عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. 
الدكتور عمر مصطفى شركيان
إرث الاسترقاق والمشكل السُّوداني
إنَّ الأدب الاستعلائي الذي انتشر في شبه الجزيرة العربيَّة، كما أسهبنا فيه في مستهل هذا البحث، سار بهم العرب عندما هبطوا السُّودان على ظهور الخيل أو على كل ضامر.  وتفاقم الوضع الاجتماعي في عهد السُّلطنة الزرقاء بعد أن اتَّخذوا الإسلام لهم ديناً، والعربية لغة وثقافة ثم هُوية لهم لتفادي غزو الأتراك-المصريين، الذين أفلحوا فقط في استبطاء الغزو. وساهم الخريجون الأوائل بأدبهم وتعليمهم ومنتدياتهم الفكرية في تكريس ذلكم المفهوم الأحادي (الإسلاموعروبي) في مؤتمر الخريجين، وقد قرأنا كيف كان يتبارى القوم في الخرطوم وواد مدني في تقليد العرب في أشعارهم ومناظراتهم كما حدثنا عنهم الأستاذ حسن نجيلة في سفره القيِّم "ملامح من المجتمع السُّوداني".  وفي الحق، يقول قائل: "عندما تتسيد الفصاحة على الخطاب السياسي - كما حدث بالأمس ويحدث اليوم - يُسحَق الفكر، ويعتري السياسة هُزال وغثاثة".  وهكذا أنتج هذا الاستهلاك الأدبي غلاة وأصحاب عواطف ومحاباة.  ولا ريب أنَّ ذلك الغلواء وتلك المحاباة وجدا سبيلهما إلى أدمغة السودانيين - باستثناء فئة قليلة في بعض الحلات النَّادرة، والنَّادر لا حكم له - في شمال السُّودان حتى بات جزءاً رائساً في تكوين عقلية "أهل الحل والعقد" في هذا القطر المتعدِّد الأعراق والمترامي الأطراف.  وعليه، بدا هذا السلوك الاقصائي للآخر يأخذ طابعاً سياسيَّاً واجتماعيَّاً ودينيَّاً في المجتمع السُّوداني بعدما وفَّرت له الدَّولة كل السبل عن طريق الممارسة والتسلُّط والقهر، والمحاكاة في الأسرة، التي هي نواة المجتمع، والمدرسة التي تصوغ الشخصيَّة حسبما ترتضيها الدَّولة.
والجدير بالذكر، فإن مسألة الانتماء القومي هذه أمست إحدى جوانب المشكل السُّوداني، الذي اصطلح عليها السُّودانيون اسم الهُويَّة. وقد قتل الدكتور الباقر العفيف مختار هذا الموضع بحثاً، فنوصي القراء أن يطلبوه ويقرأوه.  درس الدكتور مختار هذه المسألة الشائكة بعق منفتح وغطى جوانبها التأريخية - بما فيها من إرث تجارة الرِّق في السُّودان - والاجتماعية والسياسيَّة، والنفسيةَّ مستخدماً منهج بحثي علمي في غاية الأهمية وفيه شئ من المجهود كثير.  ومن خلال تتبعنا الأحداث السياسيَّة في الشرق الأوسط، علمنا - علم اليقين - أنَّ العرب ينظرون إلى السُّودان بصفتهم فئة وسطى بين الأفريقية والعروبة، في بعض الحالات، أو أفارقة لا غير، في حالات أخرى، ومن ثَمَّ اعتمد عليهم العرب في حل خصوماتهم وفض نزاعاتهم.  ويبدو ذلك جليَّاً في الأمثلة الآتية: فعندما اندلعت الحرب الأهلية في اليمن في الستينيات من القرن الماضي وتورَّطت فيها الحكومة المصرية والمملكة العربيَّة السَّعوديَّة، لم يجد الرئيس المصري - جمال عبدالناصر - والعاهل السَّعودي - الملك فيصل - غير وزير خارجيَّة السُّودان، محمد أحمد محجوب، لإصلاح ذات البين والتوفيق فيما شجر بينهما، وقد بذل المحجوب جل وقته محاولاً التوفيق بين الأشقَّاء العرب في الوقت الذي كان فيه جنوب السُّودان يشتعل حرباً أهلية ضارية. وقد شهدنا أنَّ العرب يمَّموا وجوهم شطر الخرطوم العام 1967 م لعقد مؤتمرهم الشهير "بمؤتمر اللاءات الثلاثة" للتنديد بالعدوان الإسرائيلي على الدول العربيَّة المجاورة لها.  وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي - كذلك - أوفد زعماء الدول العربيَّة المجتمعون في القاهرة الرئيس السُّوداني الأسبق جعفر محمد نميري إلى الأردن لإحضار رئيس منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة - ياسر عرفات - إلى القاهرة لمصالحته مع العاهل الأردني - الملك حسين - بعد الأحداث الدمويَّة التي جرت بين المنظمة والمملكة الأردنيَّة الهاشميَّة.  وفي تلك الأثناء استفاد العرب من تهور وطيش نميري الذي كان في ذلك الزمان غريراً أرعناً، ومعيناً من طاقة لا ينضب، وإلاَّ ماذا يعني إيفاد رئيس دولة إلى دار حرب وسط دوي المدافع وأصوات الرصاص لاستصحاب أحد طرفي النزاع إلى طاولة المصالحة؟ وقد طلعت علينا الصحف السُّودانيَّة حينئذٍ بالعنوان البارز التالي: نجا الرئيس نميري من إطلاق النَّار بالأردن!  إذاً، هل الشخصيَّة السُّودانيَّة في شمال السُّودان مأزومة أم لا؟
إنَّ الشخصيَّة السُّودانيَّة في شمال السُّودان السياسي تعاني من "ازدواجيَّة الضمير" (Double consciousness).  إذ أنَّ هذه الازدواجيَّة تجعله ينظر إلى نفسه من خلال عيون عنصر آخر - وهو العربي.  وتشتمل هذه الازدواجيَّة على أنَّه شخصين متباينين، وروحين منقسمتين، وفكرتين متنازعتين في جسد واحد ذي بشرة سوداء.  وكما قلنا - سلفاً - فقد ساعدت الدَّولة في ابتناء هذه السياسة منذ عهد السلطنة الزرقاء في سنِّار العام 1405 م، وكذلك تحت السيادة الأجنبيَّة، حيث رُجِّحت العروبة كأداة سياسيَّة عسكريَّة لاستمرار الدَّولة وديمومتها.  ومما لا ريب فيه أنَّ "التركيَّة رجَّحت كفة العروبة عندما قرَّرت البحث عن رقيق قادر على حمل السلاح دون مقابل أو أجر، وفي تلك المرحلة بدت العروبة كما لو أنَّها المقابل للعبوديَّة اجتماعيَّاً واقتصاديَّاً وثقافيَّاً، فأضحت العروبة خطاً سياسيَّاً انتقائيَّاً للتعبير عن الحريَّة التي يتمتَّع بها أفراد لم يخضعوا لضرورات عبوديَّة الدولة".  وقد عزَّزت الإدارة البريطانيَّة-المصريَّة هذه الفكرة (1898 - 1956 م)، وسار على نهجهم دعاة الاستقلال وقادة الحكم الوطني إلى يومنا هذا.
فقبل أن يصبح رئيساً للوزراء في السُّودان في العام 1986 م، طاف السيد الصادق المهدي في دول شرق أفريقيا، وعندها وقف معلناً على الملأ - الذين اجتمعوا حوله - أن فشل الإسلام في جنوب السُّودان يعد إخفاقاً من قبل السودانيين المسلمين منهم، لأنَّهم لم يستطيعوا حمل راية الإسلام إلى العالميَّة.  وأضاف الصَّادق قائلاً: "إنَّ للإسلام بعثة مقدَّسة في أفريقيا، ويُعتبر جنوب السُّودان نقطة انطلاق لتلكم البعثة".  هذا ما ردَّده الدكتور غازي صلاح الدين العتباني حينما كان يترأس أحد وفود حكومة "الإنقاذ" في مباحثات السَّلام بين الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في نيروبي - حاضرة كينيا - مما أدهش رؤساء الإيقاد، الذين هم أفارقة، كما أنَّهم كلهم نصارى أجمعين أبتعين.  هذا هو حال السُّودان بما فيه من عصر الحكم الغشيم، والفتنة السياسيَّة، والتطرف الفكري، وأخذ الناس بالغيبة المكفوفة والرغبة الجامحة في تصدير القلاقل والتوتُّر إلى كل مكان قريب أو بعيد.  إنَّ اختلاف الآراء وتنازع المصالح ينشآن من عدة تناقضات؛ هذه التناقضات تتولَّد من حقائق جغرافيَّة واجتماعية، وقد تتكوَّن بأسباب دينيَّة، وتأريخيَّة واقتصاديَّة، وسياسيَّة، ونفسيَّة. وقد وجدنا كل هذه التناقضات في شخصيَّة الصَّادق المهدي وكان هو أحد المساهمين في تدمير هذا البلد غير الأمين.  إذ أنَّ الشخصيَّة القوميَّة تعني مجموع القيم والأنماط النفسيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة، التي تتميَّز بها الأمة عن غيرها من الأمم.  عليه نجد أنَّه من العسير جداً أن نجد شخصيَّة سودانيَّة تحمل في أحشائها هذه المكوِّنات لكيما يلتف حولها الناس، وذلك نسبة للتعدُّد الدِّيني، والثقافي، والعرقي الذي يتصف به السُّودان.
