د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

حينما أُسر زعيم المعارضة الويلزي وأُحضر للمثول أمام الامبراطور الروماني في روما، قال الزعيم الأسير: "بما أنكم ترغبون في في السيطرة على العالم، فهذا لايعني أنَّ العالم راغب في العيش تحت احتلالكم".  كان هذا، بالضبط والربط، هو رد الملك النوبي المسيحي لرسل جوهر الفاطمي - حاكم مصر - عندما بعثهم إلى مملكة النُّوبة للخضوع للدولة الإسلاميَّة ديانة وحضارة.  فقد أردف الملك النوبي مستهجناً ذلك الإلحاء، بعدما طلب منه رسل جوهر اعتناق الإسلام، وهو يسأل لماذا لا يتخذ مليككم المسيحية ديناً له، حيث أنَّ كل عقيدة درة في عيون معتنقيها يبتهجون دائماً أن يروا طرائقهم تسود.
ومهما يكن من الأمر، فقد استبسل النُّوبة قتالاً ودفاعاً عن ممالكهم القديمة حيناً من الدهر حتى اُضطروا إلى توقيع ذلك الاتفاق المهين الذي يُعرف في التأريخ باتفاقية البقط بين زعيم النُّوبة وقتئذٍ - كاليدوسوس - وحاكم مصر عصرذاك - عبدالله بن سعد بن أبي سرح.  وأبشع ما جاء في الاتفاق هو اجبار النُّوبة على دفع 360 عبدا سنوياً إلى دولة المسلمين في بغداد.  إنَّ هؤلاء الأرقاء، وغيرهم ممن جُلبوا من بلدان أفريقيا، هم الذين خاضوا فيما بعد ما عُرف بثورة علي بن محمد الزنج في العراق.  غير أنَّ بعض الروايات تورد أنَّ العدد الاجمالي كان 400 عبداً حيث يذهب 40 منهم إلى حاكم أسوان حينئذٍ - عبدالله بن أبي سرح، وباقي الرقيق إلى دولة الإسلام.  فمن هو عبدالله بن سعد بن أبي سرح؟ ومن ذا الذي منحه حق امتلاك ذلك النصيب المعلوم؟
عبدالله بن سعد بن أبي سرح صحابي من بني عامر بن لؤي من قريش، كان أخاً عثمان بن عفان من الرضاعة وقد استجار له عثمان يوم فتح مكة فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم.  "عند فتح مكة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله، هو وعبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو تعلَّقوا بأستار الكعبة.  ففرَّ عبدالله واحتمى بسيدنا عثمان بن عفان فغيَّبه فترة حتى تهدأ الخواطر، ثم أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم طالباً له العفو.  فصمت الرسول صلى الله عليه وسلم طويلاً ثم استجاب.  وبعد ذهاب عثمان وعبدالله قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمن كانوا معه من الصحابة: ماصمتُّ إلاَّ ليقوم أحدكم فيضرب عنقه.  فقال له أحد الأنصار: فهلَّ أومأت إليَّ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم إنَّ النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين".  وقد اعطاه عثمان بن عفان خمس الخمس من غنائم جيوش المسلمين في أفريقيا.  وقد ورد في تأريخ الطبري (تأريخ الرسل والملوك) أنَّ عثمان لما أمر بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: "إن فتح الله عليك غدا أفريقيا فلك ما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة فضلاً". وإنَّه لمبلغ الأسى أن نجد رجال "الانقاذ" في السُّودان يطلقون اسم عبدالله بن سعد بن أبي سرح على إحدى كتائب الجهاد التي تموج وتمور بها الساحة السياسيَّة السُّودانيَّة لإخضاع أهل الجونب وجبال النُّوبة والأنقسنا كرهاً ورهبة.  بالطبع وبالضرورة، لم يعجب هذا المرج والهرج بأرواح الأبرياء أهل العقل والبصيرة.  فقد تصدى لهذا العبث لفيف من الأقلام  كان أبرزهم السيد إبراهيم طه أيوب، وزير خارجية سابق في حكومة الدكتور الجزولي دفع الله (1985 - 1986 م).  فلم يترك صاحبنا أيوب أهله والرماح تنوشهم، بل هب ليبدِّد هذا الخطل الجلل في المخيلة السُّودانيَّة.  وأذكر في الكتاب أيوب إنَّه كان صادقاً فيما ذهب إليه وعما عبَّر عنه.
عوداً إلى البدء، فقد انصرف جل اهتمام العرب باصطياد الرقيق أكثر من اهتمامهم بنشر التعاليم الإسلامية والثقافة العربية، ويتضح ذلك جلياً في إلحائهم على تسديد متأخرات الرقيق والعمل بهذا الاتفاق القميئ على نحو 600 عاماً. وقد اهتم العرب، أكثر مما اهتموا، بالإماء.  والأمة كما هو معروف هي أنثى العبد، وكان يجيز لهم الاستمتاع بهن كزوجاتهم، مستدلين بالأية الكريمة في قوله تعالى: "والذين هم لفروجهم حافظون. إلاَّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنَّهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون". فعقد الزواج في الاسلام لا يحل للرجل أن يتزوج أكثر من أربع في وقت واحد، ولكن يحل له أن يطلق منهن ويتزوج غيرهن ولكن بعد انقضاء عدتهن وهي مدة ثلاثة أشهر بعد الطلاق.  أما ملك اليمين فهو حق الرجل أن يمتلك من النساء ما يشاء دون تحديد العدد طالما هو قادر على ذلك، حتى وصل الأمر عند بعض الخلفاء إلى امتلاك ألفي أمة، وعند البعض الآخر آلاف أمة.  وتوزَّعت الأماء بين جارية لفراش اللِّذة، وبين سريَّة تلد لمولدها وتقيم معه ولا يحق له بيعها، وتصبج حرة بعد موته، وبين قينة تحي الليالي الملاح بصوتها العذب الصدَّاح. وقد حفلت قصور الخلفاء والأمراء والقادة الأغنياء بالجواري من كل لون وجنس، فمنهن الحبشيَّة، ومنهن الروميَّة، ومنهن التركية، ومنهن الهندية، وقد تفشَّى الفساد واللهو في الدور التي غصَّت بمثل هؤلاء الجواري، ولم تسلم من ذلك قصور الخلفاء الذين بالغوا في اقتنائهنَّ وفي المبالغ التي دُفعت لشرائهن حتى أنَّ بعض الخلفاء دفع أربعين ألف دينار ثمناً لجارية واحدة، وهذا المبلغ يكفي لإعالة عائلة لمدة سنة كاملة، وبعضهم جمع في قصره أكثر من ثلاثة آلاف جارية يُنفق عليهن ما يكفي للانفاق على خمسين ألف مسلم، وبعضهم انشغل عن أمور الخلافة بجارية أخذت بعقله وسيطرت على تفكيره حتى مات حزناً بعد موتها فدُفن بقربها.  وكان أكثر الناس يُكرِهون إماءهم على البغاء، يبتغون عرض الحياة الدنيا، وإن أردن تحصناً، فنهى الله تعالى في كتابه عن ذلك بقوله عزَّ وجلَّ: "ولا تُكرِهوا فتياتكم على البغاء وإن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا".
