نهاية الأمر اقتنع أولئك وهؤلاء بما دون النجوم، وكثيراً ما يتمثَّل أمرهم في قول أبي الطيب المتنبي:

 

إذا غامرت في شرف مروم                فلا تقنع بما دون النجوم

 

فطعم الموت في أمر حقير                 كطعم الموت في أمر عظيم

 

ومثلما استكثر قادة الحكومات المتعاقبة على سدة السُّلطة في الخرطوم عن دور الاستعمار في انتشاب الاقتتال في جنوب السُّودان العام 1955م واستفحال النزاع المسلَّح، تزيَّدوا كذلك في الأمر نفسه حين انتفض النُّوبة عسكريَّاً.  فهذا أحد أعضاء الجًّبهة القوميَّة الإسلاميَّة يذكِّرنا بالحديث الممجوج عن الاستعمار الذي رحل منذ أكثر من أربعة حقب.  لقد ذهب صاحب المقال مغالطاً نفسه حينما "ذكر أنَّ الإستعمار زاد عزلة مناطق جبال النُّوبة بجعلها مديريَّة منفصلة عاصمتها تلودي،" في الحين الذي فيه شرع يصب الثناء سحَّاً وتسكاباً على حكومة "الإنقاذ" بأنَّها "أعلنت أنَّ جنوب كردفان ولاية قائمة بذاتها، ولها مجلسها وحكومتها."(63)  أفلم تكن محافظة جنوب كردفان محافظة قائمة بذاتها، وكانت منطقة غرب كردفان جزءاً منها، حيث كانت مساحة الأخيرة في ذلك الحين من الزمان 82,000 كيلومتراً مربعاً، وذلك بموجب القرار الجمهوري الذي أصدره الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري؟!  بلى!  وقد بقيت الحال كذلك حتى العام 1995م حين جاء القرار الجمهوري الرقم 12 الذي قسَّم إقليم كردفان إلى ثلاث ولايات (شمال، غرب، وجنوب)، وهكذا استُقطِعت أجزاء من أراضي محافظة جنوب كردفان السابقة، وخُلِق منها ولاية غرب كردفان.  وحسب بروتوكول جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق كما جاء في اتفاقيَّة السَّلام الشَّامل للعام 2005م، تمَّ إلغاء ولاية غرب كردفان، ودُمِج الجزء الجنوبي (بمساحة 62,000 كيلومتراً مربعاً) في ولاية جنوب كردفان، أما الجزء المتبقِّي فأصبح من نصيب ولاية شمال كردفان.  هذا ما كان من أمر مديريَّة أو محافظة أو ولاية جنوب كردفان.

 

ومع ذلك، لم يكتف المنسلخون بأعمالهم، بل أكثروا من الكتابة في الصُّحف لتبرير مفاعيلهم.  ومثلما أكثر قادة الحكومات السُّودانيَّة المتعاقبة وزعماء الأحزاب في الشمال والأكاديميُّون في إرجاع مشكل الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان للاستعمار البريطاني-المصري (1898-1956م)، انتقلوا بالحديث ذاته إلى إقليم جبال النُّوبة، وبخاصة بعد انتقال العدائيات إليه العام 1985م.  وفي تلك الأجواء التي فيها جاء المتصالحون إلى الخرطوم، أدلى كافي بتصريحات كثيرة في إعلام الحكومة التي سُخِّرت له رُخاء حيث أراد، وقد بلغت هذه التصريحات حد التناقض فيما بينها في كثير من الأحايين، كما أنَّ السلام الذي به كان يتشبَّث لم يكن إلا وهماً وحكماً عصي المنال في ذلكم الوقت.  ففي "ندوة السَّلام الكبرى"، التي نظَّمتها صحيفة "أخبار اليوم" بقاعة الشارقة في جامعة الخرطوم في يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 1996م تحدَّث كافي بزهو وحماس بالغين قائلاً: "إنَّ تأريخ السُّودان السياسي اهتمَّ بالجنوب والشمال على حساب المناطق الأخرى، ولكن لقد استطعنا أن ندخل مشكل جبال النُّوبة؛ هناك جهد مبذول لتحقيق السَّلام بالسُّودان، والظروف تستدعي ذلك، فإنَّ حركة قرنق قد بدأت (العام) 1983م كحركة قوميَّة من أجل السُّودان الواحد الموحَّد الديمقراطي، لكن انحرفت الحركة عن هدفها، حيث رأت الحركات المتضامنة معها أنَّها انفصلت لأنَّها كرَّست القبليَّة، حيث أنَّ الخط السياسي لقرنق قد تعاون مع الحركات الأخرى ضد مجموعات النُّوبة والأنقسنا."(64)  مما لا شك فيه أنَّ كافي كان يدري الإدراك كله من ذا الذي يكرِّس القبليَّة: النظام، الذي بات هو جزءاً منه، أم الحركة الشَّعبيَّة، التي اختار كافي أن ينعتها بحركة قرنق استهتاراً؟  يا تُرى لِمَ غضَّ كافي الطرف عن سعى النظام سعياً حثيثاً من أجل إشعال نار الفتنة بين "شباب أمة الدينكا" وقبائل الشلك والنوير والمورلي في وثائق عُرِفت يومذاك "بحرب المنشورات" في الخرطوم.(65)  أفلم تكن الحكومة بقادرة على أن توقف هذا العبث إن شاءت وسعت إلى ذلك سبيلاً، درءاً للفتنة وسط أبناء الإقليم الجنوبي التي قد تحوِّل الحرب إلى جنوبيَّة-جنوبيَّة ابتداءاً من العاصمة القوميَّة؟  بلى!  وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ المنشور المنسوب إلى شباب النوير وموجَّه إلى البروفسير ديفيد أوشانق – الناطق الرسمي باسم "جبهة الإنقاذ الديمقراطيَّة المتحدة" - كان يحذِّر قادة النوير من الدينكا عموماً، ودينكا بور على وجه الخصوص، ويدعو إلى تصفيتهم، وإنَّ الخيار الوحيد المتبقي لهم هو مواجهة المصير المشؤوم، أو الانضمام إلى إخوتهم في الشق الغربي للنيل (...)، كما دعا المنشور أيضاً إلى تنظيم حركة تأديبيَّة ضد قبيل المورلي، وحذَّر المنشور قادة النوير من أبناء قبيل الشلك، الذين تضامنوا مع الدينكا ضد مرشح النوير لتولي منصب الوالي لولاية أعالي النيل."(66)  ولا نكون قد حدنا عن الصواب إن قلنا إنَّ السلطات "الإنقاذيَّة"، التي كانت لها عيون ساهرة في كل مكان وزمان، كانت تعلم محرِّري "منشورات الفتنة".  هذا، إن لم تكن قد شاركت في تحريرها، أو صياغتها، أو الإيعاز لكاتبيها ومروِّجيها، وخير شاهد على العصر خطاب الفتنة لمروان بن الحكم وقصة قميص سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه.  وهل فكَّر كافي مليَّاً وقدَّر تقديراً أنَّ حكومة "الإنقاذ" كانت تقف وراء إمدادات الأسلحة التي كانت تتلقَّاها ميليشيات النوير للإغارة على قوميَّة الدينكا؟  ثمَّ ما هي "الحركات الأخرى" التي ادعى كافي – ولا يكاد يبين - أنَّ جون قرنق قد تعاون معها ضد مجموعات جبال النُّوبة والأنقسنا؟

 