سواءُ علينا إن شئنا أم أبينا فالسُّودان اليوم سقيم ومرضه يكمن في مخلفات تأريخ الرق، التي باتت تنتج نفسها بصورة مستبطنة تظهر نتائجها النتنة في التهميش الاقتصادي والاقصاء الثقافي وحرمان التمثيل المتكافئ في السلطة المركزيَّة وغيرها.  إنَّ السلطة السياسيَّة والاقتصاديةَّ والعسكريَّة، بهذه القسمة الضِّيزي، مكثت في أيدي أقليَّة محتكرة من شمال السُّودان النيلي (Riverain North) ردحاً من الزمان حتَّى أزرى بهم الدَّهر.  وهكذا استحوزت هذه الفئة على كل شئ على حساب الأغلبيَّة المهمَّشة.  إنَّها تتحكم في الاقتصاد، وتصدر القرارات رُخاء في الاستثمار والأجور وفي الشأنين القومي والعالمي، وتتربَّع على الجَّيش، وتسيطر على وسائل الإعلام والتَّعليم والحياة العامة.  وتسمَّى هذه الظاهرة الاحتكاريَّة للسُّلطة لدي علماء الاجتماع بمفهوم المحصلة الثابتة في السُّلطة (A constant-sum concept of power)، حيث تتركز المصالح الذاتيَّة في أيدي نفر من قابضي السُّلطان الذين هم في صراع دؤوب مع رعاياهم.  وهم على ما يفعلون - أو قل فيما يفعلون إن شئت - يؤثرون على أنفسهم دون أن تكون لهم شمائل خاصة أو صفات نفسيَّة تميِّزهم عن عامة النَّاس. وما نقول إلاَّ ما شهدنا.  ذلك مرض تم تشخيصه منذ زمان ليس بقصير، والذي يرفض رفضاً باتاً صرف الدواء هم أولئك الصفوة الحاكمة، لما في أنفسهم من ضغينة كثير توهماً بأن الوضع الجديد قد يذهب بكل ما استحصدوه من مال وجاه. وداء عضال أخر استفحل في هذا البلد هو التطرف الديني لدين واحد بعينه - الإسلام.  وقد ذهب غيري - ممن لهم بسطة في العلم والقلم - في التحليل لهذه الظاهرة مذاهب شتى، مما يغنينا عن الخوض فيه أكثر من ذلك، وقديماً قالوا: لا يُفتى ومالك في المدينة.
وقد حمل الغلواء في المسائل التعبديَّة دولة أفريقيَّة أخرى - ألا وهي نيجيريا - إلى تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في بعض الولايات دون مراعاة حقوق مواطنيها غير المسلمين.  وكانت نتيجة هذا الطيش إزهاق أرواح بريئة في أعمال عنف احتجاجيَّة بين  صفوف المواطنين في الوطن الواحد.  غير أنَّ الشيخ إبراهيم ذكذاكي - أحد علماء الإسلام في نيجيريا - كان له رأياً مخالفاً لما وقع فيه الولاة النيجيريون أصحاب الغلو في الدِّين.  كان يجادل الشيخ ذكذاكي بأنَّ تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في دولة نظامها غير إسلامي سوف يجعل من الدِّين أداة لقهر المواطنين البسطاء، بينما يبقى الحكام والولاة فوق القانون.  وهذا ما يحدث في سودان البشير اليوم، كما حدث في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري في الثمانينيات حينما أصبحت الشريعة الإسلاميَّة سوط عذاب مسلطاً على الفقراء والمساكين والخصوم السياسيين، وكان القاسم المشترك في كلا النظامين هو الدكتور حسن عبدالله التُّرابي.  كان حرياً بدعاة الإسلام السياسي في السُّودان أن يتركوا أمر انتشار الإسلام في المجتمع السُّوداني وماوراء حدود السُّودان أن ينساب بصورة تلقائيَّة وأن يأخذ منحى طبيعيَّاً لا حد السيف والتصريحات الهوجاء، كما شهدنا، لأنَّ الله قادر على حماية هذه الدعوة، وفعَّال لما يريد.  حيث أنَّ حركة تفاعل المجتمع كفيلة بتحديد مدى سرعة أو بطء حركة التغيير، كما حدث في بعض مجتمعات شمال وغرب السُّودان أثناء حقب تأريخيَّة مختلفة.  إنَّ محاولة تغيير أسلوب حياة الناس بالقوة قد يولد قوة مضادة ربما تكون أكثر عنفاً واقتداراً.  فكل شئ يحمل في صميمه جرثومة نقيضة، ويخوض المعركة مع النَّقيض، ويتطوَّر طبقاً لطبيعة الصراع.
ومما لا جدال فيه أنَّ لكل مجتمع محاسن ومآخذ.  وإنَّ هذه المحاسن والمآخذ مغروسة في نفوس الناس بواسطة الأسرة والتربية والعقيدة والبيئة والمفاهيم الاجتماعية.  فلا يعني هذا أنَّ الدين - كائناً ما كان - يمكن أن يكون مستودع المساوئ دون اعتبار العوامل الأُخر المذكورة أعلاه.  فتجارب الأمم وقصص الأولين والآخرين فيها تخابير مستفيضة في حق شخوص ناصروا أدياناً غير ذلك الذي يدينون له امتناناً على أصحاب الحق ورأفة بهم.  وفي هذا الصدد يقول فولتير (1694 - 1778 م): إنَّني لا أوافقك فيما تزعم، لكنَّني على استعداد للدفاع عن حقك - حتَّى الموت - في القول عما ترغب الإفصاع عنه (I disapprove of what you say, but I will defend to the death your right to say it) .  ففي السُّودان شرع المسلمون في بناء مسجد أم درمان الكبير، ثم انقطعت بهم النفقة، وظلَّ المسجد دون سقف، حتِّى مر بالمسجد شاعر مسيحي، أوجعه أن يعجز المسلمون عن إكمال مسجدهم، فأطلق قصيدة يعزِّي ويكفكف دموعه.  والقصيدة أطلقت دموع المسلمين فأكملوا مسجدهم.
ومثلما ألهب الشاعر السُّوداني المسيحي مشاعر المسلمين وأتموا بناء مسجدهم، انقذ الخليفة عمر بن الخطاب أضخم كنيسة عند النَّصارى- كنيسة القيامة - لتبقى في أيدي النَّصارى، ولا تذهب للمسلمين بعد أن أوشك النِّصارى أن يضيِّعوها.  وحينما زار القدس ومضى في جولة يتفقد أحوال مواطنيه، أدركته الصلاة وهو يزور كنيسة القيامة هذه.  فلما طلب منه القسيسون أن يصلِّى الظهر مكانه داخل الكنيسة رفض، وكان تبريره للرفض هو أنَّه إذا صلَّى فيها لا يمضي طويل زمان حتَّى يغلبكم عليها المسلمون، وهم يقولون: "صلَّى عمر هنا" ويجعلونها مسجداً.  وصلَّى عمر خارج الكنيسة، ولم يمض طويل زمان حتَّى أقام الناس مسجداً حيث صلَّى عمر وهو "مسجد عمر اليوم في فلسطين".  اعتبر عمر الخليفة كنيسة المسيحيين أمانة في عنق الدولة تحفظها الدَّولة المسلمة لأصحابها حتَّى إن فرَّط فيها أصحابها.  ويقوم تعامل الأديان بين الناس بمقدار "شخصيَّة أولي الأمر منهم" ومدى إيمانهم بالعدل والمساواة.  والخليفة العبَّاسي جلد طبيبه النَّصراني مائة جلدة لما قام الطبيب النَّصراني هذا بالبصق على رسم يمثِّل السيدة مريم العذراء. كان لعمر بن الخطاب رؤية، وذلك لدرايته بطبائع أهله المسلمين، الذين قد يستبد بهم الأمر ويحطِّمون الكنيسة لكي يبنوا محلها مسجداً.  ولنا فيما  جرى في الهند في التسعينيات عبرة حين هب الهندوز وثبة رجل واحد وهدُّوا مسجد أيودا ليشيِّدوا على أطلالها معبداً للإله رام، وقد زعموا أن المسجد - الذي كان يصلي فيه المسلمون حتى قبيل تحطيمها - هو في الأساس معبد قديم لهم إستبدله المسلمون المغول الغائرون مسجداً في زمن كانت الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة تمتد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولنا نحن في السُّودان كنيسة دنقلا التي قُلِبت مسجداً.  وقد أسفر عمل الهندوز هذا عن أعمال عنف طائفية راحت ضحيتها آلاف الأرواح.  ومهما يكن من أمر الهندوز والمسلمين في الهند، ففي السودان شهدت كنائس كُثر، لا كنيسة واحدة، تحطيماً مدمِّراً من قبل زبانية  نظام الفريق عمر حسن أحمد البشير في المدائن (الخرطوم بحري) والضواحي والأرياف.  ليس هذا فحسب، بل حُرِّقت مساجد ومصاحف في جبال النُّوبة بواسطة جموع المجاهدين، الذين يُرسلون لإخضاع أهالي هذه المنطقة بقوة السِّلاح، وفيما هم يقومون بذلك الحريق إذ يردِّدون قولتهم: أحرقوا مساجد العبيد!  هؤلاء هم النُّوبة المغلوبين على أمرهم، فلم يكد يحميهم شئ غير انطلاقهم إلى شَعَف الجبال فيتحرَّزون فيها خوفاً من معرِّة الجيش. هذا هو أمر النظام القائم في سبيل إخضاع الشعب على نحو بروكرستيزي (Procrustean).
