التَّجربة الديمقراطيَّة الثَّالثة (1986-1989م): دروس وعبر
د. عمر مصطفى شركيان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>
بعد زوال نظام المشير جعفر محمد نميري في نيسان (أبريل) 1985م أمسى الواقع السياسي في السُّودان في أمر مريج.  فقد ترك الكابوس، الذي بلى وانجلى في خاتمة المطاف، مسالباً كثيرة في جميع مناحي الحياة العامة في البلاد. وهكذا تنادى الشَّعب السُّوداني وتصايح الجماهير بكنس "آثار مايو" - أحد شعارات الانتفاضة "الأبريليَّة" - وكانوا في ذلك النداء وكذلك التصايح يعنون، فيما يعنون، قوانين الشريعة "النميريَّة".  تلكم القوانين التي استهجنها العالم وقال لها السُّودانيون أُفٍ، إلاَّ الذين أسرفوا على أنفسهم وكانوا لها ناصرين.  وقد نعتها السيد الصادق المهدي بأنَّها لا تساوي الحبر الذي كُتِب بها، ومن ثَمَّ دفع ثمن الاستهزاء، بحزمة هذه القوانين المشوهَّة البغيضة، سجناً مع آخرين.  إذ سنرى ماذا فعل الصَّادق  بهذه القوانين بعدما قال فيها ما قاله مالك في الخمر.
كذلك خلف رحيل النظام "المايوي" اقتصاداً منهاراً، فقد تدهور الاقتصاد السُّوداني نتيجة الفساد الذي توغَّل في مؤسسات الدَّولة، والحرب الأهليَّة التي تفجَّرت في جنوب الوادي، والفاقة التي ضربت أرجاء البلاد حتى بدأ السُّودانيون المسغِبون سيرهم نحو العاصمة القوميَّة ليتم توطينهم في معسكرات النازحين في ضواحي مدينة أم درمان.  بيد أنَّ من قرأ عن المصالحة الوطنيَّة بين نظام مايو والجبهة الوطنيَّة المعارضة، التي مثَّلها الصَّادق المهدي في لقاء بورتسودان العام 1977م، سوف لا يخالطه أدنى ريب أنَّ الصَّادق المهدي - بعد المحاضرات التي لقَّنها لنميري عن الاقتصاد - قد يفشل هو الآخر في إنزال هذه النظريات الاقتصاديَّة إلى أرض الواقع تنزيلاً.  ففيم تركَّزت النظريات "المهدويَّة" في الاقتصاد؟ وما هي الحلول التي طرحها صاحب هذه النظريات - أي الصَّادق المهدي؟  تحدَّث الصَّادق المهدي عن العجز في ميزان المدفوعات وأسهب في الحديث ولا يكاد يبين أمراً، كما أنَّه تكلَّم عن "تنشيط دبلوماسيَّة الشَّعب عن طريق العلاقات بين الهيئات الثقافيَّة والشَّعبيَّة والأدبيَّة والفنيَّة بين البلدان"، ورأى الصَّادق أن التدهور الاقتصادي في السُّودان يمر عبر ثلاث مراحل هي مرحلة إيقاف التدهور، ومرحلة تحقيق التوازن، ومرحلة الانطلاق بلا عوائق في برامج التنمية، وسمى هذه التنمية بالتنمية المتواثبة العادلة إقليمياً وفئويَّاً (إشتراكية المؤمنين).(22)  وبما أنَّنا لم نسمع بالتنمية المتواثبة أو غير المتواثبة - فضلاً عن أنَّها عادلة إقليمياً وفئويَّاً - رأينا أنَّ في هذه المزاعم "المهدويَّة" من طلاسم كثير، وفي حوجة إلى فك رموزها حتى يسهل على الشخص العادي الفهم قبل الحكم.  فهل ما كان يصبو إليه الصَّادق المهدي اقتصاداً إسلاميَّاً أم إشتراكيَّاً أم كان بين ذلك قواماً؟  فقد ذكر الدكتور حسن مكي محمد أحمد - أحد عرَّاب النظام الإسلاموي الذي أطاح بحكومة الصَّادق المهدي في حزيران (يونيو) 1989م - "أنَّ أكبر منغصات التمدُّن الإسلامي تكمن في الفشل في تنمية الدين".  واستطرد الدكتور مكي قائلاً: "إنَّ تخلُّف الثقافة الدينيَّة عن الإحاطة بقضايا العصر يُنغِص على السلم بهجته بالحياة واستقباله لها، ولا سيما في المسألة الاقتصاديَّة حيث تقبل القروض الربوية للدولة وتحرم في المعاملات الفردية ولكن من الناحية العمليَّة نجد أنَّ المعاملات المصرفيَّة المعتمدة تكون تكلفتها أكبر على الأفراد والفقراء من الصيغ المصرفية الربوية المعروفة! إذاً، أين الخلل؟ في عدم كفاءة نظامنا المصرفي أم في الارتجال والتخبُّط أم اعتماد قراءات خاطئة لمفهوم الربا؟ - علماً بأنَّه لا توجد دراسات وبحوث إسلاميَّة مهتمة ولا يوجد كرسي للاقتصاد الإسلامي يستحق أن يسمى اقتصاداً إسلاميَّاً في أية جامعة سودانيَّة أو عالميَّة فكيف يمكن أن ينمو فكر اقتصادي إسلامي دون بحث أو دراسة؟  ولعلَّ آخر ما في جدول أعمال المصارف الإسلاميَّة دعم حركة البحث العلمي في هذه المجالات - فموظو المصارف في حيرة من أمرهم! هل هم في خدمة اقتصاد إسلامي أم مجرد كُتَّاب ربا؟"(23)  إذا كان هذا هو رأي أحد العارفين بمسائل الدِّين والدولة فيما تسمى بالاقتصاد الإسلامي فماذا عسانا نحن فاعلين غير الصمت، وقديماً قالوا لا يُفتى ومالك في المدينة.
وثالثة الأثافي، التي أمست من تركة النظام "المايوي" المباد، هي الحرب الأهليَّة في جنوب السُّودان وما لبثت حيناً من الدهر حتى بدأت تنتشر في بقية أجزاء القطر انتشار النهار في الهشيم.  فقد تعامل الصَّادق مع الحرب الأهليَّة في السُّودان منطلقاً من عدة جوانب: فنجد أنَّ الصَّادق قد نظر إلى المشكل السُّوداني نظرة عنصريَّة كغيره من قادة الشمال، وتتجلى هذه النظرة في رد الصَّادق على أحد أعضاء حكومته من حزب المؤتمر الأفريقي السُّوداني (Sudan African Congress -SAC) حين سأل الأخير السيد الصَّادق المهدي - رئيس الوزراء - عن هل لدي حكومته نوايا صادقة في اتخاذ خطوات عمليَّة لإحلال السَّلام في ربوع السُّودان؟  فماذا كان رد رئيس الوزراء - السيد الصَّادق المهدي - للوزير السائل؟  رد الصَّادق أنَّ الأمر متعلق بقرنق إذا لم يوقف الحرب فإنَّ أهله (الجنوبيين) هم الذين يموتون من استمرارها.  فقد أزعج هذا الرد غير الحصيف، الذي لا ينبغي أن يصدر من قائد يُفترَض أن يكون حاكماً لعموم أهل السُّودان لا يفرق بينهم، الوزير السائل وغضب غضبة كبرى أدَّت إلى تقديم استقالته من حكومة الصَّادق في شباط (فبراير) العام 1987م.(24)  وعلى صعيد آخر، لم يعتمد الصَّادق على أية أسس علميَّة في تفسير المشكل السُّوداني، بل ابتنى على ما نسميه التفسير الموروث (التراث الموجود)، أي تفسير القدامى القائل بأنَّ للمشكل جذور ضاربة في العهد الاستعماري الأجنبي دون أن ينظروا إلى التقادم الزمني والمياه الكثيرة التي جرت تحت الجسر (Much water has flowed under the bridge). هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ تعاطي مسألة الاقتتال السُّوداني-السُّوداني على الجدل الأيديولوجي وليس على الفكر النقدي قد أضر بالمشكل أي الضرر، كالقول مثلاً إنَّ هذا الفريق يستحق العقاب ونحن فيما نفعل ندافع عن حقوقنا، وكأنَّ هؤلاء الأغيار ليسوا بمواطنين سودانيين وليست لهم حقوق مهدورة يدافعون عنها.  لذلك نجد أنَّ سبب الفشل في معالجة النزاع السُّوداني نابع من تعامل الحكام "الخرطوميين" معه على أساس أنَّه ارتباك للنظام القائم الذي ينبغي حمايته بحد السيف دون مراعاة أنَّ الأطراف المتشاجرة لا تشارك بعضها بعضاً القيم الأساسيَّة التي تنبني عليها شرعيَّة النظام السياسي والاجتماعي المزعومة.  إنَّ مفهوم النزاع - على المستويين النظري والابتدائي - قد أربك علماء الإجتماع والأجناس ردحاً من الزمان.  فقد تحدَّث قلوكمان عن دور النزاع في المجتمعات البدائيَّة، كما أخرج داهريندورف للناس بحثاً عن النزاع الطبقي في المجتمعات الصناعيَّة وهو يراجع عمل ماركس الذي أوجد علاقة بين مفهوم الطبقة والنزاع. وفي السُّودان امتثل هذا النزاع بين الصفوة المتحكِّمة والرعية المقهورة، حتى استوبل الدهماء من السُّودانيين واستوخموا، فكان وبالاً وخيماً على حياتهم العامة، وفي ذلك تستوي العهود العسكرية والدِّمقراطيَّة.