ولعل هذا السلوك غير الانساني يفسِّر ما تتعرض له عاملات(خادمات) البيوت من فليبينيات وهنديات وغيرهن في المملكة العربيَّة السَّعودية وغيرها من دول الخليج الأخري من استغلال جنسي وامتهان لحقوقهن ضد رغباتهن. كما أنَّ تلك الدوافع الجنسية والرغائب الشهوانية هي التي جعلت العرب يؤثرون الإناث على الذكور في الاسترقاق، وقد بلغت نسبة الإناث إلى الذكور 1:3.  وعلى الرغم من هذه النسبة الضئيلة من الذكور، بيد أنهم كانوا يتعرَّضون إلى أفظع صنوف الأذي الجسدي وهو عملية إزالة الأعضاء التناسليَّة (Castration) وتحويل الرجال إلى الخصيان (Eunuchs) لحراسة الحريم في المنازل. وفي هذه العملية البشعة كانت نسبة البقاء على قيد الحياة 10% من جملة الذين يتعرَّضون لهذا العملية المميتة. وعليه فلن تصيبنا دهشة إذا وجدنا نسبة قليلة من الزنوج الأفارقة في شبه الجزيرة العربية الذين جاءوا إلى هذه البسيطة عن طريق "ما ملكت أيمان العرب".  بالمقارنة مع العالم الغربي، نجد أنَّ الغرب استحبوا الرجال الأشداء الأقوياء على النساء، وإن جلبوا مع أولئك الرجال عدداً من النساء، لحفظ النوع وضمان عملية التكاثر.  كان دافعهم إلى استجلاب الرقيق القوي الأمين للعمل في مزارع القطن في الولايات المتحدة الأمريكية وحقول قصب السكر في جزر الهند الغربيَّة (البحر الكاريبي)، وتعبيد الطرق، وتشييد القناطر، وحفر السرادق، وبناء العمران والعمل في مصانع الغرب الرأسمالي إما إبَّان الثورة الصناعيَّة في أوربا أو في بناء دولة الويات المتحدة الأمريكية الحديثة النشوء.
ويحدثنا البروفسير يوسف فضل حسن، المدير السابق لجامعة الخرطوم، في بحثه القيم عن بعض مظاهر تجار الرق العرب من السُّودان بين القرن السابع والتاسع عشر، أنَّ العرب هم أول الأجانب الذين توغَّلوا إلى أدغال أفريقيا لاشباع الرغبة الملحة للرقيق في العالم الإسلامي. ومن خلال إيلاجهم إلى أعماق القارة، ومازال الحديث للبروفسير حسن، وجدت تجارة الرق حافزاً قويَّاً وأهمية قصوى.  وفي هذا السياق تأتي مقولة بن خلدون الشهيرة: "إنَّ العرب ما أن تغلَّبوا على أوطان وإلاَّ آل عليها الخراب". بيد أنَّ سياسة الإسلام تجاه الاتجار بالإنسان يصدع بها حديث شريف يُنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، مستهجناً هذه المهنة: "شرار الناس من باع الناس".  وقد كان عمر بن الخطاب - ثاني الخلفاء الراشدين - يردد مقولته الشهيرة "بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" في الوقت الذي كانت فيه تجارة الرق رائجة في شبه الجزيرة العربيَّة.  ومهما يكن من الأمر، فقد كان هنالك نوعين من الرقيق المطلوب في سوق النخاسة: النوع الأول ذو الأصل التركي، ويتم استخدامهم في الجندية (المماليك)، أما النوع الثاني فهو السًّوداني بمعناه التأريخي العريض (من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي)، وكانوا يعملون في البيوت، والعسكرية والأعمال اليدوية الشاقة. ويمكننا الاستدلال بشجاعة الأفارقة، مما استخدمهم العرب في ساعات الوغي وحين يحمو الوطيس، في قول الشاعر الزيمبابوي - موسيمارا بوناس زمونيا - حيث أنشد:
إحد عشر رجلاً رُصصوا قتلاً
في تظاهرة رفع الرواتب
لكن! لما صمت دوي المدافع،
حالاً اصطفَّ مائة آخرون وقوفاً
وجوههم فحمية مسلوخة
وقفوا
لتظاهرة أخرى
إنَّه يسحر الإنسان
وعلى الرَّغم من غياب احصاء دقيق عن العرب وتجارة الرقيق في أفريقيا، غير أنَّ المؤرخ بول لوفجوي (Paul Lovejoy) يقدر العدد بنحو 9.85 مليون أفريقي تم نقلهم قسراً كأقنان إلى شبه الجزيرة العربيَّة وجزء يسير إلى شبه جزيرة الهند.  إذاً، مالذي يجعل الإنسان  يختزل إنساناً أخر إلى وضع قانوني يسمح ببيع وشراء غيره في سوق النخاسة؟