فلو كان الإكراه بمقدوره أن يأتي بنتائج أيجابيَّة لأفلحت الحكومة النرويجيَّة أن تفرض اللُّغة النرويجيَّة على لابلاند، أي أرض الللاب، الذين يسمون أنفسهم ال(سامي)، وقد فشلت من قبل محاولات السُّلطة في إدخالهم في المسيحيَّة، وفضَّلوا البقاء على ديانتهم القديمة، التي تقوم على عبادة الطبيعة، وأهم آلهتم الشمس والقمر، وعندهم إله للرعد، وإله للعواصف، وإله للخصب وغير ذلك.  وفي القرن السابع عشر، حاول ملك النرويج، الملك كرستيان الرَّابع، أن يدخلهم في المسيحيَّة قسراً، ففرض عقوبة الإعدام على كل فرد منهم لا يعتنق المسيحيَّة، وأقام لهم كنيسة، فلم يجد ذلك نفعاً إلاَّ في حدود ضيِّقة.  وأخيراً اضطرَّت الحكومة أن تعترف بلغة ال(سامي) وثقافتهم، ومنحتهم نوعاً من الاستقلال الذاتي فكونت لهم برلماناً هو بمثابة مجلس استشاري، كما باتت تأخذ بمطالبهم وأعرافهم ومعتقداتهم بعين الاعتبار.
إذاً، أين يقبع منبع ثقافة الاستعلاء العرقي هذه الذي ينتهجها الصفوة الحاكمة في السُّودان ودول أخرى في مناطق التماس العربي-الأفريقي؟  لا يساورنا أدنى شك - كما أشرنا سلفاً - أن جذور هذا السلوك غير السوي تعود إلى عصر تجارة الرِّق، وإن كان ذلك العصر لم يزل ماثلاً للعيان بصورة مباشرة وغير مباشرة.  وعلى الرَّغم من أنَّ التجارة بالبشر قد أُلغيت في العالم منذ زمن سحيق، إلاَّ أننا نجد دولة موريتانيا قد أقدمت على إلغائها في العام 1980 م، ولم يستطع هذا الإلغاء الرسمي الاسمي من وقف ممارستها في المجتمع الموريتاني حتى يومنا هذا، حيث لا يزال هنالك 40% من الحراتين - الرقيق المعتوق أو أحفادهم - من جملة سكان موريتانيا البالغ تعدادهم 2 مليون نسمة. وإنَّ كل المستعبدين من أصول زنجيَّة في الجنوب، والذين يقومون بالاسترقاق هم البيضان من شمال موريتانيا.  بيد أنَّ بعضاً من البيضان لهم بشرة سوداء نتيجة تزاوجهم أو اتخاذهم نساء زنجيات - من جملة العبيد الذين يملكونهم - أزواجاً لهم، وما صفة البيضان التي رانت على قلوبهم إلاَّ حالة نفسية.  وهناك اعتقاد شعبي شائع غرزه البيضان في عقول العبدان أنَّ الطاعة تؤدِّي بصاحبها إلى جنات الفردوس نًزلاً، أما المعصية فمؤداها جهنَّم خالدين فيها أبداً.  وهنا تأتي تسخير الدِّين أداة رائسة للسيطرة الأبديَّة على إثنية اجتماعية.  ومن يفعلون ذلك، فإنَّهم على وجه اليقين أشرار.  ومهما يكن من الأمر، فالحريَّة أغلى شئ في الوجود، ولذلك حرصت القوانين والأعراف على تأكيدها وصيانتها.  ويُحكى أنَّه حدث أن تنازع أثنان طفلاً، وكان أحدهما مسلماً والآخر ذميَّا، وادَّعى المسلم أنَّ الطفل ملك له (أي عبد أو رقيق)، بينما ادَّعى الذمي أنَّه ابن له، فحُكِم لصالح الذمي، لأنَّ تنشئة الطفل على الحرية وإن كان على غير دين الإسلام أفضل من تنشئته على العبوديَّة وإن كان على الإسلام.  إذ أنَّ حرية المرء وكرامته ترتبطان بانسانيته، فتسبقان دينه وتتقدمان عليه، فالحريَّة في غير الإسلام أفضل من العبوديَّة في الإسلام.
ثم ندلف إلى تأريخ السُّودان بماضيه المأساوي.  فها هو أحد منظِّري الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة في السُّودان، الدكتور حسن مكي، يطل علينا باستعراض لكتاب "النيل الأبيض (The White Nile)" لمؤلفه ألان مورهيد (Alan Morehead).  وقد كتب الدكتور حين خلا إلى نفسه: "أنَّ الرحالة والتجار العرب مثل أحمد بن إبراهيم الملقب بتيبوتيب - ويعني اللَّقب الرجل صاحب الرموش المتحركة سريعاً لعيب في عينيه - هم الذين قادوا الرحالة الغربيين".  وإنَّه لمن المعلوم أنَّ تيبوتيب هذا لم يكن برحالة، إنَّما تاجر رقيق كان ثمَّ متخصصاً في بيع الأفارقة في أسواق النخاسة.  وأضاف حسن مكي قائلاً: "إنَّ أحمد بن إبراهيم قريب الشبه بالزبير باشا رحمة، حيث استطاع تأسيس نفوذ ضخم في قلب الأقاليم الإستوائيَّة، إلاَّ أنَّه لم يصنع دولة كما فعل الزبير باشا رحمة، والذي يلفت الانتباه إلى هؤلاء الأبطال العرب في وسط أفريقيا الإستوائيَّة أنَّهم استطاعوا بمفردهم تقريباً إنشاء سلطنات ودول من خلال تحبيب سكان هذه المناطق فيهم ووضع ثقتهم وولائهم كذلك، والدليل على ذلك أنَّ الزبير باشا رحمة استطاع أن يقود جيشاً ضخماً من الاستوائيين ويحارب بهم أقدم سلطنة في المنطقة وهي سلطنة الفور". واستطر حسن مكي: "إنَّ إخلاص قبائل جنوب (السُّودان) في القتال ومسيرتها الطويلة خارج حدودها الجغرافيَّة في أجواء صحراويَّة لم تتعوَّد عليها لا يمكن أن يأتي بدافع القهر والخوف". وفيما ذكر حسن مكي أنَّ "التأريخ يحفل بصور الرقيق الحقيقي الذي امتلك القوة المادية في مرحلة من المراحل فانقلب على ساداته ومزَّقهم شر ممزَّق"، بيد أنَّ التأريخ حفي - كذلك - بسِيَر العبيد الذين اُستُعبِدوا حتى باتوا مخلصين لأسيادهم أي إخلاص، ولم يكن يملكون من أمرهم رشداً، فقاتلوا وماتوا في سبيلهم، وهذا ما كان من أمر أهل الجنوب الذين أذلَّهم وغواهم الزبير باشا رحمة، تاجر رقيق بالمهنة كما اعترف هو بذلك حين كان يروي سيرته الذاتيَّة في منفاه بجبل طارق للصحفيَّة البريطانيَّة فلورا شو في سلسلة مقالات نشرتها بمجلة مراجعات معاصرة (Contemporary Review) العام 1887 م.  إذاً، من العبث بمكان أن يحاول حسن مكي أن يسبغ الزبير بصورة ناصعة غير التي هو كان عليها.  كما علينا أن نذكِّر الدكتور - وإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين - أنَّ علماء الإجتماع غالباً ما يميِّزون بين نوعين من السلطان: سلطة تفويضيَّة (Authority) أو إكراه وإجبار(Coercion) .  فلم نجد من الوثائق ما تدلُّ أنَّ أهل الجنوب فوَّضوا الزبير باشا رحمة ليكون سلطاناً عليهم، غير أنَّه أفلح في تزويد الأترك-المصريين بالعبيد حتى أجازوه بلقب الباشا، وهو أرفع لقب بعد الخديويَّة. حقَّاً، إنَّ كتب التأريخ حُبلى بقصص الأرقاء الذين ثاروا وانتفضوا ضد جلاديهم، ودونكم وكتاب السكرتير العام للحزب الشيوعي السُّوداني، محمد إبراهيم نقد، في "علاقات الرِّق في المجتمع السُّوداني"، غير أنَّنا نعيب على الكاتب، محمد إبراهيم نقد، أنَّه لم يذكر في الكتاب شيئاً عن تجارة الرِّق في شرق أفريقيا، الذي كان رائجاً للتجار العرب من مسقط وعمان بعدما خاض واستفاض في الحديث عن هذه التجارة في غرب أفريقيا، الذي كان مستودعاً لتجار العالم الغربي.