وفي معرض حديثه عن كافي ذكر القائد يوسف كوة مكي "أنَّ المشكلات الموجودة صغيرة ولا ترقى لأن تكون سبباً للانسلاخ عن الجَّيش الشَّعبي."(67)  كما أنَّ الارتماء في أحضان الجَّبهة القوميَّة الإسلاميَّة، التي هي الامتداد الطبيعي لمشكلات النُّوبة، يكرِّس الاضطِّهاد والظُّلم.  ومن هنا نرى أنَّه هناك من تعرَّضوا لبعض المحن في سبيل النِّضال، لكنهم لم ينضموا إلى صفوف الأعداء، أو ينشقوا ويكوِّنوا فصيلاً مناوئاً للحركة الأم.  ومن هؤلاء المناضلين الذين وهبوا حياتهم لقضيَّة النُّوبة نذكر النقيب محمد توتو كوة الذي قضى ست سنوات في معتقل الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان نظير هفوة سرعان ما استدركت الحركة خطأها وأطلقت سراحه.  فقد بدأ الرقيب يومئذٍ محمد توتو كوة حياته العسكريَّة والسياسيَّة في القوات المسلحة بين الأعوام (1968-1980م)، وتدرَّج في الخدمة حتى وصل رتبة ملازم أول في الأعوام (1980-1985م).  ثمَّ خاض محمد توتو كوة الانتخابات شبه العامة العام 1986م ممثلاً للحزب القومي السُّوداني في دائرة القضارف، حيث هُزم بفارق 25 صوتاً فقط.  وفي خلال وجوده في العاصمة السُّودانيَّة وجبال النُّوبة عمل في خلايا الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وكان من مجنديه القائد عبد العزيز آدم الحلو، والملازم أول سيد كندة، ومن أبرز السياسيين الذين عملوا معه في الخرطوم القائد إدوارد لينو الذي اتخذ مكانه في الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في يوم 25 أيار (مايو) 1987م.  رحم الله الرائد حينئذٍ محمد توتو كوة، الذي توفى إثر ارتطام الجرَّارة، التي كان يقودها بنفسه بلغم أرضي في مقاطعة برام في 11 حزيران (يونيو) 2002م، حيث مات في الحادث ذاته خمسة من قوات الجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وجُرح ثلاثة آخرون.(68)  وقد وُضِع هذا اللغم بواسطة جنود الحكومة السُّودانيَّة في حامية تورو، وكان الغرض منه اغتيال القائد عبد العزيز آدم الحلو، الذي زار المنطقة في اليوم السابق للحادث.  وكانت هذه الجرَّارة واحدة من ست جرَّارات منحتها منظمة "سماريتان بيرس" (Samaritan Purse) لإنشاء ستة مشاريع زراعيَّة بالمنطقة، وكذلك للاستفادة من الجو الأمني الذي خلقته اتفاقيَّة وقف إطلاق النار في جبال النُّوبة الموقعة بين الحكومة السُّودانيَّة من جهة، والحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان من جهة أخرى في سويسرا في 19 كانون الثاني (يناير) 2002م، حتى يتم العمل على استصلاح واستغلال الأرض للزراعة لصالح المواطنين النُّوبة.  والرائد الفقيد محمد توتو كوة كان قد ولد العام 1948م في قرية مورتا بكادقلي، وتعلَّم في مدرسة الكمبوني بالخرطوم، حيث ترك مقاعد الدراسة لظروف خارجة عن إرادته.  ومثلما هي الحال مع كافة أبناء النُّوبة والمهمَّشين الآخرين، التحق بالقوات المسلحة السُّودانيَّة، وخدم فيها ردحاً من الزَّمان، ومن ثم التحق بالحركة الشعبيَّة والجَّيش الشعبي لتحرير السُّودان العام 1988م.  هذا، فقد فشلت تجربة السجن أن تغيِّر في سبيل حياته، ولم تُكسبه حقداً دفيناً مثلما أحدثت في أقرانه رفقاء السجن والسِّلاح، أو رفقاء السِّلاح من غير الذين سُجنوا، لكنهم طفقوا يعملون مع النظام ضد مصالح أهلهم في جنوب السُّودان وجبال النُّوبة.  إذ يمثل محمد توتو كوة – في حياته كجندي – سجلاً نظيفاً في شجاعة الفرد ومرونته؛ وإنَّه ليعتبر مستودعاً للطاقة الإنسانيَّة، التي يمكن الاعتماد عليها لتغيير الأوضاع المعقَّدة، وفي سبيل النضال من أجل حياة أفضل والاعتراف بالخصائص الرائسة في القيم الإنسانيَّة.

 أما فيما يختص بالمدعو يونس دومي كالو، رئيس هيئة القيادة السِّياسيَّة لما سُمِّى وقتئذٍ ب"قوة السُّودان الجديد للسَّلام"، فلم يختلف أمره كثيراً أو قليلاً عن محمد هارون كافي، وكل ما كان معلوماً هو أنَّ كالو كان القائد والقاعدة والجيَّش في مبتدأ إعلان حركته على الأقل.(69)  وقد استغلَّت الحكومة اختلافات كافي وكالو وأومأ لكل منهما أن يكوِّن تنظيمه بعيداً عن الآخر حتَّى يتوهَّم النَّاس أنَّ النُّوبة في الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان انشطروا إلى عدة أشلاء متناحرة.  وكان القصد من حركة يونس دومي كالو – كما هدف زعيمها أو أهل "الإنقاذ" - هو ضرب ما أعلنه محمد هارون كافي، وإصابته في مقتل.  هكذا لم تكن لحركة يونس قواعد من أبناء جبال النُّوبة – كما أسلفنا الذكر - على خلاف القلة القليلة من أبناء قبيله، وكذلك الأخوة الذين كانوا على خلاف مع محمد هارون كافي من أبناء جبال النُّوبة في نيروبي في اختلافات لأمور شخصيَّة لا تخص القضيَّة الجوهريَّة في شيء.  ومن ثَمَّ وجد يونس دومي كالو السند الأكبر من القس جونثان حماد من قبيله وأحد أفراد وفد لجنة السَّلام "الخرطوميَّة"، حيث استيقن منه ومن بعض أشياخ السحرة وأهل النفث في العقد، ظناً منه أنَّ ذلك يغنيه شيئاً، وهيهات.  والجدير بالذكر أنَّ يونس دومي كالو قسيس سابق، حيث كان يدرِّس اللاهوت في جوبا قبل أن ينخرط في الحركة الشعبيَّة، وبعد عودته إلى الخرطوم مصالحاً النظام "الإنقاذي" اعتنق الإسلام، وأشهر إسلامه الجديد هذا في مسجد جامعة الخرطوم، وبارك إسلامه أمام المصلين في ذلك المسجد وفي ذلك النهار الدكتور حسن عبد الله الترابي.  وفي نهاية الأمر تبارى أولئك وهؤلاء في أشدَّ ما تكون المباراة في وضع وتنفيذ إستراتيجيَّات كان الهدف منها تحقيق مكاسب شخصيَّة بحتة.  هكذا كرَّس يونس دومي كالو جهده في العمل على سحب البساط من تحت أرجل الأغيار وتسليط الأنظار إلى نفسه، وكذلك إفساد ما قام به محمد هارون كافي.  عليه، كان تقييم الجميع لهم من خلال اللقاءات التي تمَّت بأنَّهم أناس تنقصهم الحنكة السياسيَّة، حيث أنَّهم خلطوا في كل لقاءاتهم بين العام والخاص.  إذ أنَّه كانت هناك تكتلات سياسيَّة عديدة تخص أبناء جبال النُّوبة في الساحة السُّودانيَّة، المعارضون منهم وخلاف ذلك، وعليه أمسى العائدون موضوع نزاع وتجاذب لكل تلك التكتلات حينئذٍ، ومنها:

لجنة السَّلام من الداخل التَّابعة للمجلس الأعلى للسَّلام.