حدثت في عصور متأخرة محاولة لتصنيف البشر إلى ثلاثة أقسام: سلالات "النهار" وسلالات "الليل" وبينهما برزخ هو سلالات "الغسق"، وحتى الأن لا يزال الناس في أمرهم مختلفون، فهناك فريق كبير من الكُتاب يقولون: الجنس الأبيض والجنس الأسود والجنس الأصفر. ومع أنَّ لون البشرة هو الفوارق الظاهرة بين الجماعات البشريَّة، فهو ليس فارقاً سلاليَّاً أصليَّاً، بل مكتسباً من تأثير البيئة. فليس اللون إلاَّ صبغة والبياض نقص الصبغة.   ويأبى بعض الناس ألاَّ يسمون الأشياء بأسمائها، فيطلقون اللون الأسمر على الإنسان ذي اللون الأسود، وفي ذلك يقولون - على ذمة التقارير الاجتماعيَّة والنفسيَّة - "السمارة أمارة" خاصة هجين "حبشطالي" (الأب حبشي والأم إيطاليَّة)، أو هجين "إيطاشي" (الأب إيطالي والأم حبشية).  وإذا كان هذا الأسمر ممن يملك صوتاً جميلاُ، فإنَّ الناس تطلق عليه اسم العندليب الأسمر.  وفي المقابل هناك اللون الأبيض، وهو أقرب ما يكون إلى لون الحليب، لذلك يُقال أبيض كالحليب، وتقول العرب الجارية الرعبوبة وهي البيضاء الحسنة الناعمة التي تستحسنها عند التأمُّل لدمامة قامتها، والهجان هي المرأة الحسنة البياض. ويتخذ العنصريون من القتامين أو الصبغ السافع - صبغة الجلد - طريقاً للتفاضل والتمايز، ويجعلونه سبباً لأنَّ هذا التباين إنَّما هو بيولوجي قد أوجده الله على السَّطح الخارجي لجسم الإنسان للتكيُّف مع تغيُّر البيئة واختلاف الأجواء الشمسيَّة بين القطبين وخط الاستواء.  وقد توهَّم بعض النسَّابين العرب ممن لا علم لديهم بطبائع الكائنات أنَّ السُّودان ولد حام بن نوح، اختصوا بلون السَّواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه، وفيما جعل الله من الرِّق في عقبه وينقلون في ذلك حكاية من خُرافات القصاص.  وفي القول بنسبة السواد إلى حام غفلة عن طبيعة الحر والبرد وأثرهما في الهواء.  كائناً ما كان الأمر، فقد اتخذ العالم الغربي هذا التفسير التوراتي لسواد الزنوج كتعليل ديني لاستعبادهم، ثم ذهب بعض منهم أكثر من ذلك سبيلاً، حيث نظَّر العلماء الغربيُّون إنَّه إن وُلد طفلان أحدهما أبيض والآخر أسود، ففي لحظة ما يتوقَّف عقل الطفل الأسود عن التطوُّر، وتم إصدار تأليفات شتى في هذا الافتراء الذي لا تسنده حجة.  فلا التفسير اللاهوتي للعنصريَّة ولا العلمي يمت للحقيقة بصلة.  وإنَّ الأدلة على عدم صحة القول بتفوق إحدى السلالات الراقية في المواهب العقليَّة على الأخرى لمتوفرة. فإذا أخذنا الوجهة الفردية ودرسنا تسلسل بعض النوابغ، وجدنا أنَّ لا عبرة بنقاوة السلالة فالشاعر الكبير أسكندر بوشكين المبدع في الأدب الروسي القومي كان ذا عرق زنجي، فقد كان لبطرس الأكبر قائد زنجي رفعته درجة ذكائه إلى مرتبة مهندس المدفعيَّة العام وصيَّرته ذا أملاك واسعة وبطلاً هماماً وتزوج سيدة روسيَّة من الأشراف، وحفيد هذا الزنجي هو بوشكين أعظم شعراء روسيا.  والكاتبان الشهيران دوماٍس الأب والإبن كانا ذا عرق زنجي.  كما أنَّ تشيفاليير دي سينت-جورج (Chevalier de Saint-George) كان أول أسود بلغ مرتبة عقيد في الجيش الفرنسي.  وقد وصفه جون آدمز، الذي أصبح فيما بعد ثاني رئيس للولايات المتحدة الأمريكيَّة، لدي زيارته لفرنسا في العام 1779 م بأنَّه الشخصية الأكثر موهبة في أوربا، وذلك في ركوب الخيل، والرماية، والمنازلة، والرقص والموسيقى.  وقد رفعته مواهبه في اللحن والموسيقى مكاناً عليَّاً، وبات يُعرف بموزارت الأسود.  وفي العام 1775 م، عيَّنه الملك لويس السادس عشر رئيساً للأوبرا في باريس.  بيد أنَّ الرَّاقصات الباريسيات رفعن بلاغاً إلى الملكة يخبرن جلالتها أنَّ شرفهن وحساسيَّة ضمائرهن يجعلان الأمر مستحيلاً لهن تلقي تعليمات من الخُلاسي (المولَّد). رحم الله سينت-جورج موسيقاراً كان ثم فارساً مغواراً. فقد انتظرت روحه حيناً من الدهر قبل أن يتم الاحتفاء بهذا النابغة وتخليد ذكراه باعادة تسمية شارع ريتشبانز، الجنرال الفرنسي الذي أمر بقتل آلا ف المتمردين في إحدى جزر الهند الغربيَّة، باسم تشيفاليير دي سينت-جورج في قلب باريس.