وعندما يكتب حسن مكي "أنَّ أثينا القديمة (...) استذلوا مجموعات كاملة من البشير (لعلَّه يعني البشر وليس البشير الذي يعرفه السُّودانيون) وجلهم من الأفريقانيين، انقلبوا على سادتهم الأوربيين وكوَّنوا جيشاً ضخماً خرَّب المدن اليونانيَّة القديمة، وحطَّم حضارتها إلى الأبد".  وقد إلتهمنا أسفار الأولين والآخرين إلتهاماً فلم نعثر على هذه الفرية، التي تقول إنَّ أغلب الأرقاء عند الإغريق كانوا أفارقة، ولم نهتدي إلى ذلك سبيلاً، وليت حسناً قد ذكر المصدر للاستوثاق واستجلاء الحقيقة. أما إذا أراد كاتبنا أن يستغفلنا بأن تجارة النخاسة كانت مقصورة على الأوربيين دون العرب، كما يردِّد ذلك أخرون، فهذا قول مردود.
وحين يسترسل حسن مكي في القول أن ألان مورهيد في تأليفه "النيل الأبيض"، حاول "أن يسمِّم العلاقة المستقبليَّة بين العرب والأفارقة بحديثه عن تجارة الرقيق، وكيف أنَّ العرب الأشرار دمَّروا كل صور الحياة هناك بفعل شراهتهم للرقيق، وكيف أنَّهم مارسوا القسوة المتناهية مع السكان المحليين (...)"، نجد أنَّه لم يكن حصيفاً وكان للحقيقة متجاوزاً، لأنَّ التَّسميم - في حقيقة الأمر - هو الإتيان بهذه الأعمال المنكرة التي تقشعر منه الأبدان ويشيب عنها الولدان دون الاعتذار عنها وطلب العفو والمغفرة والصفح، وليس تذكير الناس بالتأريخ المأساوي على حقيقته وعلاته، الذي أقدم عليه العرب وفعلوه شر فعلة، من التسَّسميم من شئ.  ومن واجبنا تذكير الشَّعب السُّوداني بهذه الحقائق الدَّامغة - الغابرة والمعاصرة معاً - وخاصة تلك التي لا تعرف عنها الأجيال المعاصرة إلاَّ لماماً.  وإذا اعتبرنا ما حدث كان من ماضٍ استعماري يشوبه الكثير من الشوائب القميئة - كما يحلو لبعض السُّودانيين النأي بالحديث عن الرِّق وتعليق كل شئ على الاستعمار، قميص عثمان - غير أنَّ الحرب الأهليَّة التي تدور رحاها اليوم في السُّودان أفرزت تجارة الرِّق مرة أخرى، وكان أصحابها تجار عرب سودانيين.  ولعلَّ من نافلة القول أن نذكر أنَّ وصف حسن مكي لشخصي الزبير باشا رحمة وتيبوتيب "بالأبطال العرب في وسط أفريقيا الإستوائيَّة" ونعته لتيبوتيب "بالمجاهد الإمام الأثيوبي المسلم أحمد بن إبراهيم" لهو إساءة بليغة للأفارقة، وإنَّ حسناً هذا قد أخذته العزة بالإثم.
في الحق، لا نكاد نصدق من يزعم لنا أنَّه يضع تأريخ السُّوداني السياسي بالمعنى الصحيح لكلمة التأريخ.  إنَّ لفظ التأريخ نستعمله نحن الآن فيما يستعمل فيه الأجانب لفظ (Histoire).  وأصل هذه الكلمة الوصف، كما فهمه أرسطاطاليس عندما كتب تأريخ الحيوان.  ومن أراد أن يصف شيئاً من الأشياء - أو يدوِّن حدثاً تأريخيَّاً - وصفاً علميَّاً فنيَّاً صادقاً يعطيك صورة مشابهة أو مقاربة، فلا بد من العلم بما يصف.  وما رأيك فيمن يصف ما يجهل؟  هو إما كاذب أو صاحب خيال.  والحق أنَّ كثرة الذين يكتبون في تأريخ السُّودان من السُّودانيين يكذبون ويتخيَّلون. فليس بين أولئك وهؤلاء الذين يتهالكون على تدوين تأريخ السُّودان، ويتنافسون فيه، ويحتكرون تعليمه والكتابة فيه من له فهم أو فقه في درس التأريخ والنقد التحليلي، وهم - بعد ذلك - ذوي نوايا سيئة وأصحاب غلو في العقيدة والعرق، فغلوا في تحقير غيرهم وإصغارهم، فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضاً.  وهل فعل الدكتور حسن مكي غير هذا؟
ومثلما اعتذر الغرب عن تجارة الرق واعتذروا - أيضاً - عن دورهم في الحروب الصليبيَّة، وقالوا لا تؤاخذوننا بما فعل أجدادنا الغابرين، كنا نتمنَّى أن يعتذر العرب عن دورهم الرائس في هذه التجارة غير الإنسانيَّة، وأقصد بالتَّمني الذين امتهن ذويهم هذه الصنعة، حيث ما زال أحفادهم - وهم كُثر - يصولون ويجولون.  فبدلاً أن يتواروا خجلاً عما فعل أنسابهم، أخذوا يؤلفون الكتب، وهم فيها يمجِّدون أفعالهم ويصفونهم بالأبطال، ويمكرون مكراً كُبَّاراً. ونذكر، على سبيل المثال، خليفة عباس العبيد وهو يقول في نسبه الزبير باشا رحمة:
سموك الزبير فارساً تشد الحيل
سموك الزبير فارساً تصد الخيل
سموك الزبير صالحاً تقيم الليل
سموك الزبير بتغير هوية ليل
لقد كان موقف السكرتير العام للحزب الشيوعي السُّوداني، عبدالخالق محجوب، مشهوداً حين وقف في مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم العام 1965 م معتذراً لأهل الجنوب، حيث قال - فيما قال: "نعم، نحن أحفاد الزبير باشا رحمة، تاجر الرقيق، غير أنَّنا نطلب العفو ونرجو المغفرة، بل نود أن نفتح صفحة جديدة من العلائق التصالحيَّة بين أهل الشمال والجنوب من أجل السُّودان الواحد".  ومن ثَمَّ ذهب إلى أهله (أهل الشمال)، فتشاوروا فيما بينهم، حتى أجمعوا على أمرهم، وجاءوا بالدكتور حسن عبدالله التُّرابي - زعيم جبهة الميثاق الإسلامي - ناطقاً رسميَّاً باسم أحزاب الشمال (يمينيَّة ويساريَّة وقوميَّة عربيَّة) ضد أهل الجنوب.  تُرى ماذا قال الدكتور التُّرابي عن "واقعة المائدة المستديرة" هذه لاحقاً؟  ذكر الترابي في التسعينيات في إحدى الدوريات العربيَّة التي تصدر في لندن أنَّ أحزاب الشمال - باستثناء جبهة الميثاق الإسلامي - لم تكن تملك مبادرة سياسيَّة لحل ما كانت تسمى - وما زالت تسمى خطأً - "بمشكلة الجنوب".  أما جبهته، والحديث للدكتور التُّرابي، فكانت لديها مبادرة مستوحاة من عهد (ميثاق) الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة.  إنَّ في هذا القول إساءة - في حق مواطنين وُجِدوا في البلاد قبل دخول العرب إلى السُّودان - لهو أوجع من لدغة الحية الرقطاء.  هذه الأقوال هي التي تعكِّر العلاقات بين أهل الشمال والجنوب، مما يصعب معها حل المشكل السُّوداني.