 

كوادر الجَّبهة (القوميَّة الإسلاميَّة) من أبناء جبال النُّوبة.

 

العسكريُّون من أبناء جبال النُّوبة، وبخاصة الذين ألقت بهم حكومة الجبهة (القوميَّة الإسلاميَّة) في مستنقع الصالح العام والمعاش.

 

أبناء جبال النُّوبة في المعارضة والموجودين بالداخل.

 وفي الحق، فإنَّ كثراً من أبناء النُّوبة لم يعرفوا شيئاً عن محمد هارون كافي ويونس دومي كالو قبل ذلك الردح من الزمان، وإنَّهما ظلا غير معروفين حتى في دوائر الحركة الشَّعبيَّة نفسها.  فمن هما محمد هارون كافي ورفيقه في الانسلاخ يونس دومي كالو؟  أو كما طفق النُّوبة في الجبال يتساءلون: من هو محمد هارون كافي أبوراس هذا الذي برز أخيراً وشرع يتحدَّث عن مصالح النُّوبة؟  وعلى هذا التساؤل يجيبنا سليمان موسى رحال – رئيس تضامن أبناء جبال النُّوبة بالخارج (المملكة المتحدة) في الفترة ما بين (1994-1999م).  إذ يقول رحال: "على الصعيد العسكري لا يملك أي منهما قوة عسكريَّة، ولم يسبق لأحدهما أن قاد فصيلاً واحداً أو خاض معركة أيَّة معركة من المعارك.  والمعروف أنَّ كافي كان عند التحاقه بالحركة (الشَّعبيَّة) وتخرُّجه بعد إكماله التدريب العسكري رفض ارتداء الزي العسكري، وفضَّل أن يعمل في مجال الإعلام، وبالفعل أسند إليه الدكتور جون قرنق مهمة الكتابة عن إحدى القبائل الجنوبيَّة على الحدود السُّودانيَّة-الزائيريَّة.  وبعد الانشقاق الذي حدث في الحركة الشَّعبيَّة (العام 1991م) جاء محمد هارون كافي إلى نيروبي، وهناك – وبعد عودة القائد يوسف كوة مكي من مؤتمر أبوجا وزيارته للندن في أيار (مايو) 1993م – أنشأ في نيروبي مكتب منظمة النُّوبة للتنمية وإعادة التعمير، وأسند مهمة إدارة المنظمة للأخ محمد هارون كافي، ولكن سرعان ما أثبت عدم جدارته في إدارة شؤون المنظمة، وعُزِل من منصبه، وعُيِّن بدلاً منه يونس دومي كالو، وفشل هو الآخر وأُوقِف عن العمل لإجراء تحقيق معه، وإذا به فجأة يعلن انشقاقه عن الحركة (الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان) وخلق قضيَّة سياسيَّة وبطولات زائفة.  هؤلاء هم قادة النُّوبة الجدد الذين (كان) يشيد بهم الأخ إبراهيم أبو كرتكيلا، بل ويدعونا إلى الانسياق وراءهم."(70)  أيَّاً كان أمرهم، فقد ثبت بأنَّ شعار "السَّلام من الداخل" الذي روَّج له هؤلاء القادة الجدد والنظام "الإنقاذي" نفسه كان مسرحيَّة هزيلة الإخراج، ضعيفة السبك؛ إذ لم يغن ولم يسمن من جوع، ولم يغيِّر من الأمر الواقع في جبال النُّوبة شيئاً.  ففي "حفل العشاء" الذي أُقيم في منزل العميد الركن إبراهيم نايل إيدام في الخرطوم بمناسبة عودة محمد هارون كافي ورفاقه، وقف أحد أبناء النُّوبة الشجعان غير مكترث بما سيحدث له، وتحدَّث في ذلك الاجتماع قائلاً: "كفاكم شتائم لجون قرنق ويوسف كوة، كل ما نريد أن نعرفه هو ماذا حقَّقتم للنُّوبة بتوقيعكم لميثاق السَّلام هذا؟  وإذا كنتم قد فشلتم في تحقيق أي شيء فعليكم أن تطلبوا من الحكومة أن توقف عمليات التَّطهير العرقي والسماح بدخول الأدوية والغذاء إلى المنطقة."(71) مهما يكن من الأمر، فإنَّه من الصعوبة جداً التصديق بأنَّ كل مطالب النُّوبة التي باتوا يطالبون بها سلميَّاً منذ استقلال البلاد العام 1956م، وبعدما اضُطروا إلى حمل السِّلاح، يمكن أن تؤتي ثمارها بالانصياع إلى الألفاظ الباذخة، أو الاهتداء بالشعارات البرَّاقة، أو بوثيقة تُكتب بمداد دابق وروح غافلة، أو بالانسلاخ من الحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، أو في شكل مذكِّرة من 18 نقطة معنونة باسم "المبادئ الأساسية لحل قضيَّة أبناء جبال النُّوبة".(72)  فما هو الجديد – إذن - الذي أتت به "المبادئ الأساسيَّة لحل قضيَّة أبناء جبال النُّوبة"؟  كلا!  وهل فكَّر المنسلخون ملياً بأنَّ مطالبتهم "باعتبار المواطنة هي الأساس في الحقوق والواجبات وبأن تكون المعتقدات والعادات والتَّقاليد هي المصدر الأساس للتَّشريع، مع كفالة حريَّة الأديان والعبادة"(73)  موجودة أساساً في الدَّساتير السُّودانيَّة منذ الأزل وبعبارات مختلفة؟  إذ أنَّ الأهم في الأمر ليست روح القانون أو الدستور نفسه، بل الممارسة والتَّطبيق، أي كما قال اللَّورد هيلي: (The procedure of judicial administration is a more important factor in earning respect for the Law than the substance of the Law itself).

ومع ذلك، انساق المنسلخون من أبناء النُّوبة في الحركة الشعبيَّة – أو من غير الحركة الشعبيَّة – وراء إغواءات وإغراءات النظام، ولم يسألوا أنفسهم يومئذٍ أين المساق.