وقد أنجبت أفريقيا رجالاً عظاماً، فيعتبر ليوبولد سيدار سنجور، الرئيس السنغالي الأسبق، واحداً من أهم شعراء الفرانكوفونيَّة (Francophone) - أي الأقطار الناطقة باللغة الفرنسيَّة، بل أجل من قال الشعر الفرنسي بعد الحرب العالميَّة الثانية (1939 - 1945 م).  وقد صاغ مع إيميه سيزير نظرية الزنوجة (Negritude) للتعبير عن الشخصية الجماعيَّة الزنجية-الأفريقيَّة.  وقد أصدر سنجور أول عمل شعري العام 1945 م تحت عنوان "أناشيد ظليَّة".  و على الرَّغم من تسلمه مقاليد الحكم في السنغال، إلاَّ أنَّه واصل عمله الشعري.  وأصدر بعد ديوانه الثاني "أثيوبيات" (1956 م)، "طوارق ليليَّة" (1961 م)، و"مرثيات كبرى" (1978 م).  وسنجور معرف أيضاً بقلمه النقدي في شؤون الثَّقافة والسياسة، وتقف الأجزاء الخمسة "الحريَّة" على رأس أعماله النثريَّة.  لقد نال العديد من الجوائز وأوسمة الشرف، حيث استطاع هذا الشاعر الإنساني النزعة أن يكتشف لنا المخيلة الأفريقيَّة في أجمل لحظاتها الإنسانيَّة وبلغة آتية من أعماق تربتها وتأريخها العريق، وفي الوقت ذاته ترتقي بلغة المستعمر إلى سمو الشعر الكوني، حيث كان سنجور أول أفريقي يدخل الأكاديميَّة الفرنسيَّة.  ووقتما أكَّد سنجور بأنَّه يتمتَّع باحساسات أفريقيَّة، ولكنه يفكر بطريقة أوربيَّة سمى ذلك "ظاهرة التهجين الحضاري والبيولوجي والثقافي".  فقد ولد لأب مسيحي وأم مسلمة.  وهذه الظاهرة - أي ظاهرة التهجين الحضاري - أعطت دفعة قوية للحضارات المصرية والأفريقيَّة والأغريقيَّة.  وقد درس سنجور المسيحي الإسلام وقرأ القرآن، كما أنَّه تأثَّر بالشعر العربي القديم ولا سيما أشعار عنترة بن شداد العبسي.  وعلى الرَّغم من اعتناقه للمسيحيَّة عقيدة له، إلاَّ أنَّه كان ينفق على إخواته المسلمات حتى أكملن تعليمهن الجامعي.  وليس هذا بغريب، وإنَّما هو عرف جار في الثقافة الاجتماعيَّة الأفريقيَّة حيث يأخذ الدين دوراً فردياً في علاقة الشخص مع ربه، وكل نفس بما كسبت رهينة، فلا تديين للأسرة، أو المجتمع، أو الدولة، إلاَّ بعد انسياب الهوس اللاهوتي إلى بعض أقطار القارة كما سنبين ذلك لاحقاً في هذه الصفحات.  إنَّ مبادئ التلاقح الانسيابي في المجال الثقافي والديني والعرقي بين الشعوب الأفريقيَّة والعربيَّة، لا بالسيف والسلطان كما يفعل الآخرون، قد استرسل فيها الأديب السوداني جمال محمد أحمد.  ذلكم الأديب الألمعي الذي أفنى ريعان شبابه يعلِّم السودانيين والأمم الناطقة بالعربيَّة عن تراث أفريقيا في تصنيفاته الأدبيَّة والفكريَّة وفي التراجم والبحوث: "مطالعات في الشؤون الأفريقيَّة (1968 م)، "سالي فوحمر" (1970 م)، "في المسرحية الأفريقيَّة" (1971 م)، "وجدان أفريقيا" (1972 م)، "عرب وأفارقة" (1977 م)، "أفريقيا تحت أضواء جديدة"، "ولايات النيل المتحدة"، و"الثقافة الأفريقيَّة المعاصرة".  هذا الرفد العارف والمتعمِّق في الشأنين الأفريقي والعربي قد تم على بصيرة ورؤية، واتكأ على تأريخ ومكوِّن عميق الجذور.
ومثلما أنجبت أفريقيا سنجور أتت، كذلك، بابن آخر يشار إليه بالبنان.  إنَّه فتى نيجيري يقال  له وول سوينكا - وإن كان أهالي نيجيريا ينطقون اسمه "شوينكا".  إنَّ هذا الأديب الحصيف قد لفت انتباه العالم كله بإبداعه في الأدب حتى حاز على جائزة نوبل للآداب لعام 1986 م كأول أديب أفريقي يحصل على هذه الجائزة منذ أن وُجدت، ثمَّ تبعه في الجائزة سنجور.  وسوينكا كاتب دراما ومقال وقصة قصيرة، ثمَّ إنَّه شاعر وروائي وممثل موهوب وموسيقار بارع ومخرج مسرحي عميق الوعي والإدراك والفهم، كما أنَّه سياسي من طراز رفيع.  ولذلك فإنَّ الأكاديميَّة السويديَّة، وهي تعلن عن قرار فوزه بجائزة نوبل، قالت في أسباب هذا الفوز ... إنَّ سوينكا قدَّم عرضاً مؤثراً للوجود والإنسان مع آفاق ثقافيَّة عريضة الاتساع.  وقد قال عنه المناضل الأفريقي، نيلسون مانديلا: " إنَّه شكسبير أفريقيا".