وتجدر الإشارة هنا إلى أمر الأدباء في العالم الغربي لما في الأمر من صلة بمسألة الرِّق.  فخلال حقب تأريخيَّة خلت ظلَّ بعض الكتاب المشاهير يكرِّسون جهدهم لظاهرة الاستعلاء العرقي، وذلك في منتدياتهم الأدبية وتأليفاتهم المتعدِّدة كما يفعل الدكتور حسن مكي حاضراً في الخرطوم.  فحين تمرَّد العبيد السُّود في خليج مورانت على الساحل الشرقي في جزيرة جامايكا - المستعمرة البريطانيَّة يومئذٍ - العام 1865 م، فرض الحاكم الإستعماري، آير، قوانين عرفيَّة، وللتو أعدم 450 متمرِّداً من العبيد، وجلد 600 رجلاً وإمرأة، وحرق 1000 منزلاً. ثم أخذ جمهور الأدباء في بريطانيا يتجادلون فيما بينهم في أمر الزُّنوج.  فمنهم من اعتقد، باطلاً، أنَّ السُّود ليسوا كمثل البيض، ولا ينبغي معاملتهم على السواء.  وقد ذهب في هذا المنحى توماس كارلايل في مقالة مناسبيَّة في مسألة الزُّنوج، وكتب - فيما كتب - أنَّهم جنس آخر محصور في بشرتهم السَّوداء وفي دونيتهم.  وسار على نهج كارلايل كل من تي إتش هوكسلي، وشارليس داروين (صاحب نظريَّة التطور)، وشارليس لايل، وجون روسكين، وشارليس تينيسون.  غير أنَّهم أبدوا قلقهم على الشرعيَّة لا الجنس البشري الآخر، فرأوا أنَّ رعايا بريطانيين (بحكم الاستعمار) قد حُرموا من حكم القانون، فالمشكل يكمن في القانون العرفي (الذي استنه الحاكم آير)، كما كتب هوكسلي، وليس هو بمحبٍ للزُّنوج.  وأضاف تينيسون أنَّ هناك فوارق فطريَّة (بين السُّود والبيض)، ونزعات وراثيَّة التي تتجاوز التربية، وأردف أنَّه ليس بمالكٍ للعبيد من القلب، لكنه لا يحب الزُّنوج.  وفي هذا الجدل الأدبي المقيت، انبرى شارليس ديكينز - من أعظم كُتَّاب الرواية التي كانت تعالج المشاكل الاجتماعيَّة في العهد الفيكتوري في بريطانيا - حاملاً رأياً متأرجحاً بين الإساءة وتأييد وضعية العبيد، وعلى وجه التخصيص إبَّان الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة.  ففي كتابه "مذكرات أمريكيَّة (American Notes)"، صنَّف ديكينز ملاك العبيد في أمريكا إلى قسمين: المعتدلين العقلانيين أصحاب الماشية البشريَّة، والقسم الآخر الذين لهم حق استمراريَّة مؤسسة الرِّق، بما فيها من الجلد والسخرة والتعذيب، دون أن تستوقفهم سلطة بشرية.
أما كرام الكاتبين الفرنسيين، مثل كادمي-كوهين، مؤلف "المقت الأمريكي (The American Abomination)"، وأندريه سيجفريد، وأندريه تارديو، وجرجس دوهاميل فلم يكتفوا بتصويب سهامهم على "الوحش الأمريكي" بعد أن توجَّسوا خيفة منه بما امتلك من القوَّة الاقتصاديَّة والعسكريَّة والنفوذ الاجتماعي والثقافي، وبات يشكل خطراً ماثلاً على الحضارة الأوربيَّة. بل طفق هؤلاء الكُتَّاب يضربون على الحلقة الضعيفة في صراع العمالقة - أي الزُّنوج الأرقاء الذين لا حول ولا قوة لهم.  فهاجم دوهاميل الأفلام الأمريكيَّة مدعياً أنَّها أداة رائسة لمضيعة وقت العبيد، وعنصر تسلية للأمي، والمخلوقات الفقيرة التي تخدَّرت بالعمل والقلق؛ إنَّها - أي الأفلام الأمريكيَّة - حصان طروادة لأمركنة (Americanise) العالم.  ووسط هذه الحملة الشعواء على الزُّنوج الأرقاء وقف جون ستوارت ميل، بعد وفاة وليام نيب العام 1845 م، لنصرة الزُّنوج العبدان من براثن طغيان البيضان.  مما مضى من جدال يبرز السؤال التَّالي: هل نأخذ العرق كمبتدأ لفهم العالم من خلال التجارب الفرديَّة أم نجعله منشوراً زجاجياً حيث من خلاله يمكن النظر إلى العالم وفهمه؟ ويقودنا هذا السؤال إلى التحكيم بين الناس عما يفعلون وليس يمعايير الأعراق البشريَّة.  وقد تطوَّرت الدول الغربيَّة - في حدود القانون والممارسة العامة عل الأقل - في تجاوز التظلُّمات بسبب التفرقة العنصريَّة في تشريع قانون الحقوق في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة(The Bill of Rights) ، وتطبيق سياسة تساوي الفرص في بريطانيا(Equal Opportunities Policy) ، وعلينا - نحن معشر السُّودانيين - أن نحذوا حذوهم.
وعلى صعيد آخر نذكر في الكتاب أديباً ذاع صيته في الأمصار وفي دول ما وراء البحار، ذلكم هو الطيَّب صالح. وإذ نقول ذلك وبين أيدينا روايته "موسم الهجرة إلى الشمال". وقد فكَّرنا مليَّاً علام أقبل العرب على روايات الطيب صالح يبجِّلونها تبجيلاً، وقادنا التفكير إلى وجود وجه الشبه بين ما تحويه روايته المذكورة من قصص جنسيَّة خليعة والأدب العربي المتمثل في "أخبار النساء" لإبن عبد ربه، و"أخبار النساء" لابن قيم الجوزية، و"أخبار النساء" لأبي الفرج الأصفهاني.  وفي هذا الشأن أكتفي بإيراد هذا التعليق الذي عثرنا عليه في "آخر ورقة" في الكتاب، الذي اكتفي المعلِّق بذكر اسمه على النحو التالي: د. قاسم (؟). فماذا دون الدكتورقاسم؟ قال الدكتور إنَّ هذا العمل "تبديد... تبديد... وثم تبديد لطاقات كامنة كان من الأولى أن تتحوَّل إلى شئ مفيد.  الكتاب عبارة عن خيالات شيطانيَّة وهيهات فهيهات خُلقت للتسلية اللَّحظيَّة التي تختفي بسرعة البرق كما التمتع بها، هذا إذا حدث!!!  وأكيد يتم حدوثه لرواد وعاشقين أمثال هذه الروايات.  أين الرسالة ومعالجة الموضوع يا صالح، الذي بدأت به القصة بعد انتظار على الجمر "سبع سنوات" من عودته؟؟؟  انتظار البلد الفقير لأدنى المجاهدة بمساندة العلم الذي جناه مقابل احتراق شمعات شبابه... هل أتى ليُنفِّر الخلق من صحرائهم الظامئة التي تحيط بهم؟ أم البؤس الذي استنكره في وضعه؟ أم كان هذا تقرباً لهم بالخمر وندمائه لقتل الوقت... دعايات بارعة مستمدة من إعلام غربي فاشل، ما أبشع الصور هي عندما تخلى عن كينونته الدينيَّة والعربيَّة بحرق المخطوط العربي والمصلاة... يا بئس ما ساوم به تلك (...) وكشف عن ضعف بدين في أحشائه، يا لهزيمة الرجل المتعلم، المسلم، العربي، الأفريقي الراشد.  كان من باب أولى أن يهدف إلى إكمال القصة بعكس انتصارات فكريَّة، علمية تجوب عطاءاً لطين البلد الذي نشأ منه، لكن هذه هو جزاء السُّودان في النهاية.  كان يمكنه أن يبني حلقة وصل مع محجوب لإتمام بناء مشروع زراعي، مستشفى، مدارس... إلخ.  لكنه هرب بخياله الشَّارد تحت وطأة التأثُّر بالانجليز ولم يفد أو يغذي عقلنا بشئ من حضارة الغرب التكنولوجيَّة.  الغرب يتألَّق يوماً بعد يوم، ونحن نخضع إن دلَّ هذا على شئ، إنَّما يدلُّ على التقاعد ومن ثّمَّ استعمار جديد أخطر من الأول (استعمار معنوي)".  فليس بالضرورة أن نتفق مع كل ما أورده الدكتور قاسم لفظاً ومعني، وإن وجدنا قواسم مشتركة بيننا وبينه فيما ذهب إليه تعليقاً على رواية الطيب صالح.