 

ومما لا مُراء فيه أنَّه بمجرَّد اعتماد "الشريعة والعرف مصدرين للتَّشريع في البلاد" يصبح الحديث عن "الحريَّة والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان وإزالة كل مظاهر المظالم والقهر الاجتماعي والاقتصادي والثَّقافي" هراءاً واستغلالاً مبتذلاً لشعار "المواطنة أساس التمتع بالحقوق ومباشرة المسؤوليات"، وذلك لإيهام السذج من السُّودانيين بأنَّ الناس سواسية كأسنان المشط في دولة "الإنقاذ".  وإنَّ المعني بالعرف دوماً في كل الدساتير السُّودانيَّة – المؤقَّتة والمعدَّلة والدائمة – هو العرف والعادات والتقاليد العربيَّة، ويتضح هذا جليَّاً في محاكم الأحوال الشخصيَّة التي تبتُّ في قضايا الميراث والطلاق وغيرهما باعتبار أنَّ السُّودان قطر عربي.  وبناءاً على هذا الفهم يصبح الحديث عن الاعتراف بالتعدد الثقافي والاجتماعي افتراءاً وكذباً، ما لم يتم الاتفاق على تعريف عادل لهذا العرف.  ولعل من العبث أيضاً الحديث عن "وحدة السُّودان بحدوده الجغرافيَّة والسياسيَّة المعترفة بها منذ العام 1956م"، لأنَّه حديث أشدَّ إعوجاجاً من الثعبان، ولو فكَّر قائله قليلاً لأمسك عن ترديده، ولو عقله لما ابتدره.  إنَّه لمن المعلوم أنَّ نظام الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري قد عبث بالحدود الإقليميَّة في أكثر ما يكون العبث في مناطق كافيا-كنجي وحفرة النحاس بين إقليمي دارفور وبحر الغزال، وذلك بعد اكتشاف معدني النحاس واليورانيوم فيهما بكميات تجاريَّة، وكذلك منطقة بانتيو في إقليم أعالي النيل لحظة اكتشاف البترول فيها، كما قسَّمت حكومة "الإنقاذ" البلاد إلى 26 ولاية وعدد كثر من المحافظات والمحليَّات بعدما استقطعت أجزاءاً من أقاليم وألحقتها بأقاليم أخرى استرضاءاً لبعض الفئات العرقيَّة وتحقيقاً لمآرب سياسيَّة، وقد شهدنا ذلك باقتطاع بعض الأراضي من جنوب كردفان والتحامها بشمال كردفان.  وقد أدان الحزب القومي السوداني هذا المسلك المعوج (ملحق رقم (18)).  أما عن حدود السُّودان الدوليَّة فحدِّث ولا حرج، فماذا هم قائلون عن الصراع الذي بدأ يطل برأسه بين الفينة وأخري حول مثلث حلايب بين الخرطوم والقاهرة كلما ارتفعت درجات الحرارة السياسيَّة بين البلدين المجاورين؟  وكذلك ماذا عن مسألة مثلث اليمي التي كادت أن تصبح أزمة سياسية أو عسكريَّة بين الخرطوم ونيروبي، وكذلك أراضي الفشقة في شرق البلاد التي أوشكت أن تحدث نكبة سياسية-عسكريَّة بين الخرطوم وأديس أبابا؟  على أيَّة حال، فإنَّ مسألة الحفاظ على الحدود الدوليَّة السياسيَّة لا يمكن أن تتأتى بالشعارات الجوفاء أو المزايدات الحزبيَّة دون المعالجة الديبلوماسيَّة بين الأطراف المعنيَّة، وبموجب معاهدات ثنائيَّة وضمانات دوليَّة.

 

ثم كيف يحسب كافي وجماعته أنَّه بمجرَّد التَّوقيع على وثيقة معدَّة سلفاً في السَّفارة السُّودانيَّة كفيلة "بتطبيق برنامج خاص لإعادة التَّعمير والتَّوطين لمعالجة الافرازات والآثار السلبيَّة النَّاجمة عن الحرب، علاوة على برنامج طوارئ إسعافي لمعالجة القضايا الإنسانيَّة الطَّارئة" في وقت مازالت المنطقة ترزح تحت الإغارات العسكريَّة، والناس يصطلون بنار حرب ضروس؟!  ولا شك في أنَّ الحق يلزمه قوة، والسَّلام لا يضمنه إلا قوة عسكريَّة أولاً، والتزام دولي ثانياً، والنَّفس اللوَّامة التي تفي بالمواثيق والعهود ثالثاً، لا النَّفس الأمَّارة بالسوء.  وقد "برَّر كافي انشقاقه بالقول أنَّ (الحركة الشَّعبيَّة) والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان وقَّع العام 1994م مع حزب الأمة اتِّفاقاً يضمن لجنوب السُّودان حق تقرير المصير"،(74) في إشارة إلى "إعلان شقدوم"، الذي فيه حذَّر القائد يوسف كوة مكي ممثِّلي حزب الأمة أنَّه في حال "منح الجنوب حق تقرير المصير" دون النُّوبة فهذا يعني أنَّ على النُّوبة أن يستمرُّوا في حمل السِّلاح لفترة أطول حيث أنَّ أهل الجنوب قد نالوا حقَّهم المسلوب لأنَّهم حملوا السِّلاح لفترة طويلة.  مهما يكن من شأن، فإن كان كافي حريصاً على وحدة السُّودان الحرص كله، وكان "حق تقرير المصير" عنده يعني الانفصال لا غير، فلماذا انتظر عامين بعد التوقيع على إعلان شقدوم ليعلن انسلاخه من الحركة الشَّعبية؟!

 وحسبنا أن نقول إنَّ اتفاقيَّة جبال النُّوبة للسَّلام لم تحظ بتأييد من أشياع النظام أنفسهم في البرلمان، أي أولئك الذين جيء بهم ب"الإجماع السكوتي" أو "الانتخابات المهزلة".  ففي إحدى مداولات المجلس الوطني تحدَّث أعضاء المجلس عن هذه الاتفاقيَّة التي عُرِفت باسم "اتفاقيَّة منطقة جبال النُّوبة".  هذا، وقد "تناول نواب ولاية جنوب كردفان هذه الاتفاقيَّة بالنَّقد والتجريح، وطالبوا بإلغائها أو إسقاطها، بحجة أنَّ الاتفاقيَّة لم تتناول المشروعات الكبرى في الولاية، والموقِّعين (عليها) غير مؤهَّلين، وليس لهم وزن (سياسي) بالداخل أو بالخارج، وإنَّ الاتفاقيَّة لهزيلة، وإنَّ الحكومة والمجلس الوطني لم تعطيا اهتماماً لهذه الاتفاقيَّة."(75)  ذلكم هو الاتفاق الذي أمسى طي الكتمان، وبات مادة في سبيل البحث عن الاتفاقات الفاشلة؛ إذ لم يتحمَّس له حتى النواب المعيَّنين من قبل النظام نفسه صاحب المبادرة.  برغم من ذلك اجتهدت منظمات "الإنقاذ" الاجتهاد كله في الترويج لهذه السلعة البائرة والتجارة الكاسدة، فقد حاول كندة غبوش الإمام عن "هيئة جبال النُّوبة الإسلاميَّة" الدفاع عن هذه الاتفاقيَّة في الإعلام الخرطومي.  أفلم أقل لكم من قبل إنَّ هذه الهيئة لإحدى أبواق النظام "الإنقاذي"!  بلى!  وقد كتب محمد الدودو (ابن الكريس) يقول: "إنَّ إخوتنا موقَّعي الاتفاقيَّة يبدو أنَّ عودتهم كانت مرتبطة بقضايا ذاتية وليست وطنيَّة، وإلا ما وجدناهم يتمسَّكون بمناصب لا تقدِّم إلا لأنفسهم الحياة الرغدة، ونقولها اليوم إنَّ هذا المجلس الذي يطلق عليه اسم "المجلس الانتقالي للسَّلام لولاية جنوب كردفان" لهو محسوب علينا، وقد وُلِد ميِّتاً، بل هو مسخ لا يشبه جنوب كردفان، ويظل جنازة دس ابنها المحافير يوم الدفن.  إنَّ أهلينا ليتساءلون أين أبناؤنا الذين أتوا من الخارج؟  ولماذا الحرب ما زالت دائرة وقد وقَّعوا اتفاقيَّة للسَّلام مع الحكومة، وأين التنمية التي أُوكل تنفيذها لهذا المجلس؟"(76)

على أيَّة حال، فإنَّ "اتفاقيَّة سلام جبال النُّوبة" – التي وقَّعها محمد هارون كافي أبوراس ومن كانوا معه – كانت ذات مضمون تنموي ومشاركة في السلطة، برغم من عدم احتوائها على "مبدأ تقرير المصير" كما كان العهد ب"اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام".  ووضعت اتفاقيَّة سلام جبال النُّوبة عدداً من المشاريع التنمويَّة، أهمها الطريق الدائري الإسعافي (أم روابة-العباسيَّة-رشاد-أبو جبيهة-تلودي-كالوقي-كادقلي-الدَّلنج-الأبيض)، وإنشاء صندوق دعم (تمويل) التنمية برأس مال لا يقل عن 10 مليار جنيه سوداني، ولكن – وبعد مضي أربع سنوات من عمر المجلس الانتقالي (لجنوب كردفان) الذي شُكِّل بموجب الاتفاقيَّة – لم يحصل شيئاً في هذه المشروعات.  وكان إدراج الطريق الدائري ضمن مشروعات التنمية القوميَّة ذات الأولويَّة القصوى، وذلك لأهميته الاقتصاديَّة والأمنيَّة والاجتماعيَّة وإنشاء هيئة بقانون لتنفيذ الطريق خلال الفترة الانتقاليَّة (1997-2001م).  والغريب المستفز في الأمر، هو أنَّه برغم من إدراج الطريق الدائري "ضمن مشروعات التنمية ذات الأولويَّة القصوى" خصَّصت الحكومة في ميزانيَّة العام 2002م لهذا المشروع التنموي ذي الأولويَّة القصوى اعتمادات تساوي 2% فقط، وهي أقل اعتمادات لطريق في قائمة الطرق القوميَّة في تلك الموازنة.  أما المجلس الانتقالي للسَّلام، الذي تكوَّن ليتولَّى مهام إنقاذ اتفاقية السَّلام بجبال النُّوبة، فلم تلتزم الحكومة الاتحاديَّة في تمويل برامجه، والتي كانت تعني بامتصاص آثار الحرب وإغاثة المتأثِّرين بها وإشاعة السَّلام؛ وأخيراً أمسى المجلس في غرفة الإنعاش ينتظر رصاصة الرحمة التي ستنقله إلى الموت الإكلينيكي، أو كما تقول الفرنجة (Clinical death).(77)  وفي هذه الأثناء كتب راشد عبد الرحيم عن محنة جبال النُّوبة واصفاً إياها بأنَّها قضيَّة بدون اتفاقيَّة مشروعة.  وقال: "إنَّ اتفاقيَّة جبال النُّوبة، أو كما يُشار إليها باتفاقيَّة السَّلام لجنوب كردفان والموقَّعة بين الحكومة (السُّودانيَّة) من جهة، والحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان (قطاع جبال النُّوبة) من جهة أخرى في آب (أغسطس) 1997م اتفاقيَّة ناقصة، وتفتقد الوضع القانوني، وذلك أنَّها لم تُجز في البرلمان مثلما حدث لاتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام، وهذه الاتفاقيَّة تمَّ التوصل لها في ظروف تحتاج إلى مراجعة ويكفي أنَّ البرلمان رفض إجازتها، بينما أجاز اتفاقيَّة الخرطوم للسَّلام.  بل إنَّ هذه الاتفاقيَّة لم توقَّع مع الشخص الصحيح مثلما حدث لاتفاقيَّة الخرطوم التي وقَّعها نائب الرئيس حينها، اللواء الزبير محمد صالح، مع ممثلي الفصائل الجنوبيَّة، بينما اتفاق جبال النُّوبة مع الحكومة حمل توقيع العقيد الركن محمد الأمين خليفة والسيد محمد هارون كافي، وأهلنا في الجبال عليهم السعي أولاً لتصحيح هذا الوضع القانوني قبل المطالبة بحقوق تترتَّب عليه".(78)  وقد اعترف المهندس رزق الله بخات لاحقاً بأنَّ "الذي حدث نعتبره عثرة في طريق نضال أبناء الجبال، وعلينا أن نستفيد منها في مسيرة نضالنا المستمرة، حتى نحصل على مكاسبنا المشروعة بإذن الله، ليس مع حكومة الجَّبهة (القوميَّة الإسلاميَّة) (فحسب)، ولكن مع كل الحكومات القادمة."(79)  ومن هنا نستطيع أن ندرك لماذا كان تقييم الحكومة لهم دون المستوى على الأساس الولائي - أي حكومة ولاية جنوب كردفان - على متابعة تنفيذ بنود "إعلان المبادئ" الموقَّع في نيروبي واعتباره نهائيَّاً.  هذا الإجراء يتناقض مع إجراءات الاتفاقيات والتَّوقيع عليها، حيث كان من المفروض أن تصاغ بنود "إعلان المبادئ" من قبل لجان متخصصة كل على حسب مجال تخصصه في شكل اتفاقيَّة، ثم يتم التَّوقيع عليها، وبعدئذٍ تُعرَض على البرلمان لإجازتها وتصبح بعد ذلك قوانين ومراسيم رئاسيَّة، مع وجود ضمانات دوليَّة وآليَّة لمراقبة التنفيذ.

 مهما يكن من أمر، فإنَّ كانت الحكومة جادة في مسعى تنفيذ بنود الاتفاق كان عليها أن تأخذ منطقة الجبال الشرقيَّة كنموذج لتطبيق هذا الاتفاق نسبة لأنَّ المنطقة كانت آمنة حتى وقتٍ قريبٍ – كما سنرى لاحقاً، وسوف لن تكون هناك افتعاليات الدواعي الأمنيَّة التي قد تعوق سير مشاريع التنمية.  لكن فلننظر ماذا جرى؟  ظلَّت قضيَّة الطريق الدائري الذي يربط مدن ولاية جنوب كردفان ببعضها بعضاً مشروعاً ورقيَّاً، ومشكل مياه الشرب الذي هو أحد الأسباب الرئيسة في النزاعات التي تنشب بين الرعاة والمزارعين بين الفينة وأخرى في حال أسوأ، والخدمات الصحيَّة تشهد تدهوراً مريعاً عاماً بعد عام، وتعطَّلت وسائل النقل، وأمست حياة الرعاة تعيسة، واضمحل الاقتصاد المحلي، وبات وضع التَّعليم في الولاية متردياً جداً ومخزياً للغاية.  ومما لا شك فيه هو أنَّ التعليم أساس التنمية، وقد جاء في أطروحات نظام "الإنقاذ" للعام 2000م بند هام وهو محو الأميَّة، ولكن الملاحظ هو أننا بدأنا نخطو نحو الأميَّة في الولاية وفي ومناطق هامشيَّة أخرى بعد انقضاء الألفيَّة.  كذلك نجد أنَّ المشاريع التي تم التخطيط لها خارج اتفاق السَّلام لم تجد من العناية والرعاية من الدولة في شيء.  فها هو مشروع خور أبو حبل، الذي تأسس العام 1946م بالقرب من أم روابة كمشروع طموح وبمقدوره توفير الإنتاجيَّة واستيعاب العمالة المحليَّة، بات يواجه سلبيات عديدة منها:

لم تدفع وزارة الزراعة الاتحاديَّة ما عليها من التزامات ماليَّة تجاه المشروع.

 

لم تُمثَّل السلطات المحليَّة في لجنة تسيير المشروع، علماً بأنَّه يقع داخل الرقعة الجغرافيَّة لمحليَّة أم روابة؛ تلكم المدينة التي تأسَّست العام 1912م.

 

وبرغم من هذه الإخفاقات حاول بعض المنتفعين من النظام القائم أن يجادلوا بالباطل – إنَّ الباطل كان زهوقاً -  بأنَّه "في عهد "الإنقاذ" دون غيره (من الأنظمة الخرطوميَّة قد تمَّ الاعتراف) بقضيَّة جبال النُّوبة، ووقِّعت اتفاقيَّة السَّلام لجنوب كردفان، وأُنشأت آليَّة إنقاذ".  بكل أسف وأسى كانت الحكومة ترى في هذه الاتفاقيَّة مجرَّد أداة للدعاية السياسيَّة والإعلاميَّة دون أي التزام لجوهر بنودها.

 

ومن هذا المنطلق ينحرف بنا الحديث إلى علاقات الأرض في جنوب كردفان.  ففي ظل المعطيات التي بحوزتنا، شكَّلت قضيَّة الأرض الزراعيَّة هاجساً دوماً لدي أبناء جبال النُّوبة، الذين يكوِّنون أيدي عاملة رخيصة لدي التجار الرأسماليين، الذين جاءوا من خارج المنطقة، وشرعوا في طرد الأهالي من الأرض التي فيها ذرأهم الله واستعمرهم.  إذن، ما هي الخلفيَّة التأريخيَّة لعلاقات الأرض الزراعيَّة في جنوب كردفان؟  من منظور تنموي، يمكن تقسيم تأريخ التراكم الرأسمالي في جنوب كردفان إلى ثلاث فترات.  إذ تبلورت الفترة الأولى تحت إدارة الحكم البريطاني-المصري بين الأعوام (1925-1945م)، ثمَّ تلتها الفترة الثانية من العام (1945-1964م)، والفترة الثالثة من العام (1965-1980م).  وقد تشكَّلت الفترة الأولى بواسطة الحكم الثنائي قبل نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية (1939-1945م)، وذلك من خلال فترة الحكم الذاتي في الأعوام (1953-1955م).  واستمر الوضع على ما عليه حينما ورثت شريحة من المجتمع السُّوداني مقاليد السلطة السياسيَّة في البلاد بعد رحيل المستعمر حتى سقوط النظام العسكري للفريق إبراهيم عبود العام 1964م.  ثمَّ جاءت الفترة الثالثة، التي تميَّزت بدعوات تحديث الزراعة التقليديَّة، وقام بتنفيذه الجهاز القومي ممثلاً في البنك الزراعي السُّوداني ومؤسسة الزراعة الآليَّة.  وقد لعبت المؤسسات الأجنبيَّة كالبنك الدَّولي دوراً رائداً في هذا المجال.  وقد بدأت زراعة محصول الذرة على الخط الرأسمالي في منطقة القضارف في شرق السُّودان، ومن هناك انتقلت جنوباً إلى الدمازين في وسط السُّودان، ثم إلى منطقة جبال النُّوبة في غرب السُّودان، ومن المحتمل أن تزحف صوب جنوب السُّودان.  ومما يجدر ذكره أنَّ نظام حيازة الأرض في قطاع السافنا ومناطق الزراعة المطريَّة يختلف تماماً عن المناطق النيليَّة في وسط وشمال السُّودان.  وتقع منطقة جبال النُّوبة ضمن المنظومة الأولى، التي بواسطتها تكون الأرض مملوكة للأهالي بحكم الوراثة والعرف والتقاليد، حيث أنَّ استلاب الأرض ومصادرتها بواسطة التجار الرأسماليين والدولة في هبيلا وكرتالا والأزرق وجديد وهيبان والليري عمل إجرامي من قبل المؤسسات الرسميَّة، لذلك نجد أنَّ للنُّوبة حق معلوم، ويمكنهم مقاضاة الدولة وملاك الأراضي الرأسماليين، ومقاومتهم لهذه السياسات التعسفيَّة غير المشروعة، التي ظلَّت تمارسها الحكومات المتعاقبة.  إذ أنَّ أصحاب هذه المشاريع من الرساميل الكبيرة ذوي المقدرة على الزراعة الآليَّة وتكاليفها الباهظة، وهم ليسوا من أبناء المنطقة، فإنَّهم يزرعون ويحصدون ويذهبون بحصادهم إلى مناطقهم  للتسويق والتصدير، حتَّى إذا فكَّر أحدهم في إنشاء مدرسة أو شفخانة (مركز علاجي) فإنَّه ينشئها حيث إقامته ووسط أهله.  إذن، ينبغي أن يكون هناك قانون ينظِّم الاستثمار في هذه الأراضي.  وبعد هذه الأهمية التي تبرزها الزراعة المطريَّة – كما أبنا أعلاه - نجد صرف الدخل القومي في كثر من الميزانيات بأنَّ حوالي 70% من هذا الدخل يُصرَف على الزراعة المرويَّة التي تساهم ب30% فقط من دخل البلاد؛ في حين أنَّ الزراعة المطريَّة تساهم بالنسبة الأكبر، وهذا يعني أنَّ المعادلة معكوسة.  كان هذا مما دعا النائب البرلماني حبيب سرنوب في الجمعيَّة التأسيسيَّة إلى أن يقول: "إنَّ مشروع الجزيرة لمشروع استعماري."(80)

 

إذن، إنَّنا لنتساءل بشيء من الدهشة كثير ما هو المفعول السحري الذي فعله شعار "السَّلام من الداخل" حتى أصبح محراباً إليه هرع كل ذي خصاصة، متجاهلين نضال كل من "سطَّر على التأريخ حرفاً من دماء" في هذه الحرب الأهليَّة؟  إنَّ الذي جعل البض يتهافتون على فرية "السَّلام من الدَّاخل" ذو عدة أوجه.  فهناك من ظنَّ أنَّ سبيل النضال ليس بطويل وسرعان ما تنقشع سحب الحرب الكثيفة ويجنوا ثمار نضالهم، لكن شاء الله أن يطول النضال ولم تبد نهايته في الآفاق؛ وهناك من انخدع من أجل حفنة دولارات سرعان ما نفدت؛ وهناك من اعتمل في نفسه مشكلات شخصيَّة مع الحركة الشَّعبيَّة أو مع أفراد نافذين فيها؛ ثم هناك من انساق وراء غيره دون أن يعلم ما بين يديه أو من حوله شيئاً عما هو فيه واقع.  وهؤلاء الأخير هم الذين كانوا إذا مرَّ بهم الناس يتناظرون ويتغامزون ويبتسم بعضهم إلى بعض، أو يحدِّقون إليهم ويطيلون النَّظر في وجوههم ليروا كيف تتمثَّل البلاهة في وجوه البله إلى الغاية من البلاهة، والغباوة في وجوه الأغبياء إلى الغاية التي لا غاية وراءها!  وكنا نسمع هذا الضجيج وذاك العجيج فنتبسَّم ضاحكين، ونقول في أنفسنا لأنفسنا: "أليس فيهم رجل رشيد؟"  فكان لهم الخيار ما بين أمرين: حرب مجلية أو سلم مخزية، فاختاروا الثانية بحكم أنَّ موقفهم تحتَّم عليهم ذلك، فقد كانت السلم المخزية مذلة لهم فعلاً.

 

مهما يكن من شيء، ففي يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006م وفي مدينة جوبا أصدر محمد هارون كافي أبوراس – رئيس اللجنة المركزيَّة للحركة الشَّعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان – قطاع جبال النُّوبة المتحد، ونائبه يونس دومي كالو أصدرا بياناً بالانسلاخ عن حزب المؤتمر الوطني والعودة إلى ربوع الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان.  وقد ركَّزا في صحيفة الانسلاخ الثاني والعودة إلى الحركة الشَّعبيَّة أنَّ المؤتمر الوطني قام بخروقات عديدة ل"اتفاقيَّة السَّلام بجنوب كردفان" وبصورة ممنهجة على النحو التالي:(81)

 

تعيين أعضاء جدد في "المجلس الانتقالي للسَّلام في جنوب كردفان"، دونما استشارة اللجنة المركزيَّة كطرف رئيس في الاتفاق، حسبما نصَّت عليه بنود الاتفاقيَّة.

 

حل المجلس الانتقالي وإعفاء أكثر من 80 عضواً دستوريَّاً من مناصبهم، علاوة على الموظَّفين والعاملين منذ العام، دونما إعادة تعيينهم في مناصب أخرى ملائمة.

 

وبحل المجلس كجهة دستوريَّة أقفل الباب أمام العودة الطوعيَّة لمواطني جبال النُّوبة النَّازحين خارجها إبَّان الحرب، خشية أن يتسبب ذلك في اختلال ديموغرافي في المنطقة، مما قد يعود إلى إلحاق هزيمة بحزب المؤتمر الوطني في الانتخابات المقبلة.

 

إعاقة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين في جبال النُّوبة.

 

لا مُراء في أنَّ محمد هارون كافي صحافي عمل في صحيفة "الرأي العام" منذ العام 1973م وفي دار الصحافة للطباعة والنَّشر، وباحث اجتماعي لا يشق له غبار، وقد أتحف دور البحث وطلاب العلم بكتاب "الكجور.. دور العرَّافة الإفريقيَّة في جبال النُّوبة"(82) الذي قرأناه ووجدناه بحثاً متقناً، جيد الإخراج، ومجهوداً أكاديميَّاً يرجع إليه كل من أراد الاطلاع على هذه الظاهرة الاجتماعيَّة في مجتمع النُّوبة خصيصاً والمجتمعات الإفريقيَّة عموماً.  وكان يمكن أن يكون محمد هارون كافي مفيداً أيما فائدة للدَّارسين في علوم الإناسة (علم الأجناس) والاجتماع إذا سار في سبيل البحث الأثنوغرافي والتوثيق الاجتماعي والمقارنة الثقافيَّة، وأخرج بحثه عن قبيل "الكاشيبو" وعاداتهم وتقاليدهم وما "يحبون (من) لحم الأسد والعسل، (...) وأنَّ أحدهم عندما يود أن يغسل وجهه، يغسل جزءاً حتى يرى بالعين الأخرى، وكذا يعود فيغسل الأخرى (...)."  وإن هو فعل ذلك لكان قد أسدى معروفاً لن ينقطع بريقه إلى الأبد لأهل هذا القبيل خاصة وتلامذة المعرفة عامة، فيبتهج أولئك بتراثهم الذي وجد طريقه في التدوين سبيلاً، وينهل هؤلاء من ينبوع جديد للمعرفة.  لكن تأليفه "نزاع السُّودان"(83) - الذي التهمناه قراءة وبحثاً عن الجديد الذي ربما توهَّمنا في بادئ الأمر أنَّه قد أتي به - خيَّب ظننا، برغم من فتنة العنوان ومتاهة السَّرد.  إذ وجدناه كتاباً رديء الإخراج، كثير المهاترات، وقد ركَّز كافي جهده في الحديث عما ادعاه تجاوزات الحركة الشعبيَّة والجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان – الذي فضَّل الإشارة إليها باسم "حركة قرنق"، وذلك لشخصنة الحركة والإساءة إليها – في سجل حقوق الإنسان.  لقد فعل ذلك وكأنَّما صحائف "الإنقاذ" في مجال حقوق الإنسان بيضاء من غير سوء.  هكذا أخرج كافي هذا الكتاب – أي نزاع السُّودان – كمنفذ لإفراغ مكنون غضبه على الدكتور جون قرنق، فضلاً عن الوثائق الكثيرة التي تطرَّقنا إلى بعض منها في سبيل تحليلنا ونقدنا لإعلان المبادئ الموقع بين جماعة كافي من جهة، وحكومة السُّودان من جهة أخرى في نيروبي العام 1996م.

 

وعن آفاق المستقبل وواقع النُّوبة في السُّودان الجديد، طالعنا مقالاً جيِّداً للكاتب حافظ البشاري بعنوان "تأمُّلات حول مستقبل إقليم جبال النُّوبة"، وقد تحدَّث الكاتب أنَّ "مما جعل قضية جبال النُّوبة تبدو أكثر ظهوراً على الأفق الوطني والإنساني هو بروز موجات تأكيد الهُويَّة الثقافيَّة".(84) وذكر الكاتب أنَّ تاريخ الجماعات السُّودانيَّة تاريخ ملئ بالمظالم التي مازالت تلقى على الواقع الوطني، وإنَّ التيار الغالب – بما يمتلكه من آليات - ستظل سطوته على الواقع لعقود قادمة كنتيجة لامتلاكه للثروة والسُّلطة، وإنَّ وجود القوميات والمجموعات الثقافيَّة السُّودانيَّة ظلَّ وجوداً غائباً ومحاصراً وغير فاعل نتيجة للتهميش الذي تمارسه السُّلطة المركزيَّة على الأطراف.  هكذا دفعت الأزمات التي ظلَّ يمر بها السُّودان بقضية القوميات والمجموعات الثقافيَّة إلى السَّطح، ورغم قصر المدة الزمنيَّة إلا أنَّ تلك الجماعات اكتسبت خبرة واسعة، مما أوجد تعاطفاً إنسانياً مع قضاياها التي تطرحها وطنياً ودولياً.  كما أنَّ نزوع القوميات السُّودانيَّة لامتلاك السِّلاح والقوة أصبح أمراً مشروعاً ومتاحاً، مما يعني أنَّ هذه الجماعات قادرة على الدفاع عن ذاتها ووجودها و"تقرير مصيرها" مستقبلاً.  وقد رأى الكاتب أنَّ الغالب في صياغة مستقبل جبال النُّوبة سوف يشمل النقاط التَّالية:

 

بروز النُّوبة كقوة مؤثرة ضمن توازنات القوة، كنتيجة حتميَّة لامتلاكها مصادر القوة مثل بقية الجماعات السُّودانيَّة الأخرى.

 

اتجاه النُّوبة للتنسيق الشامل مع الجماعات السُّودانيَّة الأخرى حول تحديد المستقبل الجماعي لهذه المجموعات في إطار "سودان جديد".

 

البحث عن صيغة لممارسة شكل من أشكال الحكم الذاتي في ظل الدَّولة الوطنيَّة أيَّاً كانت هذه الدَّولة.

 

مواصلة النضال السلمي السياسي في ظل الدولة الوطنيَّة، وعدم الاكتفاء بالمكتسبات التي ستحقق سلماً.

 

ارتباط قضية جبال النُّوبة بقضية الصراع في جنوب السُّودان، وقد يؤدِّي ذلك إلى الارتباط السياسي مستقبلاً بدولة الجنوب وفق صيغة كونفيديراليَّة.