على الرَّغم من هذه الأدلة الدامغة في نبوغ الأفارقة، أخذت العرب أهمية عظمى على أوهام السلالة فافتخروا كثيراً (بطيب عنصرهم) وظنوا الأجانب أدنى منهم فسموهم (علوجاً) وغير ذلك من الأسماء، وأثَّر الدين الإسلامي عندهم كثيراً على أوهام السلالة.  فقد تقاول مرة أبوذر الغفاري وعبد زنجي في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاحتد أبوذر على العبد وقال له: "يا بن السوداء"، فغضب النبي عليه السلام، وقال: "طفَّ الصاع طفَّ الصاع"، أي قد تجاوز الأمر حده "ليس لابن البيضاء على بن السوداء فضل إلاَّ بالتقوى أو بعمل صالح".  فوضع أبوذر خده على الأرض، وقال للأسود: "قم فطأ على خدي".  تُرى من هو ذلك العبد الزنجي؟  إنَّه بلال بن رباح مؤذِّن الرسول صلى الله عليه وسلم.  إنَّ الإسلام الذي يدين له العرب وغيرهم قد آزره وحملوه العبيد في بادئ الأمر. فقد نكل بهم المشركون أي تنكيل وكابدوا وصابروا كل أضراب العذاب. فنجد أنَّه حين سمع الخباب بن الأرت بالرسول صلى الله عليه وسلم، أعلن إسلامه.  وعلى الرغم من أنَّه كان عبداً بلا سند شعبي، لم يخف إسلامه من قريش، فأوسعوه ضرباُ حتى أغمي عليه واستيقظ ليجد جسمه يعاني من جروح، وعظامه تعاني من التواء وتكسير.  قال الشعبي: "صبر الخباب فلم تكن له بين يدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العري بالحجارة المحماة حتى ذهب لحمه من شدة العذاب، ولم يضعف ذلك من إيمانه فكان أكبر من كبرياء قريش في طغيانها حتى اشتد عليه البلاء ومن معه من بلال بن رباح، وصهيب بن سنان، وعمار بن ياسر وآخرين. وقد عُذِّب الأرقاء لسببين: لأنهم عبيد سود، فضلاً عن اعتناقهم الدين الجديد الذين هم له مخلصون والكفار به مشركون. وبما أنَّ المسترقين لم يملكوا من الدنيا من شئ، إلاَّ أنَّ إيمانهم بالعقيدة الجديدة قد تجلب لهم تغييراً اجتماعياً من حرية وكرامة، أو تعدهم بالوعد الحق، لذلك نجدهم قد دخلوا في دين الله أفواجاً.
وكتب الأديب النحرير أبوعثمان الجاحظ رسالة مستفيضة عن "فخر السُّودان على البيضان" فيها سارداً ومعدِّداً مزايا وحرف ومواهب الأقوام ذي الأصول الأفريقيَّة الذين عاشوا في الوطن العربي حول شط العرب ومسقط وعمان وسواحل البحر الأحمر. وتوصَّل إلى حقيقة ذكاء هؤلاء الناس من الصومال وأكسوم وغيرهما، بحيث تؤكِّد ما دوَّنه عنهم الرومان واليونان وكبير النجاشي في أثيوبيا. وقد يقول قائل: كان الجاحظ يتخذ أسلوباً دفاعيَّاً عما كان يجيش في نفسه ويعتمل في صدره من الغضب، لأنَّه كان أسود اللون مما أضفى على عمله الجانب الانتقامي أكثر من المسلك البحثي.  لكن ماذا عساه أن يفعل: رجل عاش في مجتمع تنوشه العنصريَّة البغيضة وتتقاذف به الأهوال والضغينة كأنَّه كبش فداء في مأدبة اللئام.
وقد كتب أحد القراء العرب - معلِّقاً ومبدياً إعجابه عن طريق التهكم والسخرية - عن مقال خطَّه جعفر عباس في إحدى  الدوريات العربيَّة، حيث قال: "إنَّه أُعجب أكثر لأنَّه يحاول (جعفر عباس) أن يختبئ وراء اللون الأسود محاولاً اخفاء أصله السويدي. ولعلَّ تشابه كلمتي سويدي وسوداني هو ما جعله يختار سوداني".  هذا هو جزاء السًّودانيين في الوطن العربي، فكلما أسرفوا في حب العرب من جانب واحد، رُدت إليهم بضاعتهم مزجاة بما في ذلك منتجاتهم الزراعية. وهكذا نجد أنَّ الفول السُّوداني معروف في لبنان وبقية أقطار الشام الأخرى "بفستق العبيد"، في الوقت الذي يدلِّل فيه السُّودانيون الصمغ الذي يُحصد من غابات السافنا في قلب أفريقيا "بالصمغ العربي".  فعلى السودانيين أن يُستشفوا من هذا المرض النفسي ويعتقوا رقابهم من الذيلية العمياء التي رموا فيها أنفسهم ولا يكادون أن ينفكوا منها أو يجدوا منها مخرج صدق.    ولمعرفتنا بالجغرافيا السياسيَّة لمنطقة الشام لم تأخذنا دهشة عندما قرأنا أنَّ وليد جنبلاط، أحد زعماء الطوائف اللبنانيَّة، قد عاب كونداليزا رايس، مستشارة الرئيس الأمريكي - جورج دبليو بوش- في شؤون الأمن القومي، في لونها الأسود، حيث قال عنها: "وكونداليزا بلونها النفطي (أي الأسود)".  أولئك هم أخلاق خلائق أهل الشام في الحاضر والماضي.  فحينما ولاهم معاوية بن أبي سفيان بن حرب بعد الفتنة الكبرى أتى شيئاً مثيلاً لما قاله جنبلاط.  فبينما كان معاوية في الحج سأل عن إمرأة من بني كنانة يقال لها دارميَّة الحجونيَّة، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فبعث إليها فجئ بها، فقال: ما حالك يا ابنة حام؟ فقالت: لست لحامٍ إن عبتني؛ أنا إمرأة من بني كنانة.  وفي موضع آخر سأل إعرابي رجلاً موسراً فلم ينل منه شيئاُ فقال شعراً مبتذلاً ليس به بيان أو إبداع:
والله والله مرتين        لحفر بئر بإبرتين
وكنس مصر بريشتين        وغسل عبدين أسودين
حتى يحولا لأبيضين        وحمل ثورين باليدين
وهناك أشعار عربية كثيرة نكاد لا نحصيها عدداً تجعل من الإنسان الأسود - رقيقاً كان أم حراً - موضع الإهانة والاستفزار، كما يقول شاعر آخر:
العبد يقرع (يلحى) بالعصا        والحر تكفيه الإشارة
وهذا البيت هو أقرب ما يكون إلى المثل العربي القائل: "إنَّ اللبيب من الإشارة يفهم". وترقى فكرة هذا المثل إلى "حسب الحكيم كلمة واحدة"، أو "حسب العاقلين كلمات قليلة"، واستقر هذا المثل على الصيغة المتداولة: "تكفي الحكيم كلمات قليلة".  وبين أيدينا مقال للكاتب السعودي - نزار عبيد مدني - عارضاً فيه الشخصية العربيَّة في الفكر العربي القديم.  ولقد عني الكثير من الأُدباء العرب القدامى منهم والجدد بإبراز صفات فاضلة عن الإنسان العربي في خلقه وطبائعه وتقاليده وسجاياه في الشعر والنثر والخطب والقصص والأمثال، حتى لو كان ذلك متناقضاُ مع ما أقره القرآن الكريم في محكم تنزيله "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً".  ولم نستثن، بلومة لائم ولا ضربة لازب، أولئك الذين اتخذوا العروبة إثنية ثانية لهم، كما يندرج في هذا الإطار رأي بن المقفع الكندي (وأصله من فارس) في العرب في معرض سؤاله عن أعقل الأمم.  فلم يعني بالسؤال الفرس الذي قال فيهم: إنَّهم ملكوا كثيراً من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر، فما استنبتوا شيئاً بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم.  وقال في الروم أصحاب صنعة، وفي الصين أصحاب طرفة، وفي الهند أصحاب فلسفة، وفي السُّودان قال عنهم شر خلق الله.  ومن شعراء الصعاليك من عُرف بسواد لونه، لاختلاط دمه "بالدم الحامي"، وذلك لكون أمهاتهم من الإماء السوداوات المستقدمات من الحبشة أو أفريقيا أو من الهند عن طريق اليمن.  ولقد سمى العرب هؤلاء الشعراء السُّود بأغربة العرب أي غربانها.  فكان من هذه الأغربة عنترة بن شداد، كما كان منهم الصعاليك الثلاثة: ثابت بن الأوس الأزدي الملقب بالشنفري نسبة إلى عظم شفته أو حدة مزاجه، وثابت بن جابر بن سفيان الفهمي الملقب بتأبط شرَّاً، والسُليك بن السُلكة. والشنفري، الذي يُدعى في بعض المصادر بعمرو بن مالك الأزدي، شاعر جاهلي يماني، كان من فتَّاك العرب وعدَّائهم لما تعرض له منهم، وهو أحد الخلعاء الذين تبرَّأت منهم عشائرهم. قتله بنو سلامات نحو 70 ق.ه. (نحو 525 م).  أما عنترة بن شداد العبسي - هذه الشخصية الأسطوريَّة في تأريخ العرب قبل الإسلام - فقد كان لديه مشاكل مع أبيه - أقرب الناس إليه - بسبب لونه الذي تسببت فيه أمه السوداء، أو لكون أمه جارية لا أكثر ولا أقل.  إنَّ هذه الاشكاليات مع أبيه قد زالت عندما أبلى عنترة في إحدى الغارات بلاءً حسناً، مما دلَّ على شجاعته وجعله حرياُ بأن ينال إعتراف أبيه. ويشير المؤرخون إلى أنَّ سبب تفتُّح شاعرية هذا الرجل، أنَّ رجلاً من بني عبس قد سابه وذكر سواده، وأمه، وأخوته، وعيَّره بذلك، فجاوبه عنترة، وفخر عليه بأنَّه يخوض المعارك، ويعف عند المغنم، ويجود بما ملكت يده، ويفصل الخطة الصماء. فقال الرجل: "أنا أشعر منك"، فردَّ عنترة: "ستعلم ذلك"، ثم أنشأ المعلَّقة ... وقد ذكر بعضهم أنَّها أول قصيدة قالها.
وقد بلغ بالعرب مبلغاً من الكراهيَّة والعنصريَّة جعلهم يقتلون ثلاثة من شعراء أولاد العجم ممن كان مشتهراً بالغزل، ومنهم: وضاح اليمن، ويسار الكواعب، وسحيم عبد بني الحسحاس.  ووضاح اليمن هو عبدالرحمن بن إسماعيل (وفي المؤرخين من يسميه عبدالله بن إسماعيل)، من آل خولان، من حمير: شاعر رقيق الغزل، عجيب النسيب، كان جميل الطلعة يتقنَّع في المواسم.  قدم مكة حاجاً في خلافة الوليد بن عبد المطلب، فرأى أم البنين بنت عبدالعزيز بن مروان، زوجة الوليد، فتغزَّل بها فدفنه الوليد حيَّاً في العام 90 ه، ويسار الكواعب قيل عنه إنَّه كان شاعراً دميم الصورة تضحك النساء من رؤيته فيحسبهن يعجبن به ويعشقنه.  ورأته منشم بنت الوجيه وكانت زوجة مولاه، فضحكت، فطمع بها فدخل عليها خباءها فأتته بطيب ومعها موسى فأشمته الطيب وأنحت بالموسى على أنفه فاستوعبته قطعاً فخرج ودمه يسيل فعرف زوجها فقتله.  أما سحيم فهو شاعر رقيق الشعر اشتراه بنو الحسحاس فنشأ فيهم، فقتلوه وأحرقوه لتشبيبه بنسائهم، وذلك نحو 40 ه(660 م).  وإنَّما قُتلوا كلهم أجمعين أبتعين بدعوى الكف عن أولئك النساء، وحفظاُ لهن، حين رأوا التعرض، وشنعة تلك الأشعار، والمقالة القبيحة.  بيد أنَّ الحجاج بن يوسف في عتوه لم يتعرَّض لابن نمير في تشببه بزينب أخته مخافة أن يكون ذلك سبباً للخوض في ذكرها، فيزيد زائد، ويكثر مكثر.  وكذلك معاوية بن أبي سفيان لم يتعرَّض لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وكان يتشبب بابنته.  هؤلاء هم قوم أحلُّوا الغزل لأنفسهم فلم يطب لهم أن يروا ذلك في غيرهم ولا سيما العجم والعبيد حتى لو أدَّى ذلك لتصفيتهم جسديَّاً كما شهدنا. وقرأنا كيف اكتظَّت الساحة الأدبيَّة بشعراء الغزل العذري والعفيف وغيرهما، أمثال قيس بن الملوَّح (المعروف بمجنون ليلى)، وهي ليلى بنت مهدي بن سعد، وكذلك جميل بن معمر العذري (من بني عذرة) - صاحب بثينة - وآخرون.