وفي أحدى صفحات الرواية وعلى لسان مصطفى سعيد (عثمان)، تلك الشخصية الأسطوريَّة التي دارت حولها الرواية، يقول الروائي الطيب صالح: "أنا مثل عطيل. عربي أفريقي (...) نعم. هذا أنا. وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة".  ثم يمضي الرَّاوي، الطيب صالح، فيضيف: "كنا واثقين أنَّ مصطفى سعيد سيصير له شأن يذكر.  كان أبوه من العبابدة، القبيلة التي تعيش بين مصر والسُّودان.  إنَّهم الذين هرَّبوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين استعاد فتح السُّودان.  ويقال إنَّ أمه كانت رقيقاً من الجنوب.  من قبائل الزاندي أو الباريا، الله أعلم.  النَّاس الذين ليس لهم أصل، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز".  ويستطرد الطيب صالح: "وقد استخدمته وزارة الخارجيَّة البريطانيَّة في سفارات مريبة في الشرق الأوسط.  وكان من سكرتيري المؤتمر الذي انعقد في لندن سنة 1936 م.  إنَّه الأن مليونير، ويعيش كاللوردات في الريف الإنكليزي".
إنَّ وصف طفولة الطفل الأفريقي بالشر فيه غلواء، وعلمنا دوماً أنَّ الطفولة براءة، وقد يكون هنالك شر حول هذه الطفولة ولا يكون للطفل دوراً فعيلاً في هذا الشر، وقد يكون الشر ناتجاً من عدوان تجار الرقيق فيري الطفل، الذي لم يبلغ الحلم، أبواه  يُقتلان أمامه وإخوته يُقتادون إلى العبوديَّة، وقد لا يراهم منذئذٍ أبداً.  ثم طفق أديبنا يصف قبيلة والد مصطفى سعيد، أي العبابدة، بالخيانة الوطنيَّة لأنَّهم هرَّبوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين غزا السُّودان.  السُّودان - في حد ذاته - ملئ بسودانيين قاموا بدعوة ونصرة الغزاة.  فهناك المك نصر الدين، أحد أفراد العائلة المالكة في الميرفاب في بربر، الذي توسَّل إلى محمد علي باشا، والي الحكومة التركيَّة في مصر، لمساعدته ضد إخوانه الذين نافسوه في السلطة.  كما أنَّ السيد على عثمان الميرغني قد جاء مع كتشنر بصفته ضابطاً سياسيَّاً انتقاماً لما تعرَّضت له طائفته الختميَّة من المهديَّة، وظل يخدم "الاستعمار ودولة الاستكبار" حتى المعاش، وكان له نصيباً معلوماً من خزينة الدولة حيث به استطاع بناء حزبه الطائفي، وتمويل نشاطه الديني السياسي.  أما مسألة الرق في والدة مصطفى سعيد فحدِّث ولا حرج، ويقودنا الحديث إلى إطراح السؤال التَّالي: هل الشخص المستعبد مجرم أم ضحية؟ بالطبع، إنَّه ضحية فلا يمكن ولا يُعقل أن نزيد في عذابه وإيلامه، لأنَّه ليس لديه دور فعول في عمليَّة الاستعباد هذه، وإن نفعل ذلك نكون قد غرسنا طعنة نجلاء في جرح غائر لم يلتئم بعد، أو كما تقول الفرنجة(To add insult to injury)، فلو كان يملك المولى من أمره شيئاً لما اختار أن يكون مملوكاً، حيث أنَّ الحريَّة درة الحياة.  يقودنا هذا الجدال إلى أهل شمال السُّودان، الذين ما فتأوا ينعتون أهل الجنوب والنُّوبة والأنقسنا بالعبيد، متناسين أنَّ سكان أحراش الجنوب وجبال النُّوبة وتلال الأنقسنا هم أحفاد الأجداد الذين وقفوا وقفة رجل واحد ضد حملات الرِّق في عصر بداية توغل العرب إلى أفريقيا، وبلوغ تجارة النخاسة أوجها في العهد التركي-المصري.  أما إخوتنا في شمال السُّودان المستعرب، الذين أسرفوا على أنفسهم ضد السُّودانيين الأفارقة، فهم ذلكم الخليط الهجين من العرب القادمين من حيث أتوا والرقيق المريض، مع العلم بأنَّ الرقيق القوي الشديد كان يتم تصديره إلى الخارج حسبما تشترط "مواصفات ضبط الجودة (Slave quality control)" في أسواق الرِّق العربيَّة والغربيَّة، لأنَّ ظروف الرحلة الطويلة مشياً على الأقدام فضلاً عن حمل الأمتعة والبضائع، وهم موصدين بالسلاسل والشُّعب.  كما أنَّ الأسعار الباهظة للرقيق السليم القوي هي التي أملت شروط هذه الجودة.
ثُمَّ نأتي إلى قول أديبنا الروائي، الطيب صالح، إنَّ "الناس الذين ليس لهم أصل، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز". هذا قولٌ عار من الحقيقة، فقد علمنا علم اليقين أنَّ هؤلاء، الذين وصفهم الكاتب بمن ليس لهم أصل، هم أولئك الناس الذين بحثت في جذورهم الدكتورة اليابانيَّة، يوشيكو كوريتا، وأطلقت عليهم لفظة المنبتين (Detribalised) ، وعلى رأسهم البطل السُّوداني علي عبداللطيف وعبدالفضيل الماظ. وقد حدا بهم مغني السُّودان الصدَّاح  الموسيقار محمد وردي: سيذكر التأريخ أبطالاً لنا، عبداللطيف وصحبه وكل من خط على التأريخ سطراً بالدماء، وكل من صاح بوجه الظلم لا.  ولا ريب أن علي عبداللطيف قد واجه المستعمر بصلابة وجسارة، وفي أروع ملحمة نضاليَّة عرفها تأريخ الشعوب والأمم، ولم يتبوأ منصباً سياسيَّاً أيام الإنكليز.
إنَّ فشل الكاتب في مواجهة الصورة العقليَّة، التي يشترك في حملها أفراد أو جماعة وتمثل رأياً مختزلاً إلى حد الإفراط المشوه أو موقفاً عاطفيَّاً من عرق أو قضيَّة، تمثل عين الإخفاق نفسه وفشل الروابة في تأدية الرسالة التربوية التصحيحيَّة.  هذا إذا فرضنا أنَّ الكاتب كان صافياً في نواياه وحاول بعمله الروائي عكس التقاليد الموروثة بما فيها من شوائب ونوائب الدهر.  إنَّ الكتابة الأدبيَّة التي تروي حقبة تأريخيَّة ينبغي أن يبحث صاحبها في الحياة السياسيَّة والجوانب الاجتماعيَّة إبَّان ذلك العصر دون محاباة أو مغالاة.  ومن يفعل ذلك دون فهم أو فقه، فمثله كمثل الذي يريد أن يفهم خمريَّة من خمريات أبي نواس دون أن يتعمَّق في فلسفة المعتزلة، ودون أن يدرس التَّوحيد واختلاف أهل السُّنة والمعتزلة فيه.  وقد علمنا أنَّ الجاحظ كان أديباً لأنَّه كان مثقَّفاً قبل أن يكون لغويَّاً أو بيانيَّاً أو كاتباً.  لذلك كنا نأمل أن يكون في رواية الطيب صالح موضوعية العلم كما فيه من ذاتيَّة الأدب.
وكما ذكرنا سلفا،ً فإنَّ أحد عوامل الصراع الدموي في السودان يعود إلى التهميش الثقافي، الذي بلغ مداه بحيث أمسى الحكام الخرطوميون يجدُّون ويجتهدون ثم يجاهدون من أجل محو الآخر من الوجود حتى لا يبقى هناك بشر يتعللَّ بالمساواة والتكافؤ الثقافي.  وبات الوطنيون المهمشون لهم خيار واحد لا ثاني له: خذوا هذه الثقافة الإسلاموعربيَّة لا غير.  "فإنَّ صفة قوميَّة الثقافة السُّودانيَّة لا يمكن خلعها في وقتنا الحاضر على شريحة لثقافة واحدة من أنماطه الثقافيَّة المختلفة، حتى لو كان تلك الثقافة قد أكَّدت منعتها وسيادتها على أجزاء كبيرة من الوطن".  وعندما احتجَّ أبناء الجنوب ضد سياسة تعريب المناهج التعليميَّة رد عليهم الدكتور خالد المبارك بأن يبقوا في جامعة جوبا فإنَّ لهم فيها ما طلبوه. ما هكذا تُورد الإبل يا خالد!  هذه الجامعات منذ تأسيسها ظلَّت قوميَّة، ولعلَّ جامعة جوبا، التي يوصي بها الدكتور المبارك أهل الجنوب أن يبقوا خالدين فيها، مكتظة بأبناء الشمال، إدارة وطلبة.  ولم يقل لهم أهل الجنوب إذهبوا إلى جامعة أم درمان الإسلاميَّة لتغترفوا منها العلوم باللُّغة العربيَّة وتنهلوا من معينها الإسلام، بل تعايشوا معهم إخوة وخلاناً، إيماناً منهم بأنَّ الوطن المسمى السُّودان، مهما جار وضنى عليهم، فهو واحد حتَّى إشعار آخر.