 

تقرير المصير والاستقلال عن الدَّولة السُّودانيَّة أيَّاً كان شكلها.

 

إزاء ممارسات حكومة "الإنقاذ" البالغة الرعونة والفادحة العنصريَّة، وأسوة بأهل الجنوب أرسلت منظمة تضامن أبناء جبال النُّوبة بالخارج رسالة إلى منظمة "الإيقاد" فيها تقول: "إنَّ قبائل النُّوبة في جنوب ولاية كردفان (...) لترى أنَّ مستقبل البلاد يكمن في سودان جديد علماني ديمقراطي موحد يجب أن تُمارس فيه مستويات رفيعة من العدالة والمساواة في جميع أوجه الحياة،" وأكدت رسالة التضامن للإيقاد "أنَّ حق تقرير المصير سوف يكون الملاذ الأخير بعد طرق جميع الأبواب."(85)  وقد أمست منظمة تضامن أبناء النُّوبة بالخارج تحارب بالفكر والقلم انتهاكات حقوق الإنسان في جبال النُّوبة، التي مُورست كمقدِّمة لطمس هويَّتها، وقامت بتوصيل مشكل جبال النُّوبة للمجتمع الدولي من خلال سبع عشرة جهة دوليَّة منها على سبيل المثال لا الحصر: منظمة العفو الدوليَّة في بريطانيا، مكتب الأمم المتحدة في جنيف بسويسرا، مجلس العموم واللوردات البريطانيين، منظمة حماية الأقليات المهدَّدة في ألمانيا، أفريكان رايتس (عدالة إفريقيا لاحقاً) في بريطانيا، منظمة البقاء العالميَّة في بريطانيا، والتضامن المسيحي العالمي في سويسرا وغيرها.  وكذلك اهتمت المنظمة بتوصيل وتوضيح مشكل جبال النُّوبة للعالمين العربي والإفريقي على وجه الخصوص والغربي على وجه العموم، لأنَّ قضيَّة النُّوبة كانت كماً مهملاً، وتركَّز اهتمام العالم طوال عدة سنوات على اختزال مشكل السُّودان في الشمال والجنوب فقط.  وكانت المنظَّمة تضطَّلع في مرحلة الاستقرار في السُّودان – كما ذكرت نور تاور كافي، إحدى قادتها في القاهرة – إلى القيام بالآتي:(86)

 

تأهيل المواطن في جنوب كردفان نفسيَّاً وعقليَّاً وجسديَّاً بسبب آثار الحرب.

 تأهيل المقاتلين من أبناء جبال النُّوبة في الحركة الشَّعبيَّة (والجيش الشعبي لتحرير السُّودان)، وهذا دور يتطلَّب التعاون مع جهات أخرى.

المشاركة في إعادة إعمار المنطقة.

 

تأهيل المسجونين في ظل النظام "الإنقاذي".

 

المساعدة في الاستقرار العائلي أو في جمع الأسر المشتتة، والتي كانت تعاني في المعسكرات.

 

مهما يكن من الأمر، فحينما يشعر أي مكون للشعب السُّوداني أنَّ ثقافته مهدَّدة فيكون له الحق في تقرير مصيره وفي تقرير إلى أيَّة منطقة يمكن أن ينتمي.  إنَّ هذه التعبيرات والتأكيدات لموجودة في دساتير الدول، وفي مواثيق دوليَّة.  ففي عشيَّة استقلال السُّودان طالب أهل الجنوب بالفيديراليَّة، وحينها قال الشماليُّون إنَّها لتعني الانفصال، وعندما طالبت الحركة الشَّعبيَّة بالنظام الكونفيديرالي في وجه تعنت النظام "الإنقاذي" وتمسكه بالشريعة الإسلاميَّة قال أولو الحكم في الخرطوم إنَّه ليعني الانفصال.  إذ لا يستقيم هذا الأمر منطقيَّاً أن تحمل كل هذه الألفاظ السياسيَّة معنى واحداً هكذا.  وكذلك حين نتحدَّث عن "حق تقرير المصير" تقفز إلى ذهن بعض السُّودانيين من أهل الشمال مباشرة مسألة "الانفصال".  فهل هذا الحق يعني تلقائيَّاً "الانفصال"؟  كلا!  إنَّه ليعني إعطاء حسن النية في أن يقرِّر الناس بأنفسهم ماذا يبغون.  والإنسان الذي عاش ويلات الحرب الأهليَّة لأكثر من أربعين عاماً عليه أن يُمنح هذا الحق في أن يقرِّر - حسب تجربته وتطلعاته – ماذا يريد؛ فإذا أراد الوحدة فهذا مطلب قومي، وإذا أراد الانفصال فهذا خياره.  مهما قيل عن حق تقرير المصير، إلا أنَّه كان قد أصبح واقعاً معاشاً في المناطق التي تقع تحت نفوذ الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان، وهي أغلب الأرياف في الجبال باستثناء المدن التي كانت بها الحاميات الحكوميَّة.  إذ ساد قضاؤهم المستقل، وبرنامجهم التعليمي كما أشرنا إليه في صفحات سابقة، والأجهزة الإداريَّة والتَّنفيذيَّة والتَّشريعيَّة في المجالات المدنية والعسكريَّة المختلفة.  وقد استنشق النَّاس في هذه المناطق عبير الحريَّة؛ صحيح أنَّهم كانوا فقراءاً وتعوزهم متطلبات الحياة اليوميَّة، لكنَّهم كانوا – على أعظم تقدير – أحراراً، وقديماً قال المسيح: "ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان."

 وفي نهاية الأمر، كان لا بدّ لنا أن نتساءل عما حققته اتفاقيَّة جبال النُّوبة للسَّلام لأهل النُّوبة؟  وهل جاء الاتفاق بشيء يُذكر للمنسلخين أنفسهم من أبناء النُّوبة؟  وما هي الأهداف التي حقَّقتها الاتفاقيَّة للحكومة السُّودانيَّة؟  وأي ضرر ألحق انسلاخ أولئك وهؤلاء بالحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان؟  الجدير بالذكر أنَّه لم تحقَّق هذه الاتفاقيَّة مثقال ذرة من السَّلام في جبال النُّوبة، ولم تقم الحكومة السُّودانيَّة بالتعمير والتنمية حتى في المناطق الآمنة في جنوب كردفان.  أما بالنسبة للمنسلخين أنفسهم فقد منحتهم الحكومة السُّودانيَّة بعضاً من الوظائف الدنيا، وسكناً حكوميَّاً، وسيارات للتنقل، أي باختصار شديد بعضاً من مباهج الحياة ورفاهيتها إلى حين، ولكن بعد أن نفدت هذه المباهج عاد بعض منهم إلى أحضان الحركة الشعبيَّة يطلبون العفو والغفران.  غير أنَّ الحكومة قد جنت ثمار هذا الاتفاق في الزخم الإعلامي فقط، والذي لم يؤثِّر أبداَ في نفوس الشرفاء من أبناء النُّوبة في الجبال خاصة، وفي الخارج بشكل عام.  وبما أنَّ المنسلخين لم يكونوا أعضاءاً فاعلين في قيادة الحركة الشعبيَّة أو نافذين في العمل الميداني-الحربي، فلم يؤثِّر انسلاخهم - أو مزاعم بعضهم في الانتماء إلى الحركة الشعبيَّة – بشيء.  وكان هذا ما حدث بالتحديد لا أكثر ولا أقل.