ومثلما بغض العرب شعر العجم، انحسر دور الموسيقي في نطاقه العربي السلبي، فكان متروكاً "للموالي".  ويحدثنا التأريخ الإسلاموعربي عن أول مغني نبغ في الإسلام وهو "طويس"، أي تصغير طاووس - والتصغير هنا للتحقير - واسمه الكامل عبدالمنعم عيسى بن عبدالله الذائب (637 - 710 م).  وكان "طويس" مولى بني مخزوم في المدينة.  نشأ ببيت أروي أم الخليفة عثمان بن عفان، وسحرته وهو صغير الألحان التي كان يغنيها أسرى الفرس الكادحون في المدينة، فقلَّدهم ولم ينبه ذكره إلاَّ في أواخر خلافة عثمان (644 - 646 م).  وتلهج كتب تأريخ العرب بذكر عبقريَّة "طويس" الغنائيَّة، ولقد قال عنه تلميذه "بن سريح" إنَّ "طويس" أجمل وأحذق مغني عصره.  وهكذا ترفع المواهب الناس للعلا، وإن كانوا غير أهل لذلك بالميلاد.  ومع ذلك كان "طويس" مثل أكثر أوائل المغنيين آنذاك من سقط المجتمع ومنبوذيه لأنَّه مخنث ولا يتمتَّع بمكانة واحترام من الطبقة العليا، وإنَّه صار مضرب المثل عند العرب إذ يقولون "أشأم من طويس"، لأنَّ طويس قال: "ولدت ليلة قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وفطمت ليلة مات أبوبكر (الصديق)، واحتملت ليلة قتل عمر (بن الخطاب) وزففت إلى أهلي ليلة قتل عثمان (بن عفان) وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي (بن أبي طالب)".  هكذا كان مضرب المثل في الشؤم، الذي يلاحق الموالي باستمرار مع تقلُّبات الخلافة (الأمويَّة والعبَّاسيَّة).  أما "طويس" نفسه، فعندما استخلف معاوية الأول (661 - 680 م) صاح مروان بن الحكم بالمخنَّثين وكان آنذاك عاملاً بالمدينة.  فهرب "طويس" إلى السويداء على طريق الشام، وفي هذه المدينة بقي الموسيقار الشيخ حتى وافاه الأجل وهو ممتلئ مرارة لأنَّ شهرته في الغناء لم تعصمه من قضاء مروان عاهل المدينة. وقد انتهج الزنوج الأرقاء في الولايات المتحدة الأمريكية أغاني الحزن الأفريقيَّة والنواح كأداة للتعبير عن الشعور الديني العميق في قلوبهم.  وهكذا تطوَّرت الموسيقى الأفروأمريكية من أنين الزنوج في الكنائس، والحقول كما أخبرنا عن ذلك الموسيقار  الأفروأمريكي الأسود ليونيل ريتشي، والناشط السياسي دو بويس (W E B du Bois).  فالواقع السئ الذي تعيشه الطبقة المضطهدة في المجتمع الطبقي، تفجِّر في ذهنيتها الأفكار الدينيَّة، لتستمد منها السلوى والعزاء.  وعليه فإنَّ الدين لهو التعبير عن البؤس الواقعي، والاحتجاج على هذا البؤس الواقعي معاً، وهو زفرة الكائن المثقل بالألم، وروح عالم لم تبق فيه روح، وفكرعالم لم يبق فيه فكر.
بيد أنَّ أكثر الأشعار هجاءً قد جاء من أبي الطيب المتنبئ فيها يهجو كافوراً.  وكافور الأخشيدي نوبي من شمال السودان، كان والده زياتاً، وكغيره من ضحايا عصره وجد نفسه يُباع ويُشترى في سوق النخاسة بمصر، ولكن بفضل ذكائه وقوة مراسه استطاع كافور أن يستولى على مقاليد السُّلطة في مصر.  وُلد المتنبئ ونشأ في عصر من أدق العصور الإسلاميَّة، حيث واجه المسلمون ثلاث حركات من التمرد: التمرد البابكي الذي قاده بابك الحزمي، وتمرد الزنج بقيادة علي بن محمد الزنجي في البصرة، ثم جاء في النهاية التمرد القرمطي.  وكان يرى المتنبئ أنَّ الأعاجم جبناء لكنَّهم يمثِّلون عنصراً متفوقاً، فدفعته كراهيته للمد الشعوبي إلى مهاجمة الأعاجم في شعره.  غير أنَّ عصيان الزنج كان له مبرراته بعد أن جمع العرب الأرقاء وحشروهم في بيئة تتلقَّفهم متاهات موحشة، لا ملجأ لهم فيها ولا عاصم لهم منها، حتى بدأوا يتربَّصون بأسيادهم الدوائر، إلى أن لاحت لهم بارقة الأمل في ثورة علي بن محمد بن عبدالرحيم من عبدالقيس، تلكم الحركة المعروفة بثورة الزنج في تأريخ الطبري.  فعندما حشد على بن محمد جنوده من الأرقاء الزنوج، قال لأسيادهم في إحدى المواقع: إنني كنت قد عزمت على قطع رقابكم جزاءاً نكالاً لمعاملتكم لهؤلاء المسترقين بالغطرسة والعجرفة، فلقد تحدَّث إلي عنكم زملائي، والآن قررت أن أطلق سراحكم.  فرد السادة الوجلون، الذين هم على وشك الموت، إنَّ هؤلاء العبيد لأُباق مسرفون، وسوف يؤبقون حين تلوح لهم أول فرصة سانحة، وإنَّك وهم إذاً لخاسرون.  لم يأبه علي بما قالوا، بل أجبرهم على الحلف بالطلاق ألاَّ يبوح أي منهم بموضعه وجنده وتعدادهم، ومن ثَمَّ أطلق سراحهم.  ومهما يكن من الأمر، فقد وعد علي أتباعه وأشياعه من الموالي، والعبيد، والغلمان، والخوال السودان بالمال والمنازل والجاه والسلطان وتحسين أحوالهم المعيشيَّة من حياة ضنكة إلى أخرى رغدة.  ورأينا كيف جاءت سهام البيضان على السُّودان من معية عبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي (المعروف بابن خلدون)، فقال: "قد رأينا من خلق السُّودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب، فتجدهم مولعين بالرقص على كل توقيع، موصوفين بالحمق في كل قطر، والسبب الصحيح في ذلك أنَّه تقرر في موضعه من الحكمة أنَّ طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه".  وأضاف بن خلدون أنَّ المسعودي قد تعرَّض "للبحث عن السبب في خفة السُّودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم، وحاول تعليله فلم يأت بشئ أكثر من أنَّه نقل عن جالينوس ويعقوب بن اسحاق الكندي أنَّ ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم، وهذا كلام لا محصَّل له ولا برهان فيه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".  ويمضي ابن خلدون في مقدمته متحدِّثاً عن نيل السُّودان (غرب أفريقيا) الآتي من مبدئه عند جبل القمر ويذهب إلى البحر المحيط في مملكة مالي من أمم السُّودان.  وذكر بن خلدون أنَّه "في جنوبي هذا النيل قوم من السُّودان يقال لهم لملم، وهم كفاَّر ويكتوون في وجوههم وأصداغهم (...) وكلهم عامة رقيقهم، وليس وراءهم في الجنوب عمران يعتبر إلاَّ أناسي أقرب إلى الحيوان العُجم من الناطق، يسكنون الفيافي والكهوف، ويأكلون العشب والحبوب غير مهيأة، وربما يأكل بعضهم بعضاً، وليسوا من عداد البشر".  وأيم الله أي إساءة أفظع وأشنع من هذه!  ولا يحسب المر أنَّ شعوب السُّودان الشرقي كانوا أحسن وصفاً من أترابهم في غرب أفريقيا من شئ.  وإنَّ من الأمم لمختلفين في ألسنتهم، وإنَّ منهم لمتشعِّبين في عاداتهم وتقاليدهم ثم إنَّهم بغير الإسلام يدينون.  ولم يكن هذا الاختلاف أو ذاك التباين أو ذلكم الاعتقاد أمراً يدعو لأساءة الآخرين بما يلتهجون، أو حسبما يتصرَّفون، أو عما يعتقدون.  فذلك شأنهم وهذا نهجهم انتهجوه في هذه الحياة الدنيا، فلست عليهم بمسيطر.
ولكيما يظن غيرنا، وإنَّ بعض الظن إثمٌ، إننا صببنا جام غضبنا على العرب دون الغرب فنذكِّرهم أنَّنا جادلنا في أمر الغرب ونظرتهم تجاه الأفارقة في دوريات عربيَّة أخرى.  وقد تصدى لهجوم الغرب أدباء أفارقة آخرون بالتَّفنيد لأباطيلهم بالخطابة والكتابة.  فكان تشينو أتشيبي - الروائي النيجيري الذائع الصيت والأب االرُّوحي للأدب الأفريقي الحديث - محقاً في نقده اللاذع لجوزيف كونراد في روايته عن أفريقيا - قلب الظلام (Heart of Darkness) - حين نعته بأنَّه عنصري بعد ذلك زنيم. وقد أبان أتشيبي بأن الهدف السامي للأدب أكثر من أن يكون محتوياً على جملة رصينة، وذلك مما يجعل الأمر مأساويَّاً. وإذا كان الأدب، سواءٌ علينا أنثراً كان أم شعراً، يهدف إلى الإساءة إلى الناس، فهذا يحط من قدر الأدب نفسه.  إنَّ الرصد الدقيق لما يعتمل في وجدان الأدباء من انفعالات وأحاسيس ذاتية تترجم معاني الضمير الجماعي لدي الأمم التي يعيشون فيها وإليها ينتسبون.
إنَّ ما ذهبنا إليه، إذاً، يلخِّص باختصار غير مخل بالقصد المخيلة العربيَّة في الأقوال والأفعال تجاه شعوب أفريقيا.  فقد أدركنا لماذا أقبل العرب بقضهم وقضيضهم على أفريقيا من الشرق والشمال، حيث نزلت سفنهم سواحل أفريقيا الشرقيَّة، وزحفت جحافل جيوشهم من الشمال إلى الجنوب على نهر النيل لاسترقاق أهل أفريقيا، فسبَّوا نساءهم، واختطفوا أطفالهم، وقتلوا رجالهم، وهلكوا الزرع والضرع، وحرقوا الديار، وخلفوا وراءهم الدمار، وشرَّدوا القرويين وساموهم سوء العذاب بغير حق.  فلم تنحسر هذه الحملات الغاشمة بعد ظهور الإسلام، بل أخذت طابعاً جهادياً يقتلون الذين لم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم.  وحين نشأت طبقة من العبيد المجلوبين من أفريقيا في شبه الجزيرة العربيَّة تعرَّضوا لأبشع صنوف الأذي الجسدي من خصيان، وقتل، وعنصرية دنيئة؛ فمنهم من نُعتوا باسماء مهينة، ومنهم من أصبحوا في عداد الخلعاء - أي تبرَّأت قبائلهم عن أفعالهم وأقوالهم فلا تُثار لهم إن هم قُتلوا، ولا تتعرَّض قبائلهم إلى أي هجوم إن هم أتوا شيئاً إدَّاً، فكان وضعهم كمثل المنبوذين في الهند أو أدنى منهم وضعاً.  هذه هي محصلة الثقافة العربيَّة، التي ما فتأ إخوة لنا في السُّودان يجادلون دوماً عنها، ويكدون كدحاً للانتساب إليها، وإن أنكرهم العرب القح ولفظوهم.

وللحديث بقيَّة


د. عمر مصطفى شركيان
رئيس تضامن أبناء النُّوبة بالخارج