بيد أن ذلكم النهج الاعتسافي لم يكن هو ذوق عموم أهل السُّودان، وإلا لما عجز حكام الخرطوم بالجدال والنضال بالنقاش حتى اختاروا طريق الحرب وهي طريق التهلكة للجميع، ونقصد بالجميع هنا ضياع القطر المسمى السُّودان في خاتمة المطاف إذا لم يستدرك السادة الحكام الأمر.  إنَّ مسألة الثَّقافة في السُّودان، إذاً، في حاجة إلى معالجة.  وقد كان الأستاذ عبدالله عبدالوهاب ذكيَّاً أريباً حين طرح سؤالاً في ورقته "مقدمة في سؤال المسرح السُّوداني، وامتداداته في رقعة السُّودان القديم" عن دواعي مشاركة المسرح السُّوداني في الاحتفالات الحوليَّة التي تُقام في بغداد، ودمشق، والقاهرة، والرباط تحت اسم "المسرح العربي".  ونفى الأستاذ عبدالوهاب وجود ثمة علاقة بين المسارح العربيَّة وتراثياتها، والمسرح السُّوداني، وذلك من خلال ثلاث مستويات: عدم وجود أيَّة علاقة بين الموضوعيَّة التُّراثيَّة التي يشتغل عليها المسرح السُّوداني والمسرح العربي، وعدم وجود علاقة بين الشخصية الذاتيَّة التي يتحدَّث خلالها المسرح السُّوداني والمسرح العربي، وأخيراً غياب علاقة اللُّغة التراثيَّة التي يتمثَّل بها المسرح السُّوداني والعربي.  وذكر نماذجاً من الموضوعيَّة التُّراثيَّة السُّودانيَّة في ممالك النُّوبة القديمة، وتتويج رث الشُّلك، ومملكة المسبعات في كردفان، وسلطنة الفونج في سنار، ومملكة تقلي، وممالك دارفور، والزَّاندي وغيرها.  كما لا يمكن للجمهور العربي أن يتفاعل مع شخصيات سودانيَّة مثل إسماعيل صاحب الربابة أو سليمان الطوالي الزغرات مثلما يتفاعلون مع مسرحيَّة تراثيَّة عربيَّة اُستلهمت من عنترة بن شداد، أو الزير سالم، أو زهير بن أبي سلمى، فضلاً أنَّ لفظة "سوداني" تعني "عبد" في كل تفاسير الرحالة العرب من ابن حوقل وحتى ابن بطوطة.  وجاء في كتاب طبقات ود ضيف الله عند حسن ود حسونة "جاني السُّوداني الكلب"، و لفظة كلب تعني عبد.  وفي اللُّغة العاميَّة السُّودانيَّة نجد أنَّ الدكتور عون الشَّريف قاسم قد استطاع أن يحصر العديد من الكلمات العاميَّة السُّودانيَّة ويرجعها إلى أصولها، فوجد أنَّها إما بجاوية قديمة، أو نوبيَّة قديمة، أو فوراويَّة قديمة أم من جبال النُّوبة ... إلخ.
إنَّ الدكتور عون الشريف قاسم هو ذلك الرَّجل المتخصص في الجغرافيا اللُّغويَّة (دراسة الفروق المحليَّة والإقليميَّة الخاصة بلغةٍ ما - (Linguistic geography، الذي عاد إلينا ضحى لكي يحدِّثنا أنَّ الإسلام "أنشأ لغات إسلاميَّة جديدة مثل السواحيليَّة في أفريقيا، والأرديَّة في آسيا، والمالطيَّة والمجريطيَّة في أوربا".  ولا نحسب أنَّ الدكتور قد أصاب إذا اعتبر هذه اللُّغات إسلامية لأنَّ فيها كلمات عربيَّة وإن أصابها تصحيف.  فهل، بالمقارنة، تصبح اللُّغات النُّوباويَّة أو كل اللغات السُّودانيَّة بعدما دخلت إليها كلمات عربيَّة لغة الإسلام كذلك، وإن ظل المتحدثون بها نصاري أو معتنقي الأديان الأفريقيَّة أو ما يسمى في الدساتير السُّودانيَّة (المعدَّلة منها والدائمة، وما الدَّوام إلاَّ لله وحده لا شريك له) بكريم المعتقدات (Noble Religions)؟ ما لهم كيف يحكمون!  وقد وجدت مفردات عربيَّة سبيلها إلى لغات أجنبيَّة أخرى، لأن الاقتراض اللغوي ظاهرة طبيعيَّة في جميع اللُّغات ليقوم بدورها التواصلي والنفعي داخل نسيج المجتمع الواحد وبين الكيانات الثقافيَّة المتباينة.  ويحدِّثنا سيف الدين الماحي أنَّ "القرآن الذي نزل حاوياً من الحكمة والبيان ما لم تحويه كل البلاغات العربيَّة السالفة، نجده قد احتوى على كثير من المفردات الفارسيَّة والهنديَّة والحبشيَّة والعبريَّة والحورانيَّة والسريانيَّة والروميَّة وغيرها".  ولعلك واجد في لغة العرب الكثير من المفردات التي عُرِّبت حتى يُخيَّل للمرء أنَّها عربيَّة قحة وما هي بذلك.  فاللُّغة العبرانيَّة ساميَّة، واللُّغة الفينيقيَّة ساميَّة، ولغة الكلدانيين ساميَّة، واللهجات الآراميَّة كلها ساميَّة، وبينها وبين اللُّغة العربيَّة من التشابه القوي حيناً والضعيف حيناً آخر مثل ما بين اللُّغة العربيَّة ولغة البابليين في عصر حمورابي ولغة الحميريين والسبئيين والحبش والأنباط.  وإذن، فلم لا تكون العبرانيَّة والسريانيَّة والكلدانيَّة ولهجات الآراميين كلها إسلاميَّة لما بينها وبين العربيَّة من تشابه؟
وعلى جانب آخر، نجد ألفاظ "فتوى" (Fatwa)، و"جهاد"(Jihad) ، و"انتفاضة"(Intifada) ، و"سفري"  (Safari)العربية مشاعة في استخدامات اللُّغة الإنجليزيَّة.  وكما أسلفنا، فإنَّ اللُّغات لتتلاقح مع بعضها بعضاً لتتوالد حفظاً للبقاء مثلها كمثل الكائنات الحيَّة، وإذ يستفيد منها الناس في التخابر ونقل المعرفة ولا مناص من ذلك إلاَّ من أبى وتكبَّر وكان للحقيقة لكنود.  وقد ساعدت عوامل الاختلاط بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتجارة في أمر هذا اللقاح اللغوي المبين، فنجد في البرتغالية شيئاً من الأسبانيَّة، وفي الإيطاليَّة شيئاً من الأسبانيَّة، والإنجليزيَّة شيئاً من الفرنسيَّة وهلم جراً.  كما أنَّ للعدوان أثر بليغ في إعارة كلمات أجنبيَّة للغات المعتدي عليه، ففي السُّودان نجد مفردات مثل "اسبتالية"، و"شفخانة"، و"سلخانة"، و"جبخانة"، و"أدبخانة"، وتعني هذه الألفاظ - على التَّوالي - "مستشفى"، و"عيادة"، و"مسلخ"، و"ذخيرة حربيَّة"، و"مرحاض"، التي أتت إلينا نتيجة الاستعمار التركي-المصري الذي جثم على البلاد من العام 1821 - 1885 م.  بيد أنَّ للعولمة (Globalisation) - أو كما يسميه الصًّادق المهدي  الكوكبيَّة (Globality)، وإنَّ صادقنا هذا لشغوف بالمفردات - فضل عظيم في التداخلات اللغوية-الاجتماعيَّة.  هذه هي سنن الحياة، فقد تراضى الناس وتصالحوا مع أنفسهم أن تسير على هذا النهج، وما عسى أن يكون للدِّين الإسلامي من أمر هذه المسائل من شئ، إلا الذين أسرفوا على أنفسهم في الغلواء واستغلوا عقول الدهماء من الأقوام لتضليلهم.  هذا خلل يجب أن نتداركه، فهل نجسر؟
وفي الختام، نطرح السؤال الاستنكاري التَّالي، هل السُّودانيين الأفارقة مستاءون؟ ومم؟ ظلَّ السّودان مستودعاً لإشباع رغبات العرب بالرَّقيق منذ القرن السَّابع عشر فيما عُرف باتفاقية البقط.  كما أنَّ القبائل العربيَّة قد تحالفت فيما بينها وانقضوا على مملكة علوة في سوبا، وحين جاء جند إسماعيل باشا لغزو السُّودان كان العرب أدواتهم في تمويل الرِّق، ودونكم والزبير باشا رحمة في جنوب السُّودان ودارفور، وبدوي أبو صفيَّة في جبال النُّوبة - حيث كان يتَّخذ من الأبيض نقطة لانطلاق غزواته ثم مركزاً تجاريَّا لبيع الرقيق المجلوب - والست آمنة وزوجها خوجلي الحسن في جنوب النيل الأزرق (مناطق الفونج).  وحين أعلن المهدي حركته ضد الاستعمار التركي المصري العام 1882 م أواه أهالي النُّوبة حيث كان سكان الشمال البحري ينأون بأنفسهم، لواذاً، ويقفون على الأعراف - وهي منطقة وسطي بين هذا وذاك -  بعيداً عن مساعدة المهدي خوفاً من بطش الحكومة وتشككاً في مقدرته على منازلة السُّلطة. وما أن انتصر المهدي على الغزاة في الأبيض حتى أقدم على اعتقال المك آدم أم دبالو - مك تقلي - مع أهله وعشيرته وأعوانه، ومات المك أم دبالو وهو في الأسر ومقيَّد بالسلاسل في شبشة بالنيل الأبيض عندما كان المهدي زاحفاً نحو الخرطوم.  هذا هو جزاء الرجل الذي تبرَّع بابنه - فلذة كبده - للمهدي ليُعلِّمه أصول المهدية ويكون معه رفيقاً في السلاح، فضلاً عن المال والبنون الذي وجده المهدي لدي أهالي جبال النُّوبة لتقوية شوكة حركته. واآدماه! وفَّيت، وفي بعض الوفاء مذلَّة، لأُناس شيمتهم الغدر. ثم جاءت حملات المهدية على أهالي النُّوبة قتلاً واغتصاباً وتشريداً وحرقاً لديارهم دون حق، وآية ذلك الدَّمار إفراغ قرى كانت آمنة بأكملها مثل جبال كاو-نيارو وهلم جراً.