كانت الدِّيمقراطيَّة الثالثة في السَّودان أملاً عظيماً؛ كيف لم تكن وقد جاءت بعد حكم دكتاتوري بغيض، وكان الظن بالناس أن يأتي الساسة بممارسات رشيدة ومنهج سليم لكيما لا يطل العسكر علينا بدكتاتوريَّة عسكريَّة مرة أخرى.  ولسد الثغرة التي تقود إلى الإنقلابات العسكريَّة - كما ظنوا وزعموا - اجتمع نفر منهم (18 مندوباً يمثِّلون أحزاباً سياسيَّة وتجمع نقابي وقوات مسلَّحة) في يوم 17 تشرين الثَّاني (نوفمبر) 1985م ووقَّعوا على وثيقة من تسع نقاط سموها "ميثاق الدِّفاع عن الدِّيمقراطيَّة" (ملحق).  بادئ ذي بدء، نستطيع أن نقول إنَّ حراسة الدِّيمقراطيَّة والتعددية الحزبيَّة لا تأتي عن طريق - ولا تدوم بواسطة - التوقيع على مواثيق وعهود، بل من خلال الإيمان القاطع بهذ المواثيق والعهود والتفاني في سبيلها.  لذلك - ولأسباب أخرى - إنَّا لنظن أنَّ الذين صاغوا ووقَّعوا على هذه الوثيقة لمخبولون أو ليس فيهم رجل رشيد.  فلم يسألوا أنفسهم ولم يكلِّفوا أدمغتهم عناء التفكير والتدبير في آليات عملية (Practical mechanisms) لإيقاف الاعتداء على الدِّيمقراطيَّة لحظة وقوعه، بل اكتفوا بإطلاق ما يسمى الإضراب السياسي والعصيان المدني، ولا نرى فرقاً بينهما، وكلاهما سلاح بلا ذخيرة حربيَّة وسيف من عُشَر ونمر من ورق إذ لا يمكن أن يكون مفعوله أجدى من كثير السِّلاح وأفتك من وفير العتاد في غياب العوامل الأخرى.  إذاً، ما هي العوامل المساعدة الأخرى؟  ليس بالضرورة أن نجاح العصيان المدني في تشرين الأول (أكتوبر) 1964م وآذار/نيسان (مارس/أبريل) 1985م  كفيل بأداء نفس الغرض لحظة الإعتداء على الديمقراطية منذ الوهلة الأولى.  ففي الحالتين المذكورتين تضافرت عوامل عدة أدَّت - في نهاية المطاف - إلى التغيير المنشود وهي: استفحال الفساد السياسي، واشتداد ويلات الحرب الأهليَّة، وانتهاكات حقوق الإنسان، والضغوط الخارجيَّة (سياسية واقتصاديَّة ودبلوماسيَّة)، والحجر المحجور على الحريات العامة من تكميم الأفواه وانعدام حريَّة التعبير والتجمع وغيرها، وأخيراً التفاف الجيش إلى نداء الجماهير ومطالب الأحزاب السياسيَّة والنقابات المهنيَّة من أجل التغيير الذي أمسى واجباً وطنيَّاً.
مهما يكن من أمر الوثيقة والموقِّعين عليها، فلم يستفد هؤلاء الساسة الموقِّعون من تجارب تأريخهم المعاصر أو تجارب الأمم التي حولهم.  فقد وقَّع قادة الأنيانيا في آذار (مارس) 1972م على اتفاق أديس أبابا للسَّلام مع حكومة جعفر نميري ولم يضعوا في نصب أعينهم ماذا هم فاعلون إن أخرق نميري - أو أي من قادة الشمال في الحزب الحاكم أو المتحكِّم - هذا الاتفاق المبرم الذي أنهى حرباً سودانيَّة-سودانيَّة استمرَّت حيناً من الدَّهر؟  كما أنَّ الأريتريين وقعوا في نفس الإثم المبين إذ مُنِحوا الترتيبات الفيديرالية لتكون أساس الحكم في إقليمهم ولم يسألوا أنفسهم كيف يمكنهم أن يحموا هذه الترتيبات إذا انتكس الإمبراطور هيلاسلاسي أو خليفته ونقض العهد أو الميثاق؟  ففي كلتا الحالتين - حالة الجنوبيين السُّودانيين والإريتريين في أثيوبيا - لم تكن لهما قوة عسكريَّة لحماية مكتسباتهما، ورأينا أنَّ الاكتفاء بشهادة شهود عيان من دول أجنبيَّة أو منظمات دوليَّة، التي قد لا تأتي لإحقاق الحق وتبطيل نقض المواثيق والعهود، لا يغني من الأمر شيئاً.  وهذا ما جرى في السُّودان حيث عاد أهل الجنوب وحملوا السلاح ودخلوا الأحراش في العام 1983م، واشتعلت الحرب الأهليَّة في أريتريا، بعد أن ضم الإمبراطور هيلاسلاسي إقليم أريتريا في العام 1962م إلى أثيوبيا العظمى، واستمرت الحرب الأهليَّة الأثيوبيَّة لمدة 30 عاماً حتى استقلال أريتريا في العام 1993م.  فحين قال الرَّئيس المصري الرَّاحل جمال عبدالناصر ما أُخِذ بالقوة لا يُسترَد إلاَّ بالقوة لم يكن في القول شططاً ولا تزيُّداً؛ ولم يكن مبالغاً أو متكلِّفاً إذ أضاف في القول إنَّ الحق الذي لا تسنده قوة حقٌ ضائع؛ إنَّما هو الحقيقة بعينها. وعوداً إلى الوثيقة - وثيقة الدفاع عن الدِّيمقراطيَّة - فنجدها قد افتقرت من القوة الإلزاميَّة، لذلك كذلك لم توقع عليها قوى سياسيَّة أخرى كالجبهة القوميَّة الإسلاميَّة والحزب القومي السُّوداني وغيرهما.  وقد تنبَّهت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة باكراً، وزادت من قناعتها في عدم جدوى النظام الدِّيمقراطي باعتباره لا يناسب طموحاتها وتطلعاتها المؤامراتيَّة، وبدأت تفكر عملياً ومليَّاً فيما أضمرته زمناً، وعمدت إلى استراتيجيَّة عمليَّة متمثلة في احتواء وإغواء المؤسسة العسكريةَّ والخدمة المدنيَّة بالمال والأعمال، وتفريغ الوثيقة من شحنتها الكهربائيَّة وكسر أنيابها.  فزرعت الجبهة خلايا لها في المؤسسة العسكريَّة(25) والقوات النظاميَّة الأخرى، وتوغَّلت في النقابات حتى بسطت سيطرتها عليها، وحشرت رجالها في القضاء والجامعات وجميع مسالك الحياة العامة في البلاد، وباتوا ينتظرون ساعة الصفر للإنقضاض على الدِّيمقراطيَّة.
ومما تجدر الإشارة إليه أنَّ كتابتنا لتجربة الديمقراطية الثالثة في السودان ليست من باب تبخيس الناس أشياءهم بقدر ما هي محاولة منا لتقييم مسالبها ومن ثَمَّ الانكباب على تقويتها وتلافي منابت الخطل والزلل فيها عند استعادة الحياة البرلمانية، هذا إذا كنا نبغي لهذه الحياة البرلمانية الديمومة في السُّودان.  على أية حال، فبعد أن تهاوى نظام المشير جعفر نميري وانتخاب السيد الصادق المهدي في انتخابات شبه عامة في العام 1986م(26) استبشر السودانيون خيراً بان سليل المهدى جدير بأن ينهض بالبلاد إلى ما يصبو إليه العباد.  كان أمل القوم في الصادق (أمل الأمة) عظيماً، وخاصة في شعارات الصحوة الإسلاميَّة التي رفعها في الحملة الانتخابية.  لكن ماذا حدث؟ وما هي الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها حكومته؟  كان الهدف من تبني الصَّادق هذا الشعار الرنَّان هو الكسب الدعائي الذي لا يعكس فلسفة وأسلوب عمل يسعى إلى الاستجابة للتحديات الداخلية والخارجيَّة التي كان السُّودان يواجهها يومئذٍ، كما أنَّه كان يفتقر رؤية متكاملة للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.  لذلك فشل الصَّادق وحزبه - حزب الأمة القومي الجديد من دون جديد جدي - في أن يبتني من القيم الأخرى التي نرى أنها دافعة لعملية التنمية مثل المواطنة كأساس للمساواة التَّامة في الحقوق والواجبات، وتحديد الهوية السُّودانيَّة، وضمان احترام حقوق الإنسان، وتعزيز مسيرة الديمقراطية ومستقبل التعددية الحزبيَّة في السُّودان من خلال تفعيل الحريات العامة وتأكيد مبادئ الشفافيَّة والمساءلة في العمل العام، وتعزيز دور المجتمع المدني كشريك في التنمية، وتطوير الإصلاح السياسي.  بيد أنَّ ما يتأسَّى له الفؤاد ويعتصر ألماً هو الافراط المتعمد والرغبة الجانحة لهتك الأعراض وإهدار حقوق الإنسان تحت دعاوي الحفاظ على الوحدة الوطنيَّة وبسط الأمن.
إنَّ أصل مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام يختلف عن المفهوم الغربي؛ فمرجعيَّة حقوق الإنسان في الإسلام هي الألوهيَّة (Divinity)، ولذلك نجد المسلمين يؤمنون أنَّ الإنسان خُلِق هلوعاً بواسطة قوة إلهيَّة واقعة وراء نطاق الخبرة البشريَّة (ولكن ليس وراء نطاق المعرفة)، كما يشاركهم في هذا الفهم أهل الكتاب من النصاري واليهود.  وقد امتاز هذا الإله الفائق أنَّه لا يفضِّل بين إنسان على آخر إلا بالتقوى والسلوك القويم.  فالحقوق في الإسلام، إذاً، صاحبها في الدنيا معروف وهو الإله الكائن فوق الوجود المادي ثم المجتمع وأخيراً الفرد.  وأكَّد الفقهاء أنَّ غاية الشريعة الإسلاميَّة أن تحفظ على الناس خمسة أمور سُمِّيت بالضرورات الخمس، وهي حفظ العقل والنفس والنسل والدين والمال.  كما قرَّروا أنَّ صلاح أمر الدين موقوف ومترتب على صلاح أمر الدنيا، وقال الإمام الغزالي: "إنَّ نظام الدين لا يحصل إلاَّ بنظام الدنيا، فنظام الدين بالمعرفة والعبادة لا يتوصَّل إليهما إلاَّ بصحة البدن وبقية الحياة وسلامة تلك الحاجات من الكسوة والمسكن والأقوات والأمن فلا ينتظم الدين إلاَّ بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضروريَّة".(27)  فعلى الرغم من كثرة التأليفات الإسلاميَّة في ضمان حرية الفكر والإعتقاد وحرية الضمير والعدل والقسط والقسطاس وحفظ وتوفير أسباب الحياة للإنسان والكرامة والتكريم والخلق والخلائق وعن المساواة في الخلقة، إلاَّ أنَّ الإسلاميين في عصور الدولة الإسلاميَّة المختلفة فرضوا التَّعذيب لأغراض سياسيَّة.  فقد أظهر زياد بن أبيه - والي الكوفة والبصرة (اللتين يتألَّف منهما إقليم العراق آنذاك) من قبل معاوية بن أبي سفيان بن حرب - مواهب إرهابيَّة نادرة في صدر الإسلام، مستفيداً من عقدة النسب حيث يُحكى أنه ابن غير شرعي، وصار قدوة لمن بعده من الولاة والحكام المسلمين.  استمرت التَّعذيب لأجل الإرهاب بعد استراحة قصيرة في خلافة عمر بن عبدالعزيز، لتأخذ مدى جديداً على يد هشام بن عبدالملك في الشام وولاته على الأقاليم. وطبق هشام بنفسه طريقة القتل بقطع الأيدي والأرجل في بعض الحالات المشددة ومنها إعدام غيلان بن مسلم بتهمة القول بالقدر.  وبنفس التهم أعدم خالد القسري عامله على العراق، الجعد بن درهم، وقد نُفِّذ الإعدام ذبحاً.  وكان لغيلان نفسه موقف سياسي ضمن المعارضة الإسلاميَّة للحكم الأموي، وقد انضم إلى عكر بن عبدالعزيز فعيَّنه لبيع الأموال المصادرة من الأمويين.  وكان غيلان ينادي عليها متشفياًً: تعالوا إلى متاع الظَلَمة! تعالوا إلى متاع الخونة! واختفى بعد وفاة عمر إلى أن قُبِض عليه في خلافة هشام واُعدِم.  ولدينا رواية في الطبري تفيد أنَّ الإحراق استخدم في خلافة هشام لإعدام داعية من غلاة الشيعة هو المغيرة بن سعيد العجلي، مع العلم بكثرة الأحاديث التي تقول إنَّ الله وحده لا شريك له هو الذي يخول له التعذيب بالنار.  واستمرَّ التعذيب لأغراض أخرى في الدولة العباسيَّة، وانتشرت المثلة في العراق والأندلس أيام ملوك الطوائف، ومن المبرزين فيها المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية الذي أقام في قصره حديقة لزرع الرؤوس المقطوعة، وكان المعتمد شاعراً.(28)  هذا قبس من فيض تأريخ الإسلام المعاصر، وتفيض كتب التأريخ الإسلامي بالعجيب الغريب. فهل هذا ما يدعونا إليه الإسلامويون في السُّودان بالأمس واليوم؟
وعلى صعيد آخر، فإنَّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صُدِر في كانون الأول (ديسمبر) 1948م، وهو كسائر قرارات المنظمة الدوليَّة ليس له قوة إلزاميَّة، ولهذا تُنتهَك حقوق الإنسان بل يُغتال هذا الإنسان - ما أضعفه - في كثير من الدول، على الرغم من الإلزام الأخلاقي على كل الدول الموقعة عليه مما ينبغي العمل به والانصياع له.  بيد أنَّ زعماء الدول الإسلاميَّة غالباً ما يرفضون الإذعان له بحجة أنَّه أداة للاستعمار الثقافي بواسطة الدول الغربيَّة.  على أية حال، لا يمكننا إغفال إسهام حركة حقوق الإنسان العالمية في الارتقاء بكرامة الإنسان وقيمة الحضارة الإنسانيَّة، وذلك في المجالات الآتية:
لقد وهب هذا التقليد الفرد حقوقاً أساسيَّة مثل حريَّة التعبير، والتجمع، وحق المحاكمة العادلة.
لقد استقوى موقف المواطنين العاديين ضد تجاوزات السلطة.
زاد مساحة ومشاركة الفرد في اتخاذ القرارات العامة.
أجبر الدولة، والسلطة بصفة عامة، أن تكون عرضة للمساءلة القانونيَّة.
مخطىء من ظن أن الديمقراطية في السودان بيضاء من غير سوء. فعلى الرغم من إطلاق الحريات العامة المتمثلة في حق التعبير والنشر والتجمع والإضراب، إلا أن حكومة الصادق المهدى الديمقراطية أمرت بمضايقة واعتقال الذين شاركوا في في ورشة عمل أمبو (4-7 شباط (فبراير) 1989م) بإثيوبيا عقب عودتهم.  فقد تعرَّضوا للتفتيش في مطار الخرطوم، واعتقلتهم السلطات الحكوميَّة بأمر من وزير الداخلية، السيد مبارك الفاضل المهدي، الذي هرول إلى الجمعيَّة التأسيسية بأمر مستعجل - هكذا زعم - لمناقشة أمر هؤلاء الذين شاركوا في في ورشة عمل أكاديمي مع "المتمرِّدين".(29)  وعند اشتداد النقاش رد أحد النواب الجنوبيين - مجادلاً بالحق - أنَّه شخصيَّاً لا يعرف الدكتور قرنق، وإذا كان اللقاء به جريمة يعاقب عليها القانون فإنَّ السيد الصَّادق المهدي، رئيس الوزراء، أول من يطاله هذا القانون لأنَّه إلتقى بقرنق في أديس أبابا لمدة تسع ساعات بدون استراحة أو إحراز تقدم (Without a break or a breakthrough).
أما في مناطق النزاع المسلَّح - أو التماس - فقد اقترفت حكومة الصَّادق المهدي جرائماً تعادل في مقدارها وبشاعتها ما اعتادت أن تمارسه الحكومات العسكرية في السُّودان، خاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بسياسة الحريات في الجنوب وجبال النوبة. وعلى سبيل المثال - لا الحصر - نجد أن صحيفة بريطانيَّة(30) قد نشرت أنباءاً عن اغتصاب إناث من قبيلة الدينكا في بحر الغزال، ونهب ممتلكات بعض مواطنيهم، وتعرضهم لأفظع أنواع التعذيب، والقتل الجماعي للمدنيين، كإستراتيجية سياسيَّة تستخدمها الحكومة ضد الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشعبى لتحرير السُّودان. وقد امتدت آثار التدمير إلى النُّوبة في جنوب كردفان ومناطق الفونج في جنوب النيل الأزرق وبعض القبائل الأفريقية في دارفور.  كما أوردت مجلة تعني بشؤون أفريقيا أن اللواء أبو قرون، القائد العسكري لمنطقة بحرالغزال آنذاك، قد أجبر أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 6-10 أعوام على قتل ذويهم طعناً بالحراب، وجلس ينظر بإعجاب إلى ماهم بأهليهم يفعلون.(31)  وفى قرينتي في مدينة واو أمر نفس القائد بوضع 62 مواطناً فى مخزن فارغ، وقتلوا بغاز أول أكسيد الكربون من عربة مدرعة بعد توصيلها بأنبوب الى هذه الحجرة. فماذا فعلت حكومة السيد الصادق المهدى بهؤلاء الجناة فى حق أولئك الضحايا؟ لم نسمع بتكوين لجنة للتحقيق في هذه التجاوزات اللانسانية كأضعف الايمان، حتى يشعر سكان الريف السُّوداني بأن السلطة فى الخرطوم التى ما فتئت تذكر الناس بأنها "حكومة وحدة وطنية" صادقة في مسعاها.  إنَّ هؤلاء الذين لا يميِّزون بين النزعة الإنسانيَّة والوحشة الحيوانيَّة (Human reason and animal savagery) هم أولئك الذين ينتمون إلى الفئات التي قال عنها الدكتور فرانسيس دينج في محاضرة له بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم إنَّ أكثر القبائل شراسة في حربها ضد الجنوب هي التي تمازجت مع الجنوبيين في مناطق التماس كمحاولة للتبرؤ من الدماء الأفريقيَّة لأنَّهم يعانون عقدة التأريخ والجغرافيا.  كان هذا ما شهدناه في "مذبحة الضعين والرق في السُّودان" في آذار (مارس) 1987م،(32) حيث صاحبت عمليات الاسترقاق أحداث الضعيين الأليمة، وكتب عنها الأساتذة الأجلاء عشاري محمود وسليمان بلدو.  بالطبع والطبيعة، لم يعجب هذا التقرير أهل السلطة في البلاد، فبدلاً من تعقُّب الجناة والقسط فى الميزان، تم اعتقال الدكتور عشاري محمود، والتحقيق معه، لأنَّه - كما صرَّح السيد الصَّادق المهدي لوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئيَّة - أساء إلى الدولة. أيهما أكبر إساءة وساء سبيلاً: استعباد الإنسان لأخيه لأنَّه ليس من بني جلدته، أم الكشف عن هذا الاستعباد والمطالبة بإحقاق الحق وبسط العدل؟ ما لهم كيف يحكمون!  ولعل أعظم وصمة عار لحقت بحكومة الصادق المهدي هي صمتها المطبق على ممارسة الاسترقاق فى مناطق الاحتكاك في بحر الغزال.  فقد صرح السيد ألدو أجو دينج - وزير النقل والواصلات في حكومة الصادق المهدي يومذاك - أن أطفالاً قد اختفوا، أو اُختطفوا، في منطقة بحر الغزال، مسقط رأس الوزير.  بيد أن حديث الوزير لم يُؤخَذ مأخذ الجد.
إنَّ عقدة الهُويَّة والانتماء مشكلة كبرى في السُّودان مثلما في مناطق أُخر في العالم. فقد رافق الانفصام في الهُويَّة الكاتب الأكاديمي الفلسطيني الأمريكي الذائع الصوت إدوارد سعيد من المراهقة حتى بقية حياته.  إذ بعد أن سمته والدته إدوارد تيمناً بولي عهد بريطانيا الذي أُعجبت بشخصيته، والواضح أنَّها لم تعرف شخصية عربيَّة تثير إعجابها إلى هذا الحد وتعتبرها قدوة ممكنة لوليدها، غادرت عائلة سعيد القدس في العام 1947م إلى القاهرة، حيث درس في كلية خاصة بريطانيَّة النظام، كانت تحظر استعمال العربيَّة في البيت، إلاَّ عند مخاطبة الخدم.  فمن ذا الذي لا يدري من هم الخدم الذين أشار إليهم البريطانيون والمستخدِمون العرب إشارة نحسة.  إنَّهم أولئك الذين وصفهم الشاعر أحمد مطر بأسياد الغابة في الماضي وحراس الأبواب بعد أن تقطَّعت جذورهم وتفرَّقت بهم السُّبل كما يتضح في الأبيات التالية:
كنا أسياداً في الماضي
قطعونا من جذورنا
قيَّدونا بالحديد
ثُمَّ أوقفونا خدماً على عتباتهم
هذا حظَّنا من التمدُّن
ليس في الدُّنيا من يفهم حرقة العبيد مثل الأبواب!
ولا نحسب أنَّ أحداً لا يعلم منابع هؤلاء العبيد الأرقاء.  فقد "اصطادوهم" زرافات من تخوم السُّودان في العهد التركي-المصري (1821-1885م)؛ فمنهم من جئ بهم من ممالك دارفور (الداجو والفور والزغاوة والفرتيت)، ومنهم من جُلِبوا من كردفان (مملكتي المسبعات وتقلي)، وطائفة منهم اُستجلِبت من جنوب النيل الأزرق (مناطق الفونج والأنقسنا)، وطائفة أخرى من جنوب السُّودان (الدينكا والنوير والشلك والبونقو والباري والكاكوا).  فلا اندهاش، إذاً، إن انتظم هؤلاء وأولئك في الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في الثمانينيات من القرن الماضي لانتزاع حقوقهم عنوة واقتداراً بعد أن استعصى عليهم الأمر والمجادلة بالتي هي أحسن، فلا تثريب عليهم وليس عليهم منا استهجان.
إضافة إلى تجاوزات حقوق الانسان فى مناطق الحرب، فقد اتصفت الديمقراطية الثالثة بنواقص شتى وفي عدة مناحى، منها الصرف البذخى الذى تم في شكل "تعويضات مالية ضخمة منحها الصَّادق المهدي لأهله (آل المهدي) بلغت في جملتها خمسة وثلاثين مليوناً من الدولارات، في وقت كان أغلب السودانيين يشكون مر الشكوى من ندرة السلع التموينية بل أنَّ تلاميذ المدارس لم يتمكَّنوا من توفير الأدوات المدرسية لبداية العام الدراسي الجديد."  ولا نحسب أنَّ النِّظام "المايوي" قد ألحق ضرراً بآل المهدي وحدهم لا شريك لهم، فقد تضرَّر أُناس كثر، ونخص بالذكر هؤلاء الأنصار من غرب السُّودان الذين زالوا (هاجروا) إلى الحبشة ومن ثَمَّ إلى ليبيا ليعودوا مع العميد محمد نور سعد للاستيلاء على السُّلطة في الخرطوم لصالح الجبهة الوطنية - التي كان الصَّادق المهدي لها رئيساً - لبضع أيام في تموز (يوليو) 1976م، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من انتظر وما بدَّلوا تبديلاً.  وبعد الانتفاضة "الأبريليَّة"، في العام 1985م، لم يُنظر في أمرهم ولا في سبيل تعويضهم، فكانت والدة العميد الراحل محمد نور سعد تتردَّد على مكاتب القيادة العامة في الخرطوم وهي تسعى سعياً حثيثاً للحصول على معاش إبنها الذي أعدمه نميري مع الذين معه بعد فشل المحاولة العسكريَّة.  فما بالهم وبال الآخرين الذي جذَّ نميري رؤوسهم في غير بر!  أليس لهم أقارب يستحقون التعويضات؟
ثم ندلف إلى مناوارت الصَّادق السياسيَّة مع حلفائه السياسيين من الحزب الاتحادي الدِّيمقراطي لنرى ماذا هو بهم فاعل.  فليس بخاف على أحد رفض الصَّادق المهدي ترشيح الدكتور أحمد السيد حمد (اتحادي ديمقراطي) لتولي المقعد الخامس في مجلس رأس الدولة" خلفاً للعضو الإتحادي المستقيل، السيد محمد الحسن عبدالله يسن، بحجة أنه قد تعاون مع جعفر نميري.  لكن والحق يقال فقد انضم الدكتور حمد إلى (حكومة) جعفر نميري بعد المصالحة الوطنية التي تزعمها الصَّادق المهدى نفسه، بل شارك هو شخصياً في وضع ميثاقها في مدينة بورتسودان في العام 1977م وإن يكن قد خرج منها ولعنها بعد ذلك ".(33)  ذلكم هو الصَّادق المهدي الذي زعم أنَّه استقال من وظيفته بوزارة الماليَّة - قسم التخطيط - في العام 1958م كموقف سياسي احتجاجاً على انقلاب الفريق إبراهيم عبود، لأنَّه التحق بوزارة الماليَّة ليخدم في حكومة شرعيَّة.(34)  فمن أين جاءت حكومة المشير جعفر نميري الإنقلابيَّة بالشرعيَّة حتى يخدم الصَّادق المهدي في أعلى أجهزتها التشريعيَّة (الإتحاد الإشتراكي السُّوداني) لا الخدمة المدنية كموظف صغير (Apprentice or novice) في وزارة المالية - قسم التخطيط؟  وإذا كان الأمر متعلقاً بسدنة نظام مايو فلماذا جاء الصادق المهدي بصهره الدكتور حسن الترابي إلى الحكومة وأصبح نائباً لرئيس الوزراء، ووزيراً للخارجيَّة، ووزيراً للعدل، مع علم الجميع أنَّ الترابي كان غارقاً فى نظام نميري حتى قبيل الانتفاضة حيث تقلَّد فيه عدة مناصب.  ليس هذا فحسب، بل أن الترابي كان قد فشل في الحصول على مقعد نيابي في الدائرة 27 (الصحافة) - منافساً للسيد حسن شبو، ممثل الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي -  لدخول الجمعية التأسيسية في الانتخابات التي جرت في العام 1986م، مما يعني أنَّه ملفوظ من قبل الشَّعب السُّوداني.
غير أن اكبر خزلان مُني به الشعب السوداني كان هو الزمن الذي أضاعه السيد رئيس الوزراء، الصادق المهدي، في الكلام والخطب المنبرية حتى تخصَّص نفر من السُّودانيين في احصاء الخطب التي ألقاها السيد الصَّادق المهدي في المناسبات العامة والخاصة.  إذ أضحى، من بعد هذا الزمن الضائع، الوعد الحق فجراً كاذباً.  ويقودنا هذا إلى وصف الشاعر أبو آمنة حامد الفكر السياسي للصَّادق المهدي "بأنه حذلقات رفيعة المضامين تحتاج إلى تفسير ....(وإنَّه) أكاديميات شكسبيرية منتقاة لزعيم أكاديمى فاخر لا يفتأ عن تذكيرنا دائماً بأنَّه مثقَّف".(35)  فمثل الصَّادق المهدي كمثل عالم يريد أن يتفيهق ويظهر كثرة ما وعى من العلم، وفي أولئك الناس يقول الشاعر أبو نواس:
فقل لمن يدِّعي في العلم فلسفة         حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء
ولا نكون قد حدنا عن الصواب إن قلنا إنَّ أكبر فشل لحكومة الصَّادق المهدي تمظهر فى عدم تحقيقه للسلام ووقف نزيف الدم فى الحرب الأهلية.  فبدلاً من أن يشرع الصَّادق في اتخاذ خطوات عملية إزاء المبادرة السلمية المطروحة (كوكادام 26 آذار (مارس) 1986م) التى أجمع عليها معظم القوى المحبة للسَّلام بما فيها حزبه، بدأ الصادق فى مناورات جديدة مقترحاً ميثاق السُّودان. فما هو الجديد الذي أتى به ميثاق السُّودان؟  ميثاق السُّودان - حسب تعريف أولى الأمر - عبارة عن ورقة تصور تحاول تحديد الخطوط العامة لحقوق المواطنة وواجباتها وتتضمن تصورات محددة بشأن القضايا التي تثيرها حركة قرنق وبصفة خاصة الدين والسياسة، الهوية والقومية، المشاركة السياسية، واقتسام السلطة.  ودعت ورقة الميثاق إلى العودة للعمل بأحكام اتفاقية أديس أبابا للعام 1972م التي تمنح الجنوب حكماً ذاتياً حتى ايجاد صيغة نهائية فى المؤتمر الدستورى، كما حددت الورقة معالجات معينة لقضايا إزالة آثار الحرب، وتأهيل المؤسسات الانتاجية والخدماتية والبنيات الاساسية في الجنوب، واستيعاب العناصر التي زعزعها القتال، وأكد ميثاق السودان على التزام موقعيه بالعمل السلمى كأساس لحل المشكلات القومية، والالتزام بالقرار الدِّيمقراطي وإدانة العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسيَّة.(36)
بادىء ذى بدء، إنَّ الحديث عن الحكم الذاتي حديث ذو شجون، وتعميماً للفائدة دعنا نلج فى مدخل توضيحي لماهية الحكم الذاتي.  كلمة الحكم الذاتي "أتونوميا" (Autonomy) أصلها يوناني، ومعناها حكم سياسي لمجموعة من البشر في مجتمع مدني واحد تسن قوانينه دون أي تدخل من عناصر خارجية.  أما تعريف المصطلح اليوم فهو علاقة معينة لجهة سياسية أو اجتماعية أكثر شمولية واتساعاً، على أنَّ المجموعات الدينية والعرقية والمجموعات الثقافية والاقتصادية تحافظ على استقلالية معينة عن السلطة المركزية للحكومة.  وهناك فرق بين حكم ذاتي اقليمي يمنح لمجموعة من الناس يعيشون على أرض معينة، وبين حكم ذاتي شخصي يمنح لأصحاب معتقدات معينة غير متركزين في أقليم معين لبلد ما، ولكنهم موزعون على كل مساحة البلد ومختلفون مع باقي السكان.(37)  وبناءاً على هذا الفرق الجلي قد نضطر - غير باغين - بالمطالبة بحكم ذاتي شخصي لمجموعات النُّوبة والجنوبيين الذين يعيشون في مناطق منعزلة (فيما يُعرف إساءة بالسكن العشوائي) في العاصمة المثلثة، وذلك لحمايتهم من المخاطر والمجازر التي يتعرَّضون إليها في حياتهم اليوميَّة، كما حدث في بورتسودان (أحداث النُّوبة والبني عامر في شباط (فبراير) 1986م) والضعين (مذبحة الدينكا على أيدى الرزيقات في آذار (مارس) 1987م) وغيرها في المدن المختلفة، إضافة إلى أبشع ضروب الاضطهاد والمطاردة والترحيل القسرى (الكشة)، والسخرية واللمز والهمس والتنابز بالألقاب، "يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب إنَّ بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون" (الحجرات 49/11)، وكما تقول الفرنجة: "إضافة الإساءة إلى الأذى (To add insult to injury).  ومن أكثر الأشياء غرابة أن يدعو الميثاق إلى العودة إلى العمل باتفاقية أديس أبابا للعام 1972م، التي تجاوزها الزمن وفقدت مفعولها بسبب عوامل التعرية والعبث بها وفقدان الثقة في أسلوب الشمال في التعامل مع العهود والمواثيق السُّودانيَّة. بيد أنَّ الذي يزيد الأمر غرابة في دعوة ميثاق السُّودان هو ما خبرناه عن رأي أحزاب الجبهة الوطنية (الأمة والاتحادي الديمقراطي والأخوان المسلمين) عن اتفاق أديس أبابا منذ الوهلة الأولى من توقيعه. كانت لديهم آراء واعتراضات حيال الاتفاقية فى المصالحة الوطنية في العام 1977م بين الرئيس حينذاك جعفر نميري والصادق المهدي الذي تزعم بدوره جوقة المعارضة السياسية والعسكرية. وكانت اعتراضاتهم، كما فصلها عبدالسلام الأمين، تتلخص في الآتي:(38)  
قيام ثلاثة أقاليم بدلاً من إقليم واحد.
دستور إسلامي بدلاً من دستور علماني.
الاعتراض على الترتيبات الأمنية التي تمَّ الاتفاق عليها.
أن يكون تعيين رئيس الإقليم الجنوبي حقاً لرئيس الحكومة المركزيَّة، حيث كانت ترمي الاتفاقيَّة لتقوية مركز الإقليم اقتصادياً.
بهذه الشروط، التى استهدفت المرتكزات الجوهرية التى بنيت عليها الاتفاقية، استطاعت أحزاب الجبهة الوطنية تحطيم الاتفاقية بيد نميرى لا بيد قرنق. تلك هي حال الاتفاقية التي نحروها قادة الشمال وتنادوا مصبحين بالعودة إليها.  ثم نتساءل فى عجب: كيف يستطيع الصادق المهدى - الذي أخفق في إزالة آثار مايو - أن يمحو آثار الحرب من دون العمل على وقفها في المقام الأول؟ لا ريب أن التعمير وإعادة التوطين لا يمكن أن تقوم بهما أية حكومة - كائنة ما كانت - قبل أن تضع الحرب أوزارها، وتُخرَج من الأرض ما فيها من الألغام المدفونة حتى يأمن الناس وتسهل الزراعة وتشييد الطرق والكباري والمدارس والمراكز الصحيَّة. فأي حديث عن التعمير وإعادة التوطين من دون االوصول إلى سلام عادل ودائم خبط عشواء من قبل المتفوهين به.                                                                                           
ثم نقفز إلى دارفور لنذكِّر الناس بما كان يدورهناك من اقتتال وتخريب الممتلكات دون أدنى اعتبار من السلطة المركزية. كانت دارفور تعيش في حالة حرب مع قبائلها المختلفة، وأخذ الصراع يتخذ اشكالاً متباينة، تارة باسم النهب المسلح، وثانية باسم الحرب بين "العرب والزرقة"، فى اشارة إلى العناصر العربية ضد العناصر ذات الأصول الأفريقية في المنطقة، وثالثة تدخلاً أجنبياً، ورابعة تخلفاً تنمويَّاُ، وخامسة مزيجاً من كل ما ذُكر.  واستمرت هذه الحالة منذ منتصف السبعينيات وظلَّت القوى السياسيَّة تتعامل معها بروح التراخي وعدم المبالاة، وتارة أخرى بمنظور المصالح الحزبيَّة الضيِّقة مما دفع المشكل أن يكبر وينمو ورجال الأحزاب في غفلة من أمرهم.  على أية حال، عقدت الجمعيَّة التأسيسيَّة جلسة خاصة (رقم 54) في 13 كانون الأول (ديسمبر) 1988م لمناقشة المخاطر الأمنيَّة التي تواجه إقليم دارفور.  وفي تلك الجلسة قدَّم السيد الصَّادق المهدي بياناً عن الوضع الأمني في دارفور ملخِّصاً ذلك في الأتي:(39)
النهب المسلَّح؛ ويشمل النهب المسلَّح الحدودي، والنهب المسلَّح الداخلي، والنَّهب المسلَّح على الطرق الرئيسيَّة والأسواق، والنهب المسلح التشادي (عصابات وافدة وأخرى محليَّة).
تفاقم الوضع الاقتصادي في الإقليم من جراء الجفاف والتصحر.
التدخل الأجنبي.
النزاعات القبليَّة.
ولا نظن أنَّ السُّودانيين يومئذٍ كانوا لا يعرفون أسباب وطبيعة النزاع الدموي في دارفور ليأتي الصَّادق ويصنِّف هذه الأسباب على طريقته الكلاسيكيَّّة (His classical style)، بل كل الذي كانوا يودون حدوثه هو إيقاف الحرب، وبسط الأمن، وتصفية الوجود الأجنبي (الليبي-التشادي) في المنطقة، وتوفير الخدمات الأساسيَّة، وتحسين مستوى المعيشة، وإيقاف التدهور المؤسساتي.  ومما أزعج حلفاء الصَّادق المهدي في الدول الغربيَّة السماح للمتمرِّدين التشاديين - المدعومين من قبل نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا - لشن هجمات على الحكومة التشاديَّة منطلقين من غرب السُّودان، وبالمقابل يقوم العقيد القذَّافي بمساعدة حكومة الصَّادق المهدي في حربها ضد الحركة الشَّعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان.  ومن هنا برز دور البروتوكول اللِّيبي-السُّوداني، الذي كان الرائد يونس - عضو القيادة التأريخيَّة -  له مهندساً من الجانب اللِّيبي.  أيَّاً كانت الأسباب فإنَّ أولى الحزب اهتماماً بدارفور كان ينبغي أن يكون حزب الأمة - حزب الصَّادق المهدي - لما له من علائق تأريخية تعود إلى قيام الثورة المهديَّة في السُّودان (1881-1898م)، وبداية إحياء المهدية الجديدة (Neo-Mahdism) المتمثلة في حزب الأمة، حيث يعتبر الحزب دارفور منطقة نفوذ سياسي وكادر بشري.(40)  ومهما يكن من أمر حزب الأمة ودارفور، فقد اجتمع أعيان القبائل المتناحرة فيما بينهم لإصلاح ذات البين من أجل التعايش السلمي ونبذ العنف. غير أن نتائج هذا الاجتماع أحكمت حلقاتها في عهد حكومة الفريق عمر حسن أحمد البشير، الذي اعتبر هذا العمل باكورة انجازات نظام الانقاذ، وبات يتباهى به.  تلك هي الأحداث المأساوية التي راح ضحيتها آلاف من المواطنين الأبرياء.  والأدهي والأمر أن يتناول الصَّادق المهدي هذه الأحداث تناولاً عابراً حينما كان يتحدث عن اختلافه مع "بعض العناصر من أعضاء (الحزب) الاتحادي الديمقراطي التي سبق أن أعفيت من الحكومة".  وقد ذهب الصادق باخعاً نفسه عليهم حسرات، حيث قال: "وبلغ الأمر بالتيار المعارض أن نظم مسيرة موكب للاحتجاج على بعض الأوضاع في إقليم دارفور...."(41)
وفي خلاصة الجدال، نستطيع أن نقول إنَّ الصَّادق المهدي قد كون ثلاث حكومات طيلة الفترة الديمقراطيَّة الثالثة التي امتدت ثلاث سنوات، وهذه الحكومات هي: حكومة الوحدة الوطنيَّة (1986-1987م)، وكان قوامها حزب الأمة والاتحادي الدِّيمقراطي وبعض أحزاب الجنوب، بينما بقي الحزب الشُّيوعي السُّوداني والجبهة القوميَّة الإسلاميَّة والحزب القومي السُّوداني في المعارضة.  وقد تميِّزت هذه الحكومة بالتوتر الذي أثاره رفض الصَّادق المهدي ترشيح الدكتور أحمد السيد حمد خلفاً لعضو مجلس السيادة المستقيل، السيد محمد الحسن عبدالله يسن، وقضايا الفساد التي أشار إليها - واُثارها - الوزير الإتحادي المستقيل، محمد يوسف أبوحريرة.  أما الحكومة الثانية فقد جاءت تحت مسمى حكومة الوفاق الوطني (1987-1988)، وشاركت فيها كل الأحزاب السياسيَّة عدا الحزب الشُّيوعي السُّوداني الذي جلس في المعارضة، وكان أبرز معالم هذه الحكومة رفض اتفاقية السلام السُّودانية (قرنق-ميرغني) الموقَّعة في أديس أبابا في 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988م، فكان من الطبعى أن تنهار هذه الحكومة لتخلفها حكومة الجبهة الوطنيَّة المتحدة (آذار (مارس) 1989 - حزيران (يونيو) 1989م)، التي جاءت بموجب الميثاق الذي جاء نتيجة مذكرة الجَّيش للحكومة في 20 شباط (فبراير) 1989م. وهكذا نجد أن هذه الحكومة ضمَّت كل القوى السياسيَّة بأجنحتها المختلفة والاتحادات النقابيّةَ الست.  ففي كل هذ الحكومات - مهما تبدِّلت المسميات - كان العامل المشترك هو السيد الصَّادق المهدي، والفشل الذي صحاحب الأداء التَّنفيذي والتشريعي والقضائي.  فأين تركَّز الفشل الأدائي في الحكومة التي كان الصَّادق المهدي رئيساً لوزرائها؟
فشلت حكومة الصَّادق المهدي في إخراج البلاد من عنق الزجاجة سياسيَّاً واقتصاديَّاً، وأخفق الصادق شخصيَّاً في حل الخلافات بين حزبي الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي حول وضع مجلس رأس الدولة، وجهاز الأمن القومي الجديد، ومستقبل الحكومة، وحول بعض توجهات السياسة الخارجيَّة ولا سيَّما العلاقات السُّودانيَّة-المصريَّة.  فبينما كان يرى المصريون ضرورة العمل باتفاقية الدفاع المشترك، كان يرى الصَّادق المهدي على أن تقوم العلاقات السُّودانيَّة-المصريَّة على أسس جديدة حدَّدها "ميثاق الإخاء" ليكون بديلاً "لاتفاقات التكامل"، لكن ميثاق الإخاء هذا لم يحرز شيئاً مذكوراً. كذلك شهد البلاد تأزُّم القضية الاقتصاديَّة وارتفاع تكاليف المعيشة على كاهل المواطن السُّوداني العادي، وتردِّي الوضع الأمني حتى في العاصمة القوميَّة.(42)  إزاء هذا الإخفاق السياسي، علَّقت صحيفة بريطانية عشية انقلاب العميد عمر حسن أحمد البشير "أنَّه ليس هناك أحد آسف أن يرى السيد الصَّادق المهدي مطروداً من السُّلطة.  فكما تمتَّع الصَّادق بالسُّلطة كثيراً، إلاَّ أنَّه لم يستطع استخدامها في شطب قوانين الشريعة.  فقد عجز الصَّادق في اتخاذ القرار سواء فيما يختص بالاستثمار الاقتصادي، أو التعامل مع الحرب الأهلية في السُّودان أو نظافة شوارع الخرطوم.  لم يفلح الصَّادق في انجاز شئ."(43)  فلا نظن أنَّ قائداً يمتلك هذا الوهن السياسي ينبغي أن يحكم السُّودان.  وحين ترك الصَّادق السُّلطة - أو أُجبِر على تركها - بلغت ديون السُّودان الخارجيَّة 12 بليون دولار، فكان السُّودان تقريباً أكبر دولة في العالم مثقلة بالديون.(44)  وكما شمتت صحف بريطانيا العظمى على حكومة الصَّادق المترهلة المخلوعة، لم ترفق بها صحف الولايات المتحدة الأمريكيَّة.  فقد علَّقت صحيفة النيويورك تايمز (New York Times): "أنَّ السُّودان قطر واسع جداً، فربما احتاج إلى تقليمه إلى حجم صغير".  ومضت الصحيفة في وصف حكومة الصَّادق المهدي "بأنَّها حكومة ضعيفة تعاني من الفوضى وتدَّعي أنَّها تمسك بزمام الأمور في منطقة مساحتها تساوي ضعف مساحة ألسكا، ويقطنها 25 مليون شخص، ويتحدَّثون 115 لغة، وبها 42 حزب سياسي."  ومن غير الخوض والولوج فى تفاصيل أخرى، هذه هي لمحات من عيوب الممارسة الديمقراطية فى عهدها الثالث.  ومن المهم بمكان أن نشير هنا إلى خلاصة الكاتب السعودى محمد صلاح الدين، حيث أفصح قائلا: "فللصادق المهدي كزعيم سياسي ورئيس وزراء سجل سياسي عمره أكثر من ثلاثين عاماً لخصته هيئة الإذاعة البريطانية فى كلمتين: الفشل والفساد."(45)
فالصادق المهدي قد لا يكون من الذين يحبون المال حباً جماً، لذلك أراد الصَّادق أن يعمل رئيساً للوزراء دون أجر، مما أثار ثائرة منتقديه الذين قالوا يومئذٍ نريد رئيس وزراء له راتب حتَّى نتمكن من محاسبته إذ هو أخطأ، ولا نبتغي حاكم متطوِّع.  بيد أنَّ الصَّادق المهدي يعشق الجاه والسلطان ويسعى إليهما سعياً حثيثاً منذ وقت باكر ووقتما يفتقدهما، وهذا وجه آخر من أوجه الصَّادق المتعدِّدة.  فقد ظفر الصَّادق بهاتين الحسنيين مرتين، لكن معترك الحياة السياسيَّة في السُّودان وتناقضات الصَّادق نفسه حالتا دون الاحتفاظ بسرابيلهما، فضعف الطالب والمطلوب.  غير أنَّ اجتماع خصلتي الإعراض عن المال وطلب السلطان - وهما نقيضان متنافران- في شخصية الصَّادق قد جعله يغض البصر عن الفساد الذي تصايح به وزيره المستقيل - القاضي محمد يوسف أبو حريرة. فقد سكت الصَّادق عن تهم غليظة في الفساد الحكومي ضد أحد حُوارييه (بضم الحاء).(46)  فالتستُّر على الخطيئة كمرتكبها، وقديماً قالوا الساكت عن الحق شيطان أخرس.
ملحق
بسم الله الرحمن الرحيم
ميثاق الدِّفاع عن الديمقراطيَّة
استلهاماً لإرادة الشَّعب في نضاله المستميت من أجل إرساء دعائم الدِّيمقراطيَّة منذ استقلالنا الوطني (في العام) 1956م، وعبر ملاحم بطولاته لانتزاع حرياته العامة وحقوقه الدِّيمقراطيَّة وتأميناً للمكاسب التي حقَّقتها نضالاته وتضحياته في ثورة تشرين الأول (أكتوبر) المجيدة انتهاءاً بثورة 26 آذار (مارس) 1985م وحرصاً على انتهاج الخيار الدِّيمقراطي كطريقة لحل كافة مشاكل البلاد ومستقبلها وصوناً للمبادئ التي جسَّدها الميثاق الوطني لثورة تشرين الأول (أكتوبر) 1964م، وكذا ميثاق ثورة آذار (مارس) لتظل هادية لمسيرة تطورنا الوطني وتأميناً لإرادة شعبنا في إرساء قواعد الحريَّة والدِّيمقراطيَّة القائمة على التعدديَّة باعتبارها أداة السيادة الشعبيَّة والسبيل الأمثل والوحيد لصيانة وكرامة الإنسان السُّوداني وحقوقه الدِّيمقراطيَّة الأساسيَّة.
وصوناً للدِّيمقراطيَّة من أي اعتداء أو تغول وحتى لا تتكرر مأساة وأد الديمقراطيَّة، واقتناعاً منا بأنَّ الطريق للمجتمع الحر هو نتاج الفرد الحر المتمتع بالحقوق الأساسيَّة والحريات الدِّيمقراطيَّة.  بهذا نعلن التزامنا المطلق بما هو آت:
أولاً: إنَّ الدِّيمقراطيَّة القائمة على تعدد الأحزاب والسيادة الشعبيَّة واستقلال القضاء وسيادة حكم القانون وحقوق الإنسان هو النهج الوحيد الذي نرتضيه أساساً للحكم وهي النظام الذي يحقق كرامة الإنسان ويحفظ حقوقه في المشاركة والحرية والعدل والحقوق التي كفلها له الله ولا يجوز لأحد، كائناً من كان، أن يسلبه إياها.
ثانياً: نرفض رفضاً مطلقاً أي توجه أو موقف يهدف إلى إقامة دكتاتوريَّة عسكريَّة أو مدنيَّة أو يهدف لإجهاض النظام الدِّيمقراطي مهما كانت المبرِّرات.
ثالثاً: إنَّ القوات المسلحة مؤسسة قوميَّة لها شرف الدفاع وحماية وحدة التراب السُّوداني وحماية النظام الدِّيمقراطي وفق القرار السياسي ولا يجوز لأي جهة سياسيَّة أو نقابيَّة أو شعبيَّة أو طائفيَّة أن تنشئ أو تؤيِّد داخلها مراكز قوة أو نفوذ. كما لا يجوز للقوات المسلحة أن تنحاز لأي جهة سياسيَّة أو نقابيَّة أو شعبيَّة أو طائفيَّة.  ولا يجوز لها أن تتصدى للقضايا السياسيَّة كمؤسسة إلا عبر الجهاز التنفيذي الأعلى في الدولة، وهي ملك للشَّعب السُّوداني.
رابعاً: نتعهَّد ونلتزم باتخاذ التدابير اللاَّزمة العاجلة لمقاومة ومقاتلة أي اعتداء على النِّظام الدِّيمقراطي من أي مصدر كان.
خامساً: إنَّ سبيلنا لمقاومة ومقاتلة الاعتداء على النظام الدِّمقراطي هو الإضراب السياسي والعصيان المدني ويتعهَّد كل منا بتنفيذ الإضراب السياسي والعصيان المدني فور الإعتداء على النظام الدِّيمقراطي ويكون الإضراب السياسي والعصيان المدني والمقاطعة معلناً تلقائيَّاً بمجرد إجهاض النظام الدِّيمقراطي.
القوات المسلحة السُّودانيَّة بكل فروعها النظامية هي درع الشَّعب في الدفاع عن والأمن ويلزمها تكوينها بالدفاع عن الخيار الدِّيمقراطي الذي اختاره شعبها، لذلك تلتزم بعدم الامتثال لأي أوامر لا تصدر لها من سلطة شرعيَّة منتخبة.
سادساً: يتعهَّد شعبنا على أن يضع في قائمة أعدائه أية دولة أجنبيَّة تعترف أو تؤيد أو تدعم أي نظام دكتاتوري في بلادنا.
سابعاً: يعلن شعبنا بعدم التزامه مسبقاً بأي ديون أو قروض أومعونات تقدِّمها أية دولة أو مؤسسة مالية لأي نظام دكتاتوري يتسلط على البلاد.
ثامناً: يعلن الشَّعب السُّوداني عدم التزامه بأية معاهدة من أي نوع كان مع النظام الدكتاتوري وتعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً، ولا تترتب عليها أية آثار قانونيَّة.
تاسعاً: نتعهد بأن يتحول التجمع الوطني لإنقاذ البلاد إلى جبهة مقاومة شعبيَّة فور أي اعتداء على الدِّيمقراطيَّة ليقود معركة استعادة الدِّيمقراطيَّة.
والمجد لكفاح الشَّعب السُّوداني
ولخيار الدِّيمقراطيَّة
وعاشت وحدة قوى التجمع الدِّيمقراطي
والموقِّعون على الميثاق:
الحزب الإتحادي الدِّيمقراطي؛
الحزب الإشتراكي الإسلامي؛
حزب الأمة؛
حزب البعث العربي الإشتراكي؛
حزب البعث العربي الإشتراكي - منظَّمة السُّودان؛
تجمع السياسيين الجنوبيين؛
التجمع النقابي؛
حزب سانو؛
الحزب الشُّيوعي السُّوداني؛
الحزب العربي الإشتراكي الناصري؛
حزب العمال والمزارعيين؛
اللجان الثوريَّة؛
منظَّمة العمل الإشتراكي؛
المؤتمر السُّوداني الأفريقي؛
الحزب الوطني الإتحادي؛
اتحاد عام جبال النُّوبة؛
الإتحاد النسائي السُّوداني؛
اللِّواء أ. ح. إبراهيم يوسف عن القوات المسلحة.
الخرطوم
الأحد 4 ربيع الأول 1406 ه
الموافق 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1985م
هوامش وإحالات
(22) صحيفة "الرأي العام"، 18/8/1998م، العدد 367.
(23) صحيفة "الرأي العام"، 8/6/2003م، العدد 2087.
(24) إنَّ الوزير المعني هو الدكتور وولتر كونيجوك، الذي أفضى للكاتب بهذا الحديث في مدينة بيرمنجهام البريطانيَّة في العام 1997م.
(25) Thomas, G, Sudan: Death of a Dream, London, 1990.
في حديثه للمؤلف جراهام توماس، أفضى الدكتور حسن عبدالله الترابي أنَّ الأخوان المسلمون بدأوا يكتسبون نفوذ في عدة مجالات حتى أنهم استطاعوا إنشاء 14 خلية داخل المؤسسة العسكريَّة.
(26) اللجنة القوميَّة للانتخابات، تقرير عن انتخابات الجمعيَّة التأسيسيَّة لعام 1986م - الملف رقم   أ/57/أ/1؛ فتحي الضو محمد، محنة النخبة السُّودانيَّة، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1993م. ل  أخذ حوالي 5,978,000 نتخب في التوجه إلى صناديق الإقتراع للإدلاء بأصواتهم في الفترة من 1/4/1986 إلى 14/4/1986م، وأعلنت النتائج في 16/4/1986م، وقد أُجريت في 260 دائرة وأُجِّلت في 37 دائرة بالإقليم الجنوبي لعدم أمكانية تسجيل ستة آلاف ناخب على الأقل في كل دائرة، وهو الحد الأدنى الذي اعتبرته اللجنة القوميَّة النصاب القانوني ويرجع انعدام أو قلة تسجيل الناخبين إلى توتر وعدم استقرار الأحوال الأمنيَّة في جهات عديدة من الإقليم الجنوبي تحديداً أعالي النيل وبحر الغزال. وهناك دائرتان تأجَّلت فيهما الانتخابات بسبب وفاة أحد المرشحين في كل وهما دائرة "وماقوي لو" وهي الدائرة رقم 9 بمديريَّة شرق الاستوائيَّة ودائرة "واو الغربيَّة" رقم 247 بمديرية غرب بحر الغزال.
(27) مجلة "العربي"، نوفمبر 1993م، العدد 420.
(28) هادي العلوي، من تأريخ التَّعذيب في الإسلام، بيروت، 1987م.
(29) Ahmed, A M and Sorbo, G M, Management of the Crisis in the Sudan, Bergen, 1989.
عقدت ورشة عمل أمبو تحت عنوان (Ambo Workshop on Sudan: Problems and Prospects)، وأصدرت توصيات في بيانها الختامي في المسائل الآتية: الوضع السياسي الماصر، والثورة الوطنيَّة الديمقراطيَّة، ومشاكل التكوين القومي، وشكل السلطة والاقتصاد والمجتمع.
(30) Financial Times, May 1988.
(31) New African, July 1988, No 250.
(32) عشاري محمود وسليمان بلدو، مذبحة الضِّعين والرِّق في السَّودان، الخرطوم، 1987م.
Verney, P, Slavery in Sudan, Sudan Update, London, 1997.
(33) مجلة "الحوادث"، 18/9/1987م.  من الأسماء التي تقدم بها الصَّادق المهدي الدكتور الجزولي دفع الله، ومحمد يوسف مضوي، وميرغني النصري باعتبارهم مستقلين حسب زعم الصَّادق وإن كان لنا شك مريب في زعم الصَّادق.  وفي سؤال عمن تولوا مواقع قياديَّة رفيعة في النظام "المايوي" (الفريق عبدالرحمن محمد الحسن سوار الدهب وزير دفاع نميري ورئيس المجلس العسكري الانتقالي بعد مايو) قال عنهم الصَّادق المهدي: "الحسنات يذهبن السيئات"، وكأنَّ ليس للدكتور حمد حسنات لكي يذهبن سيئاته إذا كانت الخدمة في حكومة نميري من الإثم البواح، وللصَّادق حق منح صكوك الغفران لمن ارتضى له.
(34) مجلة "الرجل"، يناير 2001م، العدد 99.
(35) صحيفة "ظلال"، الجمعة، 7/6/1996م، العدد 14.
(36) مجلة "اليمامة"، 3/2/1988م، العدد 991.
(37) مجلة "المجتمع"، 23/7/1996م، العدد 1209.
(38) صحيفة "الخرطوم"، الأثنين، 24/7/1995م، العدد 943.
(39) صحيفة "الخرطوم"، 25/8/2003م، العدد 3400.
(40) أوفد السيِّد عبدالرحمن المهدي الشيخين مهدي هارون ويعقوب أحمد الهواري العام 1909م إلى غرب السُّودان لإبلاغ الأنصار بإقامته في الجزيرة أبا، حيث وفدت جماعات كثيرة مهَّد لها وسائل العمل في الزراعة ... وأنشأ من أجلها التكايا، وهي محلاَّت ومساكن لإيواء وإطعام الضعفاء الذين لا كفيل لهم لتقديم الزاد والمأوى، وكان قد أوكل أمر الإشراف على هذه التكايا للشيخين محمد يعقوب ومحمد ود السلطان من تاما (صحيفة "الرأي العام"، 29/7/2000م، العدد 1056).
(41) الديمقراطيَّة في السُّودان: عائدة وراجحة، مركز أبحاث ودراسات حزب الأمة، 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1990م.
(42) في العام 1988م أُغتيل الزعيم الشيعي مهدي الحكيم في بهو فندق الهيلتون في الخرطوم الذي جاء إلى السُّودان لحضور المؤتمر العام للجبهة القوميَّة الإسلاميَّة.  لكن التناقض بشأن كيفية مجئ "الحكيم" للسُّودان بات يثير تساؤلات محيرة.  فبينما أصدرت الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة بياناً نفت فيه أن تكون قد دعت "الحكيم" لحضور مؤتمرها العام، أعلن الدكتور عبدالوهاب الحكيم، ابن أخت القتيل ومشاهد الجريمة الذي رافق خاله للخرطوم، أنَّه سافر مع خاله للعاصمة السُّودانيَّة بموجب دعوة رسميَّة من ممثل الجبهة القوميَّة الإسلاميَّة في لندن لحضور المؤتمر، وأنَّ تأشيرات الدخول في جوازيهما تؤكِّد ذلك.
(43) The Daily Telegraph, July 1, 1989; War in Sudan: An Analysis of Conflict, Peace in Sudan Group, London, June 1990.
(44) The Times, July 1, 1989.
(45) مجلة "المجتمع"، 25/2/1997م، العدد 1239.
(46) فالحُوار إلى جانب طلب العلم بفيد الملازمة، كملازمة الناقة أو العجل للأم لكي تمتص اللبن من الضرع، وكما يأخذ المبتدئ في العلم من المعلِّم أو الشيخ.  ومن هنا كان حُوار الشيخ وحُواريو عيسى عليه السَّلام... ولعلَّ الحِوار (بكسر الحاء) قد تطوَّر من ذلك لكثرة الأسئلة والأجوبة بين الطرفين.  وحُوار الصَّادق المهدي المعني في المقال هو السيد مبارك الفاضل المهدي.