ثم انتفض السُّودانيون تحت راية اللواء الأبيض بقيادة البطل على عبداللطيف وصحبه ضد الاستعمار البريطاني-المصري، فنعتهم أهل الشمال العربي "بالناس الذين ليس لهم أصل"، وأساءوا إليهم في نسبهم وحسبهم، دون أن يسألوا أنفسهم عن الأسباب التي أدَّت إلى ضياع أصلهم. بالطبع، الإجابة تكمن في أزمة الرق الذي كان الشمال العربي سيدها. وظهر الدكتور محمد آدم أدهم على رأس الغلابة في العاصمة المسماة جوراً وبهتاناً بالقوميَّة، فنعتوه بالعنصرية.  هذا هو حال الأفارقة في السُّودان، فكلما أسرفوا في الإخلاص إلى العرب أي إخلاص اُضطُهدوا وزُجِروا.  فحقاً، إنَّ الذي بينهم وبين العرب لمختلفٌ جداً.  إنَّ أبيات الشاعر ابن المقفع الكندي لهو أصدق تعبير لحال السُّودانيين الأفارقة.
وإنَّ الذي بيني وبين بني أبي        وبين بني عمِّي لمختلفٌ جدَّاً
فإن هم أكلوا لحمي، وفَّرت لحومهم    وإن هدموا مجدي، بنيت لهم مجداً
وإن ضيَّعوا غيبي، حفظت غيوبهم    وإن هم هووا غيي هويت لهم رُشداً
وإن زجروا طيراً بنحساً تمر بي        زجرت لهم طيراً تسرُّ بهم سعداً
وفي السُّودان الظليم، وتحت رايات الحكم الغشيم، كلما طلب السواد الأعظم (سكان المناطق المهمَّشة بلغة العصر) نصيبهم في التمثيل السياسي، والخدمات الاجتماعية، والاعتراف الثقافي لم يجدوا غير وصفهم بالعنصريين الانفصاليين.  فماذا تعني لفظة العنصرية (Racism)؟  إنَّ كلمة العنصرية، التي ما فتأ أهل الشمال الحاكم يطلقونها على طلاب العدالة والمساواة، لهي مختزلة في المعنى والمدلول. العنصرية صفة لازمة لمن يرى في نفسه، أو لمن يروا في أنفسهم بالباطل، أسباب التفوق بسبب لون البشرة أو الجنس البشري، أو بما يمتاز به من تجاعيد الشعر وشكل الأنف والفم وهلم جرًا.  فافتخر العرب بلون بشرتهم واحتقروا الأفارقة شعراً ونثراً، واشتط أدولف هتلر بجنسه الآري وحسب أنَّ نسبه أسمى عرق خلقه الذي يبدئ ويعيد، وظنَّ العبريون بأنهم شعب الله المختار، لذلك جرى التصادم الاستئصالي لهم في ألمانيا الآريّة لأنَّه في حالة وجود، أو إدِّعاء وجود، قوتين عظميين فلا بد لأحدهما أن يسود في نهاية الأمر.  وكذلك اعتبر البيض أسياد الوجود فبغوا على الهنود الحمر في الأمريكيتين، وقضوا على الأروميين (سكان أستراليا الأصليين Aborigines -)، فنشروا الأوبئة والأمراض الفتاكة.  وصدق من قال ما أن حطَّ الاستعمار في الأمصار حتى نزل البلاء وعم الوباء يحصد أرواح المواطنين حصداً فيذرهم قاعاً صفصفاً.  وفي جنوب أفريقيا انتهج المزارعون الهولنديون (Boers) سياسة التفرقة العنصريَّة (Apartheid) وأذلُّوا سكان البلاد الأصليين لأكثر من ثلاثة قرون، حتى جاء الحق في العام 1990 م لحظة إطلاق سراح الزعيم الأفريقي - نيلسون مانديلا - وذهق الباطل إنَّ الباطل كان ذهوقاً.  وفي خضم هذه الادِّعاءات بالنقاء العرقي وسمو الحسب والنسيب، لم نسمع يوماً قط أن الأفارقة في السُّودان، أو في العالم كافة، قد تطاولوا على غيرهم عنصراً وتصايحوا فيهم بالباطل، بل كل ما نقموا من غيرهم هو العدل والمساواة وتكافؤ الفرص في التَّعليم والصحة والتنمية والتمثيل السياسي لا أكثر ولا أقل.  فليس هذا من العنصريَّة في شئ.  إنَّ محصلة هذه القسمة الضِّيزى هي سبب استعار الحرب الأهلية الأولى في السُّودان، وما الحرب الثانية التي تدور رحاها اليوم إلاَّ امتداداً للأولى. إذ أنَّ لكل حرب في التأريخ بقية معلَّقة من حرب سبقتها!  فمعاهدة فرساي للسَّلام التي انتهت بها الحرب العالميَّة الأولى كانت هي بذاتها خميرة وبذرة الحرب العالميَّة الثانية! والنتائج التي انتهت إليها معركة السويس العام 1956 م كانت هي بذاتها مقدمات الإعداد لمعركة سيناء العام 1967 م.
وإذا أخذنا السُّودان حسب النظريَّة الوظيفيَّة (Functionalism Theory) في علم الاجتماع، يمكننا اعتباره صرحاً أو جهازاً اجتماعيَّاً غير متجانس، ويحوي في أحشائه الشروط الوظيفيَّة (الانتفاعيَّة) الآتية: الثقافات المتنوعة، والقوميات المتعددة، واللُّغات المتباينة، والدِّيانات السماويَّة وغير السماويَّة.  فما المطلوب إذاً؟  ليس هناك أدنى شك أنَّ المطلوب هو توفير حدٍ من الإجماع القِّيمي (Value consensus) لكيما يتم الاعتراف بهذه الفوارق الاجتماعيَّة والروحيَّة والثقافيَّة، بل وتشجيعها وتنميتها.  هذا إذا تصالحت الصفوة الحاكمة مع أنفسهم، وكفوا عن التهالك على السلطة والتنافس فيه، ورأوا أن يكون للسُّودان من عوامل النمو ودواعي البقاء والرُّقي.  فلم نجد أبلغ من بيت الشعر المنسوب إلى أمير الشعراء - أحمد شوقي - الذي فيه ينشد إرساء قيم العلاقات الاجتماعيَّة المبنيَّة على التكافل الإنساني والتعايش السلمي بعيداً عن الغلاة الدِّينيين و محاباة الساسة وغيرهم:
أنا شيعي وحبيبتي أمويَّة        واختلاف الرأي لا يفسد للود قضيَّة
أما إذا لم يرض الصفوة الحاكمة أمر إيلاء هذه الشروط اعتبارات قصوى، فإنَّ الخلل السياسي والاقتصادي والتعليمي والتنموي والخدمي، الذي بدأ منذ فترة غير قصيرة في طريقها إلى حسم الصراع عن طريق تغيير الأجهزة التشريعيَّة والتنفيذيَّة والعسكريَّة، التي انتفعت به فئة قليلة ردحاً من الزمان.  فعلينا، إذاً، أن نذكِّر أولئك الصفوة المنتفعين أن المهمَّشين قادمين، وبعدئذٍ سيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.

الدكتور عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج